كيف عالج المسلمون في كندا أزمة التمويل الشرعي لشراء مساكنهم؟

تقول الروائية الإنجليزية جين أوستن: "لا شيء يعدل المكوث في البيت طلباً لراحة حقيقية"، وهذا القول هو ما يجول فعلاً في خاطر كلّ مهاجر ترك بيته خلفه، وشاح بوجهه عن ملاعب الصبا والشباب، وصعد إلى طائرة أو سفينة أو سيارة، سعياً لراحة البال، وطلباً لحياة كريمة، وهرباً من واقع لم يعد يطيقه في ديار أجداده وآبائه.

وأول ما يشغل عقل المهاجر، سواء أكان فرداً أو جاء بصحبة عائلته؛ هو المسكن الملائم له ولأهله، وتبدأ عملية البحث عادةً قبل الوصول للديار الجديدة، وهذا ما يجمع عليه أغلب العرب الكنديين، الذين قابلتهم "حفريات" لسؤالهم عن أزمة السكن التي يواجهها القادم حديثاً إلى كندا؛ حيث ذكروا بأنّهم بدأوا كمستأجرين، ثم شرعوا في التفكير بامتلاك بيت في موطنهم الجديد، لكن دائماً ما يرافق العزم على شراء مسكن أو عقار، هواجس وقلق واستيضاحات عديدة.

اقرأ أيضاً: التعاليم الإسلامية واقتناء الكلاب المنزلية: هذا رأي العرب في كندا

ومن بين المعضلات، التي كانت تؤرق العرب المسلمين المهاجرين إلى كندا، عدم وجود نظام التمويل الإسلامي لشراء بيت في كندا، وهو ما يدفع العديد من المسلمين للعزوف عن الشراء والاكتفاء بالاستئجار.

وعن الحلول التي يقدمها الخبراء لهذه الشريحة من المسلمين الكنديين، يقول المتخصص في حقل العقارات؛ وعد طه، بأنه لفترة قريبة مضت، كانت هذه العقبة تلقي بظلالها على قرار العائلات العربية، الباحثة عن تمويل إسلامي، لكن استجدت تطورات جديدة منذ العام الماضي؛ حيث تبلورت مؤسسات مالية إسلامية، تقدم قروضاً عقارية، كما يمكن للراغب في التمويل الإسلامي أن يأخذ قرضاً عقارياً من بنوك الدول الإسلامية.

وعد طه مختص في حقل العقارات في كندا

700 ألف عربي في كندا

طه، يقدر عدد العرب في كندا بأكثر من 700 ألف نسمة، وتعود أصول أبناء الجالية العربية هنا إلى دول عربية عديدة، مثل: لبنان، وفلسطين، والعراق، ومصر، والمغرب، والجزائر، وسوريا، والأردن، والصومال، واليمن، وغيرها.

يرى الخبير العقاري وعد طه أنّ شراء البيت والعقار في كندا يعدّ خياراً استثمارياً فالعقار مثل الابن البار

ويفضل أغلب العرب السكن والاستقرار بمقاطعة أونتاريو، لدفئها النسبي، ولتوفر الأعمال والوظائف، كما يقول طه، وخصوصاً في المدن المهمّة، مثل: العاصمة الاقتصادية لكندا (أعني مدينة تورنتو الكبرى)، ومدينة لندن الكندية، ووندزر، وأوتاواه (العاصمة السياسية للبلاد)، في حين يميل العرب الذين يتقنون اللغة الفرنسية للسكن والعيش في مقاطعة كيبك، التي تصرّ على أن يتواصل المواطنون فيها والمقيمون فوق أراضيها باللغة الفرنسية فقط.

العرب، كغيرهم من الجاليات في كندا، منقسمون بين من يفضل استئجار مسكنه، ومن يفضّل شراء بيت له ولعائلته، ولكلّ من الطرفين فلسفته الخاصة بالنسبة إلى السكن؛ فمن يفضل الاستئجار يكون غالباً من القادمين الجدد، الذين لم يحدّدوا المدينة الأفضل والمكان الأنسب لإيجاد أعمال مناسبة لهم، وكذلك مدى وجود الفرص الدراسية الجامعية لهم ولأولادهم، وغالباً لا يقدم العربي الكندي على شراء بيت للعائلة، إلا بعد الاستقرار في وظيفة دائمة، يستطيع من خلالها التقدم للحصول على قرض لتقديم الدفعة الأولى من قسط البيت، وهي 20% من قيمة العقار، وقد تكون هذه المراحل والإجراءات هي ما يؤخر انتقال العربي الكندي من مستأجر إلى مالك لبيته.

أسباب غلاء أسعار البيوت في كندا

وعن أسباب غلاء أسعار البيوت في كندا، وبأنها ثلاثة أضعاف مثيلاتها في الولايات المتحدة المجاورة، أفاد طه بأنّ مردّ ذلك إلى أنّ معدل دخل الفرد الكندي أعلى من نظيره في أمريكا، ويسكن 40% فقط من الأمريكيين المدن الكبرى، بينما يقطن 60% منهم الأرياف، لكنّ أغلب المواطنين الكنديين يفضلون العيش في المدن الكبرى، مثل: تورونتو ومونتريال وفانكوفر، وتكون أسعار العقارات في المدن عادة أعلى منها في القرى والأرياف.

يرى طه أن البيت في كندا فيه كل أساليب الراحة

كما يغلب على أعمار البيوت الأمريكية أنّها تكون أكثر من 100 عام، وهذا ما يجعل أسعارها أقلّ من البيوت الكندية، التي يعدّها بعض المشترين قديمة، إذا زاد عمر المبنى عن 30 عاماً.

وعن الإجراءات التي يجب أن يتبعها المواطن الكندي عادةً كي يتمكن من شراء بيت، بيّن الخبير العقاري أنّ الخطوة الأولى التي ينصح بها الراغبين في القدوم إلى كندا للاستقرار وشراء بيت؛ هي بناء رأسمال، وتأمين مبلغ مناسب، يمكن استخدامه دفعة أولى عند التقدم لشراء بيت هنا، وإذا ضربنا مثلاً على ذلك نقول إنّ معدل أسعار المنازل في منطقة تورنتو هي 745 ألف دولار كندي (ما يعادل 570 ألف دولار أمريكي).

اقرأ أيضاً: مشروع إماراتي مغربي يُزود آلاف المنازل القروية بالطاقة الشمسية

ولشراء عقار في كندا؛ يجب الحصول على قرض عقاري "مورقيج"، ودفع مبلغ مقدم قدره 20% من قيمة العقار، وهذا يعني ما يعادل 149 ألف دولار كندي، ويجب أيضاً وجود عمل لطالب القرض العقاري، لضمان تسديد القسط الشهري، وإذا كان المشتري يمتلك 35% من قيمة البيت، فإنه يستطيع أن يتقدم للبنك طالباً قرضاً عقارياً من غير شرط توفر وظيفة مستقرة، الذي تطلبه البنوك ممّن يريد أن يدفع خُمس المبلغ فقط.

كيف تتم عملية الشراء؟

وتعتمد عملية شراء بيت بكندا اعتماداً كبيراً على الوكيل العقاري، وخبرته في البحث عن البيوت الموجودة، المناسبة لما يرغب فيه الطامح لشراء منزل، ومن الأمور التي يجب أخذها بالاعتبار عند شراء بيت؛ الموقع المميز للبيت، وأن يكون السعر مناسباً ومقبولاً من الراغب بالشراء.

يرى الخبير العقاري وعد طه أنّ شراء البيت والعقار في كندا يعدّ خياراً استثمارياً فالعقار مثل الابن البار

وكذلك لإتمام عملية شراء بيت في كندا؛ يجب التواصل مع محام عقاري لإنهاء إجراءات التنازل عن العقار من البائع وتمليك البيت للمالك الجديد له.

ويرى طه أنّ شراء البيت والعقار في كندا يعدّ خياراً استثمارياً لحفظ أموال المستثمر، وللمحافظة على قيمة ماله عبر الزمن، ويمكن لهذا المستثمر أن يستردّ ماله، مع ربح معقول، إذا أراد بيع هذا العقار بعد مضيّ فترة كافية من تملكه له، وهذا الاستثمار العقاري يكون أفضل بكثير من إهدار المال في حالة استئجار البيوت. وقال: أشجّع كلّ العرب القادمين للعيش والاستقرار في كندا لاستثمار المال في العقارات، وكما قال أجدادنا العرب: "العقار مثل الابن البار"؛ أي يمدّك بالعون المالي كلّما احتجته.

من مشاكل المهاجرين لكندا عدم وجود نظام تمويل إسلامي لشراء بيت

وعن المقارنة بين البيت الكندي وبيوت من دول العالم النامي؛ وما الذي يميز البيت الكندي، ذكر طه: البيت في كندا، توجد فيه كلّ أساليب الراحة، ومزوّد بأحدث أجهزة التبريد والتدفئة المركزية والرفاهية المنزلية، لكن -في نظري- أهمّ شيء أنّ البيوت هنا مؤمَّنة تأميناً يشمل كلّ مكونات البيت، وهذا أمر آمل أن تتبعه بلادنا العربية للحفاظ على ممتلكات الناس، وحفظ مدخراتهم من الضياع أو التلف، في حالة حدوث أي طارئ، لا قدَّر الله، كما أنّ القرض العقاري يدوم فقط لعمر صاحب البيت، وإذا توفَّاه الله، عز وجل، يصبح البيت ملكاً لأبنائه وعائلته، ويدفع البنك كامل الأقساط المترتبة على ذلك الشخص.

الأقسام: