هل التهمت سياسة الانفتاح الاقتصادي الطبقة الوسطى في مصر؟

مصر

هل التهمت سياسة الانفتاح الاقتصادي الطبقة الوسطى في مصر؟

مشاهدة

27/11/2018

في سبعينيات القرن الماضي، تابعت الإدارة الأمريكية مواجهة العدو الشيوعي المتمثل في الاتحاد السوفييتي، وحلفائه من حركات التحرر الوطني التي غيّرت خريطة العالم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فبدأت مدرسة شيكاغو في الزحف على بلدان العالم الثالث، متجهة نحو تشيلي، انتقالاً إلى الأرجنتين، مروراً بمصر، التي لم تكن بمعزلٍ عن سياق الأحداث العالمية، فبدأ وحش الانفتاح الاقتصادي في التهام الطبقة الوسطى في مصر وما يزال.

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور

بدأ السادات في الترويج لسياسات الانفتاح الاقتصادي، عن طريق خطاباته

مدرسة شيكاغو في مواجهة الشيوعية

"المجتمع الذي يضع المساواة قبل الحريات، سيخسر كليهما، أما المجتمع الذي يضع الحريات قبل المساواة، سيربح الاثنين معاً"، كان هذا المبدأ الذي انطلق منه الاقتصادي الأمريكي ميلتون فريدمان، بعد دعوته في أعقاب أزمة الكساد العالمي 1929، إلى تقليص دور الحكومات، وتحرير السوق، فكان أول من درس سياسات السوق الحُر، واستهدف من ذلك بحسب دعوته، إلى المزيد من تحرير المجتمعات المتخلفة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فبدأ الزحف من الولايات المتحدة الأمريكية، إلى أمريكا اللاتينية، تحديداً من تشيلي، التي خضعت لحكم الرئيس اليساري سيلفادور الليندي، فدعمت الولايات المتحدة الانقلاب العسكري بقيادة "بينوشيه" العام 1973، الذي تولى زمام السلطة، ليطبق سياسات الانفتاح، التي أتت بمزيد من القمع العسكري لشعب تشيلي، ثم انطلقت تلك السياسات إلى أوروبا، لتهزم حزب العمال البريطاني، الذي طرحته مارغريت تاتشر أرضاً مطبقة سياسات الخصخصة، التي لم تشهد مثلها بريطانيا من قبل، وبدأت الولايات المتحدة بقيادة رونالد ريجان، وبريطانيا بقيادة تاتشر، في توجيه الأنظار إلى مصر، باعتبارها المحرك الفعلي لسياسات منطقة الشرق الأوسط.

في أعقاب حرب 1973 بدأ الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات بالترويج لسياسات الانفتاح الاقتصادي

في أعقاب حرب تشرين الأول (أكتوبر) العام 1973، بدأ الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات في الترويج لسياسات الانفتاح الاقتصادي، عن طريق خطاباته، واعداً المصريين، بتحسين مستوى معيشتهم، محاولاً إلقاء الفشل الاقتصادي على الاشتراكية الناصرية، التي تبناها سلفه، جمال عبدالناصر، وبدأت مصر في إجراء السياسات الانفتاحية التي تبنّت جذب المزيد من الاستثمارات الخارجية، لا سيما مع دول الخليج العربي.

وبإلقاء النظر على تلك الحقبة التي رصدها كتاب "الاقتصاد المصري في ثلاثين عاماً"، للأكاديمي والمفكر الاقتصادي المصري، الدكتور إبراهيم العيسوي، فإنّه يتطرق لوضع مصر خلال حقبة السبعينيات من القرن الماضي، الذي تأثر بنمط الإنتاج العالمي، والتحول إلى النظام الرأسمالي الذي أضرّ، برأيه، بشريحة عريضة من المجتمع المصري، ولم يتضح هذا الأثر إلّا في التسعينيات؛ حيث "استكمل نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك نهج التحول الرأسمالي الذي التهم الطبقة الوسطى في مصر، مخلفاً شكلاً جديداً من أشكال اللامساواة، يتماشي مع النظام العالمي الجديد، في ظل الفساد الإداري والسياسي الذي لم يراعِ الفروق الشعبية للمجتمعات، وطبق التجربة الرأسمالية بشكل خدم الطبقات العليا على حساب الطبقات الأدنى".

عواقب العولمة

في كتابها "عقيدة الصدمة"، استطردت الكاتبة الكندية، ناعومي كلارين، في وصف ما فعلته العولمة ونظام اقتصاديات السوق في تعميق الفجوة بين الطبقات؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، قبل حلول نظام ريجان، كانت النسبة بين الدخل الأعلى والأدنى 1: 22 ضعفاً، بينما بلغت في السبعينيات إلى التسعينيات من القرن الماضي،  1 :400 ضعف، وبنفس الصورة في مصر، اتجه السادات إلى اتباع وصفة البنك الدولي والامتثال لصندوق النقد الدولي، من رفع الدعم عن السلع الأساسية، والتي تمسّ بشكل مباشر محدودي الدخل، فكانت القرارات الأولى من قبل السادات في كانون الثاني (يناير)1977، حيث صرّحت رئاسة الوزراء، آنذاك، برفع الدعم عن السلع الأساسية من السكر والأرز والخبز، والبنزين وأسطوانات الغاز، حتى وصل عدد السلع التي سيلغى الدعم عنها إلى 25 سلعة، كلها تمس طبقة الموظفين ومحدودي الدخل، فكانت انتفاضة الخبز، في 18، 19 من ذات الشهر الذي أصدرت فيه الرئاسة قراراتها، تجمعت كتل من الاتحادات العمالية، من مصانع الغزل والنسيج، التحم معها جموع الطلاب من الجامعات المصرية، وخرجت التيارات اليسارية لدعم تلك التظاهرات التي نددت بسياسات السادات.

اقرأ أيضاً: هل كان السادات ينوي التخلي عن منصبه قبل اغتياله؟

كتاب "عقيدة الصدمة" للكاتبة الكندية، ناعومي كلارين

وعلى مدار يومين اتسعت الاحتجاجات؛ حيث قام المواطنون بحرق أقسام الشرطة، ومهاجمة المسؤولين داخل القاهرة وعدة محافظات أخرى، واتسعت القبضة الأمنية فتم اعتقال الآلاف عشوائياً، وفرض حظر التجول ونزل الجيش إلى الشوارع لتأمين مؤسسات الدولة، بينما أعلنت الحكومة التراجع عن قراراتها، الأمر الذي هدّأ من روع المواطنين المذعورين جراء المساس بقوت يومهم، لكن ظلت السياسات الخفية لنظام السادات ولم تظهر تبعاتها على المواطن البسيط مباشرة.

اقرأ أيضاً: اليسار والدين في السودان: الحزب الشيوعي السوداني أنموذجاً

يقول الاقتصادي المصري ووزير التضامن الأسبق، الدكتور جودة عبدالخالق لـ "حفريات": "مثّلت مرحلة حكم السادات الانهيار الأول للطبقة الوسطى المصرية، التي شهدت ازدهاراً لا مثيل له خلال حكم عبدالناصر، وهو ما تجلى بعد رفع سياسات الدعم امتثالاً لشروط النقد الدولي، غير مبالٍ بتوزيع الدخل، والحماية التي يجب أن تضمنها الدولة لطبقة تمثل أغلبية شعب مصر، لكن حينما انتفض الشعب في العام 1977، تراجع السادات، الذي "خاب أمله في الشعب"، متابعاً "حذا مبارك حذو السادات مستجيباً لسياسات الرأسمالية العالمية، وكانت الضربة القاتلة للطبقة المصرية، التي ظلت تنازع مصاعب الحياة، في ظل سياسات الخصخصة، وبيع القطاع العام الذي أهلك الملايين من الأسر المصرية، التي لم تجد لها الدولة بديلاً، ولم تؤمن حياتها مما جعل الفقر يظهر في هذا الشكل المفزع الحديث على مصر".

فظاعات التحول

في ظلّ غياب قوانين تنظم التحول الاقتصادي الذي شهدته مصر في السبعينيات، وغياب الأطر السياسية والقانونية والاجتماعية الضامنة لتحول آمن، انحرف الاقتصاد المصري من مرحلة الإنتاج والتصنيع التي ولدت على يد النظام الناصري إلى مرحلة الاقتصاد الريعي؛ حيث بدأ الاعتماد على ريع قناة السويس، والتوجه إلى الاستثمار العقاري والاعتماد على قطاع السياحة، كحل للربح السريع الذي لا يحتاج إلى خطط طويلة المدى، ويشجع المجتمع على الاكتفاء الذاتي، فزادت التبعية الاقتصادية لمصر، التي شرحها باستفاضة المفكر المصري الراحل سمير أمين في نظريته الاقتصادية الشهيرة.

انحرف الاقتصاد من الإنتاج والتصنيع على يد النظام الناصري إلى الاقتصاد الريعي

كما أنّ التحول الذي شهدته الزراعة في أعقاب اتفاقية "كامب ديفيد"، أدّى إلى اتساع ضياع الميزة النسبية لمصر في هذا القطاع وإنتاج القطن والغزل والنسيج، بعد الاتفاقيات التي وقّعت عليها وزارة الزراعة المصرية، مع وزارة الزراعة للكيان الصهيوني، والتي اقتضت تحويل مسار الزراعة في مصر من القطن طويل التيلة، إلى زراعة الخضر والفواكه، بحسب تحقيق استقصائي أذاعته قناة (DW) الألمانية في العام 2018، مما أدى إلى تجريف العديد من الأراضي الزراعية، وهرب الفلاحين من مصر باحثين عن فرص عمل في بعض دول الخليج العربي، لتعويض خسارتهم.

بعد مرور عقود على سياسات الإصلاح التي وعدت المصريين برغد العيش هل تحققت تلك الوعود؟

استمرت هذه الإجراءات الاقتصادية التي أضرت بالمصريين، بحسب ما صرّحت الأكاديمية وأستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، الدكتورة محيا زيتون لـ"حفريات": "لقد بدأ السادات الموجة التي استمر مبارك بها، وأجرى سياسات أكثر تقشفية ضد المصريين، فبدأت في عصره الخصخصة التي التهمت ما تبقى من دولة الاشتراكية، وانقضّ على الحركة العمالية عن طريق تفتيتهم، وتم تسريح الآف من العمالة التي لم تجد لها الدولة بديلاً سوى انضمامهم إلى صفوف أصحاب المعاشات، مجهِزة على آخر ما تبقى للمصريين من أحلام الإنتاج الأساسي من السلع الاستهلاكية، وانهار الجنيه مقابل الدولار، حتى بدأت سياسات التعويم التي كانت بمثابة حكم الإعدام على العملة المحلية، وسمحت بمزيد من الفجوة بين الطبقات؛ إذ لن يستفيد من هذا سوى الطبقات العليا، ورجال الأعمال، أما السواد الأعظم من الشعب، فيستمر في الهبوط الاقتصادي بلا منقذ".

اقرأ أيضاً: ندوة تناقش "بيرة في نادي البلياردو" ضمن سلسلة "الشيوعي في الرواية المصرية"

بعد مرور عقود على سياسات الإصلاح هل تحققت الوعود التي قطعت لينعم المصريون برغد العيش؟ وما مصير الطبقة الوسطى التي تمثّل رمانة الميزان لأي مجتمع كما يطلق عليها الاقتصاديون؟

الصفحة الرئيسية