مستشار الغنوشي ينشق: حركة النهضة الإخوانية فشلت في الخروج من جلباب الإسلام السياسي

18622
عدد القراءات

2019-02-17

بعد أن انفض من حولها كثيرون، وأعلنوا الحرب ضدّها؛ بسبب انكشاف معلومات حاولت إخفاءها، تثبت تورّطها في الاغتيالات السياسية، بدا الارتباك واضحاً في أداء حركة النهضة الإخوانية مؤخراً، التي ما انفكّت تبحث عن مخرج من الزاوية التي حوصرت فيها لإبعاد هذه التهم عنها، وتبييض صورتها لدى الرأي العام التونسي، معتمدة في ذلك على حنكتها السياسية التي اكتسبتها من سنين العمل السري.

اقرأ أيضاً: هل يلعب الغنوشي دور المنقذ؟

وقد أثبتت التصريحات المفاجئة للطفي زيتون، المستشار الأول لزعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، وأمين سرّه، التي حرك بها مياهاً راكدة، حجم المسار العبثي الذي يسير فيه الحزب، خاصة بعد أن انتقد زيتون علاقات الحركة بالإسلام السياسي، وعدم قدرتها على الخروج من جلباب الدين إلى المدنية لممارسة السياسية.

لطفي زيتون صحبة زعيم النهضة راشد الغنوشي

مطالب بتحرير الإسلام من الصراع السياسي

وشدد لطفي زيتون، في حوار أجرته معه صحيفة "الشارع المغاربي" التونسية، على ضرورة "تحرير الإسلام من الصراع السياسي، والاقتناع نهائياً بأنّ هذا الإسلام ملك للشعب التونسي بكل أطيافه، حتى لمن لا يعتنق الإسلام، وأن هذا الدين موجود منذ 14 قرناً، و حركة النهضة عمرها 50 عاماً فقط".

زيتون: حركة النهضة لم تستطع الخروج من جلباب الحزب الإسلامي صاحب التوجه الديني، بل تحاول تحسس الطريق للمدنية

وقال زيتون؛ إنه لم يعد مقتنعاً كثيراً بمصطلح "الإسلام الديمقراطي"؛ لأنه لم يخلص الحركة من المسألة الدينية، وحافظ على التوجس ذاته منها لدى الرأي العام المحلي والدولي، كما تحدث عن إمكانية انشقاقه عن الحركة، وتأسيس حزب أو تيار سياسي جديد، متهماً بعض قيادات النهضة بـ"التجسس على اجتماعات مجلس شورى الحركة لصالح حكومة يوسف الشاهد".
تصريحات غير متوقعة، خلّفت ردود أفعال متباينة عبر شبكات التواصل الاجتماعي؛ بين من رآها مجرد مراوغة سياسية، وإستراتيجية اتصالية مقصودة من الحركة بالتزامن مع اقتراب موعد الانتخابات لتطمئن الرأي العام بوجود تيارات ضغط إصلاحية في صلبها تنادي بالتغيير، وبين من يرى أنّها ضربة موجعة للحركة وشهادة من داخلها، بأنّها لم تستطع بعد الخروج من جلباب الإسلام السياسي، وهو المرجّح، فيما رآها جزء من التونسيين بداية للإصلاح الحقيقي، وهو المستبعد.

 

 

مراوغة سياسية وخطة اتصالية

من جهته، يرى المحلّل السياسي محمد بوعود في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ ما يفكر فيه لطفي زيتون علناً يفكر فيه عدد كبير من القيادات النهضوية سراً، مشيراً إلى أنّ زيتون يحمل حقيبة أسرار راشد الغنوشي، منذ 30 عاماً، ويعرف أدقّ التفاصيل عن موازنات الحركة وتوازناتها، المالية والسياسية والبشرية، ولا يعتقد عاقل أنّه قد يخرج بهذه السهولة وأن تصل حدة المناورة السياسية داخل الحركة إلى هذا الحدّ.

بوعود: تصريحات زيتون تعبير عمّا بلغته النهضة من تمزّق فكري بين عقيدتها وبين الأفكار التي انهالت عليها بعد 2011

ورجّح بأن تكون تصريحات زيتون تعبيراً عمّا بلغته القاعدة النهضوية من تمزق فكري بين عقيدتها التي تكونت على أساسها منذ الثمانينيات، وبين سيل الأفكار والأطروحات الجديدة التي انهالت عليها بعد ثورة 14 كانون الثاني (يناير)، وهو ما بعثر أوراق الحركة القديمة، وجعلها مجبرة، كما قال زيتون، على الاقتراب من الأحزاب الأكثر مدنية ووسطية.
ونشر الكاتب الصحفي، أيمن زمالي، تدوينة على حسابه بموقع "فيسبوك"، تحدث فيها عن الذكاء الاتصالي لزيتون، ووصفه بـ "الرجل الداهية"، وتساءل كيف يمكن أن يصدق أحد أنّ زيتون، ابن حركة النهضة منذ 40 عاماً، سيخرج عن خطها ويرتد عن الجماعة؟ ولفت إلى أنّه نجح في تحويل وجهة الرأي العام من قضايا تخصّ غموض هياكل الحركة وأجهزتها، إلى الحديث عن مدى تطبيق الديمقراطية صلبها.
 الغنوشي في اجتماعٍ حزبي لحركة النّهضة

شجاعة فكرية
وذهبت بعض التعليقات إلى اعتبار ما قام به زيتون، "شجاعة فكرية"، لم يجرؤ أيّ قيادي إخواني أن يقدم عليها سابقاً، خاصة أنّه وجّه نقداً موجعاً لحركته، وعبّر عن حراك حقيقي في داخل الحزب؛ حيث وصف الباحث التونسي المتخصص في الإسلام السياسي، مصطفى القلعي، في حديثه لـ "حفريات"، تصريحات لطفي زيتون، المستشار السياسي لرئيس حركة النهضة، وملازمه في المنفى البريطاني وفي تونس، بأنّها "مهمة جداً وخطيرة"، وهي تدل أولاً على أنّ الساحة السياسية التونسية ساحة نشيطة، متحركة، متجددة، وثرية بالمواقف وبأنّ العملية النقدية أقوى من الانغلاق الحزبي الذي يعمل يميناً ويساراً على محاصرة النقد وتلجيمه.

القلعي: تصريحات زيتون ستشرع في تفتيت الصنم النهضوي باعتباره التنظيم الأكثر تماسكاً والأكثر تنظيماً والأكثر انضباطاً داخلياً

ولفت القلعي في المقابل، إلى أنّ لطفي زيتون له مواقف متعصبة للنهضة ومتشددة لأيديولوجيتها، وهو من بناة موقعها الكبير في تونس؛ لذلك تشكل مواقفه حرجاً كبيراً للحركة؛ إذ لا يمكن التشكيك فيها، ولا الطعن في ذمة صاحبها، ولا يمكن إلا الإقرار بمصداقيتها، خاصة أنّ الرجل كاتب ويمارس الفكر وهو ما يزيد كلامه ومواقفه أهمية.

الباحث السياسي رأى أيضاً أنّ مواقف زيتون "لها قيمة رمزية كبرى؛ إذ تشرع في تفتيت الصنم النهضوي الذي بناه له خصومه ومعارضوه وشركاؤه في الساحة السياسية، باعتباره التنظيم الأكثر تماسكاً، والأكثر تنظيماً، والأكثر مأسسة، والأكثر التزاماً وانضباطاً داخلياً"، معتبراً أنّ هذه التنظيمات لا يمكن إلا أن تهتز من الداخل، وأنّ أفضل مقاومة لها هي المقاومة الداخلية التي تؤمنها الأنفاس التحررية؛ لأنّ أيّة محاولة لمحاصرتها، ولو بالقانون، وحتى إن كانت مذنبة ستشعل فيها وفي أتباعها عواطف المظلومية، وتجنّد لها المتطوعين، وتشكّل خطراً على السلم الأهلية، وزيتون كان سابقاً قد هدّد التونسيين، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، بإخوان ليبيا ومصر واليمن وسوريا، إذا فكروا في معارضة حكم الترويكا بقيادة النهضة، بحسب القلعي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يناقش في الدوحة عدم استقرار حركة النهضة
ويضيف القلعي؛ أنّ هذه المواقف تكشف "ممارسات مخجلة صلب الحركة المتباهية بتماسكها وصلابتها، كممارسات العمالة، والتجسس على التنظيم لفائدة رئيس الحكومة، المفترض أنه حليف "النهضة" وذراعها الذي تحكم به، وهو ما يهزّ صورة الحركة ويطعن في ذمة أعضاء المؤسسة الأكثر تأثيراً في حكم تونس، منذ كانون الأول (ديسمبر) 2011، مجلس الشورى"، وأنّ لطفي زيتون، وفق القلعي، كأغلب التونسيين، قد سئم من شعارات "النهضة" البائدة الرجعية، لأنّ الإسلام في تونس بخير، وأفضل، قبل "النهضة".
راشد الغنّوشي مع عبد الفتّاح مورو أحد أبرز قيادات النّهضة

أول انشقاق عن الحركة
خطاب زيتون الجديد يعكس مدى ارتباك قيادات الإخوان المسلمين في تونس بعد انكشاف ملف الجهاز السري المتورط في جرائم الاغتيالات السياسية، والسعي لإنقاذ الحركة من مآلات هذه التهم، والخوف من فقدان قاعدتها الشعبية التي حاولت توسيعها، منذ ثورة كانون الأول (يناير) 2011، معتمدة في ذلك على توجهها العقائدي.

اقرأ أيضاً: "الغنوشي".. وجلباب "الإخوان"
ورغم أهمية ما قاله زيتون؛ فإنّ بعض الناقدين لسياسة الحركة يتخوفون من أن تكون مجرد تكتيك سياسي ينتهي بانتهاء الانتخابات، فيما يرى محمد الكيلاني، رئيس الحزب الاشتراكي التونسي، في تصريحه لـ "حفريات"، أنّ "كلّ محاولات الحركة بالتخلص من جلباب الإسلام السياسي، وإقناع التونسيين ببراءتها من أعمال العنف السياسي فشلت، منذ كانت في الاتجاه الإسلامي، وعدلت توجهها نحو "النهضة"، مروراً بمؤتمرها العاشر الذي فصل بين السياسي والدعوي دون التخلّي عنه".
ورأى الكيلاني أنّ تصريحات لطفي زيتون "ألغت كلّ تلك المحطات في مسيرة حزبه الإسلامي، وقطع مع كلّ التاريخ السابق له، بل قطع مع الحركة الإخوانية، للمرة الأولى"، معتبراً أنّ الإسلام السياسي "خطر على الإسلام"، وأن ما أقدم عليه زيتون "قد ينقذ الحركة إذا ما مضت فيه، وهو أمر مستبعد".

رئيس الحزب الاشتراكي التونسي محمد الكيلاني: من الصعب أن تتخلى "النهضة" عن مرجعيتها الدينية، وتتحول إلى حزب مدني

ورجّح الكيلاني أن ينشق لطفي زيتون عن حركة النهضة، ويؤسس لنفسه حزباً سياسياً جديداً يقطع مع الإسلام السياسي، الذي لم تستطع حركة النهضة القطع معه، وقد يكون حزب زيتون الجديد أقرب إلى الأحزاب الوسطية المحافظة.
من جهته؛ نفى لطفي زيتون، في تصريحه لـ "حفريات"، ارتباط تصريحاته بالتهم الموجهة للحركة بالتورط في الإرهاب، أو تكوين جهاز سري، وأنها مجرد أفكار حاول التعبير عنها دون ضغوطات، لافتاً إلى أنّ النقاط التي تحدث عنها، وطالب بها في مؤتمر الحركة العاشر، المنعقد في العام 2016، وأنه طالب فقط بمواصلة الإصلاحات المقررة سابقاً، بضرورة تحرير التحول إلى حزب مدني لمصلحة البلد.

اقرأ أيضاً: هل يلعب الغنوشي بورقة "الحرب" على طاولة الصراع السياسي؟
وأضاف زيتون أنّ حزبه "لم يستطع بعد الخروج من جلباب الحزب الإسلامي صاحب التوجّه الديني؛ بل هو ما يزال يحاول يتلمّس الطريق إلى المدنية"، وشدّد زيتون على أنّه "لا يفكر حالياً في الانشقاق عن الحركة"، ولم يجب عن سؤال إن كان الأمر مطروحاً مستقبلاً.
هذا وقد سبق أن انشق رئيس الحكومة التونسي الأسبق، حمادي الجبالي، عن "النضهة"، لكنه لم يجرؤ، إلى اليوم، على تكوين حزب سياسي، يمارس من خلاله أفكاره التي اختلف فيها عن الحركة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: