"يا خراشي".. الأصل المنسي والمعنى الحاضر عند المصريين

9100
عدد القراءات

2018-12-11

لا يكاد يوجد مواطن في مصر لم يتفوّه بكلمة "يا خراشي" عندما ينصدم، أو يبدي إعجابه أو تعجبه، أو تحلّ عليه مصيبة، لكنّ الأغلبية الكاسحة من المصريين، لا يعرفون أنّها، في الأصل، نداء أو استغاثة بالخراشي أوّل إمام للجامع الأزهر.

اقرأ أيضاً: تاريخ اللغة القبطية في قاموس المصريين

تقول الكاتبة عبير ياسين في مقال نشره موقع "حياة مصر" بتاريخ 7 آذار (مارس) 2018: " "يا خراشي" نداء، لكنّه بلا ردّ محدّد؛ لأنّ النداء فقد المعنى المباشر الذي يُقصد به شخص محدد بصفته، وإن ظلّ يحمل جزءاً كبيراً من المعنى الأصلي الذي ارتبط بكل من نشأة العبارة وظروف استخدامها".

من هو الخراشي؟

الشيخ الخراشي أو الخرشي، كان من أحد كبار العلماء في مصر، أما اسمه الكامل فهو: أبو عبد الله محمد بن جمال الدين عبد الله بن علي الخراشي المالكي، وقد أطلق عليه الخرشي، والخَراشي، نسبة إلى القرية التي ولد فيها، العام 1601، وهي قرية "أبو خَراش" التابعة لمحافظة البحيرة "شمال مصر".

وفق المصادر التاريخية يعتبر الشيخ محمد الخراشي أوّل إمام للجامع الأزهر

درس الشيخ الخراشي علوم الأزهر، مثل: التفسير، والحديث، والتصوف، والفقه وأصوله، إلى جانب كثير من العلوم الأخرى، وتولّى الخراشي منصب مشيخة الأزهر وهو في الثمانين من العمر، في الفترة بين 1679 وحتى وفاته العام 1690، بعد إصدار السلطان العثماني، سليمان الثاني، فرماناً ينصّ على ضرورة تنصيب شيخ للأزهر، يختاره العلماء، ويتمثل دوره في الإشراف على شؤون الأزهر، الدينية والإدارية، بعد أن كانت هذه المهمة تُترك لناظر يعينه السلاطين والأمراء، وأصبح الخراشي بذلك أول من تولّى المنصب رسمياً.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى اللغة التي يتشارك فيها شعوب العالم كافة

وقبل تولّيه منصب مشيخة الأزهر؛ كان الشيخ يدرّس فيه، ثم درّس في المدرسة "الآقبغاوية"؛ التي أصبحت فيما بعد مقراً لمكتبة الأزهر، وتتلمذ على يديه مجموعة من كبار العلماء؛ ممّن تولوا مشيخة الأزهر بعده، مثل: الشيخ عبد الباقي القليني؛ الذي أصبح رابع من تولى هذا المنصب، وقام بتأليف عدد من المؤلفات منها: "رسالة في البسملة"، و"الشرح الكبير على متن خليل" في فقه المالكية، وهو مؤلَّف من ثمانية مجلدات، وغيرها.

السلطان "سليمان الثاني" أول من أصدر فرماناً لتنصيب شيخ للأزهر

الشيخ ونصرة الضعيف

كان الشيخ الخراشي معروفاً بنصرته للحقّ وقوة كلمته، وكان كثيرون يستغيثون به لنصرتهم ونجدتهم من تعنت كبار الموظفين، ووصل الأمر إلى أن صارت استغاثة "يا خراشي"؛ النداء الشعبي الموجّه لشيخ الأزهر، كي ينصرهم على الظلم الواقع عليهم.

بين حين وآخر يشنّ السلفيون حملة على كلمة "يا خراشي" باعتبارها موقِعة في الشرك واستغاثة بغير الله

تقول عبير ياسين، في مقالها الذي حمل عنوان "يا خراشي".. ضاع الأصل وظل المعنى: ذاع صيت الخراشي بين العلماء والعامة، واهتم الطلبة بحضور دروسه في الأزهر، في حين كان العامة يأتون إليه للنيل من كرمه وعلمه، لكن أكثر ما يرتبط بالخراشي، فيما يتعلق بسياق النداء المشهور، هو ما عرف عنه من نصرته للحق ودعمه للمظلوم. وفي واقع يزداد فيه الظلم واستغلال الضعفاء من عامة الشعب، تصبح لمن ينصر المظلوم مكانة مهمة، لا يمكن التجاوز عنها، خاصّة إن كان من هم مثله قلّة في اللحظة الزمنية أو المنطقة الجغرافية.

لم يهتم الخراشي، كما تتناقل الأخبار، بتفاصيل الأشخاص أنفسهم، الفكرة تتجاوز من هو المظلوم، ومن هو الظالم، إلى سؤال العدالة والحقّ، وأهمية أن يكون هناك من ينصر الحقّ، ويتحدث باسمه، ويدافع عن تطبيق العدالة.

لم يقف الخراشي بسبب ضعف المظلوم، ولم توقفه قوة الظالم، وفي معادلة مثل تلك تكون الفرصة كبيرة أننا أمام شخصية تهتم بالحقّ لذاته.

أصبحت استغاثة "يا خراشي" النداء الشعبي الموجّه لشيخ الأزهر لنصرة المظلومين

تطوّر "يا خراشي"

تطوّر الاستخدام الحديث، خاصة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتحوّل إلى حالة من حالات الإعجاب الشديد أو التعجب، وأصبح من الطبيعي أن تظهر العبارة في تعليقات على صورة طفل جميل، أو مجموعة من الملابس المثيرة للإعجاب، أو الكلمات وصور "الكاريكاتير"؛ التي تأتي معبرة عن اللحظة أو مشاعر الشخص بقوة، فيضاف إلى التعليق عليها عبارة "يا خراشي"، مع كلمات مثل: "على العسل، الجمال، الأناقة، الإحساس، ...إلخ"، وغيرها حالات كثيرة مشابهة في حالة الإعجاب، وتساؤلات المنطق والتصديق في حالة التعجب.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول من أهدى المنطقة العربية حرفاً مطبوعاً بلغة الضاد

لكنّ الاستخدامات الحديثة لم تفقد العبارة معناها الأصلي؛ المرتبط في الضمير الشعبي بحالة المصيبة أو الكارثة، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً في الفيديوهات التي يتم فيها سؤال عدد من المواطنين عن أصل العبارة، وبعيداً عمّن ينكر وجود جذور للعبارة بالمطلق، أو يقدم تفسيرات لا تقترب من الحقيقة، فإنّ ما يجمع بين معظم التعليقات، إن لم يكن كلّها؛ هو التأكيد على الارتباط بين العبارة وحالة المصيبة.

 

 

تقول عبير ياسين في مقالها: لا يتوقف أحد عادة أمام الاستخدامات الحديثة للعبارة، وكأنّها استخدامات في اللاشعور، تتم بوصفها نوع من معنى غائب أو معنى قريب من بعيد لأصل العبارة، يحتفظ الاستخدام الحديث للعبارة بالأصل المشترك، ويتفرّع إلى أقارب لديهم بعض الصفات المشتركة، لكن بينهم بعض الاختلافات التي لا يمكن إنكارها أيضاً.

كان الشيخ الخراشي أول إمام للأزهر معروفاً بنصرته للحقّ وقوة كلمته وكان كثيرون يستغيثون به لنصرتهم ونجدتهم

وتضيف: كان من يقع في أزمة، أو يكون له مظلمة، ينادي "يا خراشي"، وإن كان النداء باسمه طبيعياً في حياته، فإنّ العبارة التي تحمل في قلبها معنى النداء، ظلّت تتردّد، خاصة في حالات المصائب والأزمات، وتجاوز النداء زمنه، واستمرّ قائماً عبر تداول حكايات عن الشيخ الذي كان ينقذ المظلوم، وربما صاحبها عبر الوقت الهتاف باسمه؛ بوصفه نوعاً من الأمنيات، وجزءاً من الماضي، الذي يحنّ له الجميع؛ نداء يحمل داخله تعبيراً عن الرجاء في أن يكون هناك "خراشي" جديد، يدعم المظلوم في مواجهة الظالم وقوته.

تحوّل "الخراشي" إلى نصير للحق والعدل، وصوت قويّ يدعم المظلوم، ويدافع عمّن له مظلمة مثل غيره من الأسماء، التي حفرت وجودها في الذاكرة الشعبية، باختلاف التفاصيل، وكيفية نصرة المظلوم وإرجاع الحقّ.

اقرأ أيضاً: "عبقرية اللغة" نصوص تشتبك بالأرض والثقافة والسياسة والتاريخ

هذا الربط المباشر بين وقوع المصيبة والنداء باسم الشيخ، أو عليه، من أجل المساعدة، ظلّت في الوجدان المصري عبر السنين، وفي حين تمّ تناسي التفاصيل مع الوقت، وتراجع حضور الشيخ نفسه، ظلّت العبارة تأكيداً على وجود علاقة بين "يا خراشي" ووقت الأزمة.

أعداء "خراشي"

بين حين وآخر، يشنّ السلفيون حملة على كلمة "يا خراشي"، باعتبارها موقِعة في الشرك؛ واستغاثة بغير الله، "وبما أنّ الخراشي قد مات، فلا يجوز الاستعانة بميت لقضاء الحوائج؛ لأنّه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً"، وفق فتوى تحرّم كلمة "يا خراشي".

 

 

انتشرت أمثال هذه الفتوى على المواقع السلفية، مثل هذه الفتوى: "فقد انتشر بالديار المصرية، وغيرها، قول "يا خراشي" عند المصيبة، واللفظ "يا خراشي" استغاثة بالإمام الشيخ أبو عبدالله محمد بن جمال الخراشي المالكي، ولد العام 1010 هـ، وتوفَّي العام 1101 هـ، وهو أوّل إمام لجامع الأزهر".

تحولت استغاثة "يا خراشي" الموجهة لشيخ الأزهر إلى تعبير عن شدة الانفعال من موقف أو خبر

وأوردت الفتوى عدداً كبيراً من الآيات التي تثبت شركية قائل الكلمة، مثل قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 3]، وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[غافر: 14]، وفي آية أخرى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 65]، وأيضاً قوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: 5]،  وأيضاً: ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [الحج: 12].

إلّا أنّ هناك فتوى أخرى، لم تفتِ بشرك من يلجأ لهذا النداء؛ مثل الفتوى التي جاءت في موقع "إسلام ويب"، بعنوان: "ما حكم قول "يا خراشي" عند التعجب أو التحسّر؟"؛ حيث أوضح المفتي أنّ هذه الكلمة لا تعدّ شركاً، وليس فيها استعانة بغير الله، "إنّما يقولها من يقولها عند التعجب من أمر معين، أو التندم والتحسر على أمر معين، ولا يقصد بها دعاء ولا استعانة، والأولى للمسلم أن يأتي بالأذكار الشرعية الموظفة في تلك المواطن، فيسترجع إذا أصابه ما يكره، ويسبّح الله، أو يكبّر، إذا عرض له ما يتعجب منه"، وفق نصّ الفتوى.

اقرأ المزيد...

الوسوم: