هل بدأ فكر الجماعات الإرهابية حقاً في الانحسار؟!

يرى بعضنا أنّ فكر الجماعات الإرهابية قد بدأ بالانحسار، بعد أن بلغت ظاهرة التطرف والإرهاب ذروتها، ويقدم أحدنا على ذلك أربعة أدلة أولها: "الهزيمة العسكرية التي مُني بها تنظيم داعش وانهيار دولته وتشتت مكوناته، ثم الجهود المتواترة لمحاصرة "جبهة النصرة" وتطويعها، في مختلف معاقل سيطرتها .. وتصفية آلاف الكوادر الجهادية التي تشكلت على مر السنين .. وتنامي الخلافات المعلنة بين صفوفها تبعاً لتنوع اجتهادات القائمين عليها.. وما نجم عنه من تخوين وتكفير ومعارك طاحنة في غير مكان"[1].

اقرأ أيضاً: الغرب في مخيال الجماعات الإسلامية.. قراءة في الحالة الفصامية

والثاني هو "خيبة الأمل الكبيرة في أن تكون هذه الظاهرة المتطرفة مثلاً يحتذى أو نموذجاً مرغوباً".

والثالث هو "فشل سلطة الإسلام السياسي في البلدان التي شهدت موجة الاضطرابات الأخيرة في معالجة تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتوفير شروط حياة تليق بالإنسان وتخلق الفرص الضرورية لضمان حاجاته المادية والروحية".

حصْدُ الإرهابيين اليوم جسدياً فقط لا يعني القضاء على الإرهاب ولا انتصار أحد

والرابع هو "تهتك الغطاء الوطني الذي كانت تتوسله بعض القوى الجهادية لتوسيع شعبيتها"، كمقاومة الاحتلال الإسرائيلي والتصدي للسياسات الغربية.

يضاف إلى ذلك "ما يصح اعتباره قطبة مخفية في السياسات العالمية تجلت بسلبية مقيتة في التعاطي مع المتغيرات العربية وبخاصة في سوريا، بغرض استثمارها لإيقاظ الخلايا الجهادية النائمة في الغرب وجذبها إلى ساحة الصراع لتسهيل كشفها وتصفيتها".

اقرأ أيضاً: الحكومات والجماعات: نزاع ديني أم صراع على الدين؟

يبدو الكلام منطقياً، على الصعيد الصوري، وتبدو الأدلة مقنعة، على الصعيد نفسه، من منظور ما سمّاه مهدي عامل "الفكر اليومي"؛ إذ ما من صعود إلا ويعقبه هبوط، أو "كل طلعة تقابلها نزلة"، كما تقول العامة. ومن طبيعة الفكر اليومي أنّه "فكر" مطمئن لطريقته في تحليل الظواهر المحلية، كظاهرة الإسلام السياسي و"الجماعات الإسلاموية"، وتفشي "الفكر الجهادي الإسلاموي"، وفي كشف "القطبة المخفية في السياسات العالمية"، فتغدو فرضيته الأساسية: "انحسار فكر الجماعات الإرهابية"، حقيقة تبرهن عليها، فرضياتٌ فرعيةٌ معدودةٌ حقائقَ ناجزة. ومن ثم تصير المسألة مسألة "تقدير مدى تراجع الثقة بالفكر الجهادي عموماً، و(مدى) تهتك منظومته"؛ أي إنّ المسألة تصير مسألةً كميةً، أو مسألةَ "مدى"، يمكن قياسه أو تقديره، في أسوأ الفروض.

حزب الله الإيراني في لبنان، على سبيل المثال، تنظيم إرهابي أقوى من الدولة، هو، والأحزاب الطائفية الأخرى

المسألة التي يجب التوقف عندها هي مسألة العلاقة بين هزيمة تنظيم داعش أو غيره من التنظيمات الإرهابية، هنا أو هناك، وبين انحسار الفكر الجهادي الإسلاموي؛ أي مسألة العلاقة بين حركة الفكر وحركة الواقع.

الفكر ينمو، أو ينحسر، (لمصلحة الأيديولوجية، أو الوهم أو الخرافة أو الحكاية .. إلخ)؛ الواقع يتغير؛ وكذلك الكائن، (ليس ثمة أولية زمنية لأي منهما، إذا كان الفكر هو فكر الواقع أو تفكيره أو تبصُّره وتعقُّله أو تمثيله وتمثُّله أو مفهمته، وإذا كان الواقع هو واقع الفكر المتبلور فاعليةً وعملاً وخلقاً وابتكاراً). إذاً، العلاقة المعنية هي العلاقة بين النمو (أو الانحسار) وبين التغيُّر. فإذا كان الواقع هو محكَّ الفكر، ومختبَرَه، ومصدره أساساً، يصير السؤال سؤالاً عن مدى تغير الواقع، وعن اتجاه حركته، لا عن مدى نمو الفكر أو انحساره، لاستحالة قياس الفكر أو تكميمه (من الكم)، نمواً أو انحساراً، وإن يكن "التقدير" ممكناً، ولكن التقدير يحتاج إلى حياد من يقدر، ولو في الحدود الممكنة؛ لأن حياد الفرد الطبيعي مطلب عسير، خاصة إذا كان منخرطاً في صراعات الواقع وتناقضاته الاجتماعية والسياسية والثقافية ومعنياً بها.

اقرأ أيضاً: سر عداء داعش والجماعات المتطرفة.. للصوفية

هكذا لم تعد المقالة التي أشرنا إليها، في الهامش، هي موضوع النقاش، ونحن نقدر كاتبها ونحترمه، وله عندنا من المودة مثل الاحترام والتقدير، بل إنّ موضوع النقاش هو المسألة، المشار إليها في الفقرة السابقة؛ أي مسألة العلاقة بين نمو الفكر أو انحساره وبين تغير الواقع، تقدماً أو تراجعاً، وهذا مؤسس على تغير الكائن تقدماً أو تراجعاً.

الجماعات الإرهابية منظمة تنظيماً "حديدياً"، بالتعبير اللينيني، ولكنها ضد جميع أشكال الانتظام والتنظيم

لذلك نفترض أنّ هزيمة تنظيم داعش وغيره لا تدل، بالضرورة، على انحسار الفكر الجهادي، ربما تدل على العكس، لا بحكم "انتصار" تنظيمات إسلاموية إرهابية مشابهة، كالحرس الثوري الإيراني، وحزب الله الإيراني، في لبنان، والميليشيات الشيعية العراقية الموالية لنظام الأسد، في سوريا، وانتصار خط الإخوان المسلمين على خطوط المعارضة السورية، وهو انتصار لنظام الأسد، علاوة على "انتصار" النظام نفسه و"انتصار الإيرانيين والروس وغيرهم، فقط، ولا بحكم ردود الفعل المذهبية والطائفية الممكنة، على هزيمة التنظيمات الأولى، (السنَّوية)، وانتصار الثانية، (الشيعوية)، فحسب، بل بحكم تعاظم الميول السلفية والأصولية، اللاهوتية منها والقومية، عندنا، وتنامي ميول شعبوية في بلدان متقدمة، كلها قد تضع العالم على شفير هاوية.

أعدم عبدالناصر المفكر الإسلامي، سيد قطب، واعتقل كوادر الإخوان المسلمين ونشطائهم، رداً على محاولة اغتياله عام 1954، بعد هذه الواقعة بسنوات، كتب ياسين الحافظ: إنّ عبدالناصر حصد الإخوان المسلمين سياسياً وزرعهم ثقافياً.

اقرأ أيضاً: جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

حصْدُ الإرهابيين، اليوم، جسدياً فقط، لا يعني القضاء على الإرهاب، حتى سياسياً، ولا يعني انتصار أحد؛ لأنه رد على القتل بمثله، ناهيكم عن زرع التعصب والتمييز والعنف والإرهاب ثقافياً وأخلاقياً، فما زلنا نرى أن ما تسمى "الحرب على الإرهاب" هي إرهاب موصوف، عنف أقصى، غير قانوني، وغير أخلاقي، على أقل تقدير، لا يؤدي إلى اجتثاث الإرهاب؛ لأنه لا يُعنى باجتثاث أسباب الإرهاب، والحيلولة دون إعادة إنتاج الجماعات الإرهابية والاستثمار في إرهابها، خاصة أنّ بعض القوى المشاركة في هذه الحرب ضالعة في إرهاب شعوبها وفي رعاية الإرهاب في العالم. القدرة على القتل والتدمير ليست مزية لأحد.

هزيمة تنظيم داعش وغيره لا تدل، بالضرورة، على انحسار الفكر الجهادي، ربما تدل على العكس

الجماعات الإرهابية منظمة تنظيماً "حديدياً"، بالتعبير اللينيني، ولكنها ضد جميع أشكال الانتظام والتنظيم، وهذا هو معنى كونها قوى عدمية؛ إنها لسان العدم ويده وسلاحه؛ فهي مناهضة لفكرة الدولة الوطنية الحديثة، ومناهضة للديمقراطية وحرية الفرد وحقوق الإنسان، تحت شعار الخلافة، وحاكمية الله، وعصمة الشريعة، وعصمة السلف، ومبدأ الجهاد، ومناهضة للمساوة والحرية، ومناهضة لأي نظام اجتماعي – اقتصادي وسياسي، ما لم يكن نظام حكمها وتسلطها، ومن ثم، إن معيار هزيمتها أو انتصارها، ومعيار نمو فكرها أو انحساره، هنا أو هناك، هو مدى نجاح مشروع الدولة الديمقراطية أو مدى تعثره.

حزب الله الإيراني في لبنان، على سبيل المثال، تنظيم إرهابي أقوى من الدولة، هو، والأحزاب الطائفية الأخرى، عقبة أمام صيرورة الدولة في لبنان دولة لبنانية، أي دولة وطنية لجميع مواطناتها ومواطنيها بالتساوي، هذا مثال واحد ذو دلالة على تعثر مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: القيادي الإسلامي ناجح إبراهيم يقدم وصفة للإخوان للعلاج من الفكر الإرهابي

ثمة أمثلة أخرى لا تقل خطراً على مشروع الدولة، هي الميليشيات التي تنشئها السلطات الحاكمة، إلى جانب الجيوش، وبديلاً عنها، لحماية السلطة أو الثورة أو ما شئتم من أسماء.

هذا معيار آخر يتفرع من المعيار الأساسي، الذي يمليه الواقع، وتمليه ضرورة الحفاظ على حياة الناس وصون كرامتهم وحقوقهم، وهذه من أهم وظائف الدولة في حدودها الدنيا.

طالما أن عوامل نشوء الإرهاب قائمة في بنى المجتمع ومرجعياته الأيديولوجية نشطة وفعَّالة يظل الإرهاب قائماً

بقي أن نقول: إن مشروع الدولة هو مشروع المجتمع كله، لا مشروع طائفة دون غيرها، أو جماعة إثنية، كالعرب في سوريا، دون غيرها، أو طبقة دون غيرها أو حزب دون غيره.

والمجتمع ليس بدهية أصلية، وليس ما هو عليه هنا أو هناك، فقط، وليس ما كان عليه في ماضٍ بعيد أو قريب، بل هو منتَج تاريخي، يشارك في إنتاجه، في كل وقت، جميع أفراده إناثاً وذكوراً، فلا يكون مجتمع إلا كما يكون متوسط جميع أفراده، على مختلف الصعد، كالتربية والتعليم والتأهيل والخبرة والثقافة والمشاركة في الشؤون العامة وغيرها كثير، وهذا كله قابل للقياس.

اقرأ أيضاً: سوريانو: الإرهابيون أسرع من الدول في مجال الابتكارات!

فما دامت عوامل نشوء الإرهاب قائمة في بنى المجتمع، وشروط إمكانه وفيرة، ومرجعياته الأيديولوجية نشطة وفعَّالة .. يظل الإرهاب قائماً، وإن اعتراه جزر بعد مد.


[1] - أكرم البني، معالم احتضار فكر الجماعات الإرهابية، موقع الشرق الأوسط

الأقسام: