الإسلامية والليبرالية.. هل تمثلان نتاج الصراع على أسس النهضة؟

الإسلامية والليبرالية.. هل تمثلان نتاج الصراع على أسس النهضة؟

مشاهدة

06/01/2019

يتم إطلاق مصطلح "الأصولية الإسلامية" في العديد من الأبحاث والكتب والمقالات، على جماعاتٍ إسلامية وأحزابٍ أحياناً، لوصفها بالرجعية والتشدد. وغالباً ما بدأ باحثون حديثون، برفض هذا المصطلح؛ لأنهم يعدونه اتهامياً لا وصفياً، ولأنه، برأيهم،  يمثل أحد مفاتيح الخطاب الغربي في الهيمنة، والترويج لنشوء عدوٍ أصولي، بعد أن انهار العدو الأول (الشيوعية).

التيارات الإسلامية العربية بدورها، خصوصاً تلك الموصوفة بأنها سياسية وغير أصولية أو سلفية، وأنها براغماتية وواقعية، ولديها نظرة للدولة وعمل الإسلام كأداة تشريع في المجتمع المدني، شكلت خلال العقدين الماضيين على الأقل، سلسلةً من ردود الأفعال على تهمة الأصولية هذه، وربما مع الزمن، بدأت دوافعها الذاتية للتطور وتفعيل دور الإسلام في المجتمعات بصورةٍ حداثية، تقل، بقدر ما تزيد ردود الأفعال والتماهيات المختلفة، مع المصطلحات والسياسات والأنماط الاقتصادية السائدة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له

فماذا حلّ بهذه الجماعات وبمطالباتها، ولأي قدرٍ تمكنت الليبرالية وغيرها من أفكار، من إعادة تشكيل خطاب هذه التيارات والجماعات؟

العدو يستوطن العقل

بعد انهيار جدار برلين، لم تعد الشيوعية خطراً يهدد الأمن والسلام العالمي، بحسب ما كان المعسكر الغربي يراه آنذاك، وكان لا بد من بديلٍ يمكن وصفه بالعدو المستقبلي. حيث أتت أحداث 11 سبتمبر بالنسبة لأمريكا على الأقل، "كعاملٍ حاسمٍ في تحديد هذا العدو"، وفق الباحث خوان كامبو في كتابه "نهاية الأصولية الإسلامية".

بعد سقوط الاتحاد السوفييتي تم تشكيل صورةٍ في الغرب عن عدوٍ أصولي مسلم وساهمت أحداث 11 سبتمبر في  صياغة هذه الصورة

ويشير الباحث والكاتب تيري هنتش في كتابه "الشرق الأوسط المتخيل"، إلى أنّ الرأي العام في أمريكا وفرنسا ودولٍ أخرى في أو أوروبا روبا "تشكل حول أنّ المسلمين يميلون إلى التعصب الديني، أو على الأقل بعض الجماعات الإسلامية تميل إلى ذلك."

ومن المعروف برأي هنتش، أنّ أحداثاً لاحقة كاحتلال أفغانستان ومن ثم العراق، وسلسلة "العمليات العسكرية، وعمليات الهجرة، وتفكيك المجتمعات في تلك البلاد، ووضع حقوق الإنسان والمهاجرين والنساء في محور النقاش مع الإسلام، جعل الليبرالية الديموقراطية في مواجهةٍ  مع الأصوليين الإسلاميين" كما أرادها الغرب، إن صح التعبير.

اقرأ أيضاً: الصراع على الإسلام.. من الاستشراق إلى الجهادية الإسلامية

وفي كتابه "الإسلام والعلمانية والديموقراطية"، يرى الباحث نادر هاشمي أنّ "التدخلات الأمريكية السياسية في الشرق الأوسط، جعلت النقاش حول الديموقراطية أمراً معقداً عربياً". ويذهب هاشمي إلى أنّ علاقة الدين بالمجتمع والحكم أصبحت مشوشةً ومختلفاً عليها، والتعقيد بشأنها ينجم عن اعتقادٍ آخر يرافق التشويش بسبب تدخل الدول الغربية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً من جهة، وبين تيارٍ آخر ليبرالي غالباً، يرى "النموذج الغربي الديموقراطي نموذجاً كونياً". وهنا تزداد المشكلات تعقيداً، بحسب هاشمي.

شكلت أحداث 11 سبتمبر برأي هاشمي فرصة لتكريس عدوٍ جديد

فسواء تمت رؤية النموذج الغربي عظيماً وضروري التطبيق كما هو. أو تمت مواجهته لأنه يحمل نقيضاً في داخله فيتدخل على عكس ديموقراطيته في شؤون الشرق الأوسط، فإنّ التيارات الإسلامية العربية في جميع الحالات، تشكل ردود أفعال، ولم تلجأ إلى اليوم، لصناعة أو تقديم مشروعٍ أو نموذجٍ عربي إسلامي ذاتي، خارج سياقات التأثر بكل ما سبق من تشكلاتٍ وأحداث. ليكون نموذجاً قادراً على ضم المجتمع باختلافاته دون الحاجة للاستناد على عداوة عدو، أو مماهاة هذا العدو ورؤيته بصفتها أصبحت طاغيةً عالمياً.

وفي هذا السياق تتحدث أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة والكاتبة هبة رؤوف عزت، أنّ "محاولة الخطاب الإسلامي للاشتباك مع العلمانية مثلاً، لا تعني بالضرورة أن يتم قبول الليبرالية والتسليم بالرؤية الرأسمالية لها".

هاشمي: النظرة إلى الديموقراطية والليبرالية مشوشة بسبب تدخلات الغرب في شؤون الدول العربية بعكس ديموقراطيته

وتضيف عزت، في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين"، أنّ "كثيراً من خطاب الإسلاميين هو خطاب رأسمالي وليبرالي في جوهره، ومتسربل بالديباجة الدينية، يسعى للأسلمة فقط من خلال معالجة المظاهر، وليس من خلال محاولة نقض الهياكل الرأسمالية وتأسيس هياكل اقتصادية وسياسية (بديلة) وفقاً للنظرة أو الفلسفة الإسلامية".

ويقود ما تقوله عزت مباشرةً، إلى أنّ محاربة مظاهر ما، يراها الإسلاميون وغيرهم ليبرالية ورأسمالية، لا يعني التخلص من شبحها في العمق والجوهر للعمل السياسي والاقتصادي والواقعي المعقد في المجتمعات العربية الإسلامية. وفي حال تم اعتبار مظاهر الليبرالية المتعلقة بحريات المرأة مثلاً أو حقوق الأفراد، وسواها، مظاهر مغايرة لرؤية الخطاب الإسلامي، فإنها تبقى، وفقاً لعزت؛ "تستوطن العقل بصفتها عدواً في الظاهر، وهياكل مسيطرةً في الداخل". غير أنّ هذا لا يجعل تبني الليبرالية لهذه القيم أو المظاهر الخاصة بها عملاً ناجحاً ومطلقاً دون توفير أرضيةٍ تتسم بأقل شروط العدالة، حتى لا تكون "الليبرالية القيمية والسياسية مجرد قناعٍ هي الأخرى لتحقيق مصالح نفعية واقتصادية من منظورٍ رأسماليٍ فقط" بحسب ما يراه  الباحث الفرنسي باسكال سلان في كتابه "الليبرالية".

غلاف كتاب "الخيال السياسي للإسلاميين"

النموذج المفقود

لم يكن جديداً أن يعلن فرانسيس فوكوياما نهاية التاريخ بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، والقول إنّ "الديموقراطية سوف تسود العالم كنهايةٍ لكل الأيديلوجيات الدوغمائية أو المتصلبة". إذ أن مسلمي فجر الإسلام حين بزوغه، رأوا في حضور الإسلام إلى البشر نهايةً للتاريخ، وتوقفاً للزمان عن التقدم أو التراجع. وبعد ذلك، عادت السلطة منذ العصر الأموي إلى محاولة استغلال الدين في مصلحتها، وقولبة مظاهر التدين وفقاً لما يخدمها.

اقرأ أيضاً: "الديموقراطية" وعلامات السقوط!

وهو ما ينطبق على أفكار وقيم غير دينية كذلك، ربما كقيم الليبرالية العالمية التي أصبحت من جديد أداةً في يد سلطة رأس المال، إن صح التعبير، ووفقاً لما يراه المفكر فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العصر العربي الحديث". فإنّ "انتهاء العصر النبوي بوفاة النبي، علية الصلاة والسلام، وضع العرب منذ ذلك الحين في جدلٍ بين الحقيقة والتاريخ".

ووفقاً لجدعان، فإنّ هذا الجدل يبدو جلياً في حال "تم القول بكل بساطة أن ما أدخل العرب والمسلمين في العصور الحديثة هو التوغل العثماني في أوروبا من جهة، والتوغل العسكري الأوروبي في الأقطار العربية، ولقد نبهت الدولة العثمانية أوروبا وأيقظتها من سباتها على الخطر الذي يتهددها بعد أن احتل العثمانيون القسطنطينية".

ترى عزت أن بعض المظاهر الإسلاموية تخفي وراءها جوهراً ليبرالياً

ويبدو أنّ طرح جدعان، يميل للقول إنّ الإسلاميين والليبراليين العرب، هما ممثلانِ لاتجاهٍ واحد، أنتجه الصراع على أسس النهضة والتقدم في مرحلة ما بعد الاستعمار، فأولهما يشكل ردة فعلٍ متمسكةٍ بماضيها أو ما تراه أسساً على صعيد الشكل على الأقل، وواقعةٍ في الوقت ذاته تحت تأثير التغير والتبدل الطبيعي، العلمي والتكنولوجي والاقتصادي والثقافي للعالم الذي لم يعد ممكناً إغلاقه جغرافياً أو ثقافياً على ثقافةٍ ورؤيةٍ واحدة، بينما الليبراليون العرب ويمثلون ثانيهما، وهم لا يحملون ظاهراً يشير إلى وجود أسس إسلامية أو عربيةٍ واضحة يجب التمسك بها، إنما يمكن الخضوع للأفراد وحقوقهم وملكياتهم، والعلاقات التي تربطهم حول العالم كله من خلال الأسواق والمصالح المتبادلة حتى السياسية، التي يتحكم فيها الاقتصاد أولاً.

هبة عزت: إن كثيراً من خطاب الإسلاميين هو خطاب رأسمالي وليبرالي في جوهره، ومتسربل بالديباجة الدينية

وبالعودة إلى الباحثة هبة رؤوف عزت، فإنها تقول في كتابها ذاته: "قبل الخطاب الإسلامي بوعي وبغير وعي تصوراتٍ تهيمن عليها الليبرالية فصاغ رؤيته على أسس بتبنى بعضها تصنيفات الليبرالية ويحاول أسلمةَ رؤيتها، بل والمفارقة أن الحركات الراديكالية قاتلت من أجل هذا التصور، متصورةً أنها تستعيد نموذج دولة المدينة المنورة الأولى".

إنها إذن محاولة دمجٍ بين طموحات الإسلاميين في دولةٍ تعددية ومدنية على نمط المدينة المنورة، ترضي في الآن ذاته بعض الطموحات الليبرالية حول التعددية والفردية والملكية والعدالة والخ وصولاً إلى ما هو نفعي ربما.

ولعل التجارب في التفاهم بين الليبراليين والإسلاميين سياسياً وحزبياً، مثل تجربة إعلان دمشق في سوريا عام 2000، وتجربة حركة كفاية في مصر عام 2003، وكذلك تجربة اللقاء المُشترك في اليمن، والتحالف بين اليسار واتحاد الشغل والإسلاميبن في تونس في 2005 لم تنتج أي تقدمٍ سواء بين الطرفين، أو على صعيد الدولة العربية ومجتمعها، خصوصاً بعد "الربيع العربي".

 

يحاول جدعان القول إنّ السلطة تتشكل من خلال الوعي بوجود عدو دائم

ويشكّل نموذجا الحكم في تونس ومصر بعد "الربيع العربي"، مثالاً على فشل هذه التجارب، سواء استئثار جماعة الإخوان بالحكم في مصر، والذي سرّع بسقوطها بعد عامٍ واحد لصالح عودة النظام التقليدي القديم بصورةٍ أخرى مشابهةٍ تقريباً، أو التحالف الحزبي في تونس، والذي يقول عنه هاشمي في كتابه ذاته "أنه لم يصمد أمام طموحات الإسلاميين في الاستئثار بالمجتمع التونسي على حساب الليبراليين" وبالتالي محاولة التخلص من هذا التحالف، وهو ما حاوله الليبراليون لاحقاً في تونس ذاتها، ويحدث اليوم عموماً.

اقرأ أيضاً: الليبرالية المحافظة، خياراً للعالم العربي

ويبدو أنّ المواطن العربي، الواقع بين تأثير النموذجين؛ أحدهما، أو كليهما إذا تحالفا، يواجه في أحيانٍ كثيرة؛ وجهين لعملةٍ واحدة، تتبدل فيها المصالح أو تتلاقى، مؤسلمةً كانت في طابعها وليبراليةً نفعيةً في المضمون، أو ليبراليةً نفعيةً صرفة. إلا أنّ نموذج مشروعٍ سياسي عربي، ثقافيٍ واقتصادي، يرتكز على مقومات الحضارة العربية الإسلامية دون أن يهمل المستقبل، هو النموذج المفقود الذي لم يعثر عليه مفكرو العصر الحديث إلى اليوم، وهو ما يجعل السياسيين من ليبراليين وإسلامويين وسواهم نماذج بعيدة بطبيعة الحال عن الذاتية العربية كدافعٍ للتقدم والتطور بمعزلٍ عن تأثير حالة ما بعد الاستعمار.

الصفحة الرئيسية