الوعي بالحداثة.. الجهل بالدين: كيف نفكر بشكل فاشل؟

4230
عدد القراءات

2019-04-14

إنّ التفكير عمل جيد في حدّ ذاته، وهو الطريق السليم إلى العمل السليم، وفي حال كان العمل تخريبياً أو حروباً، فهذا يعني حتماً فشلاً ذريعاً في التفكير، كما يقول شتاينبك، وبما أنّنا نعيش عصر متوالية التفكير الجامح، فالمعاناة الكبرى نمارسها في إنتاج تفكيرات ومفكرات فاشلة.

اقرأ أيضاً: ما الحاجة لإعادة التفكير في الاستشراق اليوم؟

والتفكير بوصفه مرافعة الإنسان أمام حاضره للدفاع عن مستقبله، وبوصفه احتجاجاً على الذهاب للمجهول؛ فهو شكل من أرقى أشكال تأكيد الوجود، فأيّ عقل هذا الذي يستطيع أن يفكر دوماً في هلاكه، عبر إنتاج كلّ هذا التراجع والتخلف والخراب، وعلى أقل تقدير الفشل المستمر؟

تؤمن أوروبا بالمسيحية إيماناً كبيراً، وتستحضرها في ثقافتها وفنونها وسائر إنجازاتها الحضارية

ما بعد الحقبة الاستعمارية، أو ما تسمى بـ "الكولونيالية"؛ قدّم الاستعمار تركة هائلة من أنماط السيطرة؛ حيث تمّ التحول من العسكرتاريا المسيطرة، إلى المعرفة باعتبارها سيطرة، المعرفة المختلفة، التي اشتبكت بفعالية مقاومة مع مفهوماتنا عن المعرفة والعلم والثقافة والأعراف، والتقاليد والرموز، والأخيرة هي محلّ النظر، باعتبارها قيمة متحولة وفاقدة للاعتبار على مدار الزمن ما بعد الكولونيالي.

تأسّس وعي العربي على الفخر بالأمجاد، والافتخار بالرموز والأجداد، وأخذ هذا المفهوم بالنمو، مثل أعشاب السافانا، وحين جاء الاستعمار، حطم هذا الصنم المعنوي المقدس بحجّة أنّ الاستعمار تحديث، وأنّ الشعوب المستعمَرة بربرية، وتقتات على مخلفات ماضيها، على الأقل، كان هذا هو التبرير الكبير للاستعمار، وبفضله سقطت شعارات وأوراق توت كثيرة، حتى ظهرت الحاجة إلى أيّ غطاء يستر عورة البربرية، في أهدافها وطموحاتها الجديدة والمعاصرة.

اقرأ أيضاً: التفكير مع إمبرتو إيكو: كيف نتجاوز موت المؤلف؟

لقد فكرنا كثيراً، وأنتج التفكير العربي ردّة فعل معاكسة، بالارتداد بشكل أكبر نحو الماضي، والاستغراق في حالة قصوى من الارتهان للتراث، حتى أصبح الحاضر عبئاً على الماضي، بدل أن يحدث العكس، لا أقصد هنا أن يكون الماضي عبئاً على الحاضر والمستقبل، بقدر ما تكون انحيازاتنا وخياراتنا دائما ماضوية، فيصعب من خلالها التعامل مع الحاضر ومع المستقبل كما تفرضه قواعد الجديد والحديث والمتطور.

وهنا تحديداً؛ أصاب العطب الأعراف والأسس الأولى للثقافة، وأصاب الفشل إستراتيجيات التفكير لدينا، حتى أننا صرنا أكثر قناعة بأنّ ما كان تبريراً للاستعمار القديم، لم يكن تبريراً، لقد كان تحفيزاً لوعينا وفكرنا لإنتاج مزيد من الهيمنة الماضوية.

اقرأ أيضاً: "التفكير فريضة إسلامية" للعقاد: الدين والفكر هداية متبادلة

ما ثار عليه العرب، من عجول التمر، إلى اللات والعزى ومناة الثالثة، وهبل، تخلّق مجدداً في دوائر التفكير الفاشل لمواجهة الاستعمارَين؛ القديم والحديث، فقد خلق العربي الحديث أوثانه الجديدة، ونبش التراب عنها، وبعثها من رفاتها القديم، وحاكم من خلالها حاضره الجديد، وبقناعة لا يدرك حجم الالتباس الذي تصنعه له، يمضي من خلالها، في بناء تصوراته حول مستقبله.

تؤمن أوروبا بالمسيحية إيماناً كبيراً، وتستحضرها في ثقافتها وفنونها وسائر إنجازاتها الحضارية، وذهب كبار مثقفيها إلى أنّ أوروبا بلا هويتها الثقافية المسيحية، تموت، كما يقول ت.س.إليوت: "في المسيحية نمت فنوننا، وفي المسيحية تأصلت قوانين أوروبا، وليس لتفكيرنا كله معنى، أو دلالة خارج الإطار المسيحي"، إلا أنّ ذلك كلّه لم يمنع أوروبا من أن تجدد وتطور وتنبي وتفكر وتخلق وتنتج حياتها كلها في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع والفلك والفضاء وسائر العلوم، من خلال التفكير خارج إطار التراث الذي توقف عند حدود المسلمات المعرفية المقدسة.

ليس صحيحاً أنّ الالتزام الديني يعني التخلف والرجعية والانسحاب من الحياة، تلك أوهام الوعظ القاصر والتفكير الفاشل

ليس صحيحاً أنّ المسلم اليوم، إذا أرد أن يبنى تصوراته الحداثية التجديدية في سلوكه وتفكيره عليه أن يتخلى عن دينه، كما يزعم بعض خطباء الوعظ، وليس صحيحاً أنّ الالتزام الديني يعني التخلف والرجعية والانسحاب من الحياة، تلك أوهام الوعظ القاصر والتفكير الفاشل، والذين أخذوا على زكي نجيب محمود قوله: "إمّا أن نعيش عصرنا بفكره ومشكلاته، وإمّا أن نرفضه ونوصد الأبواب دونه لنعيش تراثنا، نحن في ذلك أحرار، لكننا لا نملك الحرية في أن نوحد بين الفكرين"، لم ينتهوا إلى آخر السطر، فنحن تماماً لسنا أحراراً في الجمع بين الفكرين، لأنّ أعوام الانقياد والارتهان للتفسيرات الجامدة للدين والحياة قد سلبتنا القدرة على الجمع بينهما، وكلّ المحاولات في هذا الاتجاه كانت محاطة بالاتهامية والتشكيك والتكفير أيضاً.

اقرأ أيضاً: التفكير الفقهي ومشكلاته

نحن، اليوم، أمام حالة متقدمة من السلبية التي خلقها وأوجدها الفكر الجاهز، والذي بقي زمناً طويلاً يحاصر التفكير، ويجعله بين خيارين لا ثالث لهما؛ إما الإيمان وإما الكفر، حتى أصبح "التفكير في الكفر والتكفير" همّنا الأول، وشغلنا الشاغل، وأصبح المستقبل فريسة بين أنياب المتلبسين بالتكفير، وضحية المصابين بعطب التفكير الفاشل.

اقرأ المزيد...

الوسوم: