محمد البشاري: جماعات الإسلام السياسي تسعى لاصطدامنا مع الآخر

2506
عدد القراءات

2019-09-01

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الأمين العام لـ "المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة" د.محمد البشاري إنّه من الضروري تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة في الغرب. ودعا، في حواره مع "حفريات"، إلى الالتزام بخطاب إسلامي وسطي معتدل "يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتوادّ والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم".

اقرأ أيضاً: كيف خرج الإسلام السياسي على موقف أهل السنّة من الدولة؟
وأضاف رئيس "الفيدرالية العامة للمسلمين في فرنسا"، أنّ علينا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، و"مراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية".

وهنا نصّ الحوار:
العيش المشترك

تيارات الإسلام السياسي تشتغل على ما يسمى "الأسلمة" التي تعطي ولاءات خارج الأوطان
كيف تصف الوجود الإسلامي والمجتمعات المسلمة بأوروبا ومشكلاتها؟

المسلمون في دول أوروبية كثيرة يعيشون كأقلية بشرية أو دينية، ورغم اعتراف دول كثيرة بالإسلام رسمياً، والحضور القوي في بعض الحالات، إلّا أنّ المسلمين في حاجة إلى تشريعات قادرة على حماية الحقوق الثقافية والشعائر التعبدية هذا من جهة، ومن جهة أخرى؛ العمل على تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب، مقابل فتاوى الانزواء، لا سيما ما يخص قضايا العيش المشترك وأسس التواصل الحضاري؛ حيث كان من اللازم تأصيل الفقه وتذليل الصعاب بين الممارسة الدينية وقوانين بلدان المجتمعات المسلمة.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم علاقة الإسلام السياسي بالحداثة؟
وما يجري في أوروبا، على سبيل المثال، من محاولة بعض الجماعات عزل المسلمين في "جيتو"، واستخدامهم كظهير للتنظيمات، لا حلّ له سوى العمل بجدية على إعادة العقل الإسلامي من جديد، للحدّ من وتيرة الحروب الدينية والطائفية، التي لن تتم إلا من خلال إطلاق مبادرات الحوار والتنمية المستدامة والعناية بقضايا الشباب والفقر والجهل.

هل توجد تجربة ناجحة ونموذج يمكن أن نبني عليه على هذا الصعيد؟

في رأيي؛ في كلّ دولة من دول المجتمعات المسلمة تجارب مميزة، فمثلاً روسيا استطاعت أن تقدم نموذجاً يحتذى به في مجال إدارة التعددية الدينية والثقافية، وهو ما تحثّ عليه "وثيقة الإخوة الإنسانية"؛ التي وقّع عليها قداسة البابا فرانسوا، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب، في أبوظبي، وهي التي بعثت أمل التعايش لأتباع الأديان والثقافات، خاصة أنّ دعوة الإسلام هي السلم بين الدول والتعايش بين الشعوب، وبرّ بالوالدين، وحسن الجوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، ودعوة عفو وصفح ومحبة، وتعاون على الخير.

الإسلام يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية

برأيكم، ما الذي يعيد العمل بالتعددية الدينية والثقافية؟
يمكن أن يتم هذا عبر التفكير والرجوع للخزانة الإسلامية المليئة بالمؤلفات، لكن لا بدّ من أن يلاحظ أنّ المدارس الفقهية، مثل المالكية، اعتنت بفقه النوازل، والنازلة هي المصيبة، نظراً إلى قرب مشايخها من الأندلس، وأما المذهب الحنفي؛ فتميز بفقه الرأي، وأما المالكية فتعاملت مع الوجود كأقلية دينية، وجاءت قضية الهجرة بعد غرناطة، فدعت بعض المدارس الفقهية المجتمعات بعدم العيش في بلاد الكفار، وهناك من أصّل فيما بعد للفقه القتالي، وهنا يأتي علينا الدور في تناول المسألة من حيث الفقه المقاصدي، وتظهر هنا مدرسة عبد الله بين بيه، التي تناولت دور الدولة الإسلامية وجيرانها، والأمن الفقهي الفكري السياسي، الأمر الذي كرّسه إعلان مراكش لحقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي.

تأصيل فقه الأقليات والمواطنة مطلوب مقابل فتاوى الانزواء خاصة فيما يخص العيش المشترك والتواصل الحضاري

والذي أعطى للمجتمعات المسلمة نفساً كبيراً مع محاوريها؛ أنّ ديننا الإسلامي يحض على احترام التعددية والاعتراف بالمخالفة الدينية؛ لذا نجد أنّ العلّامة الشيخ عبد الله بن بيه، رئيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، يهتم أكثر بإعادة النظر في تراثنا الفقهي، مستنبطاً منه ما يصلح لنا في عالمنا المعاصر لتحقيق العيش السعيد والسليم، مع كلّ المكونات المجتمعية والدينية، من خلال عقده للمؤتمرات والندوات وإطلاقه مبادرة دولية باسم "حلف الفضول"، من أجل ميثاق عالمي للأديان، قادر على أن يمتصّ كلّ الأحقاد والكراهية ليحولها إلى قوة سلم وسلام.

ما الذي تقصده بالأمن الفقهي الفكري السياسي؟
أقصد أنّ المجتمعات تعيش حالة أمن وليس صداماً، من الطرفين على حدّ سواء، فهناك في المجتمعات الأوروبية متطرفون، لكنّها حالات عرضية، وعلينا هنا العناية بالفقه الذي يؤصّل للعدالة الاجتماعية، ومراجعة كل ما يحرض على الصدام مع الآخر، ونقد التراث الفكري القديم الذي يجعل هذه العلاقة علاقة حرب وجزية.

فقه النوازل

الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة في الغرب ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية
هل كان الاستعمار الأوروبي للشرق سبباً في تلك الأزمات ومنها ظهور الجماعات والتنظيمات؟

طوال التاريخ؛ هناك جماعات متطرفة مثل الخوارج، ولم يكن هناك استعمار، لكن الفقه الذي كان يعمل على ما يسمى النوازل والتمكين والقتال تسبّب في ظهور الإخوان والولي الفقيه وحزب التحرير والقاعدة، وكان هذا منسجماً مع الأصول القديمة.

هل تعتقد أنّ هناك من يحرص على تأصيل هذه التناقضات في المجتمعات المسلمة؟
بكل تأكيد؛ هناك من يعمل على هذا الفقه، وهناك من يؤصّل للتناقض، ويخلق حالة من الصدامية، في ظلّ القوانين الأوروبية التي تعدّ المسلمين جزءاً من نسيج المجتمعات الأوروبية، ولاحظ كيف أنّ آلاف الشبان الأوروبيين والفتيات التحقوا بداعش، وهذا دفع بعض الدول لعدم الاعتراف بالإسلام حتى الآن؛ أي أن تموّل ما يسمى الشأن الديني.
على سبيل المثال؛ في ألمانيا ست عشرة جهة تتحدث باسم المسلمين، ورغم أنّ  الإسلام هو الديانة الثالثة في ألمانيا، لكنّه لا يحظى بالاعتراف الرسمي حتى الآن، أما السبب الأساسي الذي يشار إليه؛ فهو تعدّد الجمعيات الإسلامية واستحالة إمكانية تحدثها بصوت واحد.

الغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود

كما أنّ الاختلاف الذي قد يصل إلى التناحر داخل جماعة المسلمين، هو أمر فعلي، وله أصوله في التعددية الإثنية التي تكون الطائفة الإسلامية (أتراك، بوسنيون، إيرانيون، مغاربة)، وهي اختلافات جعلت الحكومات المتعاقبة تطالب المسلمين بتوحيد الصفوف، والتكلم بلسان واحد حتى يمكن الاعتراف بهم، وفي  فرنسا، المادة الثانية، أنّها جمهورية علمانية لا تعترف بالدين لكنها تعترف بالأديان؛ أي إنّها ليست دولة ملحدة، ورغم ذلك هناك جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين أو تحيّتهم، وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة.

أسطورة المؤامرة

ثمة جماعات تؤصّل لفكرة القتال وعدم التواصل مع الغربيين وإعطاء نظرة سلبية عن المجتمعات المسلمة
ما أهم الأطروحات التي تشتغل عليها جماعات الصِدام الآن؟

أهم شيء هو ما يسمى الأسلمة، وهي المفهوم الذي يعطي ولاءات خارج الأوطان، ومالك بن نبي المفكر الجزائري، انتقد ما يسمى "أسلمة العلوم والمعرفة"؛ بل وكان يقول بعدم وجود حضارة إسلامية خاصة، بل حضارة إنسانية، من هنا كان لازماً لتأسيس الفقه الشهود الحضاري الإنساني ليقود هذه المجتمعات نحو الوئام والتعايش السلمي، عِوَضاً عن فقه الضرورة، أو فقه التمكين لهذه الجماعات.

هل تعتقد أنّ ثمة مؤامرة لتضخيم حجم هذه المشكلات، كحوادث العنف ضدّ المسلمين في أوروبا؟
لا أؤمن بنظرية المؤامرة؛ فحالنا أحسن من حال آخرين، والغربيون ليس لديهم توجّس من الإسلام، والكلام عن العنف تجاه المسلمين مردود؛ فهو يحدث لكنّه حالات نادرة فردية، وبرأيي؛ الحلّ هو في ضرورة تشكيل جبهة الأديان والفلسفات الإنسانية لمواجهة تيارات الإلحاد والإباحية التي تذهب بالبشرية إلى العدمية، التي تؤدي مع تيارات العنف إلى تفريغ الأرض والعباد من البعد الروحي والإنساني، وإلى تحرير الدين من جماعات العنف والاستخدام السياسي، وإعطائه دوره الطبيعي في التربية لتحقيق الأمن المجتمعي، وتأصيل قيم الحبّ والسلم شرعياً في زمن الاضطرابات المفاهيمية.
توسع دائرة الاجتهاد

تعدّد الجمعيات الإسلامية في أوروبا واستحالة تحدثها بصوت واحد يعيق الاعتراف بالإسلام
طالبت بتوسع دائرة الاجتهاد فيما يخصّ الأقليات، ما الذي قصدته تحديداً؟

أقصد أنّ للاجتهاد مكانة وأهمية في إطار النظر إلى مجموع الأمة، التي تعيش في ظل المجتمعات الإسلامية، التي تزخر بالعلماء والمفتين والباحثين، والحديث عن الاجتهاد في المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، كما هو الحال بالنسبة إلى مسلمي أوروبا في فرنسا وإنجلترا والسويد وألمانيا وغيرها.
ثمة وقائع تستحق أن نذكرها بوصف "النوازل، ومن ثم فإنّ الاجتهاد في قضايا المجتمعات المسلمة ضرورة ترتقي إلى مرتبة الواجبات الشرعية، وهو في حقيقته "فرض كفائي"، أو "فرض تكافلي"، كما يعبر عنه بعض علماء الأصول.

اقرأ أيضاً: ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش
لذا فالمطلوب اليوم، تجديد واجتهاد؛ تجديد ينطلق لا من مجرد الاجتهاد في الفروع؛ بل من إعادة "تأصيل الأصول"؛ لأنّ القواعد الأصولية التي ينبني عليها الفقه الإسلامي ترجع إلى عصر التدوين، العصر العباسي الأول، وكثير منها يرجع إلى ما بعده، والقواعد الأصولية التي وضعها الفقهاء القدامى، ومن جملتها القواعد الخاصة بالتعليل والقياس والدوران، وما إلى ذلك، ليست مما نصّ عليه الشرع، في الكتاب أو السنّة؛ بل هي من وضع الأصوليين، إنّها قواعد للتفكير، قواعد منهجية، ولا شيء يمنع من اعتماد قواعد منهجية أخرى إذا كان من شأنها أن تحقق الحكمة من التشريع في زمن معين بطريقة أفضل.

كلمة أخيرة توجهها حول المجتمعات المسلمة؟
لا بدّ من ترجيح كفّة الخير، والبدء بالاشتغال الحقيقي بالصحيح من الدين، والالتزام بخطاب وسطي معتدل يحترم سيادة الدول، ويعزز قيم المواطنة والمشاركة والتواد والتعاون والتراحم، واجتناب ما يثير نوازع الفتنة والفرقة بين المسلمين أنفسهم وبين غيرهم، والتحذير من آفتي الغلو في الدين والتطرف العنيف، وتفعيل مراكز الطفولة والشباب لتحصينهم، وتعريفهم بمبادئ الإسلام، وزرع أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم في نفوسهم، ترسيخاً للسلوك والفكر الإسلامي القويم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد حبيب: مراجعات الإخوان خادعة تفتقر لمنهج نقدي حقيقي

2019-11-18

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


قال النائب السابق للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، الدكتور محمد حبيب، إنّ التنظيم مايزال موجوداً بأفكاره، لكنّه تلقى ضربة قاصمة بوصوله إلى الحكم، مؤكداً في حواره مع "حفريات" أنّ خطاب المظلومية ما يزال يسيطر على البنية الذهنية لعناصر الجماعة، في ظلّ عدم القدرة على القيام بمراجعات نقديّة حقيقيّة، وأوضح أنّ الهدف الحقيقي من أيّ حديث حول مراجعات تجرى الآن، هو "الرغبة في الإفلات من السجن؛ لأنّ الجماعة لم تطرح بعد، تجربتها السياسية الفاشلة للنقد الداخلي، وهو ما ينبئ بنهايتها تنظيمياً".

رفضت دعوة للمشاركة في مراجعات الإخوان في السجون لأنني أفهم جيداً أنّها غير حقيقية

وأضاف عضو مجلس الشعب المصري السابق أنّ مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، و"المحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية التي كانت عبئاً على التنظيم دون داعٍ؛ لأن الجماعة كانت مخترقة والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها".
ويعدّ الدكتور محمد حبيب أحد أبرز القيادات الإخوانيّة؛ حيث شغل أستاذ الجيولوجيا في جامعة أسيوط، منصب النائب الأول للمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، كما انتُخب حبيب عضواً بمجلس الشعب المصري، في الفترة بين عامَي  1987 و1990.

اقرأ أيضاً: علاقة الإخوان بفيلق القدس في وثائق مسرّبة
وكان حبيب، ذو الـ 76 عاماً، قد اختير عضواً بمكتب الإرشاد بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1995، وهو العام نفسه الذي أُحيل فيه إلى نيابة أمن الدولة العليا، بتهمة الانتماء لجماعة محظورة، وحكم عليه في القضية رقم 8 لسنة 95 عسكرية عليا، بالحبس خمسة أعوام، وعام 2001؛ تعرَّض للحبس الاحتياطي لمدة عام وثلاثة أشهر، في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2009؛ تقدّم حبيب باستقالته من جميع مواقعه التنظيمية داخل الجماعة، على خلفية الأزمة التي نشبت عقب تصريحه بوجود مخالفات في إجراءات اختيار المرشد الثامن للإخوان المسلمين، محمد بديع.

هنا نصّ الحوار:
ما بعد الإخوان
يجري حالياً استخدام مصطلح "ما بعد الإخوان المسلمين" في المجال التداولي للمشهد السياسي على نطاق واسع؛ فهل انتهت الجماعة فعلاً؟

على المستوى النظري، لا؛ فالتنظيم ما يزال حاضراً في كلّ محافظات ومدن وقرى ونجوع مصر، في الصعيد والوجه البحري، لكنّه بالطبع تلقى من الناحية التنظيمية ضربة قاصمة، أعتقد أنّه لن يبرأ منها، التنظيم سقط في كلّ تناقضاته السياسية، قبل السقوط في الشارع، وقبل الملاحقات الأمنية، ليدخل نفقاً مظلماً لا نهاية له.
ولكن ما مغزى هذا الحضور في ظل تحلّل التراتبية الهرمية، التي كانت شديدة التماسك قبيل الصعود السياسي إبان ثورة يناير؟ 
الأمر الآن يختلف، الصعود السياسي للإخوان المسلمين، دفع كتلة كبيرة من المتحفظين والمتعاطفين معها على السواء، إلى الانضمام لصفوف حزب الحرية والعدالة، وتأييد الجماعة والانخراط في أنشطتها، وهو ما منحها في البداية دفعة كبيرة، تضاءلت تدريجيّاً، ومع السقوط الذي أعقب حالة التخبط السياسي، انفصل هؤلاء مرة أخرى، وابتعدوا تنظيميّاً.
لكن، ماذا عن الكتلة الفاعلة تنظيميّاً داخل الإخوان المسلمين؟
موجودة، لكن اعتراها بعض التغيير، نظراً لطبيعة الظرف السياسي، هم مثلاً أصبحوا حليقي اللّحى، ويقيمون اجتماعاتهم بشكل شديد السرية، وبصورة غير نمطية، وغير منتظمة، في محاولة لقطع أيّ سبيل للمراقبة والاعتقال، يمكنني القول إنّ جسد التنظيم ما يزال موجوداً، لكنّه لم يتحلل رغم توقف القلب عن ضخّ الدماء.

اقرأ أيضاً: كيف ابتلعت جماعة الإخوان الدولة الوطنية؟
أعتقد أنّ هذه الكتلة سوف تتحين الفرصة، لإعادة بعث الجماعة مرة أخرى، مع أيّ تغير في الموقف السياسي الراهن، لكنّها، كما قلت، تعمل في جزر منعزلة، وتفتقد لأيّة خطط واقعيّة، أو إستراتيجيّة عمليّة.
حقيقة المراجعات

يدور الحديث الآن عن وجود مراجعات بين القيادات السجينة تدعو إلى نبذ العنف، والتبرّؤ من الممارسات السابقة؛ فما رأيك في طبيعة هذا المراجعات؟
لا أعرف طبيعة هذه المراجعات، ولا أصدقها، لكنّني استشهد بمصطفى مشهور، فيما يتعلق بتجربة السجن؛ حيث كان يشبّه السجون بقمائن الطوب، والسجناء بالقوالب التي تتعرض لشدة تشبه الحرارة العالية، وإثرها يتحول البعض إلى طوب أزرق يفقد تماسكه، والبعض يحترق دون أن يفقد صلابته، والبعض الآخر يتفتت كليّاً أو جزئيّاً.

اقرأ أيضاً: رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا
أي إنّ تجربة السجن تتفاوت، وحالة السجين ومناقشاته مع رفاقه هي التي تحدّد مدى قدرته واستعداده للتحول الفكري؛ فالبشر يختلفون في درجات الفهم والوعي والإدراك، ونوعيّة الاستيعاب والقدرة على التحمل، في عهد السادات قابلت في سجن "طرة" كلّ أنواع البشر؛ من التكفيري الذي يحلل قتل كلّ الناس، إلى الرحيم الذي يحرّم قتل البعوض، ومنذ عامَين؛ طُلبت مني المساهمة في تلك المراجعات، لكنّي رفضت.
ولماذا رفضت؟ أليست هذه مصادرة مسبقة على مدى قدرة الآخرين على انتهاج عقلية نقدية، تمنحهم القدرة على التحول الفكري؟
لأنّني أفهم أنّها مراجعات غير فعّالة، لم تؤسَّس على منهج نقدي حقيقي، والغرض منها هو الخروج من السجن لمواصلة العمل التنظيمي السري، فهي نوع من أنواع التقيّة، تحت وطأة محنة السجن، وأستطيع أن أقول إنّ المراجعات الحالية يشوبها نوع من المرارة، والرغبة في الانتقام.
سابقاً أقدم أعضاء الجماعة الإسلامية على هذا النوع من المراجعات، واستمروا في ذلك النهج بعد الخروج من السجن، فما هي أوجه الاختلاف مع تجربة الإخوان المحتملة؟
الوضع مختلف، الجماعة الإسلامية لم تصل إلى السلطة، ولم تستهلكها شعارات العودة، وخطاب المظلومية، ولم تجد دعماً خارجياً، طبيعة النشأة تختلف، وحتى الممارسات والتطلعات تختلف تماماً، ورغم ذلك تحالف عدد من هؤلاء مع الإخوان عقب ثورة يناير، ولعبوا دوراً في تأجيج خطاب الكراهية والعنف، أمثال عاصم عبد الماجد وعبود الزمر.
العلاقة مع الجماعة الإسلامية

بمناسبة الجماعة الإسلامية؛ كيف كانت طبيعة العلاقة بينها وبين الإخوان المسلمين، في ظلّ وجود تواصل قوي، وقنوات اتصال ممثلة في أسامة حافظ وكرم زهدي، وعدد آخر من شبابها؟
الجماعة الإسلامية نشأت في منتصف السبعينيات في الإسكندرية والقاهرة وأسيوط، في البداية ظهرت كجماعة دينية، تعمل ضمن اللجان الثقافية بالجامعات، وكان يشرف عليها الأساتذة، وكنا في الإخوان على اتصال بعدد من كوادرها، مثل: ناجح إبراهيم، وكرم زهدي، وأسامة حافظ، وعاصم عبد الماجد، وغيرهم، بل وأدخلنا شباب الإخوان إليها، مع الحرص على عدم ضم شبابها إلى الإخوان، حتى لا نمنح الأمن فرصة للتضييق علينا.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" تحارب الجيش الليبي بـ850 ألف حساب وهمي
كنت اجتمع بهم كلّ أسبوع ضمن حديث الثلاثاء، الذي استمر على نهج المرشد الأول حسن البنا، وبصحبتي عمر التلمساني وغيره من القيادات، لكن مع ظهور ميل الجماعة إلى العنف، وفي أعقاب التوترات التي جرت في الجامعة، والمصادمات مع الأمن في أسيوط، قررنا قطع الصلة معهم.
هل جاء قرار قطع الصلة مع الجماعة الإسلامية خشية التورط في صدام مع الدولة، أم جاء بناءً على اختلاف في الأيديولوجيا؟
حاولت، أنا ومصطفى مشهور، مناقشة كرم زهدي؛ لإثناء الجماعة الإسلامية عن انتهاج العنف، ولما فشلنا قررنا الابتعاد تماماً عنهم، مع حظر أيّ عضو في الإخوان، في حال اكتشفنا استمراره ضمن صفوفهم، وفقاً لتعليمات واضحة من المستشار المأمون الهضيبي، كان النهج يختلف تماماً بيننا وبينهم، خاصة في ظلّ تواصل المصادمات التي تسببوا فيها داخل الجامعة.
لكن في العام 2007؛ قام طلاب جماعة الإخوان في جامعة الأزهر بعرض شبه عسكري، ألا يمثّل ذلك دليلاً على وحدة النهج مع الجماعة الإسلامية؟

أتذكّر جيداً هذه الحادثة، كانت هناك اشتباكات في جامعة عين شمس بين الأمن وطلاب الإخوان، وتواترت أنباء عن نية الأمن اعتقال عدد من طلاب الإخوان في المدينة الجامعية بالأزهر. 
في هذا الوقت كان خيرت الشاطر هو مسؤول القاهرة في الجماعة، واتخذ قراراً فرديّاً بتكليف طلاب الإخوان بعمل استعراض قتالي داخل جامعة الأزهر، على غرار ما كانت تفعله جماعة حماس في غزة، لإثناء الأمن عن اقتحام المدينة الجامعية، كانت حادثة تعكس مدى غرور الشاطر، ونزوعه إلى التهور والعنف، كان الشاطر يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا، فقط كان يرجع إلى محمود عزت وطليعة القطبيين، مثل: محمد بديع، ومحمد مرسي.

مغالبة لا مشاركة

هل عبّرت عن موقفك الرافض لهذا الإجراء صراحة رغم موقعك القيادي؟
نعم، وكنت في غاية الضيق، وصرحت علانيّة بأنني أرفض هذا العمل، لكنّ المرشد العام آنذاك، محمد مهدي عاكف، أصرّ على تمريره، وتضامن مع خيرت الشاطر.
كنت صاحب مقولة "مشاركة لا مغالبة"، التي لم يؤخذ بها؛ كيف حدث هذا التحوّل الإستراتيجي، رغم وجود هذا المبدأ المُعلن من قبل؟
مع صعود خيرت الشاطر ومحمود عزت، حدث اختلاف كبير في الأصول والقواعد الإستراتيجية، العام 2009؛ التقيت بمسؤول كبير، بناءً على رغبته، واصطحبت معي محمد مرسي، بناء على رغبة مكتب الإرشاد، رغم تواضعه سياسيّاً، في هذا الاجتماع أكدت أنّ استمرار مبارك في الحكم لا يمثل مشكلة بالنسبة إليّ، فقط طلبت رفع قانون الطوارئ، ومنح الإخوان الفرصة للتحرك بشكل سهل، دون وضع عوائق وسط الشعب، والدعوة لمكارم الأخلاق، وممارسة أعمال المساعدات الإنسانيّة، وأكدت أنّ الجماعة لا تطمع في أيّة حقائب وزارية.

اقرأ أيضاً: هل تنجح حركة النهضة الإخوانية بالاستفراد بالمشهد السياسي التونسي؟‎
كان هذا فهمي لطبيعة الجماعة، بعد انتخابات العام 2010؛ هاتفني محمد بديع، وأكّدتُ له على ضرورة محافظة الجماعة على مبدأ مشاركة لا مغالبة، وقتها أبدى اتفاقاً معي، لكنّني تفاجأت بعد ثورة يناير بهذا التحول الخطير؛ حيث انتهج الإخوان سياسة "المغالبة لا المشاركة"، في ظلّ تطلّع خيرت الشاطر لمنصب الرئاسة، وسيطرة القطبيين على الجماعة، وقتها قلت: "هذه نهاية الجماعة"، لأنّها أصبحت سلطة سياسية، منفصلة عن جماهيرها.

كيف يمكن استشراف مآلات التنظيم في ظلّ المحنة الثالثة، التي تبدو سياقاتها مختلفة عما سبقها؟
مفهوم المحنة ما يزال يهمين على عقلية الجماعة، باعتباره شرطاً من شروط اختبار الصلابة، والانطلاق نحو استكمال المسيرة من جديد، والمحن المتتالية جاءت بسبب الإصرار على السرّية.

خيرت الشاطر كان يأخذ قرارات خطيرة دون الرجوع إلينا بل إلى محمود عزت وطليعة القطبيين

كنت أختلف كثيراً مع مبدأ علانية الدعوة وسرية التنظيم، الذي انتهجه مكتب الإرشاد، وجهة نظري كانت تتلخص في ضرورة الشفافية، حتى تتجنب الجماعة ملاحقة الأمن، وفي حقيقة الأمر، كانت السرية عبئاً على التنظيم دون داع، فالجماعة كانت مخترقة، والأمن كان يعرف أدقّ التفاصيل عن أنشطتها، فقط ورطنا مبدأ السرية في انتهاج الكذب، وعرضنا للاعتقال، كنت عضواً في التنظيم الدولي، ونائباً عن المستشار الهضيبي للشؤون السياسية، كنت أجتمع مع دوائر الإخوان في 86 دولة، كنا نجتمع في لندن وإسطنبول وميونخ وفرانكفورت، وكان يسمح لنا بالحركة الكاملة.
اكتشفنا فيما بعد أنّ الاجتماعات كانت مرصودة أمنيّاً، لكنّ عقلية المهيمنين على الجماعة آنذاك، خصوصاً الشاطر وعزت، كانت تصرّ على السرية، رغم عدم جدواها، مثلاً كنت رئيساً للجنة المالية، ومسؤولاً عن تخصيص الموارد مع رشاد بيومي، ومع ذلك كان محمود عزت يخفي عني الأرقام الحقيقية، هذه العقلية لم تتغير، بالتالي؛ ليس هناك أيّ أمل في عودة الجماعة مرة أخرى.

للمشاركة:

شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

2019-11-14

أجرت الحوار: رشا سلامة


لعلّ آخر ما توقّعه الباحث والأكاديمي الفلسطيني الكويتي، شفيق الغبرا، أن يُحال للنائب العام الكويتي؛ للبتّ في أمر كتابه الذي أصدره في أواخر عام 2018، تحت عنوان "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت".

استمع النائب العام الكويتي لدفوعات الغبرا، أمام تهمة الإساءة للكويت، التي يعمل أكاديمياً في جامعتها، كأستاذ للعلوم السياسية، عقب تخرّجه، عام 1987، في جامعة تكساس في أوستن، وكان أن قال كلمته الفصل لصالح الغبرا وحريّة البحث العلمي.

لا بد من العودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ

الكتاب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يقع في 342 صفحة من القطع الكبير، هو تطوير لأطروحة الغبرا، التي قدّمها لنيل الدكتوراه، قبل أن يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002، وقبل أن يصبح مديراً لمركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، بين 2002 و2003، وقبل أن يصبح رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006.

للغبرا مؤلفات عدة، من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"، من إصدار دار الساقي في بيروت، كما صدرَ له مؤخراً "الثورات العربية وأعداؤها"، عن دار الريّس في بيروت. 

ويحمل الغبرا جنسية الكويت، التي وُلِد فيها عام 1953، لأبٍ حيفاوي عايش النكبة ودرسَ الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليغدو طبيب الأمير صباح السالم الصباح.

فيما يلي نصّ الحوار الذي أجرته "حفريات" مع الدكتور شفيق الغبرا، حول إرهاصات القضيّة المتعلّقة بكتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت":

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

إلى أيّ مدى كنت قريباً أو بعيداً عن بحثك حول النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت، وأنت الكويتي من أصول فلسطينية تعود لمدينة حيفا؟ إلى أيّ مدى يُمكن للباحث أن يكون موضوعياً والبحث يتحدّث عنه وعن تجارب له صلة معها بحكم الخلفية العائلية والارتباط الوجداني؟

عكفت على نصّ علمي وأكاديمي، وكان نصب عينيّ السؤال الذي يُساور الباحث حول الجوانب التي لم تحظَ بالتغطية في القضية التي يثيرها بحثه، على الباحث الكفؤ، والذي يتحلى بالمصداقية، أن يتساءل عن الجوانب التي لم تغطّها دراسات سابقة؛ لهذا على الباحث أن يتساءل عن الحفريات المطلوبة للوصول لتلك الأبعاد، وهذا الكتاب يغطي جوانب لم تسبق دراستها بهذا الشكل.

اقرأ أيضاً: كيف تسوغ السلطة الفلسطينية قرارها بحجب عشرات المواقع الإخبارية؟
لكن على الباحث المتمرس أن يضع حدّاً واضحاً بينه وبين الموضوع، وأن يسرد الإيجابيات ويوردها كما السلبيات، وأن يتحكّم بانحيازاته وأن يجعل انحيازه فقط لما سيكتشفه من إجابات على أسئلة البحث، وإن وجد صعوبة في عرض النتائج، فمن الأفضل له أن يتنحى جانباً.

العالم يمرّ الآن بـ "أزمة النخب" إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة

البحث يتطلّب شجاعة السؤال والاستعداد للوصول للمعرفة، الصدق هو أساس عمل الباحث.
أنا ابن تجربة النكبة، وعلى تواصل مع تجارب الفلسطينيين، وبالتالي حين أكتب عن فلسطين أو الكويت، فإنّ لديّ امتيازاً هو أنني أستطيع التوصل للمعلومات، وأستطيع التعامل مع تناقض التجارب، وبما أنّني ابن الكويت، فلديّ امتياز يتعلّق بمعرفتي بها وبتجاربها، وكوني عشت أصعب ما مرّ على الكويت، في عامَي١٩٩٠ و١٩٩١، يمكنني القول إنّني على دراية بموضوعي، وإنّ التعمّق بالبحث لمن لديه الخلفية والمعرفة هو امتياز يسمح بتقديم الأفضل والأعمق، وهذا ما منحني، كباحث، قدرة أكبر على توضيح الصورة والأبعاد غير الظاهرة في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين. أكتب كعربي منحاز للقضية الفلسطينية، وكإنسان منحاز للكويت، لكنّني فوق كلّ شيء منحاز للحقيقة ومصداقية البحث العلمي، ولعلّ التصالح مع الحقيقة، حتى لو كانت مُرّة وصادمة ومتناقضة مع انحيازاتي، من زاوية بحثية، هو أفضل وسيلة لتعميق المعرفة وتعميق التجربة الإنسانية.

حين ثارت القضيّة ضدّك؛ هل شعرت بالحزن أو القلق، ذلك أنّ المواطن يدخل دائرة الشكّ، حين يكون من جذور فلسطينية، وحين يتعامل مع أمر حسّاس كالكويت وفلسطين في مرحلة تاريخية حرجة؟

عندما وقعت هذه الهبّة ضدّ الكتاب، لم آخذ الأمر بصورة شخصية، من جانب، تفهّمت موقف من انتقدوني، كما فهمت على الفور أنّ هذا يعني أنّ الكتاب جيد ويثير تساؤلات، ولهذا سوف يُقرَأ، وهذا هو هدفي في الأساس، ثم قمت، من جانبي، بتوضيح الصورة في عدة محاضرات وندوات ولقاءات تلفزيونية، لم يمنعني أحد في الكويت من الدفاع عن الكتاب أمام الجمهور والرأي العام الذي أحترمه.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟
كان أول ما تبادر لذهني؛ أنّ من يحاول طرح رأي مختلف غير شائع، فإنّه دوماً سيثير ردود فعل كبيرة، سواء كان هذا الشخص من أصل فلسطيني أو غير ذلك، الكثير من مواطني الكويت ممن كتبوا في شأن حسّاس وجديد تعرّضوا لعواصف؛ لهذا، لم أشعر للحظة بشعور الضحية أو المستسلم، وكنت أتوقع الإنصاف من الدولة، وإن لم يقع ذلك، فإنّ عليّ أن أناضل من أجل الإنصاف، بطبعي محارب من أجل الحقّ؛ لهذا وجدت في ردّة الفعل على الكتاب فرصة للنقاش وبناء صورة أكثر واقعية لما حصل في العلاقة بين الشعبَين، الكويتي والفلسطيني.
مشكلة العرب عدم مناقشة قضاياهم؛ تخيّلي مثلاً أنّه رغم ما حدث في الأردن، بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية، إلا أنّك لن تجد كتاباً واحداً يناقش الأمر بموضوعية وعلمية، الغرب يكتب تجاربه ويناقشها من كلّ الزوايا ليحفظ تاريخه، أما نحن فنطمس تاريخنا، وهذا يسهم بأزمات تتعلق بوجودنا.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في وقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟
الآخر الذي ينتقدك ويهاجمك قد يرى أنّ لديك نقاط ضعف، خاصة إن حمل فكراً سطحياً تجاه المواطنة؛ لهذا يعتقد البعض أنّك هدف دسم لتسجيل انتصار سهل قد يخدمه في حملة شعبوية تقوم على الخوف من كلّ رأي مختلف، هكذا يتم إدخال كلّ الأسلحة كالأصول، وكلّ بُعد شخصي يمكن استخدامه لضرب مصداقية الكاتب؛ لهذا أصبحت أصولي مكان هجوم، لكنّني لو كنت من طائفة أو قبيلة أو عائلة معينة، فسيحدث الأمر ذاته،  ما نزال في بلدان ومجتمعات تقرن الفكر بالأصول والدين والطائفة، ولا تؤمن بنزاهة الباحث أو حياديّته، وقلّما تقرأ النصوص باتزان وموضوعية، كما أنّ بعضنا ما يزال معتاداً على نصّ المديح، وهو بالأساس يعجز عن التعامل مع النصّ البحثي الطبيعي والموضوعي والتقييمي، لن نتطور إلا من خلال مواجهات من هذا النوع، وبرأيي ستسود لغة الحرية والبحث العلمي مجتمعاتنا بسبب حاجتنا إليها.

من هنا، جاء قرار النائب العام في الكويت، حين تعامَل مع الكتاب كنصّ علمي يقوم على الدراسة والاستقصاء، قرار النائب العام أراحني، وأكّد لي أنّني في دولة تحترم حرية الباحث وإنتاجه، لكنّ الأهم في موقف النائب العام؛ أنّه أصدر قراراً مكوّناً من ٤١ صفحة، يشرح فيه كلّ وجهات النظر، ويؤكّد أهمية البحث العلمي بصفته مداولة وجمعاً لمعلومات قد تطرح الجديد، وأنّ البحث العلمي لا يعني أنّ الكاتب مسؤول عن كلّ رأي وردّ في كتابه؛ فهو يعكس طبيعة الآراء والتجارب التي نقلها عمّن قابلهم، وعن المصادر التي كشف عنها، وطالما أنّه يضع مصادره ويوضحها فقد التزم بقواعد البحث العلمي.

اقرأ أيضاً: هل ينجح توجّه السلطة الفلسطينية إلى الأردن في الانفصال الاقتصادي عن إسرائيل؟

لدى الباحث الملتزم والموضوعي منهج يشرحه في كلّ كتاب، وفي كتاب النكبة هناك فصل نظري شامل يشرح معنى النكبة ومعنى الشتات ويشرح منهجية الكتاب والتعريفات، ويقارن بتجارب شعوب أخرى، وقد التزمت بصرامة بكلّ ما أوضحته في الفصل الأول، لقد استنتج النائب العام في قراره التاريخي أنّ الباحث الأكاديمي يجب ألاّ يُقاضَى أو يُحاكَم على بحثه أو دراسته، في القرار إنصاف للبحث العلمي في الكويت، هذا إنصاف ليس لي فقط؛ بل لكلّ الباحثين في جامعات الكويت ومؤسساتها ممن يخشون التعرّض للقضايا الجديّة والمسائل الأعمق المثيرة للجدل والنقاش.
الغبرا: الشيء الإيجابي في حالتي أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث

يغرق العالم العربي في الصراعات، الرئيسة والجانبية، ويشوب التوتر العلاقات العربية البينية، سواء كان هذا في وقت سابق أو حالي، كيف يستطيع الباحث التعامل مع هذا الجوّ المشحون والجدليّ، محافظاً على موضوعيته ومهنيّته؟

لا بدّ من التسليم بأنّ هناك مجازفة دوماً في ظلّ هذه الظروف، لكن يستطيع الباحث أن يتحرّك وأن يفكّر وأن يكتب، المشكلة في اجتزاء مقاطع من البحث وتشويهها، من دون أخذ السياق في عين الاعتبار.

يتعامل الباحث مع مجتمع ودولة وقوانين مقيّدة، وحالة من التفكير لا تعدّ البحث العلمي ضرورة؛ لذلك فإنّ الباحث في العالم العربي يعاني وتُمارس عليه الضغوط، عليه أن يجازف وعليه أيضاً أن ينتبه، وأن يبقي في ذهنه حقيقة أنّ المعركة قد تُخاض ضدّه في أيّ وقت.

اقرأ أيضاً: ماذا لو نجحت السلطة الفلسطينية بإصدار عملة رقمية بديلة عن الشيكل الإسرائيلي؟
الشيء الإيجابي في حالتي؛ أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث، لكن من جانب آخر أنصفتني الدولة مع علمي بأنّه في حالات عربية كثيرة لا يتمّ إنصاف الباحث، بل كم من باحث أُبِعدَ عن وطنه أو سُجِن وفي حالات قُتِل؛ لذا، تبقى جوانب بحثية كثيرة في أيدي مستشرقين غربيين، ونبقى متأخرين بحثياً.

مرّت العلاقات الفلسطينية – الكويتية بكثير من المدّ والجزر، والتقارب والفتور؛ هل بوسعنا اعتبار أنّ مرحلة العتب التي كانت كويتياً حيال الفلسطينيين، عقب الغزو، قد انقضت؟

على مستوى العلاقات الرسمية؛ تمّ تجاوز هذا بالكامل، لكن على المستوى الشعبي والوجداني فهناك آراء متباينة، الثابت دوماً هو وجود تعاطف كويتي مع القضية الفلسطينية؛ بل إنّ تيارات كويتية دينية بأطيافها وأخرى قومية، تعدّ فلسطين بنداً أساسياً من طروحاتها، ومن يقرأ الرواية الكويتية والأدب الكويتي سيجد مكاناً لفلسطين والقضية الفلسطينية ولغة تواصل وحوار دائمة، ففلسطين جزء لا يتجزأ من تاريخ الكويت.

هناك فئة كبيرة من الكويتيّين ما تزال تطرح الأسئلة حول ما جرى، ومن هنا يكتسب الكتاب أهميته، كثيرون ممّن كانوا يتحدثون إليّ والجدل دائر حول كتابي، كانوا يقولون لي: "ما كتبته قد غيّر مسار تفكيرنا إلى حدّ ما؛ إذ بتنا نضع الأمور في سياقها الاجتماعي والسياسي الصحيح"، لا يعني ذلك أنّهم غفروا أو نسوا تماماً، لكن على الأقل، تمكّن الكتاب من تسليط الضوء على كثير من الممارسات الإيجابية التي قام بها فلسطينيون في مؤازرة الكويت وشعبها، ما فعله الكتاب هو إعادة درجة من التوازن للتجارب، وإخراج العلاقة الفلسطينية الكويتية من أجواء الشيطنة والتعميم الأعمى.

لطالما امتازت الكويت، ومنذ عقود طويلة، بانفتاح فكري وفني وإعلامي، وميل جارف نحو القضايا العروبية، كما أنّ الديموقراطية في الكويت وحقوق النساء سجّلت، إلى حدٍّ ما، تقدّماً قياساً بكثير من الدول العربية؛ برأيك، ما هي الوصفة السحرية التي تملكها الكويت في فرادتها؟

جوانب عدة أسهمت في هذه الفرادة، منها الموقع الجغرافي؛ إذ إنّ الكويت قريبة من العراق، كما كانت مركزاً للتجارة ونقطة وسط لالتقاء الأفكار، وامتزجت فيها أطياف عدّة منذ زمن طويل، وكانت دوماً منفتحة على الآخر، ما أسهم بدوره في خلق وعي مبكر على مستوى منطقة الخليج، إضافة إلى أنّ شعب الكويت مكوّن من هجرات جاءت من نجد والعراق وإيران ومناطق أخرى في الخليج والعالم العربي، كلّ هذا منحَ الكويت طابع التنوّع السابق كلّه، جعلَ هناك حالة توثّب نحو الديموقراطية، لا سيما أنّ الفضاءات مفتوحة لتجربة سياسية متقدمة يعزّزها سقف حريات  متوازن، لا ينفي هذا أنّ الكويت مرّت وتمرّ في حالات مدّ وجزر على صعيد الحريات والديموقراطية، لكنّها دوماً تنأى بنفسها عن إقصاء الآخر، حتى حيال التيار الإسلامي، وهناك دوماً اعتبار قائم لما يريده المجتمع حتى في سياسة الكويت الخارجية، تجاه فلسطين أو العراق أو إيران أو أزمات الخليج.

كتابه "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"

يعايش كتابك "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت" مراحل عدّة مرّت خلالها القيادة الفلسطينية، من كفاح مسلّح إلى حروب أهلية، إلى مآزق دولية، إلى تسوية ومشروع دولة؛ أين ترى القيادة الفلسطينية الآن؟

العالم كله يمرّ الآن فيما يمكن أن نصطلح عليه اسم "أزمة النخب"؛ إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة، وأزمة القيادة هي ضمن أزمة النخب، ولا يعاني منها العالم العربي فحسب، بل العالم بأسره، لكن، في حالتنا العربية والفلسطينية المشكلة أعمق؛ إذ هناك أزمة أجيال، فكثير من القيادات العربية تشكّل وعيها في الخمسينيات من القرن الماضي، بينما لدينا أجيال تشكّل وعيها في مطلع الألفية، وأخرى تشكّل وعيها في الأعوام الأخيرة، وهكذا.

اقرأ أيضاً: هل ينقذ أثرياء القطاع الخاص السلطة الفلسطينية من الانهيار الاقتصادي؟
في الحالة الفلسطينية؛ أضيفي للسابق كلّه، وجود احتلال وخطة صهيونية واستيطان وقضم للأراضي ومعتقلات وتضييق وحصار، فتكون النتيجة هي ما يحصل اليوم؛ إذ تجتمع الكولينيالية الاستعمارية مع أزمة النخب والفجوة بين أجيال القيادات ورؤاها.
الفلسطينيون اليوم في حالة بحث عن مخرج، وأهم ما يمكن فعله الآن هو الصمود على الأرض وعدم التورّط في أيّ صراع، جانبي أو داخلي، قد يستغلّه الإسرائيليون في تحقيق مزيد من التغوّل.
في عقود سابقة، وتحديداً تلك التي يتناولها كتابي، كان لدى القيادة الفلسطينية رؤى واضحة وأهداف محدّدة، بعد الانتفاضة الأولى، عام ١٩٨٧، وبعد غزو العراق للكويت، عام ١٩٩٠، ومن ثم توقيع اتفاقية أوسلو، عام ١٩٩٤، دخلت القيادة الفلسطينية والقضية برمّتها في مرحلة صعبة؛ ذلك أنّها انتقلت لممارسة السلطة دون أن يكتمل التحرّر الوطني؛ أي وقعت في شِباك أنّها سلطة لكن تحت إرادة سلطة استعمارية، وبغضّ النظر عمّن كان في قيادة السلطة، سواء في الضفة الغربية أم في غزة، فإنّه سيجد ذاته مكبلاً في إطار احتلال وسيطرة لن يخرج منه إلا بالعودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر، لا بدّ من استعادة روح حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين، وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ.

للمشاركة:

خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

2019-11-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور خالد الزعفراني، إنّ رموز الفكر القطبي كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير من جماعة شكري مصطفى، وأخبث وأخطر؛ لأنّهم كانوا يأخذون بنظرية التقية، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّه في عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة الإسلامية (قبل تشكلها) في دخول الإخوان سرّاً.

عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات كنت أظنها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير

وأوضح القيادي الإخواني السابق أنّه "عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل؛ كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، بذلك، استشاطوا غضباً، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط".
وأكد مبتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" أنّ جماعة الإخوان أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدعوة، "فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة"، أنّ الشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف.
وشدد على أنّ الدول التي تؤوي الإخوان اليوم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وهنا نصّ الحوار:

البداية التنظيمية

شكري مصطفى
كيف كانت بدايتك مع الجماعات الإسلامية من شكري مصطفى وصولاً إلى الإخوان؟

كانت البداية مع نكسة حزيران (يونيو) 1967؛ حيث حصل مدّ التنظيمات، التي انتهزت الفرصة مع انكسار الحلّ الناصري، وموجة التدين التي استغلت احتلال المسجد الأقصى، وأنا يومها تأثرت بهذه الحالة في أول دراستي الثانوية، والتزمت بالمحافظة على الصلاة وارتياد المساجد.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في قريتي كان يوجد شيخ أزهري كفيف، يحمل درجتي ماجستير، أعطاني جرعة معلومات دينية وتأثّرت به كثيراً، ولمّا ذهبت إلى الجامعة، العام 1971، بالقاهرة، كانت تلك الجماعات ما تزال ضعيفة، وعبارة عن أفراد متفرقين يلتقون فقط في مساجد الكليات للصلاة، لكنّ التيار اليساري كان كبيراً جداً، وبدأنا كأفراد نصطدم بهم، ونشكّل تجمعات صغيرة في الكليات المختلفة تحت مسميات مثل: الجماعة الدينية، وجمعية الدراسات الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، وغيرها.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة
آنذاك كانت معلوماتنا الدينية فطرية وقليلة، ثم بدأنا نتواصل في كلّ جامعة عن طريق اتحادات الطلبة التي بدأنا نخوض انتخاباتها، وسهّلت لنا اتحادات الطلبة التواصل على مستوى الجمهورية، وباسمها أقمنا معسكرات صيفية إسلامية، كنّا ندعو إليها مشايخ بالإخوان؛ كالشيخ الغزالي، وسيد سابق، والشيخ المحلاوي، وغيرهم، وكانت هذه هي البداية ليست لي فقط، بل لكلّ التيار.
هل ظهرت جماعة التكفير والهجرة في تلك الفترة، أم كانت بداية تلك الموجة مع القطبيين؟
في الحقيقة؛ عندما أخذت الدولة المصرية، في بداية عهد السادات، قرار الإفراج عن الإخوان، كان ضمن المجموعات الأولى المفرَج عنها؛ شكري مصطفى، وطه السماوي، وقيادات ما يسمَّى "التكفير القطبي".

أفرجت الدولة في بداية عهد السادات عن الإخوان وكان ضمنهم شكري مصطفى وقيادات "التكفير القطبي" 

بدأ طه السماوي، العام 1972، يخطب في مسجد بميدان العتبة، أما شكري مصطفى فنشر أفكاره في بلدته أسيوط، وأقنع ابن أخته ماهر بكري، الذي أُعدم معه 1977، وعمّه الدكتور حمدي بكري، في التوقيت نفسه بدأ المتأثرون بسيد قطب، مثل: مصطفى الخضيري، وعبد المجيد الشاذلي، والدكتور محمد المأمون، ومحمد سالم، وهم من رموز الفكر القطبي، بدؤوا في نشر هذا الفكر في القاهرة والإسكندرية، وقد عمل القطبيون، ومؤسّسو جماعة التكفير، كلٌّ على حدة، لكنهم استغلوا ما منحه لهم الرئيس السادات من حرية، وعملوا في وقت واحد لنشر هذه الأفكار.
جماعة التكفير والهجرة

هل التقيت بشكري مصطفى آنذاك؟ وماذا عرض عليك؟
عرّفني إليه طالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان مع شكري بالسجن، في نهاية الستينيات، ورتّب لي اللقاء معه ليعرض عليّ أفكاره، ولما بدأ في عرض فكره قفزت إلى ذهني فوراً عقيدة الخوارج؛ لأنّ الشيخ الأزهري الذي كان بقريتي وأعطاني نبذة عنهم، فسألته: "ما الفرق بينك وبين الخوارج؟"، فقال: "الخوارج يكفّرون بالمعصية، وأنا أكفّر بالإصرار عليها"، وناقشته في ذلك كثيراً فتعجَّب من معرفتي مع صغر سنّي (19 عاماً تقريباً).

وجدت أنّ أفكار شكري مصطفى وغيره من زعماء القطبيين متشابهة تماماً مع فكر الخوارج

بعدها اتفقت معه أن يزورني بالإسكندرية بمنتصف الإجازة الصيفية، ليحاور بعض المشايخ والدعاة لأتبيّن الحقّ، وليردّوا على كلامه، وأخذت منه بعض كتاباته، خاصّة عن التوقف والتبين والتكفير بالإصرار على المعصية.
ثم ذهبت لقريتي وعرضت على الشيخ الأزهري كتابات الرجل، فصاح في وجهي قائلاً: إنّه فكر الخوارج التكفيري، فقلت له إنّ عبدالناصر سجنه لدعوته لتطبيق الشريعة، لكنّه صرخ في وجهي إنّه فكر الخوارج، ثم قابلت مؤسّس التكفير والهجرة، شكري، بالإسكندرية، واجتمعنا بمشايخ وأقرباء لي وعدد من أصدقائي، وعرض فكره وردّ عليه مشايخ ودعاة، واستمع إليه عدد من الشباب، منهم وجدي غنيم، فاقتنع بعض الشباب بفكره، ثم عاد الرجل لأسيوط، وكان قبل أن يمضي قد أخبرني بأنّ شيخه (وهو الشيخ علي عبده إسماعيل، شقيق عبد الفتاح إسماعيل الذي أُعدم مع سيد قطب)، يقيم الآن بالإسكندرية.
كان الشيخ علي عبده إسماعيل أول من ابتدع فكر التوقّف والتبيّن، لكنّه أعلن توبته منه، وكفّره تلميذه شكري مصطفى، ماذا قال لكم عبده عن تلك الفترة؟
توجهت وأنا في الإسكندرية لمقابلة الشيخ علي عبده إسماعيل بمسجد سلطان، وجلست معه وناقشته، وحكى وبيّن لي قصّة بداية جماعة التكفير، وبالفعل قال لي إنّ شكري كان تلميذه، لكنّه هو نفسه تاب ورجع لعقيدة أهل السنّة، وتنبأ لي بأنني الذي سأردّ على شكري وأفحمه، وأقضي على مجموعته.

اقرأ أيضاً: فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎
ومن ثقته بي أرسلني لشخص ببنها أعطاني (كراسة) للردّ على شكري، وكتيّباً صغيراً "دعاة لا قضاة"، ولم يكن حينها قد طُبع بعد، فقرأتهما ودرستهما تماماً، لأبدأ فيما بعد سلسلة الردود على جماعة التكفير والهجرة.
الخروج من الهاوية

ما الذي تبينته لتحارب شكري مصطفى وتحاول هدم جماعته؟
بعدما سمعت قصة نشأة التكفير من الشيخ علي إسماعيل، وأيضاً من شكري مصطفى، وغيرهما من زعماء القطبيين، وجدت أنّ أفكارهم متشابهة تماماً، حرفياً ونصياً، مع فكر الخوارج، الذين كفّروا وقاتلوا الصحابة، رضي الله عنهم، وقتلوا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأعلنوا حرباً على الإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
وبعدما قرأت كتب الفرق الإسلامية، مثل: "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفِرق" للبغدادي، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري، وغيرها، وجدت آراءهم تتطابق تماماً مع فرقة من الخوارج اسمها (الأزارقة)، و(الأخنسية) و(الثعالبة)، والقطبيون يشبهون فرقة اسمها (النجدات) لا تَعْذُر بالجهل.
كيف بدأت سلسلة المحاورات الفكرية والردود؟ وكيف كانت؟
أخذت أطوف الجامعات المختلفة، وأعطي دروساً في الردّ على التكفير وشكري، وفي العام 1975 كان هناك معسكر صيفي لجامعة القاهرة في المدينة الجامعية، وكان المسؤول عنه عصام العريان، وحضره الأستاذ فهمي هويدي، وكان وقتها مشرفاً على الصفحة الدينية بـ"الأهرام"، فقلت له أنا وعصام العريان: "لقد نشرت ثلاث مقالات لأتباع شكري مصطفى، ولديّ ردود"، فقال لي: "اكتب مقالاً ردّ فيه على التكفير"، فكتبت مقالاً بعنوان "إنّهم يرددون فكر الخوارج"، ونشر في "الأهرام"، بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1975.

اقرأ أيضاً: شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
وقد ناقشت أعضاء جماعة التكفير والهجرة بالحبّ والرفق، لا بالتحدي والمناظرة، فتاب أكثرهم، ومن ضمنهم عدد من قيادات جماعة شكري مثل: الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمود حماية.
من التكفير إلى الإخوان؛ كيف تطوّر شكل الجماعات الإسلامية بالجامعات؟
تكوّنت جماعات إسلامية على مستوى الكليات والجامعات، وفي معسكر صيف 1976 بالإسكندرية، بأبي قير، الذي حضرته كلّ قيادات هذه الجماعات من الإسكندرية إلى محافظة أسوان، تم الاتفاق على توحيد الجماعات في جميع جامعات مصر، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وتمّ اختيار خالد داوود ليكون أول أمير عام لها، على مستوى مصر، وخلفه بعد أن تخرَّج حلمي الجزار، ولم تكن الجماعة الإسلامية تابعة للإخوان؛ بل كانت مستقلة تماماً عنها في ذلك الوقت.
لماذا كان الفكر السلفي هو الغالب على فكر هذه الجماعات في ذلك التوقيت؟
بالفعل كان هو الغالب؛ لأنّه عندما ظهرت فتنة التكفير من شكري والقطبيين لم يجد الشباب ردوداً عليها، إلا في كتب السلف التي تحدثت عن الخوارج، عكس كتب الإخوان الفكرية والحركية، التي لم تغنهم في الردّ، ووجد الشباب أنّ الكتب التراثية هي الأمان والحماية وطوق النجاة من فكر التكفير، ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.
مع الإخوان

إذاً؛ كيف بدأت فكرة انضمام الجماعات الإسلامية بالجامعة للإخوان؟
بدأت بعد أن تخرَّج عدد كبير في الجامعة، وبدأنا نبحث في عمل جماعة تربط هؤلاء الخريجين، وبدأ البعض يقترح علينا الانضمام للإخوان المسلمين، والعمل معهم، مثل: الأستاذ محمد حسين، وحامد الدفراوي، من الإسكندرية، وأخذنا في شدّ وجذب واختلاف، ووافق البعض، واشترطنا على الإخوان الأخذ بفكر السلف، ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور.

الشعب يرفض تماماً أن يعود الإخوان كما كانوا قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة

وفي عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة في دخول الإخوان سرّاً، وكانت البداية من الإسكندرية: حامد الدفراوي، خالد داود، إبراهيم الزعفراني، عصام الحداد، وأنا كنت معهم. ومن القاهرة: عبد المنعم أبو الفتوح، محمد عبد اللطيف، عصام العريان، ومن المنيا: محيي الدين عيسى، أبو العلا ماضي، وآخرون غيرهم، ثمّ حدثت مشكلة بالإسكندرية؛ حيث وجد بعضنا أنّ الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف، مثل: الدكتور محمد إسماعيل، والدكتور أحمد فريد، وأبي إدريس، وبرهامي، وآخرين، فتركوا الإخوان وكوّنوا المدرسة السلفية.
ماذا كان موقف الجماعة الإسلامية في الصعيد من انضمامكم للإخوان؟
عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وغيرهم، بانضمام بعضنا للإخوان سرّاً، استشاطوا غضباً، ورفضوا الانضمام، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة
وبالتالي انقسمت الجماعات في الجامعات إلى ثلاثة أقسام: قسم يتبع الإخوان، وآخر يتبع الدعوة السلفية، وثالث يتبع الجماعة بالصعيد.

لماذا لم ينتهِ الفكر التكفيري بإعدام شكري مصطفى؛ بل انتشر عن طريق القطبيين؟
رغم انتشار فكر شكري، والضجيج الذي ثار حول جماعته، التي كانت هشّة جداً، وتعتمد على شخصية مؤسسها، وبإعدامه انتهى تنظيمه، لكن رموز الفكر القطبي الذين كانوا أكثر قرباً من سيد قطب كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير وفكرهم، وأخبث وأخطر، وكانوا يأخذون بنظرية التقية الشيعية، فنشروا فكرهم داخل تنظيمات الجهاد المختلفة، مثل: صالح سرية 1974، ويحيى هاشم 1975، و"الناجون من النار" 1979، ومحمد عبد السلام فرج، الذي حلّل دم السادات والجنود بأسيوط عام 1981، وغيرهم.
الانفصال عن الإخوان

كيف كنت ترى جماعة الإخوان قبل تحفّظ 1981 وبعده؟ ولماذا ابتعدت عنهم العام 1985؟
عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات؛ كنت أراها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير، وفصيلاً إسلامياً من فصائل الوطن المختلفة، لا تميّز نفسها عليهم، لكن في عامَي 1984 و1985 بدأت أرى مظاهر الفكر القطبي في الجماعة، وتقديس السمع والطاعة، فناقشت الأستاذ جمعة أمين في ذلك، عام 1985، فقال لي: "إنّك بذلك تتهم الجماعة بأنّها فاشستية وفيها فكر تكفيري، وتريد أن تهدمها"، وكان ذلك هو نهاية علاقتي بجماعة الإخوان، وابتعدت عنهم بهدوء، ثم انضممت لحزب العمل العام 1987.
عرفت أنّك أول من ابتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" كيف كان؟ وكيف اتّخذه الإخوان شعاراً بعد ذلك؟
نعم، أنا أول من كتب كتاباً بعنوان "الإسلام هو الحلّ"، وساعتها كنت مقتنعاً بأنّ الإسلام هو الحلّ لجميع مشاكل البشرية، لكن حدث في انتخابات برلمان، العام 1987، تحالف بين حزب العمل وحزب الأحرار والإخوان، باسم "التحالف الإسلامي"، وبحثوا عن شعارٍ موحّدٍ لا يكون شعاراً لأحد منهم قبل ذلك، واختاروا عنوان كتابي، وفي بداية الأمر رفض أفراد الجماعة الشعار؛ لأنّه ليس تقليدياً، مثل: "القرآن دستورنا"، و"الرسول زعيمنا"، وغيرهما، لكنّهم تراجعوا بعد أن وجدوا استحساناً له عند الناس، ثم إنّ حزب الأحرار ترك الشعار، وتمّ تجميد حزب العمل، فانفردت جماعة الإخوان به، وعدّوه خاصاً.
حدّثني عن الجماعة الآن؛ كيف تراها؟ وهل هناك بالفعل أجنحة داخلها؟
أصبحت جماعة الإخوان الآن أقرب ما تكون إلى السياسة من الدعوة، فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة، وهي تموج بتيارات وأجنحة مختلفة، فهناك الجناح التقليدي للجماعة الذي يقوده محمود عزت (نائب المرشد)، ويمثله علناً الدكتور محمود حسين (أمين الجماعة)، وإبراهيم منير، وهناك جناح محمد كمال، الذي تتبعه حسم، ولواء الثورة، وغيرها من تنظيمات العنف، وهناك مجموعة أخرى من القيادات نفضت يدها من سياسة الإخوان الحالية، مثل: الدكتور عمرو دراج، وغيره.

السادات منح الجماعات الإسلامية الحرية فاستغلوها في نشر الأفكار القطبية

وثمة أجنحة أخرى مشتاقة للعودة للقيادة، وتزعم أنّها إصلاحية، لكن في الحقيقة الفكر القطبي أصبح المسيطر على غالب التيار، وأنا متأكد من أنّ الإخوان منقسمون، وكلّ جناح يزايد على الآخر، إلى جانب أنّ الدول التي تؤويهم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وأما من جانب الدولة؛ فالشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل كانون الثاني (يناير) 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف، وأنا أعتقد أنّه الجماعة ستظلّ تضعف وتنقسم وتتشرذم على مرّ الوقت، إلى أن تنتهي أو تظهر بأشكال أخرى؛ لأنّها ليست جماعة خالدة.

للمشاركة:



أردوغان "فاشي العصر".. لماذا لقّبه الأكراد بذلك؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

اتّهمت الإدارة الذاتية الكردية لشمال وشرق سوريا الولايات المتحدة وروسيا بمنح تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا، ووصفت أردوغان بأنّه "فاشي العصر"، الساعي إلى توطين "بقايا داعش والنصرة" في بلدهم، بعد أن بات يعتبر سوريا "ولاية عثمانية".

الأكراد يتهمون الولايات المتحدة وروسيا بإعطاء تركيا الضوء الأخضر لإبادة أكراد سوريا وتوطين بقايا داعش والنصرة

وقالت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في بيان تلته، أمس، في مؤتمر صحفي عقد بمقر دائرة العلاقات الخارجية في القامشلي بريف الحسكة: "اليوم، وبتوافق ضمني من قبل الدولة الأمريكية والروسية، يتعرضون للهجمات والمجازر الوحشية من قبل دولة الاحتلال التركي ومجموعاتها المرتزقة من بقايا النصرة وداعش، وها هم مجدداً يقدمون تضحيات جسام في صدّ هذه الهجمات وتتعرض قراهم ومدنهم ومناطقهم للقصف والدمار"، وفق ما نقلت صحيفة "زمان".

الأتراك ارتكبوا جرائم حرب؛ كاغتيالات السياسيين ورجال الدين وقتل النساء والأطفال واستخدام الأسلحة المحرَّمة

وأضاف البيان: "يتم انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب بشكل يومي؛ كاغتيال السياسية هفرين خلف، وراعي الكنيسة الأرمنية الكاثوليكية في قامشلو، الأب هوفسيب بيدويان، إلى جانب والده، كذلك قتل المئات من النساء والأطفال، واستخدام الأسلحة المحرمة دولياً".

ووصف الناطق باسم الإدارة الذاتية، أردوغان، بأنّه "فاشي العصر"، وقال: "تزامناً مع مساعي التغيير الديموغرافي والمجازر التي تتعرض لها مكونات شمال وشرق سوريا، فإنّ الصمت وعدم إبداء موقف واضح من قبل أمريكا وروسيا، وأيضاً زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، غوتريش، يضفيان الشرعية للدولة التركية، ويمنحان فاشي العصر أردوغان المزيد من الجرأة.

الأكراد يناشدون جميع العالم والإنسانية بأن يرفعوا اصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية

ولفت إلى "تهجير مئات الآلاف من الكرد وتوطين عوائل داعش والنصرة، التابعة للجيش الوطني السوري المرتزق، في منازلهم في عفرين وسري كانيه ورأس العين وكري سبي وتل أبيض، أمام أعينهم، كذلك اختطاف المئات من النساء والأطفال الكرد العفرينيين وممارسة النهب والسرقة بأبشع الوسائل".

وناشد الأكراد في بيانهم جميع العالم والإنسانية؛ بأن يرفعوا أصواتهم ضدّ إبادة المجتمعات الكردية والعربية والسريانية، وضدّ الهجمات الاحتلالية على شمال وشرق سوريا، والتغيير الديموغرافي، وأن يظهروا موقفاً تجاه هذه الوحشية.

 

للمشاركة:

الإمارات تعقد صفقة شراء 50 طائرة "إيرباص"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

أعلنت الإمارات، اليوم، إبرام صفقة شراء 50 طائرة من طراز "إيرباص" (350 A)، بقيمة 16 مليار دولار.

وذكر بيان صادر عن طيران الإمارات؛ أنّ الشركة "أعلنت طلبية مؤكدة لشراء 50 طائرة "A350-900 XWB"، متوقعة أن يبدأ تسلم هذه الطائرات، التي ستعمل بمحركات "رولز رويس/ XWB"، اعتباراً من أيار (مايو) 2023".

شركة طيران الإمارات يعلن إبرام صفقة لشراء 50 طائرة طراز "A 350" بقيمة 16 مليار دولار

ووقّع الرئيس التنفيذي لطيران الإمارات، الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم، على الصفقة مع الرئيس التنفيذي لإيرباص غيليوم فاوري.

وسوف تتيح طائرات A350"" الجديدة لطيران الإمارات خدمة نطاق واسع من الأسواق الجديدة على مستوى العالم، وبرحلات يصل مداها إلى 15 ساعة طيران انطلاقاً من دبي.

وذكرت "إيرباص"، في بيان منفصل؛ أنّ التكنولوجيا التي توفرها الطائرة تخفّض من تكاليف التشغيل بقيمة 25%، وقيمة مماثلة في معدل حرق الوقود وانبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

ويتكوّن أسطول طيران الإمارات بأكمله حالياً من طائرات حديثة ذات كفاءة عالية من طرازي "إيرباصA 380 "، و"بوينج 777"، وتخدّم الناقلة، انطلاقاً من مركزها في دبي، أكثر من 158 مدينة في القارات الستّ.

وتستضيف دبي على مدار يومين، أحد أكبر معارض الطيران في العالم، بدورته الـ 16، ومن المتوقع ان تعقد صفقات بالمليارات خلاله، يقودها عملاقا صناعة الطيران في العالم: "بوينغ" الأمريكية، و"إيرباص" الأوروبية.

 

للمشاركة:

بريطانيا متّهمة بالتستر على جرائم حرب.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

تفتح محكمة الجنايات الدولية أول تحقيق لها بشأن الجيش البريطاني في أعقاب بثّ برنامج لـ "بي بي سي" عن ارتكاب الجيش ما وصفه بجرائم حرب.

ووجد برنامج "بانورما" أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان.

محكمة الجنايات الدولية تفتح تحقيقاً بشأن ارتكاب الجيش البريطاني جرائم حرب في عدة أماكن

وقالت المحكمة إنّها تنظر بجدية إلى ما توصل إليه البرنامج، لكنّ وزارة الدفاع البريطانية قالت إنّ تلك الادعاءات لا أساس لها.

وأضافت الوزارة؛ أنّها تعاونت بالكامل مع المحكمة، ولا ترى أنّ هناك مبرراً لتدخّل المحكمة من جديد في الأمر.

وسيكون التحقيق الرسمي للمحكمة، التي يوجد مقرها في لاهاي بهولندا، هو أول إجراء تتخذه ضد مواطنين بريطانيين بسبب جرائم حرب.

وقالت المحكمة إنّها ستقيّم بحيادية ما توصلت إليه "بي بي سي"، وقد تفتح قضية تاريخية إذا اعتقدت أنّ الحكومة تحمي الجنود من الملاحقة القضائية.

وكانت المحكمة قد توصلت في السابق إلى وجود أدلة ذات مصداقية على أنّ قوات بريطانية ارتكبت جرائم حرب في العراق، وتتضمن معظم تلك الحالات ادّعاءات بإساءة معاملة معتقلين.

وأشهر تلك القضايا المعروفة؛ قضية بهاء موسى، الذي كان عامل فندق في البصرة، وتوفَّى بعد تعذيبه وضربه على أيدي قوات بريطانية، عام 2003، وأدّت قضيته إلى بدء تحقيق علني، انتهى بالإدانة الوحيدة لجندي بريطاني بجرائم حرب في العراق.

لكنّ برنامج "بانوراما"، بالتعاون مع صحيفة "صنداي تايمز" البريطانية، كشف معلومات جديدة عن حالات قتل قيل إنّها حدثت في مركز اعتقال بريطاني.

ويقول محققون من فريق الادعاءات التاريخية في العراق، وهو الفريق الذي حقق في جرائم حرب قيل إنّ قوات بريطانية ارتكبتها خلال احتلال العراق؛ إنّه وجد "أدلة على انتهاكات واسعة النطاق حدثت في قاعدة بريطانية في البصرة قبل ثلاثة أشهر من قتل بهاء موسى".

"بي بي سي": أدلة على أنّ الدولة تستّرت على قتل مدنيين بأيدي قوات بريطانية في العراق وأفغانستان

وحدثت تلك الحالات في معسكر ستيفن، الذي كانت تديره بلاك ووتش، والكتيبة الثالثة، والفوج الملكي الأسكتلندي، وحقّق الفريق في وفاة رجلين، ماتا خلال أسبوعين متتاليين في شهر أيار (مايو) 2003، وأقرت وزارة الدفاع البريطانية بأنّهما كانا مدنيَّين بريئَين.

وجمع الفريق شهادات من جنود بريطانيين، وموظفين في الجيش، وصفت كيف عُذب الرجلان قبل العثور عليهما ميتين، وقد رُبط رأساهما بكيسَين من البلاستيك.

وقرّر الادعاء العسكري البريطاني هذا الصيف عدم محاكمة أيّ شخص في قتل الرجلَين.

وقال رئيس الادعاء العام السابق، اللورد ماكدونالد، حينما عرضت عليه أدلة "بانوراما": أعتقد أنّه من المذهل عدم توجيه أيّة تهمة لأيّ جندي".

وقالت وزارة الدفاع؛ إنّ "العمليات العسكرية تسير طبقاً للقانون، وهناك تحقيق مكثف في الادّعاءات".

وقال متحدث باسم الوزارة "بي بي سي": إنّ "التحقيقات والقرارات الخاصّة بالمحاكمة مستقلة عن وزارة الدفاع، وتنظر فيها بدقة جهة خارجية، كما تستعين الوزارة بمن يعطيها الاستشارات القانونية المطلوبة".

وأضاف المتحدث: "بعد تمحيص دقيق للحالات المشار إليها، قررت هيئة خدمة الادعاء المستقلة ألا تحاكم أحداً".

 

 

للمشاركة:



ماذا تعني الهجمات الإرهابية في مجتمعات بعيدة عن الدين؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-18

ترجمة: مدني قصري


يقول أستاذ الفلسفة فيليب جرانارولو: إنّ "أحد أسوأ آثار الهجمات الجهادية هو تشويه نظرتنا؛ فبغزوهم الفضاء الإعلامي، يميل الشباب المتطرفون والانتحاريون إلى جعلنا ننسى أنّ التطرف الديني قد اختفى من أفق معظمنا، فللغالبية غير المبالية بالمعتقدات الدينية، يعطي هذا المقال الكلمة؛ لأنّه في الواقع، يظلّ المواطنون الذين لا تعصب دينياً عندهم أقوى حصن ضدّ كلّ ألوان التطرف الديني.

جرانارولو: الهجمات التي يرتكبها الجهاديون تصعقنا وترعبنا؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام

نشر فيليب جرانارولو، العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه، بما في ذلك "الفرد الخالد" (L'individu éternel)، و"تجربة الأبدية النيتشية" (Vrin، 1993)، و"نيتشه"، و"خمسة سيناريوهات للمستقبل" Encre Marine) ، 2014)؛ فهو شخصية فكرية مشهورة في مدينة تولون (الفرنسية)؛ حيث يقود العديد من المناقشات والمؤتمرات، ويقدِّم نظرة فلسفية حول الأحداث الراهنة، مع كتابه "بيان العقول الحرة"، يهدف إلى شرح معنى الهجمات الجهادية لمجتمعاتنا (الغربية)، البعيدة كلّ البعد عن الانشغالات الدينية.

نشر فيليب جرانارولو العديدَ من الأعمال حول فلسفة نيتشه
حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "نوفيكسيون" ( nonfiction.fr) مع فيليب جرانارولو، هذه المقابلة:

كتابُك الأخير المستوحَى من أحداث الهجمات الجهادية، والذي يعتمد بشكل أساسي على فلسفة نيتشه، التي أنت متخصّص فيها، وكذلك كانط وعصر التنوير، هو قبل كلّ شيء، من وجهة نظرنا، مدحٌ للامبالاة تجاه الأديان، في سياقٍ أصبح من الصعب أكثر فأكثر، برأيك، جعلُ هذا الصوت مسموعاً "تعصُّبٌ في كل مكان، ولا دين في أي مكان"، هل هذه واحدة من حقائق عالمنا اليوم؟
في أوروبا، ما فتئ التعصّب الديني يتناقص باطراد منذ ثلاثة قرون على الأقل؛ "الحروب الدينية"، مذابح القديس بارثولوميو، وقضية كالاس، تبدو أنّها قد صارت وراءنا بأعوام ضوئية، ننسى أحياناً أنّ تعصّباً آخر قد استولى على السلطة في القرن العشرين: التعصب الأيديولوجي، والنازية والشيوعية، التي أدمت القرن الماضي، لكن مع سقوط حائط برلين، كرر العديد من مفكرينا النشيد الغالي على قلوب فلاسفة القرن التاسع عشر (ماركس ونيتشه على وجه الخصوص)، الذين يتنبؤون بمجيء عالَم خالٍ من الدين، وبإنسانية تدخل أخيراً مرحلة البلوغ، فيما أسماه كانط "أغلبية الكائن البشري".

جرانارولو: إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم

لعلّه من الضروري الإشادة بالإسلامويين، الذين ساهموا في الكشف عن التسرع في هذا الإحياء الساذج لأمل ماركس ونيتشه، تحاول مقالتي السباحةَ بين اثنين من المزالق: التفاؤل المفرط لدى العقلانيين المتأصلين، والتشاؤم الانتحاري لدى الانحداريين، ليس كتاب "بيان العقول الحرة" مقالاً آخر عن الإسلاموية، لكنّه منظور فلسفي أصلي حول تجاوزات الأصوليات الدينية؛ إنّه دفاعٌ عن حرية التفكير.
أنا أتبنى على وجه الخصوص، عكس وجهة نظر المفكرين الذين أعلنوا "انتقام الإله"، في أساليب وأطر مفاهيمية مختلفة للغاية، يُجمِع كلّ من فيليب موراي، وريمي براغ، أو روبرت ريديكر (هؤلاء على سبيل المثال لا الحصر من أفراد هذه العائلة العظيمة) على الإعلان عن الانهيار المحتوم لحضارة اعتقدت بسذاجة أنّ بإمكانها أن تحقق التطور خارج المعتقدات، والتي اعتقدت بفخر أن العالم من دون الربّ ممكن.
من بين الأخطاء الرئيسة في تفسير الهجمات الجهادية؛ في رأيك، هو تعزيز الرؤية الساذجة لـ "صدام الحضارات" (عنوان كتاب صموئيل هنتنغتون، المترجم في فرنسا، عام 1996)، بالتالي؛ المساهمة في إنشاء نبوءة تتحقق ذاتياً، لكن بدلاً من حرب الحضارات، وهي العبارة التي استخدمها رئيس الوزراء، مانويل فالس، بشكل خاطئ، عام 2015؛ فإنّ ما يكشف عنه التطرف الإسلاموي اليوم هو في المقام الأول الحاجة الملحة للكفاح ضدّ شكل من أشكال الهمجية (البربرية)؛ كيف تفسِّر أنّ النوايا الأصلية للمتعصبين استطاعت أن تخترق في النهاية عقولنا، رغم علمانية هذه العقول إلى حدّ كبير وبُعد أغلبيها عن الاهتمامات الدينية؟
بما أنّ نوايا المتعصبين قد "اخترقت عقولنا" فهذا أمر لا جدال فيه؛ التعصب، كما قال الراحل أندريه غلوكسمان، الذي أقتبستُ أقواله مرتين في مقالتي، كان بمثابة "الصاعقة"؛ لأنّه يضع نهاية قوية لغياب العنف الذي اعتدنا عليه، فالهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"؛ إنّهم يهاجموننا بتواطؤ وسائل الإعلام؛ لأنّ أيّ هجوم لا يمكن بالطبع أن يرعبنا إلا إذا تمّ تضخيمه بواسطة وسائل الإعلام، وعليه؛ فإنّ الأمر متروك للمثقفين كي ينتزعونا من هذا الترهيب والترعيب.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هو إرهاب عشوائي بالفعل؟
للخروج من حالة الذهول والانصعاق ليس هناك سوى طريقة واحدة فقط: الطريقة التي تضعنا على سُلَّمٍ زمني آخر، الطريقة التي تسمح لنا بالتفكير على المدى الألفي للزمن؛ فبصفتي تلميذاً لنيتشه، فقد تعلمتُ تدريجياً أن أضع تأملاتي على هذا النطاق الزمني، وعلى هذا السلَّم الزمني تحديداً تقع جميع تحليلات كتاب "بيان العقول الحرة".
الهجمات التي يرتكبها الجهاديون "تصعقنا" و"تُذهلنا" و"ترعبنا"

أنت لا تؤمن بأنّ الشعب الفرنسي على استعداد بأغلبية ساحقة لرفض ما بين 5 إلى 6 ملايين من رعاياه من أصل إسلامي، واعتبارهم متطرفين في حيّز القوة (محتمَلين)، كما تشير بعض الخطب السياسية إلى ذلك، مقابل رؤية "الحرب الأهلية" هذه الزاحفة بدهاء، بشكل أو بآخر، أو "حالة الطبيعة الهوبيسية" (نسبة إلى الفيلسوف توماس هوبز(1)، فأنت ترى أنّ دعاة السلام الحقيقيين في المجتمع الفرنسي يجب أن يكونوا مواطنين من دون دين "نحن  الغالبية العظمى من الذين ما زالوا غرباء على الدين"؛ وهذه هي كلماتك، أياً كانت أصولهم، ومع ذلك، فمن دون المطالبة بدينٍ علماني أو مدني جديد، كيف يمكننا تهدئة وإخماد الممارسات الدينية في بعض المناطق، حيث خطرُ التعصب أضحى حقيقة قائمة معروفة؟
يبدو أنّني أرى وراء سؤالك صدى صيغة تتكرر في كثير من الأحيان: "لا يمكننا أن نموت من أجل العلمانية"، يبقى السؤال هو ما إذا كنا نستطيع العيش دون دين أم لا؟ في الفصل المعنون "نهاية فقدان طويل للذاكرة"، أتحدث عن ذلك مع  ريجيس ديبراي (Régis Debray)(2)، الذي لفتت أعماله انتباهي دائماً؛ فإما أنّ العالم السياسي محقّ، فلا يمكن أن يكون هناك تجمع بشري دون معتقد مؤسسي قوي يربط أعضاء المجموعة، وهو معتقد لا صلة له بـ "الحقيقة"، كما أكده في الأصل "نقد العقل السياسي"، عام 1981، فالوظيفة الوحيدة والفعالية الوحيدة للاعتقاد المؤسس هي تحويل الأفراد المشتتين إلى هيئة اجتماعية، وإما أنّ ريجيس ديبراي على خطأ: أنّ شيئاً آخر غير الاعتقاد الأعمى قادر على جمعنا، هذه هي الأطروحة التي أدافع عنها.

يهدف جرانارولو في كتابه "بيان العقول الحرة"، إلى شرح معنى الهجمات الجهادية للمجتمعات الغربية البعيدة عن الانشغالات الدينية

بشكل ملموس، كيف يمكن لمجتمع متّحد خارج المعتقد الديني أن يحارب أفراداً عالقين في فخّ التعصب؟ سلبياً، من خلال عدم الوقوع في الفخ الأمني، أولى الاقتباسات التي وضعتُها بوضوح في مقدمة فصول كتابي هي صيغة لهوبير فيدرين: "كوننا غير مقتنعين بأنّ الإرهاب هو التهديد الرئيس أحدثَ كثيراً من الضرر لمجتمعاتنا"، فمع مطالبة الدولة بتنفيذ جميع الوسائل المتاحة لها لحمايتنا، يجب أن نضع نصب أعيننا أنّ تأمين جميع أراضينا مُهِمّةٌ مستحيلة، نحن في حاجة إلى دمج التهديد الإرهابي في حياتنا اليومية، وإيجابياً؛ بِرفع الجهد التعليمي بشكل كبير في مناطق الجمهورية المنسية والمهملة. فمن خلال دعوتنا لجلد أنفسنا وممارسة الندامة والتوبة قدّم البعضُ أفضل الأسلحة إلى الأيديولوجيين الإسلامويين المتطرفين، يجب أن نكون مقتنعين بالجودة الإنسانية لنموذجنا الثقافي: كيف يسعنا نقل هذا النموذج ومشاركته إذا كنا نشكّ نحن أنفسنا في قيمته؟
المفارقة في مقالتك المحفّزة تتمثل في الدعوة إلى نوع من "اللادين" للجميع، في سياق تتفاقم فيه شتى ألوان التعصب؛ ألا ينطوي هذا النهج على خطر تأكيد الهُويات (هذا "التقليد البعيد عن الأديان منذ 25 قرناً"، منذ اليونان القديمة إلى العلمانية الجمهورية، وحتى عصر النهضة والتنوير) أو الإعلان عن "نهاية فقدان الذاكرة" (عنوان أحد فصول كتابك)، في حين أنّ كلّ شيء يحدث كما لو كانت هذه الرؤية لم تعد تمثل جزءاً كبيراً من رؤية معاصرينا؟
إنّك تثير خطر التأكيد على هُوية من الهُويات: لكن، من دون هوية يجب الدفاع عنها، ما الذي يمكننا أن نواجه به مشروع غزو الإسلامويين المتطرفين؟ مشروع الغزو قائم بالفعل، ولم يظهر عام 2001؛ فهو قائم وقد تمّ تطويره تطويراً كاملاً منذ ثلاثينيات القرن العشرين، في كتابات حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، ثم في النصّ الذي ما يزال بمثابة دليل للجهاديين اليوم "معركتنا ضدّ اليهود"، التي كتبه سيد قطب في أوائل 1950.

اقرأ أيضاً: محاربة الإرهاب لم تنتهِ
بقدر ما تبدو لي خطيرة الإشارة إلى "الجذور المسيحية لأوروبا"؛ لأنّ مثل هذه المرجعية يمكن أن تكون حاملة للعداء بين الأديان المعادية لبعضها، بقدر ما يبدو لي أمراً أساسياً وصحياً أن أطالب بالجذور الفلسفية لحضارتنا، قبل خمسة وعشرين قرناً على الأرض اليونانية، عرف رجال مستنيرون، يركع المعاصرون اليوم أمام تماثيل زيوس أو أثينا، كيفية استخدام القوى الوحيدة لعقولهم لفكّ رموز الطبيعة والتساؤل في جوهر الإنسان، وقد يظنّ قرّاؤك أنّ ارتباطي الطويل بنيتشه قد شوّه تقديري للأشياء: لكنني مقتنع تماماً بأنّه في غضون بضعة قرون، سوف يُنظر إلى التعصب الديني في الديانات السماوية الثلاث، سوى باعتباره فترة عابرة في تاريخنا، كلحظة قصيرة من التيه في عملية تحرّر العقل الهائلة!

من اللافت أحياناً، عند قراءة مقالك، أن تفكّر في الردّ، الذي جاء خلال الحملة الرئاسية الأخيرة، على لسان جان لوك ميلنشون - الذي تُعدّ خلفيته الفلسفية (الحقيقية، على عكس العديد من السياسيين) أقرب إلى مفكرين أمثال ماركس وفويرباخ منها إلى فكر نيتشه، وهو يجيب عن سؤال الصحافيين حول "البوركيني" قائلاً: "أبعدوا عنا قصصكم الدينية! لن تضيّع فرنسا وقتها في مناقشة الدين"؛ أليس هذا هو السؤال الأساسي الذي يواجه الجمهورية منذ تأكيدها الفلسفي والسياسي؟
لا يمكنني إلا أن أقرّ ببعض التقاربٍ حول هذه النقطة (وفقط هذه النقطة) مع جان لوك ميلنشون؛ نعم، قول ميلنشون "دعونا وشأننا" يفسر صياغة "اتركنا في سلام"، الذي يختم تحذير "بيان العقول الحرة"، لكن بعد أن كُتِب هذا التحذير خلال عام 2015، أدّعي في هذا الشأن أني سبقتُ جان لوك ميلنشون. لا، الدين لم يعد شاغلنا الرئيس مرة أخرى، الجميع لا يهتمون! مهما كانت المعتقدات الدينية التي تقاسمنا إياها أقليةٌ من مواطنينا، ففي غياب التعصب الديني تحديداً، تَعلَّمْنا كيف نبني مجتمعاً، دعونا لا نعكس ترتيب الأشياء: ليس غياب البعد الديني هو الذي يُهدّد مجتمعنا، بل إنّها همجية الأصوليين الدينيين.

اقرأ أيضاً: منتديات داعش: أكاديمية ضخمة لتعليم الإرهاب
مقالتي تعارض وجهاً لوجه كلّ الذين يدينون مجتمعاً يملك جرأة الادعاء بالعيش خارج التعصب الديني، إنّ إقصاء التعصب الديني من الفضاء العام هو ما يميز مجتمعنا العلماني، وهو المجتمع الوحيد الذي يحترم الأفراد في تنوعهم، وخاصة المجتمع الوحيد الذي يتوافق مع التقنيات التي تُستمَدّ جميعها من حرية الفكر، يجب على أولئك الذين يرفضون العلمانية أن يتخلوا عن استخدام الإنترنت وعن هواتفهم المحمولة، وهي منتجاتُ نظرياتٍ علمية طوّرها العلماء الذين لديهم الشجاعة للابتعاد عن المعتقدات القديمة، عليهم أن يكتفوا فقط باستخدام الحَمَام الزاجل، وعليهم ألّا يهاجموا عدوّهم إلا بالمقلاع والرماح؛ لأنّ التماسك ليس شاغلهم الرئيس.
ليست حرية العقل قوة فحسب، بل هي القوة الوحيدة التي تتناغم مع المسار الذي سلكته حضارتنا منذ خمسة وعشرين قرناً، العقول الحرة، بعيداً عن أن تتعرض للحركة الإرهابية، هي مستقبل الإنسانية لا محالة.
 


الهوامش:
(1) توماس هوبز (5 نيسان 1588 - 4 كانون الأول 1679)، (بالإنجليزية: Thomas Hobbes): عالم رياضيات وفيلسوف إنجليزي، يعدّ توماس هوبز أحد أكبر فلاسفة القرن السابع عشر بإنجلترا وأكثرهم شهرة، خصوصاً في المجال القانوني؛ حيث كان بالإضافة إلى اشتغاله بالفلسفة والأخلاق والتاريخ، فقيهاً قانونياً، ساهم بشكل كبير في بلورة كثير من الأطروحات التي تميز بها هذا القرن على المستوى السياسي والحقوقي، كما عرف بمساهمته في التأسيس لكثير من المفاهيم التي لعبت دوراً كبيراً، ليس فقط على مستوى النظرية السياسية؛ بل كذلك على مستوى الفعل والتطبيق في كثير من البلدان وعلى رأسها مفهوم العقد الاجتماعي، كذلك يعتبر هوبز من الفلاسفة الذين وظفوا مفهوم الحق الطبيعي في تفسيرهم لكثير من القضايا المطروحة في عصرهم.
(2) ريجيس ديبريه: ولد في 2 أيلول 1940، بباريس، وهو كاتب وجامعي فرنسي ومنظم الميديولوجيا، حصل على جائزة فيمينا الأدبية، عام 1977 ، وهاجر في شبابه كمقاتل أجنبي في الغابات إلى جانب تشي غيفارا في أمريكا اللاتينية.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: www.nonfiction.fr

للمشاركة:

الجائزة الكبرى لـ"حماس" وجائزة الترضية لـ"الجهاد"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

نبيل عمرو

بَرَعَتْ حركة «حماس» في إخفاء أجنداتها المضمرة تحت ساتر كثيف من شعارات جذابة، وجملٍ محبَّبةٍ للجمهور، غير أنها بدت أكثر براعة وجسارة في الانتقال من موقع إلى موقع مختلف، أو حتى مناقض، وذلك حسب الضرورة.
حدث ذلك بأوضح الصور وأكثرها مباشرة حين اعتبرت «أوسلو» خيانة بالجملة والتفصيل، وقاطعت انتخاباتها الأولى كي لا تلوث طهارتها الكفاحية ذات الأساس المبدئي غير القابل للتصرف، وحين رأت ضرورة لدخول «أوسلو» من بابها العريض (الانتخابات)، أعلنت جاهزيتها للمشاركة فيها حتى لو لم تسمح إسرائيل بإجرائها في القدس، فبوسع القدس أن تنتظر التحرير.
وفي هذه الأيام، ومن قبيل تهيئة الذات لدخول المستقبل من باب المرونة والبراغماتية، فقد سحبت معظم تحفظاتها القديمة على إجراء الانتخابات العامة، ولم يبقَ إلا أن تعلن بصريح العبارة أنها توافق على رؤية محمود عباس لإجرائها.
إلا أن ما بدا كتغير استراتيجي طال قواعد اللعب، فقد حدث بعد تصفية القيادي في «الجهاد الإسلامي» بهاء أبو العطا؛ حيث لم تشارك «حماس» في معركة الدفاع عن الوطن الذي تعرض لأشرس هجمات تدميرية من قبل إسرائيل، رافقها بحر من الدم نزف من أجساد المواطنين وناشطي «الجهاد»، دون أن يتعرض أي موقع حمساوي لأذى.
إسرائيل من جانبها قدرت ذلك لـ«حماس»، وتجددت دعوات التفاوض المباشر معها من غير الاكتفاء بوساطات أخرى، ذلك أن إحجاماً كهذا لا بد وفق كثير من الروايات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية أن يستحق مكافأة؛ بل وأن يُبنى عليه، حتى أن كُتاباً ذوي شأن في إسرائيل تحدثوا عن تحالف موضوعي بين نتنياهو المستفيد الأول من موقعة «الحزام الأسود»، و«حماس» التي من حقها انتظار مكافأة على ترك «الجهاد الإسلامي» يواجه أقداره بمفرده.
السؤال: لماذا تغيرت الأمور بهذه السرعة؟ وما هي الرهانات المترتبة عليها؟ وفق منطق الحسابات البراغماتية الصرفة المتجردة من الأغلفة المبدئية والشعارية، فإنَّ ما فعلته «حماس» ما كان بوسعها أن تفعلَ غيره، ذلك أن حكمها لغزة واستعداداتها للتمدد نحو الضفة، يتطلب التهدئة وتجنب حرب تدميرية كتلك الحروب التي فعلت في أهل غزة ما فعلت، ذلك أن «حماس» لا تريد، وليس من مصلحتها، أن تبدأ العمل على التهدئة من الصفر، فالمحاولات الراهنة لإنجازها يمكن أن تنجح.
كذلك فإن «حماس» تستشعر المآزق التي آلت إليها تشكيلات وأذرع الإسلام السياسي، ومركزه إيران، الممول الوحيد لـ«الجهاد» وأحد الممولين لـ«حماس»، ولغيرها ممن توصي بهم من الفصائل الأخرى.
السخاء الإيراني القديم لم يعد كما كان؛ بل هو مرشح للتناقص، والتنقيط القَطري قد لا يستمر إلى ما لا نهاية. وهنالك دافع ربما يكون الأقوى، ذلك أن «حماس» وغزة دخلت بقوة إلى السجال الحزبي في إسرائيل، وهو سجال سوف يقرر هوية الحكم القادم في الدولة العبرية، وبالتالي لا توجد ضمانة، لا عند «حماس» ولا حتى عند المصريين والإسرائيليين، من ألا تتدحرج الأمور إلى حرب واسعة لن تلحق أذى بالغاً بـ«حماس» فحسب؛ بل ستعيد غزة كلها إلى ما كانت عليه في الأيام التالية للحروب التدميرية، التي لا تزال آثارها شاخصة رغم مرور الزمن.
إسرائيل، وإن كانت تعلن أنها في غير وارد الانجرار إلى حرب واسعة، وهي صادقة في ذلك، فإن صاروخاً منفلتاً من عقاله يقتل إسرائيليين أو يقع على مقربة من هدف حيوي، يكفي أن يقود إلى حرب، حتى لو لم يكن السياسيون غير راغبين فيها.
«حماس» فعلت ما فعلت في العدوان الأخير بفعل حسابات متعقلة، وتحسّب من حرب لن يكون أهل غزة سعداء بها، أما «الجهاد» التي تعتبر نفسها مخذولة، فبإمكان «حماس» احتواء عتبها وغضبها، ولو باللغة الحميمة التي استخدمها السيد إسماعيل هنية، واصفاً العلاقة مع «الجهاد» بالعروة الوثقى.
وأنا اكتب السطور الأخيرة لهذه المقالة، أبلغني مساعدي مروان أن «حماس» التحقت بالمعركة، إذ أطلقت قذيفتين على منطقة بئر السبع، وقامت إسرائيل بالرد الفوري عليها. لم أغير التحليل، إلا أنني استذكرت مثلاً يصدق على دخول المعركة بعد وقف إطلاق النار: «العليق بعد الغارة ما يفيد» واستذكرت كذلك حكاية الجوائز، فإسرائيل اقترحت الجائزة الكبرى لـ«حماس»، أما «حماس» فقد اقترحت جائزة الترضية لـ«الجهاد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

صراع قطري تركي في الصومال

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-18

مارتن جاي

أثارت زيارة وفد حكومي قطري وصل إلى العاصمة الصومالية مقديشو، العديد من التساؤلات. وكان الوفد قد وصل لإجراء محادثات مع مسؤولين صوماليين، تركزت حول العلاقة بين قطر وتركيا، وهل أن تلك العلاقة قوية كما هو معتقد. وتأتي المحادثات في أجواء من التوتر سادت بين الدولتين الحليفتين، فجّرته قناة الجزيرة، إثر بثها أخبارا عن الحملة العسكرية التركية شمال سوريا.

والسؤال هنا هو، هل التراشق بالاتهامات، بين صحيفة “الصباح اليومي” المؤيدة لأردوغان، وقناة “الجزيرة”، مجرد حدث عابر، أم أن خلافات عديدة متراكمة سبقته وأدت إلى خروجه للعلن؟

ينظر إلى هاتين الدولتين، تركيا وقطر، في الشرق الأوسط، بوصفهما دولتين متقاربتين إلى حد التماهي، تربط بينهما مشاريع عسكرية، كما هو الحال في منطقة البحر الأحمر، حيث تقوم قطر ببناء قاعدة عسكرية في جزيرة تابعة للسودان.

ومؤخرا، أيدت قطر قرارا تركيا بالتخطيط للتدخل العسكري شمال سوريا. ولا يمكن أن ننسى الدعم التركي لقطر، بعد مقاطعة الدول الأربعة، السعودية والإمارات والبحرين ومصر، لها الأمر الذي أدى إلى عزلها عن شركائها في دول مجلس التعاون الخليجي في صيف عام 2017. وفي هذه الظروف، أهدى أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني، الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، طائرة فاخرة من طراز بيونغ، فضلا عن استضافة قطر لحوالي 3 آلاف جندي تركي على أراضيها.

الأمثلة التي تؤكد وجود صداقة عميقة وطويلة الأمد بين الدولتين لا حصر لها. فلماذا يتم الآن نشر تقارير سلبية وتسريب الشائعات عن توتر انتاب العلاقة فجأة؟

توتر العلاقات بين أنقرة والدوحة
يتكهن بعض الخبراء في المنطقة، بأن زيارة وزير الخارجية التركي الأخيرة إلى قطر لم تسر على هوى أنقرة. وفي الواقع، لم يكن جوهر الخلاف، الذي تم الإعلان عنه مؤخرا، في وسائل الإعلام التركية والقطرية، بشأن الحملات العسكرية لأنقرة في سوريا، هو السبب.

لكن الدليل على توتر العلاقات يظهر بوضوح من خلال الحادث الذي وقع في الصومال قبل أسبوعين، وهي دولة تمارس فيها كل من قطر وتركيا سيطرتها.

ويتم اختبار العلاقة بين الدولتين في الصومال، حيث بدأ البعض يرى مؤشرات على تفكك تدريجي لهذه العلاقة. ووفقا لمصادر في مقديشو، فوجئ مسؤولون صوماليون بسماع شخصيات قطرية تتحدث بطريقة، وصفت بأنها غير لائقة، عن تركيا، وتقترح على حكومة، محمد عبدالله محمد، إنهاء تعاونها مع أنقرة، وبذل قصارى جهدها لعقد شراكة أكثر جرأة مع قطر. ومع ذلك، هناك القليل من الدلائل التي تشير إلى استجابة النخبة الصومالية لهذه التحريضات.

وعلى العكس من ذلك، انتشر الغضب والاستياء من قطر، التي يعتبرها الكثير من الصوماليين مثيرة للشغب والمشاكل، حيث دأبت على تأليب الأطراف المتقاتلة، محرضة الصوماليين ضد بعضهم. ويقارن الصوماليون ما يحدث اليوم بما حدث مع الأميركيين عام 1993، عندما دفع التحريض الأميركي الطرفين المتقاتلين للاتحاد في مواجهة الأميركيين الراغبين في استعمارهم.

بالطبع، لا ترغب قطر ولا تركيا في السيطرة على البلاد، كما هو حال الأميركيين خلال حادثة كلينتون، التي أضرت بسمعة الأمم المتحدة في أفريقيا لمدة عشر سنوات، إلى درجة وقوفها عاجزة تراقب رواندا وهي تغرق في الحرب بعد عام على أحداث الصومال. لكن ذلك لا ينفي أن لكلا البلدين، قطر وتركيا، أهدافا مختلفة للغاية في الصومال.

وبينما تنظر تركيا إلى القرن الأفريقي كدولة مسلمة تمثل بوابة لها لولوج أفريقيا، والاستثمار بحكمة على علاقة طويلة الأمد، خاصة من خلال تطوير قطاع التعليم ، ولا ترى مانعا في تزويد الصوماليين بالمعدات العسكرية أحيانا، على أساس التزام الحياد، كما تدّعي. تقوم قطر، من جانبها، بلعبة أكبر وأكثر ضراوة، في دعم النظام واستخدام الصومال كموقع لإطلاق أهدافها في المنطقة المجاورة، وليست القارة الأفريقية فحسب، حيث تستثمر قطر في الاستخبارات والجيش، وبالطبع في الموانئ، ومع ذلك، فإن جهودها ليست مدروسة بشكل متقن. وقد وصف أكاديمي بريطاني الزيارة الأخيرة بأنها “صب الملح في الجراح”، في إشارة إلى معارك سابقة يُعتقد أن قطر كانت ترعاها.

أجندات متضادة
ويقول محمد حاجي إنغيرييس، الأكاديمي بجامعة أوكسفورد، إن قطر وتركيا تتحدان”أو يبدو أنهما متحدتان بشأن الأزمة الخليجية، لكن ليس في الصومال. هنا، لكل منهما مصالح تتناقض مع مصالح الطرف الآخر. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنه لا يتعين عليهما النزاع علنا بشأن هذا الاختلاف. وبدلا من ذلك، يسعى كل منهما إلى تحقيق مصلحته الخاصة دون تقويض الآخر”.

ويبدو أن للقطريين أهدافا قصيرة الأجل في الصومال، في حين لتركيا أهداف طويلة الآجال. لهذا السبب تختلف مقاربتهما وعلاقتهما مع الصوماليين اختلافا جذريا.

ويعتقد خبراء أن دولة الإمارات ستنجح في إخراج قطر من الصومال، بحلول عام 2020، وحينها ستكون الأمور أكثر استقرارا مع وجود الإمارات فقط إلى جانب تركيا. وهذا ما يرجحه إنغيرييس الذي يرى أن قطر “ستفقد نفوذها في السياسة الصومالية، لكن تركيا ستبقى”. هذا لأن معظم الصوماليين ينظرون إلى تركيا بوصفها شريكا محايدا. في هذه الحالة، يتنبأ الكثيرون أن تحل الإمارات محل قطر. ولكن تظل مسألة التعاون بين الإمارات وتركيا مسألة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث تربط بين أبوظبي وأنقرة علاقة مثيرة للجدل، وبالتالي فإن أي شراكات يصعب التنبؤ بها.

ولكن عند المقارنة بين قطر والإمارات، لا يوجد أي مجال للشك في موقف الصوماليين. وأوضح نائب صومالي، في موقع مؤثر في الحكومة الفيدرالية، "كيف تستخدم قطر المال للتأثير على المسؤولين الحكوميين، في حين أن الإمارات تعقد علاقة عمل واضحة ومباشرة".

ويقول علي عمر، رئيس أركان الرئيس الصومالي السابق، “قطر جاءت مؤخرا على الساحة الصومالية، وهي على اتصال وثيق بالجماعات الإسلامية، تقدم الدعم السياسي والاقتصادي لها. وليس لدى قطر مشروع واحد ملموس في الصومال، إنها فقط توفر التمويل لكسب أو إفساد السلطة في البلاد. الدعم القطري في الإدارة الصومالية هو مصدر مدمر يُستخدم لإفساد رجال الدين والإعلام والشيوخ وجماعات المجتمع المدني”.

وعلى النقيض، ينظر الصوماليون إلى تركيا بشكل أكثر إيجابية، وهو ما أوضحه علي بكير، المحلل الجيوسياسي الذي يتخذ من أنقرة مقرا له، حيث كانت تركيا في الحقيقة أول من سعى إلى توفير الأمان في البلاد.

ويقول بكير، “تقود تركيا الجهود لدعم الحكومة والشعب الصوماليين وتحقيق الأمن والاستقرار في الدولة التي شتّتتها الحرب قبل حوالي عقد من الزمن”.

وقال بكير لـ”ميدل إيست أون لاين”، “ظهرت قطر في الصومال مؤخرا، لكن دور كل من تركيا وقطر في الصومال متوافق ومكمل في الوقت نفسه”. وإن كان هذا التوافق أمرا مشكوكا فيه.

وكشف بكير لموقع إلكتروني، يتخذ من قطر مقرا له، عن اعتقاده أن الخلاف بين قطر وتركيا، حول قضية شمال سوريا، كان يدور حول الطريقة التي تنظر بها كل دولة إلى وسائل الإعلام الخاصة بها، مشيرا إلى أن تركيا أسيرة لمنابرها الإعلامية الخاصة التي تنشر روايات منحازة، بدلا من أن تلتزم الموضوعية. وكذلك هو الحال مع الشائعات المغرضة التي ينشرها القطريون حول أنقرة.

الأمر كله يتعلق بالحس الصحافي.. صحيفة “الصباح اليومي” التركية، التي قد يظن المرء أن أردوغان ينشرها بنفسه، بسبب الترويج المضحك للزعيم التركي وحكومته، تصف صحافيي الجزيرة بأنهم “فاشلون” يختبئون وراء شعارات الصحافة المستقلة.

كان الأجدر بالصحيفة أن تعمل وفق ما تتوقعه من قناة الجزيرة، وتلتزم هي أيضا بالموضوعية، لا أن تكون واحدة من وسائل الإعلام التركي التابع لجهاز الدولة، يعوزها الحياد والحرفية.

على الرغم من ذلك، لم يصل هذا النزاع إلى مقديشو.

لم يسمع علي عمر، عضو البرلمان، عن الخلاف بين “الصباح اليومي” وقناة “الجزيرة”. هو، مثل العديد من الصوماليين، يميل إلى الجانب التركي بشكل تلقائي، عند الحديث في مثل هذه المواضيع والمقارنة بين الدولتين، وغالبا ما يتخذ موقفا معارضا لقطر.

يقول عمر، “تركيا أكبر وأكثر تقدما. دعمت تركيا الصومال بشكل كبير في وقت الحاجة. كانت زيارة الرئيس أردوغان في عام 2011 بمثابة نقطة تحول بالنسبة إلى الصومال، وأعادت وضعه على الخريطة. قدمت تركيا الدعم الملموس للصومال من خلال بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمكاتب الحكومية ومعسكرات التدريب العسكري. كما عرضت منح للآلاف من الطلاب الصوماليين وطلاب الجيش. تحترم تركيا المؤسسات الرسمية وتتعامل مع الحكومة المركزية فقط”.

في الواقع، قد تتجاوز أهمية تركيا، في الصومال، أهمية قطر، التي، على النقيض، قد تعمل على تدمير أسس المجتمع الصومالي، بدعمها الجماعات المتطرفة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية