من يتحمل مسؤولية تجديد الخطاب الديني؟

من يتحمل مسؤولية تجديد الخطاب الديني؟

مشاهدة

19/12/2021

المستشار عبد الجواد ياسين؛ مفكّر مصري بدأ حياته الفكرية منتمياً إلى المدرسة النصوصية السلفية، التي تتعصب لظاهر النصّ وترفض القراءة الثانية، وتجلّى ذلك في كتابيه: "مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة"، و"تطور الفكر السياسي في مصر خلال القرن التاسع عشر"، إلّا أنّه سرعان ما تجاوزها مفكّكاً نسقها الفكري المغلق، منتقداً أفكارها عن قُرب، معلناً أنّ "المشكلة الكبرى التي ورثناها من السلفية، تكمن في غياب الحرية والعقل"، متجاوزاً تلك البداية إلى مشروعه الفكري الحقيقي، الذي يستكمل به جهود الإصلاحيين، مستفيداً من إلمامه المبكّر بعلوم التراث؛ من فقه وشريعة وتاريخ وعلوم قرآن وعلوم حديث، مضيفاً إليها انفتاحه الفكري على العلوم الحديثة وفلسفات وتنظير المفكرين المعاصرين، ممّا منح مشروعه عُمقاً وسِعة تجعله محطّة لا بدّ من التوقف عندها للتعرّف إلى ما انتهى إليه مسار إصلاح الفكر الإسلامي.

ما يستوقف في مشروع المستشار عبد الجواد ياسين عدم اكتراثه بدعوة تجديد الخطاب الديني

وممّا يستوقف القارئ في مشروع المستشار عبد الجواد ياسين؛ عدم اكتراثه بدعوة تجديد الخطاب الديني، فلا يُعوّل على مبادرات تجديد الفكر الديني المطروحة على الساحة؛ ويرى أنّها لن تُحقق غايتها، ويعزو الفشل المتكرر لتلك المحاولات إلى عدّة عوامل، في مقدمتها ضعف التطور الاجتماعي؛ فالتغيير الديني لا ينتج فعلياً إلا بضغط التطور الاجتماعي، فأيّة مقاربة تجديدية تُطرح قبل اكتمال التطور الاجتماعي تبقى مجرد مقترح نظري يفتقر إلى إقرار؛ فالنظام الديني الذي مرّ، من منظوره، بمرحلتي تأسيس ثمّ مرحلة تجميد لن يُقدم في تلك المرحلة تنازلات طوعية في منطوقه النظري أو على مستوى السلطة، إلا تحت تأثير ضغط التطور الاجتماعي؛ فهي الآلية الوحيدة لإحداث تغيير أو تجديد في النظام الديني.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
ورغم أنّ ثمّة علاقة مركبة تربط النظام الديني بالاجتماعي إلا أنّ تلك العلاقة لم تسلم من تناقضٍ في حالة المسيحية الغربية، ومن توترٍ في المحيط الإسلامي؛ لأنّ الفكر الديني والفعل التديني تمّ تثبيته/ تجميده بمنحه وصف المقدّس، بينما النظام الاجتماعي لا يكفّ عن التغير تبعاً لطبيعة الاجتماع المتطورة وقوانين العالم، ويعزو عبدالجواد ياسين توقف علاقة النظام الاجتماعي بالديني في مجتمعاتنا عند أعتاب التوتر دون أن تتجاوزه إلى تناقض جذري تراكمي لأسباب من أهمّها ضعف وتيرة التطور الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: جناية "أل" في الخطاب الديني
وهنا يُميّز ياسين بوضوح بين تطور اجتماعي حقيقي يدفع إلى التغيير وبين تطور اجتماعي مكذوب تدفع فيه السلطة السياسية إلى التغيير، فلا يُعوّل ياسين على مبادرات التجديد الديني التي تطرحها الدولة بين الحين والآخر؛ فالدولة من منظوره لا تبدو واثقة من قدرتها على اقتحام معضلة التجديد الذي يُوافق مُيولها الحداثية؛ فهي مترددة بين دورها الحداثي ودورها الديني الذي تقمّصته لأسباب وأغراض سياسية، فهي وإن كانت غير مؤمنة به تماماً، إلا أنّها دُفعت إليه دفعاً، تحت الضغوط الأصولية المتفاقمة التي صارت تسحب من الرصيد المعتدل للتدين الشعبي العام، أضف إلى ذلك انشغال الدولة الدائم بمشاكل أخرى ومواقف أكثر تعقيداً.

لا يُعوّل ياسين على أيّ تجديد في البنية الفكرية للحركات الأصولية لعجزها عن التغيير

من جانب آخر؛ يُفنّد ياسين فكرة كثيراً ما تتردد، وهي تحميل المؤسسات الدينية مسؤولية فشل التجديد واتهامها بأنّها العقبة الكؤود في مسار التجديد، فيرى ياسين أنّه لا توجد مؤسسة جامعة لها صفة تمثيل الإسلام؛ حيث تملك صلاحية إقرار تعديلات وتجديدات جوهرية. وأنّ الهيئات التي يُشار إليها بوصف المؤسسة الدينية، إنما هي إشارة مجازية وغير دقيقة؛ ففضلاً عن افتقارها إلى تفويض نصي لتمثيل الديانة، لا تحظى هذه الهيئات بقبول جمعي داخل المحيط الإسلامي، المنقسم أصلاً على المستوى المذهبي والسياسي، فهي واقعياً تعيش تحت ضغوط مزدوجة من قبل الطرح الأصولي والإشعاع الحداثي معاً؛ فالمؤسسات الدينية متهمة من وجهة النظر الأصولية بأنّها جهات متساهلة وخاضعة لأغراض الدولة العلمانية، ومتهمة من وجهة نظر الحداثة بأنّها مؤسسات سلفية جامدة إلى أبعد مدى.

اقرأ أيضاً: إستراتيجيات بناء الخطاب الديني: العدل ومعرفة مراد الله
ولا يُعفي ياسين الهيئات الدينية الرسمية من تناقضٍ، فرغم توافقها المعلن مع التوجه الحداثي للدولة، إلا أنّها تواصل دورها الوصائي حيال أي مقاربة تغيرية داخلية أو خارجية، وتمتنع عن تقديم طرح تجديدي جذري يتجاوز الحلول الفقهية الجزئية، فتُساهم بتمسكها الحرفي بالمدونات المذهبية التي تُمثل كلّ منها نسقاً مغلقاً في ترسيخ حالة الجمود التي يعيشها الفكر الديني، فتتجاهل طروحات تغيير جذرية من قبيل إعادة النظر في طبيعة التشريع الذي يظلّ، من منظور ياسين، فعلاً اجتماعياً، وإن تبنّاه نصّ ديني، فالشريعة، بوصفها قانوناً، متغيرة؛ لأنّ القانون متغير بطبيعة الاجتماع؛ والمتغير ليس من جوهر الدين بما أنّ الدين مطلق.

يرى ياسين أنّه لا توجد مؤسسة جامعة لها صفة تمثيل الإسلام وتملك صلاحية إقرار تعديلات وتجديدات جوهرية

وإن كان الإصلاح في العالم الإسلامي يبدو للوهلة الأولى ميسوراً، لغياب المؤسسة الدينية المركزية، التي لا يتحقق التجديد إلا بإزاحة سيطرتها، على غرار ما حدث مع الكنيسة، مرة بالضغط الاجتماعي، الذي قامت به حركة التجديد البروتستانتي، ثم بالانقلاب الجذري الشامل عند القرن التاسع عشر إلّا أنّ المتأمّل سيجد الأمر أكثر تعقيداً؛ فالدين الإسلامي في مرحلة التأسيس الأول/ الوحي لم يسند إلى هيئة أو فرد صلاحيات بعد النبي المؤسس، لكن ألزم الجميع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما سيُفهم خطأ، وسيتولّد عنه فرق وجماعات، لا سيما في ظلّ التداخل المبكر بين الديني والسياسي في مرحلة التأسيس الثاني/ حقبة التدين التي أُسند فيها للدولة دور مؤسسي كحارسة للدين بعد أن تمّ الربط بين الدين والدولة، وبين الدين والتشريع، فمُنح للفقهاء مهمّة شارحي الشريعة، وصار الفقهاء والدولة/ السلطة يتقاسمان الأدوار التقليدية للمؤسسة الدينية، حتّى بعد أن تراجع دور الدولة الإسلامية الحارسة، ظلّ الفقه يُحافظ على سلطته المعنوية الموروثة، وهي السلطة التي جرى تأميمها لاحقاً، من قبل الدولة الوطنية التي حوّلت الفقهاء إلى هيئات إدارية ملحقة بالجهاز الحكومي، وعادت في إطار عصري مخفَّف إلى تقمّص دور الدولة الحارسة للدين.

اقرأ أيضاً: ما هي أدوات الخطاب الديني في ظل الثورة الصناعية الرابعة؟
أخيراً، لا يُعوّل ياسين على أيّ تجديد في البنية الفكرية للحركات الأصولية؛ فهي تحتفظ بموقف مضطرب عاجز لا يُنتظر منه أيّ تغيير؛ فالتجارب العملية للحركات الأصولية التي وصلت إلى الحكم كشفت عن عدم جدية تلك الحركات في التعاطي مع قضايا الإصلاح الديني، فلم تُقدم الحركة الأصولية ما يُمكن وصفه باجتهاد واضح على المستوى النظري لتجاوز المعضلات الجذرية التي تنطوي عليها مسألة "تطبيق الشريعة" الشعار الأكثر استحواذاً وحضوراً في خطابها، كذلك لم تُقدم اجتهاداً واضحاً على المستوى العملي لمواجهة الصعوبات التفصيلية التي جلبها التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العام، مما يفضح أولوية الغرض السياسي في نموذج الإخوان، وعجلة وغياب الوعي بمعطيات الواقع المتغير في نموذج داعش.

الصفحة الرئيسية