هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟

3732
عدد القراءات

2018-12-19

مر زمنٌ طويلٌ على البشرية، منذ أن وُجد الكهنة، ورجال النبوءات، قبل أن يظهر رجال الدين الذين كرسوا لأنفسهم سلطة خاصة في الديانات المختلفة بوصفهم محتكري الحقيقة المطلقة وحلقة الوصل بين الله والناس، وهو ما سعى الإسلام إلى تجاوزه باعتبار الطريق إلى الله، عز وجل، لا يحتاج فيه المؤمن إلى وساطة كهنوتية من أحد بعد اكتمال الرسالة، إلا بيان ما غمض من مسائل على عامة الناس، لكن هذه المسألة عادت لتطرح نفسها في العصر الحديث الذي أصبح فيه حدود دور رجال الدين محل تساؤل وجدل يبدو أنه لم يحسم بعد.
لا رهبان أو رجال دينٍ في الإسلام؛ بل ناقلون للعلم

ورثة الأنبياء
تولى النبي، عليه السلام، خلال حياته مهمة تبليغ رسالة الله، عز وجل، إلى الناس، ولم يكن ثمة صوت لرجال الدين، وهو ما استمر مع صحابته الذين كانوا ينقلون تعاليمه في الدين والأخلاق اليومية، ويقتدون به، دون أن يكون لرجلٍ آخر رأيٌ خاص منفصل عن جوهر الإسلام، ولم يكن ممكناً بالتالي، لأيٍ من البشر أن يفتي وفقاً لمصالحه الخاصة أو رؤيته الفردية، ومنذ ذلك الحين، تكرست فكرة أنه لا رهبان أو رجال دينٍ في الإسلام؛ بل ناقلون للعلم وفق ما نص عليه الحديث الصحيح الشهير "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنَّما ورَّثوا العلم".

يعتبر البعض رجال الدين مجرد أشخاص يسعون لتحقيق مصالحهم ومصالح جماعاتهم

ولعل العلم الذي قام الأنبياء بتوريثه، واضح عبر التاريخ، ومختص بالأخلاق والدين والعبادات، وبعض مظاهر الحياة اليومية للناس في زمانهم ومكانهم آنذاك، أما اليوم فإنّ البشر، يخوضون مستوياتٍ عديدة من العلم والمعرفة الفكرية والثقافية، في ظل تواجد تاريخٍ عالمي كبير مشترك، وابتكاراتٍ تكنولوجية، ووسائل إعلامٍ متعددة، إضافةً إلى ثورة المعلومات وظهور شبكة الإنترنت التي زادت إشكاليات المشهد.
وبفضل هذا كله، تعقدت مناحي الحياة اليومية، ولم يعد رجل واحد، قادراً على أن يقول كلمة، يمكن أن تلزم جميع الناس بما يطرحه من أفكارٍ خاصة في الشأن الديني، وفي هذا السياق يقول الكاتب المصري علاء الأسواني "يقول البعض إن رجال الدين يعلمون الناس الأخلاق الفاضلة، لكن الانسان يتعلم الأخلاق في البيت والمدرسة، هل يحتاج المرء إلى مشاهدة الشيوخ في التلفاز مثلاً ليعلم أنّ الكذب والنفاق أفعال سيئة، وأنّ السرقة والقتل من الجرائم؟".

الأسواني: الإنسان يتعلم الأخلاق في البيت والمدرسة

ويضيف الأسواني في مقالته المنشورة على موقع "دويتشة فيله" بتاريخ 29 أيار (مايو) 2018 "يُقال إن وجود رجال الدين في الإعلام مهم لأنّهم يشرحون للناس أحكام الدين، هذا الكلام كان صحيحاً قبل ثورة الاتصالات، أما الآن فأنت تستطيع أن تجلس على الحاسوب وتدخل بسهولة على موقع دار الإفتاء لتعرف بالتفصيل حكم الدين في أي مسألة تريدها".

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
ويشدد الأسواني على أنّه لا حاجة لرجال الدين اليوم؛ فالمساحات الجغرافية ووسائل الاتصال، والكتب، وغيرها، لا تبقي داعياً لهم، لأنّ "القداسة تنتقل من الدين إليهم، فيصبحون مقدسين، ومن ثم مصدقين"، مما يسهّل استخدامهم لأغراضٍ سياسية، ربما تخدم مصالحهم ومصالح حركات معينة كجماعاتِ الإسلام السياسي.
رجال لكل شيء
يرى الباحث والكاتب المصري هيثم أبو زيد، أنّ "طبيعة النصوص الدينية، لا سيما النص المركزي (القرآن الكريم)، بما يحمل من لغةٍ قابلةٍ للتأويل على أوجه كثيرة، يحتم وجود طبقة رجال الدين، وفي هذا الأمر رأي للإمام محمد عبده، الذي قال إنّه يمكن التخلي عن رجال الدين إذا فهم المسلمون لغتهم العربية بصورةٍ كبيرة وتمكنوا من فهم القرآن وتفسيره وتأويلاته".

يرى الأسواني أنه يمكن تعلم الأخلاق والفكر من المدرسة والكتب وليس من شيوخ غير مختصين على التلفاز

ويوضح أبو زيد في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "رأي محمد عبده صعب التحقيق، وأنّ الفقهاء ورجال الدين بقوا موجودين لأنهم مفسرون، يستعينون بالنصوص القديمة والمقولات المتناقلة من أجل إعانتهم على تفسير نصوص القرآن الكريم، وهو ما لا يستطيعه معظم الناس".
ويشير إلى أنّ مهمة التفسير، ربما تعد السبب الوحيد والأساسي لوجود طبقة رجال الدين، فهم مرتبطون بالتفسير والفقه، لكن هذا ينتج جانباً سلبياً، إذ إنّ مكانتهم المحددة هذه، كما يرى، استخدمت من أجل طبقةٍ كهانةٍ إسلامية، تتحكم في تبيين مراد الله تعالى في آيات القرآن الكريم، وبالتالي: "يتقبل رجال الدين طرح أسئلة في كل شيء، بما في ذلك الاقتصاد والاجتماع، والمشايخ لا تتورع عن الإجابة، إما بغرض إظهار سعة علمهم، أو بغرض إثبات أنّ الإسلام يقدم إجابات لكل شيء، وحلاً لكل مشكلة".

اقرأ أيضاً: إيران تنتفض: "يا رجال الدين أعيدوا إلينا بلادنا"
وفيما يؤكد أبو زيد، أنّ هذا النوع من الكهانة التي يمارسها رجال الدين، تضر بالتقدم والعلم والمفكرين، والمتخصصين، وتعطلهم، فتعطل عمل المجتمع وتطوره، يذهب الباحث السوري في شؤون الجماعات الإسلامية عرابي عبد الحي عرابي، إلى أنّه في خضم الحديث عن دور "رجل الدين" وتأثيره في المجتمع ينبغي الإشارة إلى "أن الدين في المجتمعات العربية قد بات جزءاً من ماهيّة المجتمع وهويّته، وفعلاً أساسيّاً بكل ما يحتويه من تعقيدات وتشابكات  اجتماعيّة وتأثيرات نفسيّة، ومن ثمّ فإن تأثير "رجل الدين" أو "الداعية" مرتبط -بشكل أو بآخر- بتأثير الدين ذاته في المجتمع، ومن ثمّ فإنه لا إمكان للقول: إنّه لا داعي لوجود "رجل الدين" في المجتمعات العربية والإسلاميّة".
ويتابع عرابي في حديثه لـ"حفريات": "لفهم دور رجال الدين في المجتمع، لا بد من تصنيفهم، فمنهم دعويون ووعاظ، متبحرون في الشريعة، ويميلون إلى التدريس والوعظ، ومنهم الدينيّ المتمرس في دراسة الأحكام الفقهية، فإنّه يرى الإفتاء وما يتعلّق به من متابعات للحوادث أو النوازل وتكييفها فقهيّاً أولى من التفرّغ للتدريس، وكذلك نجد نموذج الوجه الاجتماعي المحترَم، وهم أولئك الدعاة أو العلماء أو الخطباء الذين يمتلكون "كاريزما" التأثير وجذب الانتباه، كما يدركون أهميّة الشبكات الاجتماعية وبناء التحالفات".

العصر الحديث يتميز بغزارة العلوم والأفكار والثقافات التي لا يمكن لرجلٍ واحد أن يلم بها جميعها تحت مسمى رجل دين

غير أنّ نموذجاً آخر يصفه عرابي بـ"المتزمت"، يعد مثالاً للذي "يرى في المجتمع دوّامة تتعمّق آثار الانحلال فيها، ويجب إصلاح (المجتمع والشعب) من خلال العودة إلى الدين".
ويخلص عرابي إلى أنّ " فهم دور رجل الدين وواقعه يرتبط بفهم المرتكزات التي يقوم عليها، والغاية التي يعمل عليها، ليصار إلى تصنيفه والوصول إلى آلية للتعامل "المجتمعي/ الرسمي معه".
ويتفق عرابي مع أبو زيد في أنّ هوية المجتمع، إذا غلب عليها الطابع الديني، فإنّ وجود رجل الدين أمر لا بد منه، إلا أنّ رجال الدين المسلمين، كما يرى، لا ينتمون عموماً إلى مؤسساتٍ دينية محددة، أو يتبعون جميعاً إلى دور إفتاءٍ رسمية، "فعدا عن (وعاظ السلاطين) فإنّ تصنيفاتهم وانتماءاتهم تختلف".

بين التشدد والمهادنة
ولعل نماذج رجال الدين الذين يتدخلون في السياسة لتحقيق مصالح من يوظفونهم كثيرة، من أمثال وجدي غنيم في مصر، ويوسف القرضاوي، الشيخ المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهؤلاء أحدثوا جدلاً كبيراً في الساحة العربية طوال أعوام، بسبب آرائهم المتناقضة في الدين والسياسة والعلم، بلغت أحياناً حد المطالبة بالاحتراب والقتل في دولٍ عربية، كما يوجد آخرون مثل الداعية عمرو خالد، الذي أحدث جدلاً بأسلوبه الدعوي الحديث، الذي يراه البعض مهادناً وفردياً ويهدف إلى منح الشهرة لصاحبه فقط، بينما يعتبر آخرون أنه نتاج لضعف خطابات الإصلاح الإسلامي عبر التاريخ الحديث.

يوسف القرضاوي
وعلى صعيد آخر، بالكاد يمكن العثور في العالم الإسلامي على امرأة تمتهن ذات مهنة رجل الدين كواعظ لجميع المسلمين، مما أدى إلى وجود واعظاتٍ من النساء، في سياق بعض الجماعات الإسلامية، أو يتبعن لدوائر رسمية في بلادهن، وغالباً ما يقتصر دورهن على وعظ النساء فقط.
وكان العام 2017، شهد الكثير من الجدل بعد انتشار سؤالٍ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو: هل تصلح المرأة للعمل الدعوي؟ حيث شغل السؤال أذهان العديد من المهتمين في الأزهر والأوقاف آنذاك، بعد "اعتماد الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف في حينه 144 واعظة متطوعة، لإلقاء دروس دينية للسيدات بالمساجد الكبرى في مصر"، وفق تقرير نشر بداية العام 2017 في موقع "مصر العربية"؛ إذ يشير الجدل الذي دار حول حق النساء بالوعظ، إلى مدى عدم قبولهن في طبقة رجال الدين، إن صح التعبير، وهو ما يحدث في معظم الدول العربية كذلك.

اقرأ أيضاً: زي رجال الدين.. المسافة بين الله والناس
ولعل غياب مؤسسة دينية مرجعية، في ظل وجود جماعاتٍ وتيارات إسلامية مختلفة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها، إضافةً إلى أن الكثير من الناس يهملون دوائر الإفتاء في بلادهم، جعل رجال الدين يظهرون في صورة حائرة، ومتناقضة في نظر المجتمع، بين رفضهم للسياسة، وضرورة الانخراط فيها.
ومن ناحيةٍ أخرى، يستجيب بعضهم لطلبات الشارع، بينما يحاول آخرون من رجال الدين، فرض رؤية معينة، طائفية أو جماعاتية على الناس، ومن ثم يتسع الخلاف، خصوصاً حين يقوم رجال الدين بالتدخل في مسائل خارج اختصاصهم، مصرين على نسبها إلى الدين، محاولين تصميم وعيٍ وتفكير للعامة، يليق بمصالحهم ورؤاهم وشهرتهم الشخصية أحياناً.
وبصورةٍ عامة، لم يعد هنالك تعريف واضح لرجل الدين في المجتمعات الإسلامية اليوم، بعد ظهور من لا يؤمنون بثقافة الاختصاص، ممن يتحدثون في الفقه والتفسير إلى جانب السياسة وعلم الاجتماع والرياضيات والفلك والطب..، وهي أشياء من شبه المستحيل أن تجتمع في رجلٍ واحد اليوم، يسمى رجل دين.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



هل بمقدور البشر معرفة شؤون العقيدة بمعزل عن رجال الدين؟

عدد القراءات

2018-12-19

مر زمنٌ طويلٌ على البشرية، منذ أن وُجد الكهنة، ورجال النبوءات، قبل أن يظهر رجال الدين الذين كرسوا لأنفسهم سلطة خاصة في الديانات المختلفة بوصفهم محتكري الحقيقة المطلقة وحلقة الوصل بين الله والناس، وهو ما سعى الإسلام إلى تجاوزه باعتبار الطريق إلى الله، عز وجل، لا يحتاج فيه المؤمن إلى وساطة كهنوتية من أحد بعد اكتمال الرسالة، إلا بيان ما غمض من مسائل على عامة الناس، لكن هذه المسألة عادت لتطرح نفسها في العصر الحديث الذي أصبح فيه حدود دور رجال الدين محل تساؤل وجدل يبدو أنه لم يحسم بعد.
لا رهبان أو رجال دينٍ في الإسلام؛ بل ناقلون للعلم

ورثة الأنبياء
تولى النبي، عليه السلام، خلال حياته مهمة تبليغ رسالة الله، عز وجل، إلى الناس، ولم يكن ثمة صوت لرجال الدين، وهو ما استمر مع صحابته الذين كانوا ينقلون تعاليمه في الدين والأخلاق اليومية، ويقتدون به، دون أن يكون لرجلٍ آخر رأيٌ خاص منفصل عن جوهر الإسلام، ولم يكن ممكناً بالتالي، لأيٍ من البشر أن يفتي وفقاً لمصالحه الخاصة أو رؤيته الفردية، ومنذ ذلك الحين، تكرست فكرة أنه لا رهبان أو رجال دينٍ في الإسلام؛ بل ناقلون للعلم وفق ما نص عليه الحديث الصحيح الشهير "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورِّثوا ديناراً ولا درهماً، إنَّما ورَّثوا العلم".

يعتبر البعض رجال الدين مجرد أشخاص يسعون لتحقيق مصالحهم ومصالح جماعاتهم

ولعل العلم الذي قام الأنبياء بتوريثه، واضح عبر التاريخ، ومختص بالأخلاق والدين والعبادات، وبعض مظاهر الحياة اليومية للناس في زمانهم ومكانهم آنذاك، أما اليوم فإنّ البشر، يخوضون مستوياتٍ عديدة من العلم والمعرفة الفكرية والثقافية، في ظل تواجد تاريخٍ عالمي كبير مشترك، وابتكاراتٍ تكنولوجية، ووسائل إعلامٍ متعددة، إضافةً إلى ثورة المعلومات وظهور شبكة الإنترنت التي زادت إشكاليات المشهد.
وبفضل هذا كله، تعقدت مناحي الحياة اليومية، ولم يعد رجل واحد، قادراً على أن يقول كلمة، يمكن أن تلزم جميع الناس بما يطرحه من أفكارٍ خاصة في الشأن الديني، وفي هذا السياق يقول الكاتب المصري علاء الأسواني "يقول البعض إن رجال الدين يعلمون الناس الأخلاق الفاضلة، لكن الانسان يتعلم الأخلاق في البيت والمدرسة، هل يحتاج المرء إلى مشاهدة الشيوخ في التلفاز مثلاً ليعلم أنّ الكذب والنفاق أفعال سيئة، وأنّ السرقة والقتل من الجرائم؟".

الأسواني: الإنسان يتعلم الأخلاق في البيت والمدرسة

ويضيف الأسواني في مقالته المنشورة على موقع "دويتشة فيله" بتاريخ 29 أيار (مايو) 2018 "يُقال إن وجود رجال الدين في الإعلام مهم لأنّهم يشرحون للناس أحكام الدين، هذا الكلام كان صحيحاً قبل ثورة الاتصالات، أما الآن فأنت تستطيع أن تجلس على الحاسوب وتدخل بسهولة على موقع دار الإفتاء لتعرف بالتفصيل حكم الدين في أي مسألة تريدها".

اقرأ أيضاً: صنع الله إبراهيم لـ"حفريات": رجال الدين لا يحلون المشكلات بل يفاقمونها
ويشدد الأسواني على أنّه لا حاجة لرجال الدين اليوم؛ فالمساحات الجغرافية ووسائل الاتصال، والكتب، وغيرها، لا تبقي داعياً لهم، لأنّ "القداسة تنتقل من الدين إليهم، فيصبحون مقدسين، ومن ثم مصدقين"، مما يسهّل استخدامهم لأغراضٍ سياسية، ربما تخدم مصالحهم ومصالح حركات معينة كجماعاتِ الإسلام السياسي.
رجال لكل شيء
يرى الباحث والكاتب المصري هيثم أبو زيد، أنّ "طبيعة النصوص الدينية، لا سيما النص المركزي (القرآن الكريم)، بما يحمل من لغةٍ قابلةٍ للتأويل على أوجه كثيرة، يحتم وجود طبقة رجال الدين، وفي هذا الأمر رأي للإمام محمد عبده، الذي قال إنّه يمكن التخلي عن رجال الدين إذا فهم المسلمون لغتهم العربية بصورةٍ كبيرة وتمكنوا من فهم القرآن وتفسيره وتأويلاته".

يرى الأسواني أنه يمكن تعلم الأخلاق والفكر من المدرسة والكتب وليس من شيوخ غير مختصين على التلفاز

ويوضح أبو زيد في تصريحه لـ"حفريات" أنّ "رأي محمد عبده صعب التحقيق، وأنّ الفقهاء ورجال الدين بقوا موجودين لأنهم مفسرون، يستعينون بالنصوص القديمة والمقولات المتناقلة من أجل إعانتهم على تفسير نصوص القرآن الكريم، وهو ما لا يستطيعه معظم الناس".
ويشير إلى أنّ مهمة التفسير، ربما تعد السبب الوحيد والأساسي لوجود طبقة رجال الدين، فهم مرتبطون بالتفسير والفقه، لكن هذا ينتج جانباً سلبياً، إذ إنّ مكانتهم المحددة هذه، كما يرى، استخدمت من أجل طبقةٍ كهانةٍ إسلامية، تتحكم في تبيين مراد الله تعالى في آيات القرآن الكريم، وبالتالي: "يتقبل رجال الدين طرح أسئلة في كل شيء، بما في ذلك الاقتصاد والاجتماع، والمشايخ لا تتورع عن الإجابة، إما بغرض إظهار سعة علمهم، أو بغرض إثبات أنّ الإسلام يقدم إجابات لكل شيء، وحلاً لكل مشكلة".

اقرأ أيضاً: إيران تنتفض: "يا رجال الدين أعيدوا إلينا بلادنا"
وفيما يؤكد أبو زيد، أنّ هذا النوع من الكهانة التي يمارسها رجال الدين، تضر بالتقدم والعلم والمفكرين، والمتخصصين، وتعطلهم، فتعطل عمل المجتمع وتطوره، يذهب الباحث السوري في شؤون الجماعات الإسلامية عرابي عبد الحي عرابي، إلى أنّه في خضم الحديث عن دور "رجل الدين" وتأثيره في المجتمع ينبغي الإشارة إلى "أن الدين في المجتمعات العربية قد بات جزءاً من ماهيّة المجتمع وهويّته، وفعلاً أساسيّاً بكل ما يحتويه من تعقيدات وتشابكات  اجتماعيّة وتأثيرات نفسيّة، ومن ثمّ فإن تأثير "رجل الدين" أو "الداعية" مرتبط -بشكل أو بآخر- بتأثير الدين ذاته في المجتمع، ومن ثمّ فإنه لا إمكان للقول: إنّه لا داعي لوجود "رجل الدين" في المجتمعات العربية والإسلاميّة".
ويتابع عرابي في حديثه لـ"حفريات": "لفهم دور رجال الدين في المجتمع، لا بد من تصنيفهم، فمنهم دعويون ووعاظ، متبحرون في الشريعة، ويميلون إلى التدريس والوعظ، ومنهم الدينيّ المتمرس في دراسة الأحكام الفقهية، فإنّه يرى الإفتاء وما يتعلّق به من متابعات للحوادث أو النوازل وتكييفها فقهيّاً أولى من التفرّغ للتدريس، وكذلك نجد نموذج الوجه الاجتماعي المحترَم، وهم أولئك الدعاة أو العلماء أو الخطباء الذين يمتلكون "كاريزما" التأثير وجذب الانتباه، كما يدركون أهميّة الشبكات الاجتماعية وبناء التحالفات".

العصر الحديث يتميز بغزارة العلوم والأفكار والثقافات التي لا يمكن لرجلٍ واحد أن يلم بها جميعها تحت مسمى رجل دين

غير أنّ نموذجاً آخر يصفه عرابي بـ"المتزمت"، يعد مثالاً للذي "يرى في المجتمع دوّامة تتعمّق آثار الانحلال فيها، ويجب إصلاح (المجتمع والشعب) من خلال العودة إلى الدين".
ويخلص عرابي إلى أنّ " فهم دور رجل الدين وواقعه يرتبط بفهم المرتكزات التي يقوم عليها، والغاية التي يعمل عليها، ليصار إلى تصنيفه والوصول إلى آلية للتعامل "المجتمعي/ الرسمي معه".
ويتفق عرابي مع أبو زيد في أنّ هوية المجتمع، إذا غلب عليها الطابع الديني، فإنّ وجود رجل الدين أمر لا بد منه، إلا أنّ رجال الدين المسلمين، كما يرى، لا ينتمون عموماً إلى مؤسساتٍ دينية محددة، أو يتبعون جميعاً إلى دور إفتاءٍ رسمية، "فعدا عن (وعاظ السلاطين) فإنّ تصنيفاتهم وانتماءاتهم تختلف".

بين التشدد والمهادنة
ولعل نماذج رجال الدين الذين يتدخلون في السياسة لتحقيق مصالح من يوظفونهم كثيرة، من أمثال وجدي غنيم في مصر، ويوسف القرضاوي، الشيخ المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهؤلاء أحدثوا جدلاً كبيراً في الساحة العربية طوال أعوام، بسبب آرائهم المتناقضة في الدين والسياسة والعلم، بلغت أحياناً حد المطالبة بالاحتراب والقتل في دولٍ عربية، كما يوجد آخرون مثل الداعية عمرو خالد، الذي أحدث جدلاً بأسلوبه الدعوي الحديث، الذي يراه البعض مهادناً وفردياً ويهدف إلى منح الشهرة لصاحبه فقط، بينما يعتبر آخرون أنه نتاج لضعف خطابات الإصلاح الإسلامي عبر التاريخ الحديث.

يوسف القرضاوي
وعلى صعيد آخر، بالكاد يمكن العثور في العالم الإسلامي على امرأة تمتهن ذات مهنة رجل الدين كواعظ لجميع المسلمين، مما أدى إلى وجود واعظاتٍ من النساء، في سياق بعض الجماعات الإسلامية، أو يتبعن لدوائر رسمية في بلادهن، وغالباً ما يقتصر دورهن على وعظ النساء فقط.
وكان العام 2017، شهد الكثير من الجدل بعد انتشار سؤالٍ عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو: هل تصلح المرأة للعمل الدعوي؟ حيث شغل السؤال أذهان العديد من المهتمين في الأزهر والأوقاف آنذاك، بعد "اعتماد الدكتور محمد مختار جمعة وزير الأوقاف في حينه 144 واعظة متطوعة، لإلقاء دروس دينية للسيدات بالمساجد الكبرى في مصر"، وفق تقرير نشر بداية العام 2017 في موقع "مصر العربية"؛ إذ يشير الجدل الذي دار حول حق النساء بالوعظ، إلى مدى عدم قبولهن في طبقة رجال الدين، إن صح التعبير، وهو ما يحدث في معظم الدول العربية كذلك.

اقرأ أيضاً: زي رجال الدين.. المسافة بين الله والناس
ولعل غياب مؤسسة دينية مرجعية، في ظل وجود جماعاتٍ وتيارات إسلامية مختلفة، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها، إضافةً إلى أن الكثير من الناس يهملون دوائر الإفتاء في بلادهم، جعل رجال الدين يظهرون في صورة حائرة، ومتناقضة في نظر المجتمع، بين رفضهم للسياسة، وضرورة الانخراط فيها.
ومن ناحيةٍ أخرى، يستجيب بعضهم لطلبات الشارع، بينما يحاول آخرون من رجال الدين، فرض رؤية معينة، طائفية أو جماعاتية على الناس، ومن ثم يتسع الخلاف، خصوصاً حين يقوم رجال الدين بالتدخل في مسائل خارج اختصاصهم، مصرين على نسبها إلى الدين، محاولين تصميم وعيٍ وتفكير للعامة، يليق بمصالحهم ورؤاهم وشهرتهم الشخصية أحياناً.
وبصورةٍ عامة، لم يعد هنالك تعريف واضح لرجل الدين في المجتمعات الإسلامية اليوم، بعد ظهور من لا يؤمنون بثقافة الاختصاص، ممن يتحدثون في الفقه والتفسير إلى جانب السياسة وعلم الاجتماع والرياضيات والفلك والطب..، وهي أشياء من شبه المستحيل أن تجتمع في رجلٍ واحد اليوم، يسمى رجل دين.