هل كان المفكر المصري فرج فودة ملحداً؟

هل كان المفكر المصري فرج فودة ملحداً؟
7880
عدد القراءات

2019-06-13

ينتسب الكاتب والمفكر المصري الراحل، فرج فودة، إلى طائفة من المثقفين العرب الذين جاهروا بآرائهم المناوئة لعاصفة التفكير الديني بمعناه الشعبوي والسلفي، فلقي حتفه، حتى إنّ أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه؛ لأنه امتلك ناصية الشجاعة في الإعراب عن آرائه، غير عابئ بقوة التكفير المضادة التي أحلّت دمه بزعم أنه "مارق" و"كافر" و"ملحد"، رغم أنه ظل يفكر في دائرة الدين، ودعا إلى جعل الشريعة أداة بناء للإنسان والمستقبل، لا معول هدم للعقل والروح.

هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم؟

كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين. وبسبب آرائه هاجمته جبهة علماء الأزهر، وأصدرت في 1992 بياناً نشرته "جريدة النور" قضى "بكفر" فرج فودة ووجوب قتله.
وفي 8 حزيران (يونيو) 1992 وبينما كان فودة يهمّ بالخروج من مكتبه بشارع "أسما فهمي" بمدينة نصر بالقاهرة، بصحبة ابنه الأصغر وأحد أصدقائه الساعة السادسة و45 دقيقة، جرى اغتياله على يد أفراد من الجماعة الإسلامية، حيث قام شخصان بينهما مُطلق الرصاص من بندقية آلية بقتله فيما كانا يركبان دراجة نارية، فيما أصيب ابنه أحمد وصديقه إصابات طفيفة. أصيب فرج فودة إصابات بالغة في الكبد والأمعاء، وظل بعدها الأطباء يحاولون طوال ست ساعات إنقاذه إلى أن لفظ أنفاسه الأخيرة، ونجح سائق فرج فودة وأمين شرطة متواجد بالمكان في القبض على الجناة.
كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة"

اغتيال بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد
وتبيّن أنّ الجريمة جاءت بفتوى من شيوخ جماعة الجهاد وعلى رأسهم الشيخ عمر عبد الرحمن. وفي شهادة الشيخ محمد الغزالي في أثناء محاكمة القاتل، وصف الغزالي فودة بـ "المرتد" "وأنه "يجب قتله" وأفتى بجواز أن يقوم أفراد الأمة بإقامة الحدود عند تعطيلها، وإن كان هذا افتئاتاً على حق السلطة، ولكن ليس عليه عقوبة، وهذا يعني أنه لا يجوز قتل من قتل فرج فودة، حسب تعبيره.

اقرأ أيضاً: السلفي السابق أسامة عثمان: كتابات فرج فودة حوّلت أفكاري 
أثناء المحاكمة سئل قاتل فرج فودة: 
لماذا اغتلت فرج فودة؟
القاتل: لأنه كافر
ومن أي من كتبه عرفت أنه كافر؟
القاتل: أنا لم أقرأ كتبه
كيف؟
القاتل: أنا لا أقرأ ولا أكتب..!
وفيما يأتي مقتطفات من كتاب فرج فودة "الحقيقة الغائبة":
****
... إنّه من المناسب أن أناقش معك أيّها القارئ مقولة ذكرتها لك ضمن وجهة نظر الدّاعين للتّطبيق الفوري للشريعة، وهي قولهم بأنّ التطبيق (الفوري) للشريعة، سوف يتبعه صلاح (فوري) لمشاكله، وسوف أثبت لك أنّ صلاح المجتمع أو حلّ مشاكله ليس رهناً بالحاكم المسلم الصّالح، وليس أيضاً رهناً بتمسّك المسلمين جميعاً بالعقيدة وصدقهم فيها وفهمهم لها، وليس أيضاً رهناً بتطبيق الشريعة الإسلاميّة نصّاً وروحاً، بل هو رهن بأمور أخرى أذكرها لك في حينها، دليلي في ذلك المنطق وحجّتي في ذلك وقائع التّاريخ، وليس كالمنطق دليل، وليس كالتّاريخ حجّة، وحجّة التّاريخ لديّ مستقاة من أزهى عصور الإسلام عقيدةً وإيماناً، وأقصد به عصر الخلفاء الرّاشدين.

اقرأ أيضاً: سدنة الهيكل يغمدون سيفاً آخر في قلب فرج فودة
أنت أمام ثلاثين عاماً هجريّاً (بالتّحديد تسعة وعشرون عاماً وخمسة أشهر) هي كلّ عمر الخلافة الرّاشدة، بدأت بخلافة أبي بكر (سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيّام) ثمّ خلافة عمر (عشر سنين وستّة أشهر وتسعة عشر يوماً) ثمّ خلافة عثمان (إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وتسعة عشر يوما) ثمّ خلافة علي (أربع سنين وسبعة أشهر).)
وتستطيع أن تذكر بقدر كبير من اليقين أنّ خلافة أبي بكر قد انصرفت خلال العامين والثلاثة أشهر إلى الحرب بين جيشه وبين المرتدّين في الجزيرة العربيّة، وأنّ خلافة علي قد انصرفت خلال الأربعة أعوام والسبعة أشهر إلى الحرب بين جيشه في ناحية وجيوش الخارجين عليه والرافضين لحكمه في ناحية أخرى، بدءاً من عائشة وطلحة والزّبير في موقعة الجمل، وانتهاء بجيش معاوية في معركة صفين ومروراً بعشرات الحروب مع الخوارج عليه من جيشه، وأنّه في العهدين كانت هموم الحرب ومشاغلها أكبر بكثير من هموم الدّولة وإرساء قواعدها.
كان فودة يدعو إلى فصل الدين عن الدولة، ويرى أنّ الدولة المدنية لا شأن لها بالدين

قِصر عهد خلافتي أبي بكر وعمر
أضف إلى ذلك قِصر عهد الخلافتين، حيث لم يتجاوز مجموع سنواتهما ستّ سنوات وعشرة أشهر، ويبقى أمامك عهد عمر وعهد عثمان، حيث يمكن أن تتعرّف فيهما على الإسلام الدّولة في أزهى عصور الإسلام إسلاماً، وأحد العهدين عشر سنين ونصف (عهد عمر)، والثّاني حوالي إثني عشر عاماً (عهد عثمان)، وهي فترة كافية لكلّ من العهدين لكي يقدّم نموذجاً للإسلام الدّولة كما يجب أن تكون، فعمر وعثمان من أقرب الصّحابة إلى قلب الرّسول وفهمه، والإثنان مبشّران بالجنّة، وللأوّل منهما وهو عمر مواقف مشهودة في نصرة الإسلام وإعلاء شأنه، وهي مواقف لا تشهد بها كتب التّاريخ فقط، بل يشهد بها القرآن نفسه، حين تنزّلت بعض آياته تأييداً لرأيه، وهو شرف لا يدانيه شرف، وللثّاني منهما وهو عثمان مواقف إيمان وخير وجود، ويكفيه فخراً أنّه زوج إبنتي الرسول، هذا عن الحاكم في كلّ من العهدين.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أمّا عن المحكومين، فهم صحابة الرسول وأهله وعشيرته لا تحدث واقعة إلاّ تمثل أمامهم للرّسول فيها موقف أو حديث ولا يمرّون بمكان إلاّ وتداعت إلى خيالهم ذكرى حدث به أو قول فيه ولا تغمض أعينهم أمام المنبر إلاّ وتمثّلوا الرّسول عليه قائماً ولا يتراصّون للصّلاة خلف الخليفة إلاّ وتذكّروا الرسول أمامهم إماماً، وهم في قراءتهم للقرآن يعلمون متى نزلت الآية، وأين، ولماذا إن كان هناك سبب للتّنزيل، وبإختصار يعيشون في ظلّ النبوّة ويتأسّون بالرسول عن قرب وحب، هذا عن المحكومين، ولا يبقى إلاّ الشّريعة الإسلاميّة وهي ما لا يشكّ أحد في تطبيقها في كلّ من العهدين.
بل إنّك لا تتزيّد إن أعلنت أنّ هذا العهد أو ذاك، كان أزهى عصور تطبيقها لأنّها لزوم ما يلزم في ضوء ما سبق أن ذكرنا بشأن الحاكم والمحكوم، ومع ذلك فقد كان عهد عمر شيئاً وعهد عثمان شيئاً آخر، فقد ارتفع عمر بنفسه وبالمسلمين إلى أصول العقيدة وجوهرها، فسعد المسلمون به، وصلح حال الدّولة على يديه، وترك لمن يليه منهجاً لا يختلف أحد حوله، ولا نتمثّل صلاح الحكم وهيبة الحاكم إلاّ إذا استشهدنا به، بينما قاد عثمان المسلمين إلى الاختلاف عليه، ودفع أهل الحلّ والعقد إلى الإجماع على الخلاص منه، إمّا عزلاً .. أو قتلاً !
(...)

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
وعلى الرّغم من أنّ عمر وعثمان قد ماتا مقتولين، إلا أنّ عمر قد قتل على يد غلام من أصل مجوسي، وترك قتله غصّة في نفوس المسلمين، وأثار في نفوسهم جميعاً الرّوع والهلع لفقد عظيم الأمّة، ورجلها الذي لا يعوّض، بينما على العكس من ذلك تماماً، ما حدث لعثمان عند مقتله، فقد قتل على يد المسلمين الثّائرين المحاصرين لمنزله وبإجماع منهم، وقد تتصوّر أنّ قتلة عثمان قد أشفوا غليلهم بمصرعه على أيديهم، وانتهت عداوتهم له بموته، لكن كتب التّاريخ تحدّثنا برواية غريبة ليس لها نظير سابق أو لاحق، وإن كانت لها دلالة لا تخفى على أريب.
(...)
أتباعه يصفونه بـ"شهيد الكلمة" وهو وصف يستحقه

كيف يتحقق العدل؟
وهنا نصل سويّاً أنّ العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم، ولا يسود لا بصلاح الرعيّة، ولا يتأتّى بتطبيق الشّريعة، وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)، وأقصد به الضّوابط التي تحاسب الحاكم إن أخطأ، وتمنعه إن تجاوز، وتعزله إن خرج على صالح الجماعة أو أساء لمصالحها، وقد تكون هذه الضّوابط داخليّة، تنبع من ضمير الحاكم ووجدانه، كما حدث في عهد عمر، وهذا نادر الحدوث، لكنّ ذلك ليس قاعدة ولا يجوز الرّكون إليه، والأصحّ أن تكون مقنّنة ومنظّمة.

اقرأ أيضاً: كيف توصل طه حسين إلى أنّ الشعر الجاهلي منحول؟
فقد واجه قادة المسلمين عثمان بخروجه على قواعد العدل بل وأحياناً بخروجه على صحيح جوهر الإسلام، فلم يغيّر من سياسته شيئاً، وبحثوا فيما لديهم من سوابق حكم فلم تسعفهم سابقة، ومن قواعد تسيير أمور الدّولة فلم يجدوا قاعدة، واشتدّ عليهم الأمر فحاصروه وطلبوا منه أن يعتزل، ولأنّ قاعدة ما في الأمر لم تكن موجودة، فقد أجابهم بقوله الشّهير: والله لا أنزع ثوباً سربلنيه الله (أي ألبسنيه الله)، وحين اقترب الأمر من نهايته، وأصبح قاب قوسين أو أدنى من ملاقاة حتفه على يد رعيّته، أرسلوا إليه عرضاً فيه من المنطق الكثير ومن الصّواب ما لا يختلف عليه.
فقد خيّروه بين ثلاث:
إمّا الإقادة منه (أي أن يعاقب على أخطائه شأنه شأن أيّ مسلم يخطئ) ويستمرّ بعدها خليفةً، بعد إدراكه أنّه لا خطأ دون عقاب.
وإمّا أن يتبرّأ من الإمارة (أي أن يعتزل الخلافة بإرادته).

العدل لا يتحقّق بصلاح الحاكم ولا يسود بصلاح الرعيّة وإنّما يتحقّق بوجود ما يمكن أن نسمّيه (نظام حكم)

وإمّا أن يرسلوا الأجناد وأهل المدينة لكي يتبرّأوا من طاعته (أي أن يعتزل الخلافة بإرادة الرعيّة).
فكان ردّه كما ورد في رسالته الأخيرة كما انتسخها بن سهيل (وهم يخيّرونني إحدى ثلاث إمّا يقيدونني بكل بجل أصبته خطأ صواباً غير متروك منه شيء، وإمّا أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإمّا يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من الذي جعل الله سبحانه لي عليهم من السّمع والطّاعة، فقلت لهم أمّا إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقدمن أحد منهم وقد علمت إنّما يريدون نفسي، وأمّا أن أتبرأ من الإمارة فإن يكلبوني أحبّ إليّ من أن أتبرّأ من عمل الله عزّ وجلّ وخلافته، وإمّا قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرّأون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتكم من قبل على السّمع والطاعة ولكن أتوها طائعين).

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
هنا يوضّح عثمان أنّ مراجعة الخليفة على الخطأ لم تكن واردة فيمن سبقه من الخلفاء (أبو بكر وعمر) أو على الأقلّ ليس لها قاعدة، وهنا أيضاً يعلن بلا مواربة أنّه مصرّ على تمسّكه بالحكم حتى النّهاية وأنّ اعتزاله غير وارد، وهنا أيضاً يواجه الدّعوة إلى سحب البيعة بمنطق غريب مضمونه، وهل كنت أكرهتكم حين بايعتم؟ وكأنّ البيعة أبديّة ولا مجال لسحبها أو النّكوص عنها.
لا قاعدة إذن، ولا نظام للرّقابة، والأمر كلّه موكول لضمير الحاكم إن عدل وزهد كان عمر، وإن لم يعدل ويمسك بالحكم كان عثمان.

خلافة مؤبّدة
لقد أعلن عثمان أنّ نظام الحكم الإسلامي (من وجهة نظره) يستند إلى القواعد الآتية:
لا مراجعة للحاكم ولا حساب ولا عقاب إن أخطأ. لا يجوز للرعيّة أن تنزع البيعة منه أو تعزله، ومجرد مبايعتها له مرة واحدة، تعتبر مبايعة أبدية لا يجوز لأصحابها سحبها وإن رجعوا عنها أو طالبوا المبايع بالاعتزال.
ولأنّ أحداً لا يقرّ ولا يتصوّر أن تكون هذه هي مبادئ الحكم في الإسلام، قتله المسلمون، لكنّ السؤال يظلّ حائراً، ومضمونه، هل هناك قاعدة بديلة؟ أو نظام حكم واضح المعالم في الإسلام؟
هل هناك قاعدة في القرآن والسنة تحدد كيف يبايع المسلمون حاكمهم، وتضع ميقاتاً لتجديد البيعة، وتحدد أسلوباً لعزل الحاكم بواسطة الرعية، وتثبت للرعية حقها في سحب البيعة كما تثبت لها حقها في إعلانها، وتعطي المحكومين الحق في حساب الحاكم وعقابه على أخطائه، وتنظم ممارستهم لهذا الحق؟

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

كيف يكون الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله؟

2020-02-10

في كتابه "مشكلة الحرية"، يرى المفكر المصري زكريا إبراهيم أنّ الحرية، بمفهومها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره، أو استطاعة اختيار ضده.

كيف نتحدث عن عالم حر في وقت لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان؟

مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أي ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.
وتعددت آراء الفلسفة في الحرية منذ فجر التفكير الإنساني، وما زالت تحتل مكانة محورية في التاريخ الحديث والمعاصر وشغلت الكثير من أقلام الفكر السياسي والأدب والشعر والفلسفة لدى مختلف شعوب الأرض ولو بنسب متفاوتة، وبمضامين وخلفيات اجتماعية وثقافية وبظروف تاريخية مختلفة، كما يقول الباحث فارس أبي صعب، مدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية، في دراسته المنشورة على الموقع الإلكتروني للمركز.
غلاف كتاب "مشكلة الحرية" للمفكر المصري زكريا إبراهيم

خطوات في الفكر الإنساني التحرري
وعلى الرغم من أنّ الحضارة البشرية قد حققت في القرون الثلاثة الأخيرة في بعض مناطق العالم خطوات عظيمة على مستوى الفكر الإنساني التحرري الذي ما لبث أن فرض نفسه في العلاقات الاجتماعية وإعادة إنتاج صورة جديدة للإنسان الفرد عن نفسه، وبالتالي على مستوى البنية السياسية وعلى مستوى نماذج الحكم، فإنّ هذه الحضارة شهدت في الفترة نفسها أبشع أنواع السحق لحريات الكثير من الشعوب؛ ففي الوقت الذي كانت أفكار جان جاك روسو تضيء مشاعل الحرية في الثورة الفرنسية كانت أفكار "الحرية" نفسها تسحق شعوباً وحضارات متعددة في معظم مناطق العالم وتبني على أنقاضها المستعمرات، وتصطاد البشر في أفريقيا وترسل من تبقى حيّاً منهم بالأقفاص، لكي يُحوّلوا إلى عبيد لدى أسياد الأرض الجديدة في شمال القارة الأمريكية التي أبيد الملايين من أبناء شعبها الأصلي، ودائماً باسم الحرية، بحسب أبي صعب.
حرية العقل
ولكن ما المرتكزات المشتركة التي تعطي الحرية بعدها الإنساني؟

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
تجيب الدراسة بأنّ أول هذه المرتكزات هو حرية العقل، بوصفه أداة للتفكير الذي تميز به الإنسان من سائر الكائنات الحية، هو مصدر إنسانية هذا الإنسان. فالإنسان يحقق إنسانيته ويكملها إذاً بقدر ما يفتح أمام عقله آفاق التفكير غير المقيد وغير المحدود. ولكي يأخذ هذا العقل مداه يجب أن يتحرر من جملة قيود؛ فهو يجب أن يتحرر من الإيمانية. فإيمان العقل بنصوص جاهزة وبمقولات وأفكار راسخة بوصفها حقائق مطلقة ممنوع الشك فيها، يحد من عقلانية العقل ويضعف قدرته على التفكير وعلى البحث عن الحقيقة، وبالتالي على إدراك الظواهر. وهذا التحرر من إيمانية العقل هو الذي يعيد الوصل بين العقل والدين، ويشق الطريق أمام الاجتهاد، ويسمح للفكر الديني بالتجدد، في نظر أبي صعب.

يتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

لكن العقل الإيماني هذا لا يقتصر على الفكر الديني وحسب، بل يشمل الفكر العلماني أيضاً، إذ إنّ الإيمانية تقع في ذلك المستوى من العقل المسؤول عن طريقة التفكير بموضوع ما وليس عن عملية التفكير في حد ذاتها، لذلك نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً، فيؤمنون بالنصوص العقيدية والأيديولوجية التي يعتنقونها على نحو يعيق العقل لديهم من استخدام قدراته لإدراك مدى نسبية الحقيقة التي تحملها هذه النصوص، أو مدى محدودية النظرة أو مدى خصوصية الزاوية التي ترى الأمور من خلالها، أو على الأقل مدى تجاوز الواقع التاريخي لهذه النصوص التي تكون قد مضى على وضعها عشرات السنين أو مئات السنين أو آلاف السنين، وتكون هذه النصوص قد وضعت أصلاً لتجيب عن تساؤلات أو لتعالج قضايا كان المجتمع يشهدها في العصور التي وضعت النصوص فيها، الأمر الذي يسقط العقل الإيماني هذا في فخ اللاتاريخية.
كي يتحرر العقل يجب أن تُحطم الأصنام الموجودة فيه

تحطيم أصنام العقل
ولكي يتحرر هذا العقل، يجب أن يحطم الأصنام الموجودة فيه، فبنية الإنسان العقلية كثيراً ما ترتكز على منظومة معايير ثقافية تستمد بعض جوانبها من مجموعة قيم ومقولات ومفاهيم وأقوال وأمثلة ومثل، متوارثة أو مكتسبة حديثاً، يعتمدها العقل كأدوات قياس، فيغدو العقل أسير أحكام مستَمدّة من ارتكازه على تلك المنظومة القيمية التي تمثل حالة صنمية تحكم العقل بمجموعة مقدسات ومحرّمات جامدة خارج إطار حركة التاريخ وما تحمله من تحولات في البنى الاجتماعية والثقافية.

اقرأ أيضاً: كيف مثّلت أهم 5 ثورات في التاريخ فكرة الحرية؟

وحرية هذا العقل تتطلب كذلك تحريره من القَدَريَّة التي تدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز حيال إمكان تغيير السلطة. وتستغل السلطة هذه البنية القدرية في عقل الإنسان، فتمارس عليه لعبة استعراض القوة على نحو يزيد شعوره بالعجز عن إمكان إحداث أي تغيير فيها، فتغدو هذه القدرية ذريعة لتأبيد النظام أو لاستبداد السلطة.
والنظام الرأسمالي، كما تتابع الدراسة، يؤسس بدوره للفكر القَدَري، بهدف إبعاد الشعب والدولة عن التدخل في مصالح قواه. فالسوق لا تحتاج إلى راعٍ يديرها أو رأس يخطط لها وينظمها من خارجها، لأن السوق لها إلهها الذي يرعاها، وهي لها قدرها الذي لا يجوز أن يعاند أحد مشيئته، وبالتالي لا يجوز لطرف آخر كالدولة أن تتدخل في شؤون هذه السوق.

اقرأ أيضاً: هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن
ولكي يتحرر العقل، على الإنسان أن يتحرر من مناهج التعليم ومن أنماط التربية المدرسية والأسرية ومن برامج الإعلام التي تقوم جميعها على المنحى التلقيني الإملائي. وهو منحى يؤسس عقلاً استسلامياً لدى الإنسان، خاضعاً للأمر الواقع، مقفلة أمامه آفاق رؤية الأمور بطريقة مختلفة.
لكي يكون العقل حراً يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص

ثنائية الخوف والإغراء
ويتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً

ولكي يكون العقل حراً، يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص. وعلى الرغم من أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة في مسيرة العقل البشري، فإننا نلحظ اليوم تعميماً متسارعاً ومقصوداً لها من جانب بعض المدارس البحثية الإمبيريقية في العلوم الإنسانية التي تركز على وقائعية الظاهرة وعلى نصية النص، وتبني نظامها المعرفي انطلاقاً من تلك الوقائعية أو تلك النصية، واضعة أمام العقل حدوداً تحول دون استخدام إمكاناته المعرفية والمنهجية التي تتيح له النفاذ إلى معنى النص بدلاً من التوقف عند حدود شكله، أو تتيح له فهم بنية الظاهرة وشروطها الزمكانية بدلاً من التوقف عند حدودها التعبيرية، الأمر الذي ينعكس على البنية الثقافية، التي يدخل العقل معها في دائرة مغلقة تساهم في جعل كل منهما يعيد إنتاج الآخر، وجعل هذه البنية أسيرة النظرة الشكلانية للبنية الفوقية للمجتمع في مختلف مستوياتها المتمثلة في الدين والحداثة والتراث ونظام القيم والتقليد والتجديد.
التحرر من الفقر والجهل والمرض
ويرى الباحث بأنه إذا كان تحقيق الحرية مشروطاً بمدى تحرر الإنسان من الفقر والجوع والمرض والجهل والأمية والخوف من المستقبل فلا يبدو أنّ هذين النموذجين السائدين على مستوى الدولة الوطنية وعلى مستوى النظام العالمي، يوفران حقاً شروط الحرية للإنسان بوجه عام، فالتفاوت في توفير هذه الشروط واسع جداً بين إنسان وآخر وبين شرط وآخر.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
فكيف، يتساءل أبي صعب، نتحدث عن عالم حر في الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان في حياتهم، وفي الوقت الذي لا يزال متوسط الدخل في بلدان جنوب العالم لا يتعدى نسبة 7 في المئة من متوسط الدخل في بلدان الشمال، وفي الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من مليار ونصف المليار من البشر يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، في حين لا يزال أكثر من 820 مليون إنسان جياعاً لا يحصلون على ما يكفيهم من طعام. وفي الوقت الذي لا يزال يوجد أكثر من 750 مليون إنسان أميين، وأكثر من 100 مليون إنسان مشردين بلا مأوى، وأكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعيشون في مساكن غير مناسبة؟!

للمشاركة:

جذور الإسلام السياسي: الانتقال من النهضة إلى التعنّت

2020-02-03

شهدت نهاية القرن التاسع عشر تزاحماً فكرياً مهماً، شكّله العديد من المفكرين العرب الطامحين بالإصلاح والتغيير، كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وغيرهم، حاملين رؤى عديدة حول إمكانيات النهوض العربي والإسلامي، ما تزال مثار جدلٍ إلى اليوم، بعد أن أنتجت تيارات مختلفة، انبثقت عنها العديد من التجارب الفردية والجماعية خلال القرن العشرين، منها السلفي ومنها السياسي؛ كتجربة جماعة الإخوان المسلمين، وتيار آخر تحديثي، إذ خاضت جميعها صراعات ضدّ بعضها أكثر مما خاضت الطريق الذي افترضته كلّ منها نحو التقدم.

 

فجر النهضة
يعدّ جمال الدين الأفغاني إحيائياً رائداً، اكتسب شهرته الواسعة كونه صاحب أول نظرةٍ تحديثية أراد بها تجديد حقّ الأمة الإسلامية بالقوة والاستقلال والتطور، من خلال توحيدها دينياً (إسلامياً)، في مواجهة القوى الاستعمارية؛ إذ رأى في حينه أنّ الأمة العربية لن تحيا أو تنهض إلا بدوافع خاصة تفصلها عن سلطة الاحتلال وقوته التفكيكية، المؤثرة في الثقافة والسياسة والمجتمع، ومن أجل ذلك، لجأ الأفغاني إلى ما عده مخزوناً موجوداً في الشعوب العربية الإسلامية، وأدواته حاضرة في المؤسسات الدينية، كالأزهر مثلاً، وهو الإسلام.

بقدوم الاستعمار اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية

ذلك إضافة إلى قلق الأفغاني من أصحاب القطيعة، المبهورين، بحسب رأيه، بالنظرة الخلدونية للمهزومين، والتي تتمحور حول انبهار المهزوم بالمنتصر، مما يجعله يقلده في أدواته الحضارية والفكرية، بالتالي، حصول قطيعةٍ معرفية (مع الماضي والتراث)، مما سيؤدي إلى قطيعة عملية لاحقاً، تتعارض مع فكر الأفغاني القائم على أنّ الوحدة الإسلامية تعني مركزية عربية، تضمن تطور العالم العربي في إطاره الخاص؛ حيث يتضح من هذا كلّهِ أنّ لدى الأفغاني نزعة عروبية ما، أساسها الدين.
مشروع الأفغاني هذا، الذي لم يتحقق بالتأكيد، قابلته مشروعات أخرى تالية، مثل مشروع محمد عبده؛ الذي رأى أنّ "الإصلاح الإسلامي والنهضة العربية يرتبطان بما هو أبعد من الدوافع الذاتية؛ حيث يحتاج المسلمون إلى مواكبة روح العصر، فدعا إلى التركيز على المناهج العملية، الفكرية منها والفلسفية، وكذلك العلمية والعملية"، وفق تقرير "الشرق الأوسط" عنه، عام 2018.

مشروعات الأفغاني وعبده وظِّفت لاحقاً لتتحول إلى أدوات تراجع لا تقدم

انبثقت بعد عبده والأفغاني أنوية لمشاريع إصلاحية ونهضوية متنوعة، تأثرت في واقع الحال بالوقائع السياسية والاستعمارية والثقافية التي سادت منذ مطلع القرن العشرين، فعمّت الأيديولوجيات الحياة الفكرية العربية، وكذلك الرؤى التراثية والسلفية والعلمية وغيرها، من التي حملها أشخاص مختلفون، بدءاً بطه حسين وميشيل عفلق وحسن البنا، وليس انتهاء بمحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي.  وفي هذا السياق؛ يرى الباحث وأستاذ الفكر والفلسفة في جامعة فيلادلفيا الأردنية، د. زهير توفيق؛ أنّ "المشاريع النهضوية الآنفة الذكر، بغضّ النظر عن اختلافها، ورأي الكثيرين فيها، فإنّها فشلت، وقد أسفر فشلها عن فشلٍ آخر في تشخيص أسباب هذا التراجع والفشل".

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
ويضيف في كتابه "النهضة المهدورة"، الصادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، عام 2017: "الخطاب النهضوي نفسه يحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الفشل، في تركيبته وتجربته التاريخية الذاتية، قبل التدخل الخارجي، وقبل الشروط الموضوعية للتقدم والتأخر"، فما الذي حدث أولاً للمشاريع النهضوية الإسلامية؟ وكيف ذابت في بحر الإسلام السياسي؟

الأفول المحتّم
يضرب توفيق أمثلة عديدة حول قيام تيارات عديدة، إصلاحية ونهضوية، بالسقوط في فخّ التراجع أو التصلب، بدلاً من التقدم، وهو يعرج في كتابه على فشل مشروعات الشيوعيين والقوميين اليساريين، وسواهم، أما فيما يتعلّق بنموذج الإسلام السياسي، فهو يتحدث عن "اكتشاف العرب لذاتهم كعرب، مع نهايات القرن التاسع عشر، وقدوم الاستعمار، فقد اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية والقطرية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية ضدّ العرب والمسلمين"؛ لذلك تمّ توظيف المشروعات القائمة في تلك الفترة وما بعدها مباشرة، كمشاريع محمد عبده والأفغاني وغيرهما، في محاولة إثبات أنّه لا يمكن الإصلاح، حتى مع الأخذ بروح العصر، إلا من خلال الإسلام.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده

ولا يمكن، فعلياً، اعتبار هذه الرؤية سيئة أو خطيرة إن كانت تودّ الحفاظ على روح الإسلام والثقافة العربية الدينية واللغوية ...إلخ، إلا أنّ هذه الرؤية لم تستثمر في هذا السياق أو تكتفي به، بل عملت على توظيف كلّ المشاريع الإسلامية النهضوية لصالح فكرةٍ واحدة، مفادها أنّ الحضارة لا تبنى مادياً، بل روحياً فقط، وأنّ العالم والأمم الأخرى لها مقياس واحد، وهو إسلامها من عدمه، وبذلك تكون خيرة، أو تكون آخراً شريراً أو كافراً مثلاً. وبالتالي فإنّ صراعاً حتمياً، يجب أن يقوم ولن تكون هناك نهضة، إلا من خلال معارك صفرية، تؤدي إلى موت طرف وبقاء طرفٍ آخر.

برمجة الإيمان في مشاريع الإسلام السياسي على تقوقع روح وقيم الإيمان الفطري

هذه العقلية يقول عنها الكاتب والباحث، طارق عصمان، في دراسته المنشورة على موقع "CAIRO REVIEW"، عام 2015؛ أنّها تسبّبت لاحقاً بظهور جذور "التعنّت في مشروع الإسلام السياسي"، ومن أجل التوضيح، ليس ظهور جماعة الإخوان المسلمون سبباً في هذا التعنت، بل تحويرها للأفكار النخبوية الإصلاحية بمختلف مشاربها، أثناء محاولة جعلها جماهيرية أو شعبية، هو ما أسهم في ظهور هذا التصلّب الذي أصبح تاريخياً بعد ذلك، وأنتج حوادث كثيرة مؤلمة في مسيرة العالم العربي بعد حين.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ويشير عصمان إلى هذا الموضوع بقوله: "تحتل الجماعات الإسلامية الأشدّ عنفاً صدارة المشهد الآن؛ فالتنظيمات الجهادية في العراق وسوريا سيطرت على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية، إنَّهم يحاولون إحياء دولة تنتمي إلى القرن السابع الميلادي، بينما نحن نعيش في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويحاولون ذلك دون الملامح الأخلاقية والتاريخية والثقافية، التي جعلت الدولة التي تحاول تلك التنظيمات إحياءها بذرة لحضارة غنية يمكن أن تتطور وتبقى".

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
ويعلق عصمان بأنّ كثيراً من الكتّاب والمفكرين يرون في هذا الأمر ظاهرةً غريبة نوعاً ما، إلا أنّ "آخرين، يرونها نتيجة حتمية لعقود من الخمول والتدنّي الفكري، وفشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، خصوصاً في المنطقة العربية، وقد فشلت الأحزاب والمؤسسات الإسلامية مع غيرها في كلّ هذا التراجع والخمول"؛ فهي موجودة منذ عقود، وقدمت مشاريعها الإصلاحية والنهضوية على طريقتها، وحتى حين استلمت السلطة فترات غير طويلة، بعد الربيع العربي. لم تعمل حالاً على إثبات قدراتها في تبني روح التطور والتعددية والتغيير.

المشروع الإسلامي الإصلاحي تمّ تحويره ليصبح مشروعاً متعنتاً يتبناه إسلام سياسي حاول كسب الجماهيرية بمحاربة الحداثة

ويرى الكاتب؛ أنّ السبب يعود إلى تحوير (الإسلام السياسي) ليكون عنواناً للصراع بين الإيمان والحداثة، رغم أنّ ذلك ليس هو لبّ مشكلة النهضة، فالتطور لن يهدم الإيمان ولا الديانات، والنهضة ليست نموذجاً يعني التحول من فكرة بناء الدولة إلى فكرة السيطرة عليها أو هدمها ونعتها بالكافرة أو غير المؤمنة، وبالتالي تدمير أيّ أسسٍ للتقدم والمنافسة الشريفة بين التيارات المختلفة على بناء الدولة، كما أنّ هذا الخطاب يعزز علاقة السلطة بالدين، لتبنيه وفق مصالحها، ولا لوم إذاً، كما يقول جان جاك روسو "على دولةٍ تتحكم بالدين حتى تسيطر على المتدينين، الذين يحاربون من يظنون أنّهم غير متدينين".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
وبالتالي؛ يتم إفراغ التدين من مهامه الأخلاقية والفكرية، وقيمه المتعلقة بالإنسانية والمحبة، والدعوة لفهم العالم وتدبّره، كما يذكر القرآن الكريم، وهذا نفي للنهضة الموجودة في الدين، قبل نفي النهضة البشرية في حتميتها العلمية والطبيعية، مما يعني أنّ جذور الإسلام السياسي الإصلاحية، فقدت بوصلتها منذ زمنٍ طويل، وأصبح الإقصاء والسيطرة والتفضيل بين فردٍ وآخر وأمةٍ وأخرى، على أسسٍ تحدّدها جماعات بعينها دون أخرى، وهو مشروعها الوحيد، المتعنّت الذي لا يقود إلى نهضة عربية إسلامية بطبيعة الحال.

للمشاركة:



إيران على القائمة السوداء لـ "FATF"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

أدرجت وكالة رقابية دولية متخصصة في مكافحة الأموال القذرة، أمس، إيران على قائمتها السوداء، بعد أن أخفقت الأخيرة في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة تمويل الإرهاب.

وجاء قرار وكالة مجموعة العمل المالي الفرنسية  "FATF"، ومقرها باريس، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها لحثّ طهران على سنّ قوانين ضدّ تمويل الإرهاب، وفق وكالة "رويترز" للأنباء.

مجموعة العمل المالي الفرنسية: طهران أخفقت في الالتزام بالقواعد الدولية لمكافحة الإرهاب

وأعادت المجموعة فرض كلّ العقوبات على إيران، معتبرة أنّها لم تتخذ الإجراءات المنتظرة ضدّ غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وقالت المجموعة المالية، في بيان: "نظراً لعدم تطبيق اتفاقية باليرمو لمكافحة الإجرام المنظم العابر للحدود طبقاً لمعاييرنا، قررت الهيئة إلغاء تعليق كل العقوبات، وتدعو الدول الأعضاء إلى تطبيقها بفاعلية".

وكانت هذه العقوبات قد علِّقت موقتاً، عام 2016، لمنح إيران الوقت للامتثال للمعايير الدولية.

تصنيف إيران سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع دول أوروبية

وأكدت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير لها اليوم؛ أنّ قرار مجموعة العمل المالي الدولي "FATF" جاء بعد أكثر من ثلاثة أعوام من التحذيرات التي وجهتها مجموعة العمل المالي،  لحثّ طهران على سن قوانين ضد تمويل الإرهاب.

إلى ذلك، ذكرت الصحيفة الأمريكية، أنّ إدراج إيران في القائمة السوداء سيعيق خططها الرامية إلى تجنب العقوبات الأمريكية من خلال التعامل مع الدول الأوروبية.

وكانت فرنسا وبريطانيا وألمانيا قد أعلنت سابقاً أنّها ستواصل التعامل مع إيران، في حال نجحت البلاد في إخراج نفسها من القائمة السوداء "FATF".

 

للمشاركة:

أردوغان يعترف.. ماذا سيكون موقف المجتمع الدولي؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب الميليشيات الداعمة لحكومة السراج في طرابلس.

وقال أردوغان للصحفيين في إسطنبول: "تركيا متواجدة هناك عبر قوّة تجري عمليات تدريب، وهناك كذلك أفراد من الجيش الوطني السوري"، في إشارة إلى المرتزقة الذين كان يطلق عليهم سابقاً اسم "الجيش السوري الحر".

وازدادت التدخلات الخارجية في شؤون ليبيا، وإرسال الأسلحة ومقاتلين أجانب، منذ انعقاد مؤتمر برلين الدولي، في 19 كانون الثاني (يناير)، فيما تسعى الأمم المتحدة إلى استصدار قرار بالخصوص وسط صعوبات التوافق حوله.

وكان مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا، غسان سلامة، قد أعرب في كلمة توجه بها إلى مجلس الأمن الدولي عن "بالغ الغضب وخيبة الأمل إزاء مسار تطور الأوضاع منذ انعقاد المؤتمر في ألمانيا، بحضور زعماء روسيا وتركيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا ووزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو".

أردوغان يعترف، للمرة الأولى، بنشر بلاده مرتزقة سوريين يقاتلون إلى جانب ميليشيات حكومة السراج

وتُتَّهم تركيا بإرسال آلاف المقاتلين السوريين الموالين لها إلى ليبيا لدعم حكومة فائز السراج، لمواجهة الجيش الليبي، الذي يقوده المشير خليفة حفتر، الذي يسيطر على ثلاثة أرباع الأراضي الليبية.

وكشفت تقارير؛ أنّ عدد المرتزقة الذين أرسلتهم تركيا إلى ليبيا، أو تستعد لإرسالهم إلى هناك، في ارتفاع مستمر، وهو دليل واضح على تمسك أنقرة بمواصلة نهجها في تصعيد التوتر في ليبيا، رغم كلّ الجهود الدولية المبذولة للخروج بحلّ يجنّب البلد المزيد من تعميق الأزمة.

وكان المرصد السوري لحقوق الإنسان قد أكّد أنّ عدد المرتزقة الذين نقلتهم تركيا، أو تعدّهم للنقل إلى ليبيا، قد ارتفع إلى ما يقارب 4700 مقاتل.

ووفق المرصد؛ فقد قتل 72 مقاتلاً ممن أرسلتهم تركيا للمشاركة في معركة طرابلس ضدّ الجيش الوطني الليبي. وهرب 64 من المرتزقة إلى أوروبا عبر ليبيا.

وكان المتحدث العسكري لقوات الجيش الوطني الليبي، اللواء أحمد المسسماري، قد دعا مرتزقة أردوغان "من السوريين المغرر بهم إلى تسليم أنفسهم للجيش الليبي، وسيتم منحهم ممرات آمنة للخروج وحلّ مشاكلهم مع القيادة السورية".

 

للمشاركة:

الانتخابات الإيرانية.. من المستفيد؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مدّدت السلطات الإيرانية عمليات الاقتراع في الانتخابات، أمس، ثلاث مرات متتالية، لاستقطاب أكبر عدد من الناخبين، لكنّ ذلك لم ينجح ولم تتجاوز نسبة المشاركين 20٪؜، بحسب مصادر رسمية.

وفي الوقت الذي كان يفترض أن تقفل أبواب مكاتب الاقتراع (الساعة السادسة عصراً) بالتوقيت المحلي، أعلن التلفزيون الحكومي تأجيل إغلاقها لإفساح المجال أمام الراغبين في المشاركة.

السلطات الإيرانية: لم تتجاوز نسبة المشاركين في الانتخابات ٢٠٪؜ على الرغم من تمديد عمليات الاقتراع

وبلغت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية، التي جرت أمس ، نحو 16٪؜، في طهران، فيما كانت على مستوى البلاد 25٪؜، وفق ما نقلت قناة "إيران إنترناشيونال" عن مصادر خاصة.

ووفق هذه المعلومات؛ فقد سجلت محافظة ألبرز أقل نسبة مشاركة في الانتخابات البرلمانية، بعد طهران، حيث وصلت إلى 17٪؜.

وفي الوقت نفسه، فإنّ معظم المحافظات الإيرانية، بما فيها أصفهان وخوزستان وخراسان الرضوية وفارس وأذربيجان الشرقية، كانت نسبة المشاركة فيها أقل من 30٪؜.

إلى ذلك، أعلن المدير العام للمكتب السياسي والانتخابي التابع لمحافظة سمنان عن مشارك ٢٤٪؜ فقط، من الناخبين المؤهلين قانونياً في هذه المحافظة.

ومن جهته، قال قائم مقام مدينة أصفهان، حسين سيستاني؛ إنّ نسبة مشاركة أهالي هذه المدينة في الانتخابات البرلمانية الإيرانية الحالية وصلت إلى 21٪؜.

كما أكد قائم مقام مدينة مشهد، محمد رضا هاشمي، أنّ نحو 30٪؜ فقط من أهالي المدينة أدلوا بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية.

يتوقع أن يستفيد المتشددون من تدنّي نسبة المشاركة بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الإصلاحيين والمعتدلين

وكان المرشد الإيراني، علي خامنئي، قد ذهب للإدلاء بصوته، أمس، وخلال التصويت دعا الشعب الإيراني إلى المشاركة في الانتخابات "من أجل مصالح البلاد".

ويتوقع أن يستفيد المتشددون من تدني نسبة المشاركة، بعد رفض طلبات آلاف المرشحين الذين يوصفون بالإصلاحيين والمعتدلين.

واستخدمت القيادة الإيرانية جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت، أمس، تماماً كما فعلت خلال الانتخابات السابقة.

يذكر أنّه؛ بعد الاحتجاجات المناهضة للنظام الإيراني، التي اندلعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، في عموم إيران، تمّ إطلاق عدة حملات لمقاطعة الانتخابات البرلمانية، وتوسعت هذه الحملات بعد إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة الركاب الأوكرانية قرب طهران، ما أدّى إلى مقتل جميع ركابها.

 

 

 

للمشاركة:



أردوغان في المصيدة السورية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

حافظ البرغوثي
يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً؛ لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب.

يطالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بحظر السلاح في ليبيا، لكنه ينتقد الخطة الأوروبية بمراقبة الحدود البرية والجوية والبحرية لمنع تدفق السلاح إلى ذلك البلد، فهو يريد حظراً على قوات الجيش الوطني الليبي فقط، في حين يرسل قواته وأسلحته ومرتزقته إلى طرابلس؛ بل قال في تجمع لنواب حزبه قبل أيام إنه سيواصل دعم حكومة السراج حتى تبسط سيادتها على كل الأراضي ليبيا، وأيضاً تحدى أروغان روسيا بانتقاده التدخل الروسي في معركة إدلب قائلاً، إن محادثات موسكو لم تسفر عما يرضي تركيا، وهدد الجيش السوري بهجوم مفاجئ في منطقة إدلب، وقال إنها مسألة وقت.

فالرئيس التركي يتحدى أوروبا وروسيا معاً في الشأنين السوري والليبي. فما الذي يجعله يتحدث من موقف التحدي؟ أغلب الظن أنه يراهن على علاقاته الخفية مع الرئيس الأمريكي ترامب، حيث إن العلاقات بين الرجلين أكبر من أن تكون دبلوماسية، وهي وثيقة جداً لدرجة أن أردوغان لم ينتقد ترامب بعد إعلانه عن صفقة القرن واكتفى بمهاجمة الأنظمة العربية، علماً بأنه أجرى اتصالاً مع الرئيس ترامب قبل إعلان الأخير صفقته بساعات يوم الثلاثاء 28 الماضي، وشن الإعلام التركي هجمة على الصفقة وأوعز للمعتمرين في مكة بالهتاف للقدس مع أن السفارة «الإسرائيلية» في مكانها بأنقرة والعلاقات مع تل أبيب في أوجها سياسياً واقتصادياً وأمنياً.

فالرئيسان أردوغان وترامب لديهما قناة سرية للاتصال تتثمل في صهريهما جاريد كوشنر وبورات البيرق زوج ابنة أردوغان، يضاف إليهما رجل الأعمال التركي الأمريكي علي يلجينداع، وهو شريك تجاري لترامب. من هنا نفهم المواقف الحازمة التي يأخذها ترامب ضد تركيا، ثم سرعان ما يتراجع عنها كما في أزمة شراء الصواريخ الروسية «إس 400»، واجتياح شمالي سوريا. فبعد التهديد بفرض عقوبات قاسية على تركيا نجده يتراجع بسرعة. فقد استأجر يلجينداع اسم ترامب لإطلاقه على برجين في إسطنبول ودفع لترامب ملايين الدولارات لقاء ذلك، كما يقول الكاتبان الأمريكيان ديفيد كيرباتريك، واريك ليبتون. فالرئيس ترامب كما قال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية الأسبق إريك أيدلمان، يستبدل بالعلاقات الرسمية علاقات تجارية وصداقة بعيداً عن المؤسسات الرسمية، وهو ما يشكل قلقاً للأمريكيين. فالعلاقة الأردوغانية الترامبية تتخذ طابعاً عائلياً وتجارياً، حيث غفر ترامب لأردوغان الهجوم على القوات الكردية في سوريا، وهي قوات دربها وسلّحها وموّلها الأمريكيون، وتغاضى عن اجتياح شمالي سوريا لخلق منطقة آمنة تحت سيطرته.

من هنا نفهم سر العلاقة الخاصة التي يستند إليها أردوغان في تحديه لروسيا وأوروبا معاً في الشأنين السوري والليبي.

يبقى مسار العلاقة الروسية التركية محفوفاً بالمخاطر حالياً، لأن خيارات أنقرة محدودة في مواجهة الزحف السوري في إدلب، وسيطرة الجيش السوري بدعم من الطيران الروسي على معرة النعمان وسراقب، ومحاصرة نقاط مراقبة تركية وتجاهل حلف الأطلسي لطلب أنقرة بالمساعدة. فالروس ليسوا على استعداد لمنح تركيا موطئ قدم تفاوضياً على مستقبل سوريا بعد الذي بذلوه عسكرياً واقتصادياً لاستعادة فرض السيادة السورية على كل أراضيها، ويلومون تركيا؛ لأنها نقضت تعهداتها في الاتفاق على المنطقة الآمنة ولم تعزل تنظيم «النصرة» الإرهابي.

أما الخيار العسكري ضد الجيش السوري فهو يزيد الوضع التركي الداخلي تدهوراً، وينذر بمواجهة عسكرية مع روسيا وإيران معاً، ما يعني معركة طويلة الأمد لها عواقب خطرة، خصوصاً في الداخل التركي؛ لأن أنقرة ستغرق في المستنقع السوري ولن تستطيع الخروج سالمة.

موسكو ترى أنه يجب على أنقرة الرضوخ للأمر الواقع، وقبول تقدم الجيش السوري في إدلب ليستعيد أراضيه المحتلة من تركيا والإرهابيين، فهل يقبل أردوغان نصيحة بوتين؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

انتخابات إيران وتحدياتها الداخلية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

محمد السعيد إدريس
الإحجام عن المشاركة في الانتخابات، يمكن أن يعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان والسيطرة على قراراته وأدائه.

تواجه إيران اليوم أحد أهم تحدياتها على الإطلاق؛ حيث من المفترض أن يمتلك الشعب اليوم فرصته؛ ليعبر عن موقفه الحقيقي من كل ما يواجه إيران من أزمات مفروضة من الخارج؛ وفي مقدمتها بالطبع الصراع الساخن مع الولايات المتحدة حول قدرات إيران النووية والصاروخية وتوجهات سياستها الخارجية، وهو الصراع الذي أدى بضغوطه الاقتصادية الهائلة، إلى تفجير أزمات اقتصادية وصعوبات معيشية وارتفاع غير مسبوق في الأسعار، وولد حركة احتجاجات واسعة، رفعت شعارات غاضبة ضد النظام؛ لكن تم استيعابها بحركة تظاهرات أخرى مضادة مؤيدة للنظام. واليوم ومن خلال عملية الانتخابات التي تجرى؛ لاختيار برلمان جديد (مجلس الشورى) سيكون أمام الشعب فرصته؛ لأن يعبر عما يريد، وفي الاتجاه الذي يريده سواء على مستوى إدارة السياسة الخارجية وإدارة الصراع الخارجي مع الولايات المتحدة وحلفائها أو على مستوى إدارة الحكم في الداخل وإيجاد حلول للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

هذه الفرصة يمكن أن تتم على مسارين؛ الأول هو حجم المشاركة والتصويت في العملية الانتخابية. فالإحجام عن هذه المشاركة، والوصول بها إلى أدنى مستوياتها، وهذا ما يخشاه النظام الحاكم ويحسب كثيراً له؛ سيكون إعلاناً صريحاً بالرفض للنظام وسياساته والتشكيك في شرعيته.

أما المسار الثاني، فهو الاختيار الدقيق لمن هم الأفضل، من وجهة النظر الشعبية؛ للحصول على عضوية البرلمان، والامتناع عن كل من يعرقلون ما يراه الشعب الإيراني من حلول جذرية للأزمات، ومحاربة الفساد، والحد من سلطوية النظام. وفى كل من المسارين يواجه الشعب أزمة معقدة. فالإحجام عن المشاركة، يمكن أن يُعطي الفرصة للمرفوضين شعبياً للحصول على عضوية البرلمان، والسيطرة على قراراته وأدائه، في حين أن الإقدام الإيجابي على المشاركة سيكون تجديداً ودعماً لشرعية النظام في معركته مع الخارج وبالذات مع الولايات المتحدة، التي تراهن بضغوطها وعقوباتها الاقتصادية المشددة، على أن تؤدي إلى تفجير حركة معارضة قوية، يمكن التعويل عليها؛ من أجل إسقاط النظام وفقاً لما يتحدث عنه كثيراً وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو، كما أنها لن تفيد كثيراً في تحقيق هدف اختيار من هم أجدر بتمثيل الشعب؛ بعد أن فعَّل مجلس صيانة الدستور المكلف بالإشراف على إجراء الانتخابات «مقصلته»، ورفض اعتماد ترشيح 6850 مرشحاً من بينهم 90 نائباً من نواب البرلمان الحالي من بين 14 ألفاً تقدموا بطلب خوض الانتخابات. ما يعنى أن ما يقرب من ثلث أعضاء المجلس (البالغ عدد أعضائه 290 نائباً) تم استبعادهم وفق اتهامات بارتكاب تجاوزات مالية والتورط في قضايا فساد، في حين فند المرشد الأعلى علي خامنئي هذه المزاعم، دون قصد؛ عندما أعلن تأييده لموقف مجلس صيانة الدستور، بقوله: «إن البرلمان المقبل ليس به أي مكان للخائفين من رفع أصواتهم ضد الأعداء الخارجيين» ما يعني أن الاستبعاد جاء لأسباب سياسية خصوصاً وأن العدد الأكبر من هؤلاء النواب المستبعدين من التيار الإصلاحي، وخاصة من المطالبين بمراجعة إدارة السياسة الخارجية، والمطالبين بتغيير أداء الحكم في الداخل.

وهذا ما سبق أن حذر منه رئيس الجمهورية حسن روحاني في 15 يناير/كانون الثاني الفائت؛ عندما قال: إن «رفض أهلية المرشحين من تيار واحد لا يمكن أن تكون انتخابات، كأن لا يوجد تنوع في سلع متجر، الناس يريدون التنوع».

وفي خطابه في ذكرى الثورة الإيرانية يوم 11 فبراير/شباط الجاري تعمد روحاني أن يضع النقاط فوق الحروف، وأن يفجر قضية «شرعية النظام»، ومعنى ذلك من ناحية تعرضه للخطر أمام غضب شعبي آخذ في التراكم، ولجأ في توصيل رسالته إلى استلهام ثورة الشعب الإيراني ضد نظام الشاه وأسبابها وإمكانية تكرار هذه الثورة إذا تجددت الأسباب، وقال: «لو ترك النظام السابق (نظام الشاه) الناس أحراراً في اختيار نوع الحكومة والدستور، ووافق على قبول انتخابات نزيهة حرة وطنية، لم نكن بحاجة إلى الثورة»، وقال أيضاً ما هو أهم، وما يعد تحدياً لسلطة المرشد الأعلى أن «البلاد قائمة على حكم الشعب والاستفتاء»، وهنا بالتحديد يكون روحاني وهو على أبواب إنهاء فترة حكمه، قد قرر أن يكرر تجربة فاشلة سابقة خاضها الرئيس الأسبق محمد خاتمي في صدامه مع كل من المرشد ومجلس صيانة الدستور؛ عندما فجر قضية «لمن تكون الحاكمية» للشعب أم للمرشد؛ وعندما طالب بالحد من سطوة مجلس صيانة الدستور على الصحافة، وطالب بتمكين رئيس الجمهورية من ممارسة سلطاته الدستورية، وكانت النتيجة هي انتصار المرشد، وإبعاد كامل للرئيس خاتمي عن الحياة السياسية ومعه أهم رموز الحركة الإصلاحية.

الآن يطالب روحاني بالاستفتاء الشعبي على مشروع قانون يجري إعداده في البرلمان الذي سيستمر عمله حتى أغسطس/آب القادم يقضي بتقليص سطوة مجلس صيانة الدستور على الانتخابات.

فهل سينجح روحاني في فرض خيار هذا الاستفتاء الشعبي؟

السؤال مهم؛ لأنه إعلان عن معركة كبرى داخلية قادمة ستفرض نفسها عقب الانتهاء من الانتخابات؛ لكن هذا سيؤدى حتماً إلى تفاقم التحديات الداخلية، ومن هنا يتجدد مأزق النظام.

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

الانتخابات البرلمانية الإيرانية المحددة سلفاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-22

مهدي خلجي

في 21 فبراير، نظمت إيران الدورة الحادية عشرة من انتخاباتها النيابية، إلى جانب الانتخابات الخامسة لـ"مجلس خبراء القيادة" ("المجلس")، الهيئة المكلفة بتسمية المرشد الأعلى المقبل. ومن الصائب توقّع أن يكون "المجلس" المقبل مخلصا في الدرجة الأولى لآية الله علي خامنئي؛ لا بل في الواقع، سيكون على الأرجح المجلس التشريعي الأقل استقلالية في إيران منذ عقود. ويضع هذا التوقع الرئيس حسن روحاني في موقف محفوف بالمخاطر، حيث يُلزمه دوره السياسي بتشجيع المشاركة العامة في الانتخابات التي من المؤكد أن معسكره سيخسرها.

الانتخابات عنصر أساسي للتصور الذاتي للنظام
إن ادعاء الجمهورية الإسلامية بأنها حكومة ثورية يعتمد على المشاركة الكبيرة في السياسة. وبغية نفي الواقع غير المستساغ، المتمثل بأن الإكراه هو العامل الرئيسي لصمود إيران، يحتاج النظام إلى أدلة تدعم ادعاءاته بأنه لا يزال يتمتع بدعم شعبي واسع.

ووفقا لذلك، تستخدم القيادة جميع الوسائل المتاحة لتشجيع الناس على التصويت في 21 فبراير، تماما كما فعلت خلال الانتخابات السابقة. وفي الوقت نفسه، تنظم هذه القيادة أساليب المناورة التقليدية للتلاعب بكل مرحلة من العملية، بدءا من تأهيل المرشحين وصولا إلى فرز الأصوات النهائي والإعلان عن النتائج.

غير أن عددا من العوامل يقوّض هذا الاحتيال بعض الشيء، بما في ذلك وجود ممثلين عن المرشحين في مراكز الاقتراع وخلال عملية فرز الأصوات، وكذلك الصراع على السلطة القائم بين وزارة الداخلية في حكومة روحاني و"مجلس صيانة الدستور" الخاضع لسيطرة خامنئي.

ومن أجل تصوير الانتخابات على أنها دليل للشعبية المستمرة للنظام وشرعيته "الديمقراطية"، يجب أن يكون قادرا على الإعلان عن نسبة مشاركة رسمية لما لا تقل عن 50 في المئة من الناخبين المؤهلين. وحتى في ظل استخدام النظام لآلية الاحتيال القوية بحوزته، سيتطلب إعلانه عن هذه النسبة بشكل موثوق وصول نسبة المشاركة الفعلية 40 في المئة على الأقل.

وتحقيقا لهذه الغاية، دعا المرشد الأعلى وغيره من السلطات الدينية الشعب إلى التصويت ليس فقط باعتبار ذلك حقا سياسيا بل واجبا دينيا. غير أن تراجع شعبية النظام قلّص قدرته على الإقناع في هذا المجال.

وبالنظر إلى الأزمات المزدوجة للمثل العليا والسلطة التي يعيشها المجتمع الإيراني منذ بعض الوقت، فقد فقدت السلطات من مختلف أركانها ـ من الشخصيات الدينية إلى النجوم الرياضية والمشاهير ـ الكثير من قدرتها على حشد الجماهير سياسيا. فضلا عن ذلك، أضرت الإخفاقات الاقتصادية المستمرة للحكومة بثقة الشعب بشكل سيء للغاية لدرجة أصبح معها إغراء الناخبين من خلال تقديم وعود اقتصادية جديدة أمرا خياليا.

الادعاءات القومية المنافقة
يبدو السياق السياسي الذي تجري في إطاره الانتخابات الحالية مختلفا إلى حدّ كبير. فقد رسم تطوران رئيسيان معالم هذه البيئة، وهما: العنف غير المسبوق الذي استخدمه النظام لقمع المتظاهرين السلميين في نوفمبر الماضي، وإسقاط "الحرس الثوري الإسلامي" الإيراني في الثامن من يناير طائرة ركاب أوكرانية مليئة بالمواطنين الإيرانيين.

وكان يمكن للشعب أن يقبل بطريقة معقولة فكرة قيام "الحرس الثوري" بإسقاط الطائرة عن طريق الخطأ مهما كانت النتائج مأساوية. ولكن ما أثار سخط الإيرانيين ـ حتى العديد من أنصار النظام ـ هو إنكار الحكومة مسؤوليتها عن هذا الحادث في بداية الأمر، وموقفها المتغطرس وغير المسؤول تجاه أسر الضحايا، ورفضها المستمر تقديم أدلة شفافة بشأن الحادث.

وبدلا من ذلك، أخفى النظام دون خجل الحقيقة ونشر مزاعم مربكة من أجل تضليل الشعب والحكومات الأجنبية على حدّ سواء. وقد تأثر الكثير من الإيرانيين سلبا بهذا السلوك الذي ساهم في تدهور ثقتهم المتراجعة أساسا بالنظام.

ولتخطي أزمة الشرعية هذه الطويلة الأمد، احتاجت الحكومة إلى تجاوز قاعدة سلطتها الاجتماعية (التي تحوّلت إلى أقلية في الوقت الحاضر) وإعادة بناء أسس شعبيتها على شعور مبتكر من القومية.

وكانت تلك خطوة ماكرة بالنظر إلى أن النظام اعتمد على سياسات ودعاية شرسة مناهضة للقومية خلال عهد المرشد الأعلى الراحل روح الله الخميني، لا سيما بعد الفتوى التي أصدرها عام 1981 والتي حرّمت هذا الشعور باعتباره ارتدادا عن الدين ووصفت الشخص المثالي القومي السابق محمد مصدق بأنه كافر.

ولتفادي هذا التناقض خلال الاستفادة من الجانب القومي، اعتمد المرشد الأعلى خامنئي على سياسات الخوف خلال السنوات القليلة الماضية. ووفقا لسرديته ـ التي ازدادت حدة بعد الانتفاضة السورية عام 2011 ـ كانت إيران تخوض حربا فعلية مع أعدائها، وأصبح الأمن القومي حاليا الأولوية العليا لتوحيد جميع المواطنين وراء النظام.

ومن أجل الترويج لهذه الفكرة وتكثيف مساعي إيران لإضفاء الطابع الأمني محليا وفي الخارج، سعى النظام إلى إقناع الإيرانيين القوميين خارج قواعده الانتخابية الضيّقة بأن البلاد تواجه تهديدا عسكريا وشيكا وأن الجمهورية الإسلامية هي الهيكلية القيادية الوحيدة القادرة على تفادي الفوضى في المنطقة ومنع تفكك أقاليمها.

وقد استُخدمت هذه الحجة ليس فقط لتبرير سياسة إيران التوسعية والجريئة في المنطقة، بل أيضا من أجل إبطال مفعول المعارضة المحلية. ومثل هذه التشويهات للحقائق تضع السكان في موقف مربك: ولا سيما أن كون الشخص قوميا إيرانيا يستلزم حالياً دعمه للنظام حتى لو كان يكرهه.

وهكذا، وفي خطاب ألقاه في الخامس من فبراير، دعا خامنئي "كل من يحب إيران" إلى المشاركة [في التصويت]، حتى وإن كان "لا يحب" المرشد الأعلى. كما وصف الانتخابات مرارا وتكرارا بعبارات قومية وموجهة نحو الأمن، واصفا العملية بأنها "تهديد للعدو" ومدعيا أنها "تضمن أمن البلاد"، وأشار إلى أن تأثيرها الإيجابي على التصورات الخارجية بشأن إيران سيساعد على حل "العديد من مشاكلنا الدولية".

تهميش "المجلس"
إلى جانب إعلانه صراحة ومرارا بأنه يتوجب على البرلمان الإذعان لإرادته، لطالما كان خامنئي يفرض السياسة التشريعية على أعضاء "المجلس" ويمارس سلطته للتحكم بأصواتهم. وهذا النهج، يرافقه تقليد تصفية قائمة المرشحين قبل الانتخابات، قد جرّد "المجلس" من أي قدرة على حماية استقلاليته ووظائفه الديمقراطية.

وبدلا من ذلك، فإن ولاء "المجلس" القسري لخامنئي قد منحه أداة فعالة أخرى لإضعاف الرئيس ومنع الحكومة المنتخبة من مخالفة توجيهاته أو تحدي سلطته. إن الضغط من أجل [قيام] مجلس متشدد متجانس سيساعد أيضا في حماية النواة الثورية للنظام إذا توفي خامنئي خلال فترة رئاسته التي أمدها أربع سنوات.

وحتى في ظل تراجع أهمية دور البرلمان أكثر فأكثر، لا يزال المتشددون عازمين على منعه من أن يصبح منصة لشكاوى الإصلاحيين. ووفقا لذلك، استبعد "مجلس صيانة الدستور" عددا كبيرا من المرشحين البرلمانيين قبل الانتخابات المقبلة ـ أكثر من 16000 في المجموع، بمن فيهم 90 عضوا في "المجلس" الحالي وجميع الشخصيات الإصلاحية وحلفاء روحاني تقريبا.

وقد يشير هذا القرار إلى ثقة خامنئي المفرطة بنفسه، إذ إنه ينهي بشكل أساسي الممارسة التقليدية المتمثلة في السماح للإصلاحيين بالتعبير عن بعض انتقاداتهم من خلال "المجلس". وللأسف، قد يكون هناك ما يبرر هذه الثقة بالنفس بالنظر إلى الانخفاض الكبير في شعبية روحاني والفقدان الساحق لأمل الجمهور فيما يتعلق بالإصلاحيين.

غير أن هذا النهج لا يخلو من بعض المخاطر بالنسبة لخامنئي. فإذا استمر الشعب في فقدان الثقة بقدرته على إحداث تغييرات داخل النظام، فمن المرجح أن يتوصل إلى قرار بضرورة رحيل النظام بأكمله. وبالفعل، أصبحت الآن الأصوات المناهضة للنظام ولخامنئي من بين الهتافات الأكثر صدوحا في معظم الاحتجاجات الشعبية ـ وهو تطوّر كان يُعتبر غير وارد سابقا.

التداعيات على واشنطن
تتيح هذه الانتخابات فرصة أكبر للحكومة الأميركية لإسماع صوت الإيرانيين الذين كانوا يعترضون على طبيعة النظام المناهضة للديمقراطية بشكل متزايد. وعند الإدلاء بأي تعليقات حول عملية الاقتراع وتبعاتها، على المسؤولين الأميركيين وضع مطالب هؤلاء الإيرانيين في الواجهة، لأنها أكثر مصداقية بكثير من الانتقادات الأجنبية الصادرة عن إدارة ترامب.

لقد أصبحت واشنطن بارعة للغاية في الاستشهاد بشكاوى الإيرانيين بشأن الفساد وإساءة الاستخدام [الانتهاكات]، لذا فقد حان الوقت الآن لرفع الصوت ـ سواء من خلال مطالبة كبار المسؤولين بتسليط الضوء على هذه الشكاوى، أو عن طريق جعل قنوات البث الأميركية تنقل الأخبار للإيرانيين والتي مفادها أن حكومتهم لن تفعل ذلك.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية