ماذا تعرف عن روحانية القلب عند الصوفيين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
4008
عدد القراءات

2019-02-18

ترجمة: مدني قصري


يقدّم المديرُ العلمي للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، والباحث في التصوف الإسلامي، بيير لوري (Pierre Lory)، طريقة أخرى لتجربة الإسلام، غير تلك التي تمارَس عادة، وهي طريقة صوفية القلب.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟
هناك، في الواقع، طريقتان رئيستان ممكنتان لاختبار حياة الارتباط بالإسلام عند المسلمين المؤمنين؛ الأولى تتمحور حول طاعة القانون (الشريعة): من خلال العبادات يستطيع المؤمن أن يتقرّب من الله تعالى الذي لا يمكن الوصول إليه بأيّة وسيلة أخرى. وأما الثانية؛ فمع احترامها ممارسة القانون، فهي تضيف بعداً إضافياً، يمكن للحياة الدنيوية أن تكون فرصة للّقاء مع لله، الذي يصبح عندئذ أقرب ما يكون القرب إلى عبده المؤمن، إنّه دين القلب.
الباحث في التصوف الإسلامي، بيير لوري (Pierre Lory)

ظهور البعد الباطني
وُلد الإسلام في القرن السابع من عصرنا، بين 622 إلى 632، أسّس النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، دينه الجديد على مساحة شملت، عند وفاته، عليه السلام، شبه الجزيرة العربية بأكملها؛ كان الدينُ متشابكاً تماماً في نظام اجتماعي، وقد وسّعت الفتوحات العربية بسرعة الإمبراطورية الإسلامية إلى إسبانيا غرباً، وإلى وادي السند شرقاً، وفي إطار هذه الإمبراطورية، تهيكل الدين الرسمي، وفق القواعد التي حدّدتها بشكل تدريجي هيئة من الفقهاء والعلماء، لم يظهر أيّ بعدٍ باطني في هذا الشكل الديني الجديد للوهلة الأولى، ومع ذلك، ومع مرور الوقت، وعلى أيّ حال منذ القرن الثامن، ظهر أفراد، أو مجموعات صغيرة معزولة، لم ترضهم الحياة الدينية الاجتماعية العادية؛ فهؤلاء لم ينشئوا أديرة؛ لأنّ الرهبنة، المناقضة لروح الإسلام، محظورة؛ بل انسحبوا بعيداً عن المدن، ومارسوا حياة الزهد، وانعكفوا على الصلاة والتأمل ليل نهار، وهكذا زادت هيبةُ هؤلاء الرجال المتأملين.

الحب الإلهي ليس حبّاً شخصياً بالمعنى الدقيق للكلمة، بعدُ هذا الحب، في جوهره، كونيٌّ خالص

لقد جعلوا أنفسهم مرئيين اجتماعياً، بفقرِ طريقتهم في الحياة؛ لذا أُطلق عليهم اسمُ "الفقير"، أو "الدرويش"، أو "المتصوّف" (الشخص الذي يلبس الصوف، نسيج أكثر الناس عوزاً)، على وجه الخصوص، في حوالي القرن العاشر، أصبحت هذه "الصوفية" مظهراً اجتماعياً كبيراً، بفضل الإشعاع الذي مارسته، ومنذ القرن الثاني عشر، أصبح وزنها مهيمِناً في بعض الأحيان: فالمتصوفة، بعد تجمّعِهم في جماعات أخوية، وكثيرة جداً أحياناً وقوية، تزوّدوا بهياكل ووسائل اقتصادية، جعلتهم يضطلعون بدورٍ مركزي في المدينة الإسلامية، وهو الدور الذي حافظوا عليه حتى القرن التاسع عشر، في معظم الأحيان.

 القرآن الكريم، مصدر الإلهام عند الصوفية، يخاطب القلب، كأداة لفهم الإيمان

القلب لفهم الإيمان

القرآن الكريم؛ الذي هو مصدر الإلهام الرئيس للصوفية، يتكلم بشكل متكرّر عن القلب، كأداة لفهم الإيمان، وهو يستخدم أربعة مصطلحات يمكن تمييزها على النحو التالي:

القلب: مصطلحٌ عام لجميع المَلَكات المعرفية والعاطفية عند الإنسان؛ فهكذا مثلاً، يقال "عين" لتعيين كامل عضو الرؤية.

الصدر: وهو مكان المعركة الروحية؛ إنه يحتوي على المركز، مثل بياض العين الذي يحيط بالبؤبؤ.

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية

الفؤاد: إنه مركز القلب، الذي يتيح الرؤية الصوفية، وهو مشابه لبؤبؤ العين.

اللبّ: وهو تدفّقُ الحياة الروحية، مثل نور البصر؛ إنه التأمّل في حدّ ذاته، يقترح النوري، وهو صوفي من القرن التاسع إلى القرن العاشر، تمييزاً آخر مُكمّلاً: في الصدر يكمن مكانُ الطاعة الخارجية، المرتبط بالوسط الاجتماعي (إسلام)، وفي القلب يكمن مكان الإيمان الشخصي، وفي الفؤاد يكمن مكان المعرفة المباشرة للأشياء الإلهية، وفي اللبّ يكمن مكان الاتحاد الصوفي الباطني.

وظيفة القلب هي وظيفة المِرآة. إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية

العقل ليس بديلاً عن القلب

تشير براعة هذه المفردات في المعجم القرآني إلى أنّ الفهم عن طريق الإيمان بالنسبة لجميع المسلمين، مُوجه إلى ملَكة بعينها، ليست مجرد ملكة عقلانية، لا يظهر مصطلح العقل (aql)  على هذا النحو في القرآن الكريم، لكنّها أيضاً ملَكة حدسية بديهية، تنطوي على الوجود كله، يَفترِض القلبُ الفهمَ، لكنّه يستدعي الحسّ أيضاً، وهذا ما هو مكثف في سورة "الزمر"، من القرآن الكريم (الآيات 21-23):

1. {ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ}.
2. {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
3. {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

اقرأ أيضاً: الصوفية في السنغال.. روحية افترست التطرف

ونستطيع ملاحظة ذلك في هذه الآيات: فالقلب يشمل قدرةَ الإنسان على الفهم، وتقبّله الراغب في الإيمان، والعاطفة التي تُعانق المؤمنَ المدرك لقرب الإله منه؛ فالتناظر مع عمليات النباتات الواردة في الآية (21) يشير إلى أنّ هذه تجربة حيوية، مع القوة والهشاشة اللتين توحِي بهما.
لقد عمّق الصوفيون بشكل خاص هذا الجانب من مقاربة الحياة الروحية، عن طرق القلب، وتكشف هذه المقاربة ثلاثة مستويات، ثلاثة "أسرار خفية".

1) سرّ المعرفة

كل إنسانٍ، وفق الصوفية، هو مسرحُ معركة، وجهاد داخلي، الروح الجسدية (النفس) تجذِبه إلى الملذات الدنيوية، وكلّ ما يرضي أنانيته؛ الروح الأعلى (rûh) تجذبه مثل المغناطيس نحو العالم الروحي والكلمة الإلهية، مكان هذه المعركة هو القلب، الذي يكون، بحسب الحالات، مزدحِماً بالدّنس، منحرفاً، أو مُنقَّى، هذه الأبعاد "الغنوصية" للقلب عُرضت بوضوح كبير من قبل المفكر الصوفي العميق، المفكر الغزالي (المتوفَّى عام 1111) في كتابه "إحياء علوم الدين" (الجزء 3، الكتاب 1) "تعليقات على عجائب قلب"، القلب يعني بالنسبة إليه الواقع العميق للإنسان، ما يجعله كائناً فريداً في كلّ الخليقة.

وظيفة الطقوس الدينية الصوفية هي التكرار للأدعية والأسماء الربانية

♦ وظيفة القلب

وظيفة القلب، في فكر الغزالي، هي وظيفة المِرآة؛ إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية، لكنّ الانشغالات الأنانية والدنيوية تطمس المِرآة بالصدأ (هنا الصورة قرآنية)، وبمختلف العيوب، وظيفة الطقوس الدينية الصوفية، والتمارين الروحية، لا سيما الذِّكْر، وهو التكرار للأدعية والأسماء الربانية، تتمثّل في تنقية سطح المِرآة، وتدريجياً، يدرك الصوفي طرائق النعمة الإلهية، بمزيد من الحدّة، ويمكنه التوصل إلى تنقيةٍ كاملة، وعندئذ يستطيع معرفة "الفناء" أمام ظهور الأنوار الإلهية المُبهرة التي تتجلى في قلبه.

وظيفة القلب، في فكر الغزالي، هي وظيفة المِرآة؛ إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية، لكنّ الانشغالات الأنانية والدنيوية تطمس المرآة بالصدأ

الأمر بالنسبة إلى الغزالي، يتعلق بتأمّل موحّد يكون القلبُ فيه هو العضو والوعاء في آنٍ: "كل قلب، على الرغم من الاختلافات الفردية، مؤهّل لمعرفة حقيقة الكائنات، لأنه هو نفسه كائن إلهي (أمرٌ ربّاني) ونبيل، والذي يتميّز بحكم صفته هذه، عن باقي مكوّنات العالم الأخرى، لأنه حيّزُ عِلم الأشياء الإلهية"، التجربة الإلهية هذه لا تستثني المنطق الاستطرادي العقلاني المنطقي، لكنّها تدمجه وتتجاوزه بطريقة ما، هنا يصبح علم اللاهوت النظري الاجتهادي، مجرّد علم ثانوي بسيط.

♦ تجرد الذات: القلب حرّ فارغ متاح

غالبا ما يأتي، في القرآن الكريم بالفعل، ذكرُ "رؤية القلب، على سبيل المثال: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُور" (الحج: 46)، قد يتعلق الأمر بتجارب رؤيوية أو حلمية؛ حيث يُنظر إلى الألوهية في شكل إحساسي، لكن في معظم الأحيان؛ يشير هذا التعبير في الواقع إلى التجربة الداخلية التي تحثّ يقيناً تاماً، قوياً وبديهياً، كأيّ إدراك حسّي، هذه المعرفة، هذا "الغنوص"، ليست من قبيل المكتسب العقلي، إنه يتطلب مساراً طويلاً، لخصه الصوفي أبو الحسين النوري، (القرن 9 - 10)، في كتيّبه "محطات القلوب"؛ القلب هو الطريق الروحي، المرتبط بحجٍّ وطقوسٍ واسعة، في داخل الذات على نحو ما، هنا ليس الأمرُ مجرد اكتساب، من خلال تراكم الخبرات، أو معرفةٍ حول العالم الإلهي؛ بل الأمر تجرّد الذات، وجعل القلب حراً فارغاً ومتاحاً: هنا نجد صورة المِرآة،  وكما كتب الرومي والشاعر الصوفي العظيم، فيما بعد، في كتابه الشهير "المثنوي":

"تأمل في قلبك كلّ علوم الأنبياء، من دون كتب، من دون أساتذة، من دون معلّمين". 
"كتابُ الصوفي لا يتكّون من حِبر وحروف، فهو مجرّد قلب أبيض، بياض الثلج".

2) سرّ الحبّ الخفي: العشق

لكنّ المسار الصوفي لا يقتصر فقط على المعرفة؛ المتصوّفون المسلمون يحدّثوننا، بلا كلل، عن الشرط الأول للرحلة: بزوغ الحب (العشق)، هذا الحب ليس شعوراً عاطفياً، بمعنى العاطفة البشرية؛ إنّه طاقة هائلة وسامية، طاقة تغزو، على غرار ولع الحبّ العاطفي، الشخص الذي يتلقاها وتتملّكه، من ناحية أخرى؛ هناك اختلاف مهمّ آخر يميّزه عن العاطفة الإنسانية التي يعبّر عنها التفاني العادي: الصوفي لا يكنّ العشق لله كـ "كائن" جدير بالحبّ؛ لأنّ الله لانهائي وغير قابل للقياس، فيما الإنسان عاجز عن أن يشكل من ذاته مصدراً لحبّ حقيقي، إذا كان الحبّ ينشأ في قلب الصوفي، فذلك لأنّ الله هو الذي يحثه فيه، حتى يعكس كمالَه في عبده، وهكذا كتب سلطان ولد ، الابن الأكبر لجلال الدين الرومي، وأحد مؤسسي الطريقة المولوية، يقول:"إنّ الله العلي القدير محبٌّ لذاته، وليس له مَن هو مساوٍ له، حتى يتأمّله؛ ..، ولهذا يجب أن تتحرّر من ذاتك، ومن تأمّلِ ذاتك، وأن تملأ نفسك بالحب والعاطفة لله..".

اقرأ أيضاً: "شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية
هذا الحبّ الإلهي ليس حبّاً شخصياً بالمعنى الدقيق للكلمة، بعدُ هذا الحب، في جوهره، كونيٌّ خالص:
"الحب يغني أغنية في قلب العالم المظلم.
أيها العشاق! استمعوا إلى كلماته (...)
الكون يعرف سرّه: هل يُبقى الصّدى سراً؟
هذا السرّ الخفي، كلّ ذرّة تردّده: تُرى، ما حاجتي للحديث؟"

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر

الحبّ هو القوة القادرة على تحويل القلوب المتحجّرة إلى أحجار كريمة ثمينة (الرومي)

إنّ سلطان الحب (العشق) في قلب الصوفي هائلٌ شاسع، يكرّس له معظمُ الشعر الفارسي الغنائي، ذي التوجّه الصوفي؛ لدعوته، ولسلطته، للذة والمعاناة التي يجلبهما، الحبّ يمثل في آنٍ الوجودَ الإلهي في قلب المؤمن، والقوة القادرة على تحويل "القلوب المتحجّرة إلى أحجار كريمة ثمينة" (الرومي)، كما يستدعي الشعراء رمزية السُّكْر(النشوة).
"كلماتي ثمِلة، وقلبي ثمِل، وصورُك ثمِلة، سقط بعضُها فوق بعض، وهي تنظر ... "(الرومي).

اقرأ أيضاً: محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ
فالحبّ يشكّل، إذاً، قوّة، وناراً خيميائية، تحوّل القلوب الضيقة والمتصلبة إلى معابدَ نقية، من أجل الحضرة الإلهية، ابن عربي يختتم واحدة من أشهر قصائده بالأبيات الآتية:
لقد صـــــــــار قلبي قابلاً كلّ صورة
فديرٌ لرهبانٍ ومرعَى لغزلانِ
ومعبدُ أوثان، وكعبةُ طائف
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ...
أدين بدين الحبّ ما توجهت طرائقه،
فالحبُّ ديني وإيماني.

اقرأ أيضاً: حضرة عنايت خان.. ما هو الدين عند الصوفي؟

ولادة ثانية

3) السرّ الخفي للولادة الثانية
غير أنّ قلب الفكر الباطني الإسلامي يقع على مستوى من التعبير المتعذّر؛ فهو يستند إلى عقيدة الإنسان الشمولي، الله، وفق هذا المبدأ، خلق الشكل البشري في المقام الأول، قبل الكون، بل حتى قبل الملائكة، ثمّ لعله خلق بقية الكون، وفق صورة هذا الإنسان الشمولي، ومن هنا التماسك العابرُ للعوالم المختلفة التي تعكس معظمُ أجزائها الصغيرة أكبرَ الأجزاء فيها وتلخصها:
"اعلمْ أنّ العالم كلّه مِرآة؛ ففي كلّ ذرّة تجد مائة شمس ملتهبة، لو أذبْتَ القلب بقطرة ماء واحدة، فسينبثق منها مائة محيط نقيّ، لو فحصت كلّ ذرّة من الغبار، ستكتشف فيها ألف آدم".

♦ التصوّف ولادة ثانية

الإنسان الملموس، الدنيوي الأرضي، لعله خُلق أخيراً؛ هذا تفسير للصيغة المشهورة، التي تُعطى في بعض الأحيان كحديث: "لقد خلق الرحمن الرحيم آدم على صورته"؛ أي وفق الصورة الأصيلة التي صاغها جلّ جلاله فيما قبل الخلود؛ الإنسان الملموس هو المخلوق الأكثر تطابقاً مع هذا النموذج السامي الأوّل؛ فهو إذاً، من حيث المبدأ، الأكثر كمالاً، والأكثر اكتمالاً، هنا في هذه الدنيا، لكن من حيث المبدأ، المحتمل فقط، وعليه، أيّ الإنسان، تحقيق هذا الكمال، والتوافق مع هذا النموذج الإلهي الموجود من قبل، هذا هو معنى كلّ جهود الصوفي، مسترشداً بالمعرفة، ومتفاعلاً بالحبّ؛ إنه نوع من الولادة الثانية.

اقرأ أيضاً: كيف تخفّت الجماعة خلف قناع الصوفية؟

وجهات النظر الدينية الكلاسيكية معكوسة هنا؛ فالإنسان الكامل المثالي يُجسّد في الحاضر الرحمة الإلهية وأبديّتها؛ فهكذا يصف أبو الحسين النوري، أحد أعلام التصوف، قلب المؤمن كحديقة غنّاء، ممّا يوحي بأنّ قلب الصوفي ليس شيئاً آخر غير المكان الحقيقي للجنة، ومسكن الله تعالى على الأرض، وهو يلخص في مكان آخر ذلك الاستحضار لذلك القدر الأعلى للإنسان الكامل، وهو تحوّله إلى أعمق كيانه المادي والروحي حميميّة، وبالتالي تحقيق الصورة الإلهية الأصيلة: "إنّ أوّل شيء سيظهر في قلب الذي يرغب الله في سعادته، هو النور؛ وهذا النور يصبح بعد ذلك جلاء، ثم شعاعاً، ثم قمراً، وأخيراً شمساً؛ فعندما يظهر النور في القلب، يفقِد العالم، وكلّ ما يحتويه كل قيمة في عينيه، وعندما يصبح النور قمراً، ينبذ الإنسان الآخرة وما تحتويه، وعندما يصبح القمر شمساً، فلم يعد يرى لا العالم  ولا ما هو فيه، ولا الآخرة وما تحتويه؛ فهو لم يعد يعرف سوى ربّه، عندئذ يكون جسده نوراً، وقلبُه نوراً ولسانه نوراً أيضاً، "نور على نور، يُوجّه الله إلى نوره من يشاء!"، وهكذا يكتمل تحويل الإنسان العادي إلى إنسان روحيّ كامل.

اقرأ أيضاً: الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

مسكُ الختام حديث شريف، وهو تقليد ينسبه الصوفيون إلى النبي، صلى الله عليه وسلّم، يؤكد أنّ "قلب المؤمن هو عرش الله"؛ لأنّ من أعمق أسرار الله الخفية هو الإنسان تحديداً، وهذا ما يجعل الوصولَ إلى ذات الإنسان صعباً للغاية؛ لأنّ فحص المكتبات بأكملها، أو التجوّل حول العالم، أسهلُ من معرفة الشخص لذاته الكامنة، ومع ذلك؛ غالباً ما يكرّر الصوفية حديثاً آخر، يقول فيه الله: "لم تسعني أرضي ولا سمائي ووَسِعَني قلبُ عبديَ المؤمن".

كيف يمكن أن نتصوّر هذا؟ كان أحدُهم يُعلّق ذات يوم، بحضور الصوفي الكبير الشيبلي، على الآية القرآنية "{ِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: ٣7)، سُئِل الصوفي: "من هم أولئك الذين لديهم قلب؟"، فأجاب: "إنهم الذين قلبُهم هو الله".


المصدر: cle.ens-lyon.fr

اقرأ المزيد...

الوسوم:



ماذا تعرف عن روحانية القلب عند الصوفيين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
عدد القراءات

2019-02-18

ترجمة: مدني قصري


يقدّم المديرُ العلمي للمعهد الفرنسي للشرق الأدنى، والباحث في التصوف الإسلامي، بيير لوري (Pierre Lory)، طريقة أخرى لتجربة الإسلام، غير تلك التي تمارَس عادة، وهي طريقة صوفية القلب.

اقرأ أيضاً: هل تنجح الصوفية في مواجهة الفكر الجهادي؟
هناك، في الواقع، طريقتان رئيستان ممكنتان لاختبار حياة الارتباط بالإسلام عند المسلمين المؤمنين؛ الأولى تتمحور حول طاعة القانون (الشريعة): من خلال العبادات يستطيع المؤمن أن يتقرّب من الله تعالى الذي لا يمكن الوصول إليه بأيّة وسيلة أخرى. وأما الثانية؛ فمع احترامها ممارسة القانون، فهي تضيف بعداً إضافياً، يمكن للحياة الدنيوية أن تكون فرصة للّقاء مع لله، الذي يصبح عندئذ أقرب ما يكون القرب إلى عبده المؤمن، إنّه دين القلب.
الباحث في التصوف الإسلامي، بيير لوري (Pierre Lory)

ظهور البعد الباطني
وُلد الإسلام في القرن السابع من عصرنا، بين 622 إلى 632، أسّس النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، دينه الجديد على مساحة شملت، عند وفاته، عليه السلام، شبه الجزيرة العربية بأكملها؛ كان الدينُ متشابكاً تماماً في نظام اجتماعي، وقد وسّعت الفتوحات العربية بسرعة الإمبراطورية الإسلامية إلى إسبانيا غرباً، وإلى وادي السند شرقاً، وفي إطار هذه الإمبراطورية، تهيكل الدين الرسمي، وفق القواعد التي حدّدتها بشكل تدريجي هيئة من الفقهاء والعلماء، لم يظهر أيّ بعدٍ باطني في هذا الشكل الديني الجديد للوهلة الأولى، ومع ذلك، ومع مرور الوقت، وعلى أيّ حال منذ القرن الثامن، ظهر أفراد، أو مجموعات صغيرة معزولة، لم ترضهم الحياة الدينية الاجتماعية العادية؛ فهؤلاء لم ينشئوا أديرة؛ لأنّ الرهبنة، المناقضة لروح الإسلام، محظورة؛ بل انسحبوا بعيداً عن المدن، ومارسوا حياة الزهد، وانعكفوا على الصلاة والتأمل ليل نهار، وهكذا زادت هيبةُ هؤلاء الرجال المتأملين.

الحب الإلهي ليس حبّاً شخصياً بالمعنى الدقيق للكلمة، بعدُ هذا الحب، في جوهره، كونيٌّ خالص

لقد جعلوا أنفسهم مرئيين اجتماعياً، بفقرِ طريقتهم في الحياة؛ لذا أُطلق عليهم اسمُ "الفقير"، أو "الدرويش"، أو "المتصوّف" (الشخص الذي يلبس الصوف، نسيج أكثر الناس عوزاً)، على وجه الخصوص، في حوالي القرن العاشر، أصبحت هذه "الصوفية" مظهراً اجتماعياً كبيراً، بفضل الإشعاع الذي مارسته، ومنذ القرن الثاني عشر، أصبح وزنها مهيمِناً في بعض الأحيان: فالمتصوفة، بعد تجمّعِهم في جماعات أخوية، وكثيرة جداً أحياناً وقوية، تزوّدوا بهياكل ووسائل اقتصادية، جعلتهم يضطلعون بدورٍ مركزي في المدينة الإسلامية، وهو الدور الذي حافظوا عليه حتى القرن التاسع عشر، في معظم الأحيان.

 القرآن الكريم، مصدر الإلهام عند الصوفية، يخاطب القلب، كأداة لفهم الإيمان

القلب لفهم الإيمان

القرآن الكريم؛ الذي هو مصدر الإلهام الرئيس للصوفية، يتكلم بشكل متكرّر عن القلب، كأداة لفهم الإيمان، وهو يستخدم أربعة مصطلحات يمكن تمييزها على النحو التالي:

القلب: مصطلحٌ عام لجميع المَلَكات المعرفية والعاطفية عند الإنسان؛ فهكذا مثلاً، يقال "عين" لتعيين كامل عضو الرؤية.

الصدر: وهو مكان المعركة الروحية؛ إنه يحتوي على المركز، مثل بياض العين الذي يحيط بالبؤبؤ.

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية

الفؤاد: إنه مركز القلب، الذي يتيح الرؤية الصوفية، وهو مشابه لبؤبؤ العين.

اللبّ: وهو تدفّقُ الحياة الروحية، مثل نور البصر؛ إنه التأمّل في حدّ ذاته، يقترح النوري، وهو صوفي من القرن التاسع إلى القرن العاشر، تمييزاً آخر مُكمّلاً: في الصدر يكمن مكانُ الطاعة الخارجية، المرتبط بالوسط الاجتماعي (إسلام)، وفي القلب يكمن مكان الإيمان الشخصي، وفي الفؤاد يكمن مكان المعرفة المباشرة للأشياء الإلهية، وفي اللبّ يكمن مكان الاتحاد الصوفي الباطني.

وظيفة القلب هي وظيفة المِرآة. إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية

العقل ليس بديلاً عن القلب

تشير براعة هذه المفردات في المعجم القرآني إلى أنّ الفهم عن طريق الإيمان بالنسبة لجميع المسلمين، مُوجه إلى ملَكة بعينها، ليست مجرد ملكة عقلانية، لا يظهر مصطلح العقل (aql)  على هذا النحو في القرآن الكريم، لكنّها أيضاً ملَكة حدسية بديهية، تنطوي على الوجود كله، يَفترِض القلبُ الفهمَ، لكنّه يستدعي الحسّ أيضاً، وهذا ما هو مكثف في سورة "الزمر"، من القرآن الكريم (الآيات 21-23):

1. {ألَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ}.
2. {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.
3. {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ}.

اقرأ أيضاً: الصوفية في السنغال.. روحية افترست التطرف

ونستطيع ملاحظة ذلك في هذه الآيات: فالقلب يشمل قدرةَ الإنسان على الفهم، وتقبّله الراغب في الإيمان، والعاطفة التي تُعانق المؤمنَ المدرك لقرب الإله منه؛ فالتناظر مع عمليات النباتات الواردة في الآية (21) يشير إلى أنّ هذه تجربة حيوية، مع القوة والهشاشة اللتين توحِي بهما.
لقد عمّق الصوفيون بشكل خاص هذا الجانب من مقاربة الحياة الروحية، عن طرق القلب، وتكشف هذه المقاربة ثلاثة مستويات، ثلاثة "أسرار خفية".

1) سرّ المعرفة

كل إنسانٍ، وفق الصوفية، هو مسرحُ معركة، وجهاد داخلي، الروح الجسدية (النفس) تجذِبه إلى الملذات الدنيوية، وكلّ ما يرضي أنانيته؛ الروح الأعلى (rûh) تجذبه مثل المغناطيس نحو العالم الروحي والكلمة الإلهية، مكان هذه المعركة هو القلب، الذي يكون، بحسب الحالات، مزدحِماً بالدّنس، منحرفاً، أو مُنقَّى، هذه الأبعاد "الغنوصية" للقلب عُرضت بوضوح كبير من قبل المفكر الصوفي العميق، المفكر الغزالي (المتوفَّى عام 1111) في كتابه "إحياء علوم الدين" (الجزء 3، الكتاب 1) "تعليقات على عجائب قلب"، القلب يعني بالنسبة إليه الواقع العميق للإنسان، ما يجعله كائناً فريداً في كلّ الخليقة.

وظيفة الطقوس الدينية الصوفية هي التكرار للأدعية والأسماء الربانية

♦ وظيفة القلب

وظيفة القلب، في فكر الغزالي، هي وظيفة المِرآة؛ إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية، لكنّ الانشغالات الأنانية والدنيوية تطمس المِرآة بالصدأ (هنا الصورة قرآنية)، وبمختلف العيوب، وظيفة الطقوس الدينية الصوفية، والتمارين الروحية، لا سيما الذِّكْر، وهو التكرار للأدعية والأسماء الربانية، تتمثّل في تنقية سطح المِرآة، وتدريجياً، يدرك الصوفي طرائق النعمة الإلهية، بمزيد من الحدّة، ويمكنه التوصل إلى تنقيةٍ كاملة، وعندئذ يستطيع معرفة "الفناء" أمام ظهور الأنوار الإلهية المُبهرة التي تتجلى في قلبه.

وظيفة القلب، في فكر الغزالي، هي وظيفة المِرآة؛ إنّه مصنوع ليعكس الأضواء الإلهية، لكنّ الانشغالات الأنانية والدنيوية تطمس المرآة بالصدأ

الأمر بالنسبة إلى الغزالي، يتعلق بتأمّل موحّد يكون القلبُ فيه هو العضو والوعاء في آنٍ: "كل قلب، على الرغم من الاختلافات الفردية، مؤهّل لمعرفة حقيقة الكائنات، لأنه هو نفسه كائن إلهي (أمرٌ ربّاني) ونبيل، والذي يتميّز بحكم صفته هذه، عن باقي مكوّنات العالم الأخرى، لأنه حيّزُ عِلم الأشياء الإلهية"، التجربة الإلهية هذه لا تستثني المنطق الاستطرادي العقلاني المنطقي، لكنّها تدمجه وتتجاوزه بطريقة ما، هنا يصبح علم اللاهوت النظري الاجتهادي، مجرّد علم ثانوي بسيط.

♦ تجرد الذات: القلب حرّ فارغ متاح

غالبا ما يأتي، في القرآن الكريم بالفعل، ذكرُ "رؤية القلب، على سبيل المثال: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُور" (الحج: 46)، قد يتعلق الأمر بتجارب رؤيوية أو حلمية؛ حيث يُنظر إلى الألوهية في شكل إحساسي، لكن في معظم الأحيان؛ يشير هذا التعبير في الواقع إلى التجربة الداخلية التي تحثّ يقيناً تاماً، قوياً وبديهياً، كأيّ إدراك حسّي، هذه المعرفة، هذا "الغنوص"، ليست من قبيل المكتسب العقلي، إنه يتطلب مساراً طويلاً، لخصه الصوفي أبو الحسين النوري، (القرن 9 - 10)، في كتيّبه "محطات القلوب"؛ القلب هو الطريق الروحي، المرتبط بحجٍّ وطقوسٍ واسعة، في داخل الذات على نحو ما، هنا ليس الأمرُ مجرد اكتساب، من خلال تراكم الخبرات، أو معرفةٍ حول العالم الإلهي؛ بل الأمر تجرّد الذات، وجعل القلب حراً فارغاً ومتاحاً: هنا نجد صورة المِرآة،  وكما كتب الرومي والشاعر الصوفي العظيم، فيما بعد، في كتابه الشهير "المثنوي":

"تأمل في قلبك كلّ علوم الأنبياء، من دون كتب، من دون أساتذة، من دون معلّمين". 
"كتابُ الصوفي لا يتكّون من حِبر وحروف، فهو مجرّد قلب أبيض، بياض الثلج".

2) سرّ الحبّ الخفي: العشق

لكنّ المسار الصوفي لا يقتصر فقط على المعرفة؛ المتصوّفون المسلمون يحدّثوننا، بلا كلل، عن الشرط الأول للرحلة: بزوغ الحب (العشق)، هذا الحب ليس شعوراً عاطفياً، بمعنى العاطفة البشرية؛ إنّه طاقة هائلة وسامية، طاقة تغزو، على غرار ولع الحبّ العاطفي، الشخص الذي يتلقاها وتتملّكه، من ناحية أخرى؛ هناك اختلاف مهمّ آخر يميّزه عن العاطفة الإنسانية التي يعبّر عنها التفاني العادي: الصوفي لا يكنّ العشق لله كـ "كائن" جدير بالحبّ؛ لأنّ الله لانهائي وغير قابل للقياس، فيما الإنسان عاجز عن أن يشكل من ذاته مصدراً لحبّ حقيقي، إذا كان الحبّ ينشأ في قلب الصوفي، فذلك لأنّ الله هو الذي يحثه فيه، حتى يعكس كمالَه في عبده، وهكذا كتب سلطان ولد ، الابن الأكبر لجلال الدين الرومي، وأحد مؤسسي الطريقة المولوية، يقول:"إنّ الله العلي القدير محبٌّ لذاته، وليس له مَن هو مساوٍ له، حتى يتأمّله؛ ..، ولهذا يجب أن تتحرّر من ذاتك، ومن تأمّلِ ذاتك، وأن تملأ نفسك بالحب والعاطفة لله..".

اقرأ أيضاً: "شيخ العرب"... صوفي حاربته السلفية
هذا الحبّ الإلهي ليس حبّاً شخصياً بالمعنى الدقيق للكلمة، بعدُ هذا الحب، في جوهره، كونيٌّ خالص:
"الحب يغني أغنية في قلب العالم المظلم.
أيها العشاق! استمعوا إلى كلماته (...)
الكون يعرف سرّه: هل يُبقى الصّدى سراً؟
هذا السرّ الخفي، كلّ ذرّة تردّده: تُرى، ما حاجتي للحديث؟"

اقرأ أيضاً: تعرف على أبرز الطرق الصوفية في مصر

الحبّ هو القوة القادرة على تحويل القلوب المتحجّرة إلى أحجار كريمة ثمينة (الرومي)

إنّ سلطان الحب (العشق) في قلب الصوفي هائلٌ شاسع، يكرّس له معظمُ الشعر الفارسي الغنائي، ذي التوجّه الصوفي؛ لدعوته، ولسلطته، للذة والمعاناة التي يجلبهما، الحبّ يمثل في آنٍ الوجودَ الإلهي في قلب المؤمن، والقوة القادرة على تحويل "القلوب المتحجّرة إلى أحجار كريمة ثمينة" (الرومي)، كما يستدعي الشعراء رمزية السُّكْر(النشوة).
"كلماتي ثمِلة، وقلبي ثمِل، وصورُك ثمِلة، سقط بعضُها فوق بعض، وهي تنظر ... "(الرومي).

اقرأ أيضاً: محمد المهدي المجذوب.. جنون شاعر وزهد صوفيّ
فالحبّ يشكّل، إذاً، قوّة، وناراً خيميائية، تحوّل القلوب الضيقة والمتصلبة إلى معابدَ نقية، من أجل الحضرة الإلهية، ابن عربي يختتم واحدة من أشهر قصائده بالأبيات الآتية:
لقد صـــــــــار قلبي قابلاً كلّ صورة
فديرٌ لرهبانٍ ومرعَى لغزلانِ
ومعبدُ أوثان، وكعبةُ طائف
وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآنِ...
أدين بدين الحبّ ما توجهت طرائقه،
فالحبُّ ديني وإيماني.

اقرأ أيضاً: حضرة عنايت خان.. ما هو الدين عند الصوفي؟

ولادة ثانية

3) السرّ الخفي للولادة الثانية
غير أنّ قلب الفكر الباطني الإسلامي يقع على مستوى من التعبير المتعذّر؛ فهو يستند إلى عقيدة الإنسان الشمولي، الله، وفق هذا المبدأ، خلق الشكل البشري في المقام الأول، قبل الكون، بل حتى قبل الملائكة، ثمّ لعله خلق بقية الكون، وفق صورة هذا الإنسان الشمولي، ومن هنا التماسك العابرُ للعوالم المختلفة التي تعكس معظمُ أجزائها الصغيرة أكبرَ الأجزاء فيها وتلخصها:
"اعلمْ أنّ العالم كلّه مِرآة؛ ففي كلّ ذرّة تجد مائة شمس ملتهبة، لو أذبْتَ القلب بقطرة ماء واحدة، فسينبثق منها مائة محيط نقيّ، لو فحصت كلّ ذرّة من الغبار، ستكتشف فيها ألف آدم".

♦ التصوّف ولادة ثانية

الإنسان الملموس، الدنيوي الأرضي، لعله خُلق أخيراً؛ هذا تفسير للصيغة المشهورة، التي تُعطى في بعض الأحيان كحديث: "لقد خلق الرحمن الرحيم آدم على صورته"؛ أي وفق الصورة الأصيلة التي صاغها جلّ جلاله فيما قبل الخلود؛ الإنسان الملموس هو المخلوق الأكثر تطابقاً مع هذا النموذج السامي الأوّل؛ فهو إذاً، من حيث المبدأ، الأكثر كمالاً، والأكثر اكتمالاً، هنا في هذه الدنيا، لكن من حيث المبدأ، المحتمل فقط، وعليه، أيّ الإنسان، تحقيق هذا الكمال، والتوافق مع هذا النموذج الإلهي الموجود من قبل، هذا هو معنى كلّ جهود الصوفي، مسترشداً بالمعرفة، ومتفاعلاً بالحبّ؛ إنه نوع من الولادة الثانية.

اقرأ أيضاً: كيف تخفّت الجماعة خلف قناع الصوفية؟

وجهات النظر الدينية الكلاسيكية معكوسة هنا؛ فالإنسان الكامل المثالي يُجسّد في الحاضر الرحمة الإلهية وأبديّتها؛ فهكذا يصف أبو الحسين النوري، أحد أعلام التصوف، قلب المؤمن كحديقة غنّاء، ممّا يوحي بأنّ قلب الصوفي ليس شيئاً آخر غير المكان الحقيقي للجنة، ومسكن الله تعالى على الأرض، وهو يلخص في مكان آخر ذلك الاستحضار لذلك القدر الأعلى للإنسان الكامل، وهو تحوّله إلى أعمق كيانه المادي والروحي حميميّة، وبالتالي تحقيق الصورة الإلهية الأصيلة: "إنّ أوّل شيء سيظهر في قلب الذي يرغب الله في سعادته، هو النور؛ وهذا النور يصبح بعد ذلك جلاء، ثم شعاعاً، ثم قمراً، وأخيراً شمساً؛ فعندما يظهر النور في القلب، يفقِد العالم، وكلّ ما يحتويه كل قيمة في عينيه، وعندما يصبح النور قمراً، ينبذ الإنسان الآخرة وما تحتويه، وعندما يصبح القمر شمساً، فلم يعد يرى لا العالم  ولا ما هو فيه، ولا الآخرة وما تحتويه؛ فهو لم يعد يعرف سوى ربّه، عندئذ يكون جسده نوراً، وقلبُه نوراً ولسانه نوراً أيضاً، "نور على نور، يُوجّه الله إلى نوره من يشاء!"، وهكذا يكتمل تحويل الإنسان العادي إلى إنسان روحيّ كامل.

اقرأ أيضاً: الصوفية في الصومال: قيم روحية وأفكار ثورية مناوئة للاستعمار

مسكُ الختام حديث شريف، وهو تقليد ينسبه الصوفيون إلى النبي، صلى الله عليه وسلّم، يؤكد أنّ "قلب المؤمن هو عرش الله"؛ لأنّ من أعمق أسرار الله الخفية هو الإنسان تحديداً، وهذا ما يجعل الوصولَ إلى ذات الإنسان صعباً للغاية؛ لأنّ فحص المكتبات بأكملها، أو التجوّل حول العالم، أسهلُ من معرفة الشخص لذاته الكامنة، ومع ذلك؛ غالباً ما يكرّر الصوفية حديثاً آخر، يقول فيه الله: "لم تسعني أرضي ولا سمائي ووَسِعَني قلبُ عبديَ المؤمن".

كيف يمكن أن نتصوّر هذا؟ كان أحدُهم يُعلّق ذات يوم، بحضور الصوفي الكبير الشيبلي، على الآية القرآنية "{ِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (ق: ٣7)، سُئِل الصوفي: "من هم أولئك الذين لديهم قلب؟"، فأجاب: "إنهم الذين قلبُهم هو الله".


المصدر: cle.ens-lyon.fr