العقل الإخواني ومعضلة التقية المعادية لتأسيس الثقة

5136
عدد القراءات

2019-08-07

هذه وقفة مكاشفة مع أحد الأمراض السلوكية التي يتربّى عليها العقل الإسلامي الحركي، خاصة العقل الإخواني، بخلاف السائد مع العقل السلفي، خاصة "السلفي الجهادي"، وعنوانها "معضلة التقية".

اقرأ أيضاً: الإخوان وبناء العقلية الخرافية
يقتضي الخوض في الموضوع؛ الإحالة إلى ما قد نصطلح عليه "مؤشر التقية"، الذي يقتضي بدوره أن ننطلق من أرضية نقيس عليها مستوى هذه الممارسة، ولو افترضنا أنّه لدينا "سُلّم التقية"، قياساً على "سُلّم ريختر" مثلاً، وهو مقياس مستويات الزلازل، والذي بمقتضاه، نقيس مستويات هذه الممارسة عند الفاعل الديني بشكل عام؛ سواء كان حركة إسلامية، أو طريقة صوفية، أو جماعة سلفية، ...إلخ، لوجدنا أنّ مؤشّر ممارسة التقية عند الفاعل الإخواني مرتفع، مقارنة بمؤشر ممارسة التقية عند المتديّن "السلفي الجهادي"، الذي لا ننتظر منه ممارسة التقية، على الأقل في مرحلة "التمكين"، بحسب الاصطلاح الإخواني؛ أي مرحلة الإمساك بزمام السلطة الحاكمة، كما عاينا، على سبيل المثال، في المناطق التي تحكّم فيها المشروع "الجهادي".

مؤشّر ممارسة التقية عند الفاعل الإخواني مرتفع مقارنة بممارسة التقية عند المتديّن "السلفي الجهادي" الذي لا ننتظر منه ذلك

واضح أنّ المتديّن الداعشي لا يمارس التقية، بينما الأمر مختلف، بشكل عام، عند المتديّن الإخواني، بل إنّ المأزق يطال حتى المتديّن الذي أخذ مسافة من الإسلاموية الإخوانية؛ بسبب ضريبة الانتماء، وبالتالي يعاني الشيء الكثير حتى يتحرر بشكل نهائي من التأثير المفاهيمي لأدبيات التربية الإخوانية، ومنها أدبيات التقية، فكيف يكون الأمر مع الذي ما يزال إخوانياً؟
لا يتعلق الأمر بالمتديّن الإسلامي الحركي، الذي ما يزال يتبنى هذا الخيار، أي ممارسة التقية؛ لأنّه تربّى عليها، فهؤلاء خارج دائرة الحوار وتأسيس أجواء الثقة، تفعيلاً لقاعدة "لا ثقة في كلّ مَن يُمارس التقية"، وإنما نتحدث عن الآثار السلبية للتربية على التقية، تلك الذي تعرّض لها متديّن إسلامي حركي؛ لأنه لا يُعدّ كذلك.

اقرأ أيضاً: العقل النقدي.. أولوية مُلحّة لمواجهة الفكر المتطرف
بمعنى آخر؛ حتى مع أخذ المتديّن الإخواني مسافة نظرية وتنظيمية من الخطاب والمشروع، فإنّه لن يتحرر من الآثار النفسية لمرحلة الانضمام بين ليلة وضحاها، وهذا ما أشرنا إليه سابقاً في معرض الحديث عن المضاعفات السلبية للمرور على التجربة الإسلامية الحركية، ونقصد بها ضرائب المرور على تجربة إسلامية حركية، فموازاة مع النتائج الإيجابية للتجربة، من قبيل: تزكية الذات، والنهل من علوم دينية، والتفرغ لبعض الالتزام الديني، كما يُصطلح عليه، وجوانب أخرى، هناك الوجه السلبي للتجربة؛ وهو وجه متوقَّع، ضمن أيّة ضريبة تهمّ الانتماء إلى مشروع أيديولوجي ما، بصرف النظر عن طبيعية هذه الأيديولوجيا، كأن تكون دينية أو مادية، فهذا معطى ثانوي، أما المعطى الأصلي، فعنوانه ضرورة تأدية الضرائب، مع فارق أنّه في حالة الأيديولوجية الدينية، تكون الآثار مرتفعة؛ لأنّها كانت تنهل من المقدس؛ بل يعتقد أتباع الأيديولوجية أنّ رموزها تكاد تُؤخذ من كلامهم، ولا يُردّ، من قبيل ما نعاين مع أتباع التشيع في تعاملهم مع أعمال الخميني، أو أتباع التسلف في تعاملهم مع أعمال ابن تيمية، أو أتباع جماعة "العدل والإحسان" المغربية في تعاملهم مع أعمال عبد السلام ياسين، وغيرهم كثيرون (وجب التذكير هنا أننا نعاين الظاهرة نفسها مع أتباع هذا المشروع العلمي أو ذلك، من قبيل ما نعاين مع أتباع محمد أركون، أو حسن حنفي، أو طه عبد الرحمن، ...إلخ، مع فارق أنّ هؤلاء لا يقدّسون، وإن كانوا يبجّلون، ولكنهم مطالبون بالتحرر من سياق فكري مغلق، حتى لا يصبحوا مجرّد مقلدة لما يصدر عن المفكر المعني، دون أيّ اعتراض أو نقد فالأحرى النقض).

اقرأ أيضاً: لنكن صرحاء... أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟
ما يزال إصرار العقل الإسلامي الحركي على ممارسة التقية أو الازدواجية، في مقدمة الأسباب التي تغذي غياب الثقة مع مجتمعات وأنظمة المنطقة، ونتحدث عن معضلة نظرية تميز الجهاز المفاهيمي الإسلامي الحركي بشكل عام، خاصة الجهاز المفاهيمي للمشروع الإخواني؛ حيث يعتقد -عن سذاجة أو حسن نية- أنّ ممارسة التقية، بهدف خدمة مشروعه السياسي، يمكن أن تساعده في حرق مراحل هذا المشروع، هذا إذا افترضنا جدلاً أنّ مآل المشروع، أي تأسيس "دولة الخلافة" مثلاً، مرحَّب به في الساحة، وهذا أمر خارج دائرة التفكير عند شعوب المنطقة، فالأحرى أنظمتها.

اقرأ أيضاً: أولية العقل: نقد أطروحات الإسلام السياسي
بين أيدينا مثال تطبيقي، يصبّ في هذا السياق، عنوانه ما يُصطلح عليه "الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي"، عند ثلاثة فروع للمشروع الإخواني في المنطقة، خلال الأعوام الأخيرة:
النموذج الأول: يتعلّق بما يصدر عن إسلاميي المغرب، وبالتحديد الإخوان المشاركون في العمل السياسي، من الذين يُصرّون في المقالات والدراسات والندوات على أنهم يفصلون بين العمل السياسي والعمل الدعوي، لولا أنّ هذه الدعوة تفندها مجموعة من الوقائع والأحداث، أقلّها ما نعاينه في تفاعل أتباع هذه "المَجَرة الإخوانية" (من فاعلين في الحركة الإسلامية، والحزب الإسلامية والنقابة والتنظيم الطلابي ونظيره النسائي والإعلام والكتائب الإلكترونية، ...إلخ)؛ حيث يُصبح الخطاب موحَّداً بين جميع هؤلاء، بلا أدنى تمييز بين الخطاب الدعوي والخطاب السياسي، ويمكن التأكّد من هذا المعطى عبر إطلالة سريعة على الحسابات الإخوانية في مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث نكتشف العجب العجاب من فرط هذا الإصرار الصريح على ممارسة التقية في الفترة الزمنية التي تمتدّ بين الاستحقاقات الانتخابية، مقابل التخلي عن التقية في مرحلة الاستحقاق.

اقرأ أيضاً: "من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي".. أركون وكسر الأنساق المغلقة
ورغم دلالات هذه الوقائع التي لا ترتفع، ما نزال نقرأ بين الفينة والأخرى مقالات ودراسات لباحثين وإعلاميين من المشروع، تسلط الضوء على مغالطة فصل السياسي عن الديني في العمل الإسلامي الحركي، وواضح أنّ هذه رسائل موجهة للطمأنة الأمنية والسياسية وغيرها، ولكنّها غير ذات أهمية، من فرط التناقضات الصادرة عن هؤلاء.
النموذج الثاني: يتعلق بالحالة التونسية، وتلخصه مضامين حوار أجرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، مع زعيم ومؤسس ورئيس حركة "النهضة" الإخوانية، راشد الغنوشي، بتاريخ 19 أيار (مايو) 2016؛ حيث أعلن أنّ الحركة ستمر بمرحلة تغيير في تعاطيها مع الشأن السياسي، من خلال فصل المسارين "الدعوي" و"السياسي" أحدهما عن الآخر، والتحول إلى حزب مدني، مضيفاً: "نحن نتجه نحو حزب يختص فقط في الأنشطة السياسية، فنحن نخرج من الإسلام السياسي لندخل في الديمقراطية المُسْلمة؛ نحن مسلمون ديمقراطيون، ولا نعرّف أنفسنا بأننا جزء من الإسلام السياسي".

اقرأ أيضاً: المسلمون وموروث العقل المثير للجدل
مباشرة بعد صدور الحوار، ستخرج بعض قيادات المشروع هناك، لتزكية ما أشار إليه الغنوشي، ومن ذلك، ما صدر عن عضو مجلس النواب عن الحركة، الصحبي عتيق، وجاء فيه: أنّ "فصل حركته النشاطَ السياسي عن الدعوي هو تطور طبيعي في واقع الحريات في تونس"، وأنّه "جاء لاعتبارات دستورية وقانونية في ظلّ دعم الدستور والقانون للمشاركة السياسية"، مضيفاً لأحد المنابر الإعلامية: "النهضة ليس لها علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، انتماءً وتنظيماً"، مؤكدّاً أنها استفادت ودرست تجارب جميع الحركات الإسلامية في معظم البلدان "لكنّها لم تقلد أيّة تجربة"؛ لأنّها "تجربة فريدة" (بحسب صحيفة "الخليج أونلاين"، عدد 23 أيار (مايو) 2016).

النموذج الثالث: يهمّ الحالة الإخوانية في فرنسا، عندما أعلن في غضون عام 2017 تغيير اسم المشروع الإخواني هناك، وعنوانه "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، كما لو أنّ هؤلاء يمثلون فرنسا، بينما الأمر يتعلق بمنظومة إسلامية حركية، بمعنى منظومة لا تثمل إلا نفسها أولاً وأخيراً، على غرار أي مشروع إسلامي حركي، سواء كان دعوياً أو سياسياً أو قتالياً، ولا يمثل بالضرورة المسلمين في فرنسا، لأنّ هؤلاء لا علاقة لهم بالعمل الإسلامي الحركي، وإلا حُقّ لإسلاميي تنظيم "القاعدة"، أو تنظيم "داعش"، الزعم بأنّهم يمثلون المسلمين، وهذا محال؛ لأنّ لا أحد من المسلمين بايع هذه المشاريع الدينية الطائفية (الدعوية والسياسية والقتالية).
واضح أنّ هناك عدة قواسم مشتركة بين هذه الأمثلة الثلاثة، ذات الصلة بالمشروع الإسلامي الحركي في نسخته الإخوانية حصراً، ومنها القاسم المشترك المتصل بارتفاع مؤشر ممارسة التقية في "سُلم التقية" سالف الذكر، وهذا تطبيق ميداني من تطبيقات هذا السُلم.

ثمة إصرار صريح على ممارسة التقية في الفترة الزمنية بين الاستحقاقات الانتخابية مقابل التخلي عن التقية في مرحلة الاستحقاق

ففي مضامين تقرير إخباري نشره موقع "الجزيرة"، بعنوان "مسلمو فرنسا لماكرون: لسنا كبش فداء لمشاكلك مع السترات الصفراء"، ومؤرخ في 27 نيسان (أبريل) 2019؛ نقرأ تصريحاً للباحث الإخواني نبيل الناصري، مع الصفة التالية التي أوردها الموقع، وهي "الأكاديمي الفرنسي والمحلل السياسي"، وجاء في مضامين التصريح؛ أنّه "لا وجود للإسلام السياسي في فرنسا [كذا]، بل إنّ الأمر مجرد فزاعة استخدمها ماكرون، مثل سابقيه من الرؤساء الفرنسيين السابقين، من أجل تحويل أنظار الرأي العام الفرنسي عن المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها البلاد، ومحاولة منه للالتفاف على مطالبهم المشروعة"، بينما واقع الحال، وهو واقع لا يرتفع بتعبير المناطقة، يُفيد أنّ نبيل الناصري هو فاعل إسلامي حركي عند متتبعي العمل الإسلامي في فرنسا، ويُعدّ من أهم مروّجي أعمال طارق رمضان في العالم الرقمي، وفي الندوات والمؤتمرات، ولكنّنا لا نقرأ أيّة إحالة على هذا الانتماء الأيديولوجي، فالأحرى الإحالة على هذه الارتباطات، وقس على ذلك لائحة من هذه الأمثلة في المنطقة العربية وأوربا.
هذه الأمثلة غيض من فيض، ولو استرسلنا في التوقف عند الأمثلة الخاصة بالحالة العربية، في العمل البحثي والإعلامي والتعليمي والسياسي والجمعوي، ...إلخ، فقد نصيب القارئ بحيرة من كثرة الإشارات والوقائع، ولكنّ الشاهد هنا؛ أنّ معضلة التقية، توجد ضمن الأسباب الموضوعية المغذية لغياب أجواء الثقة بين المشروع الإسلامي الحركي، وشعوب المنطقة ومعها أنظمتها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف انعكست إقالة بولتون على سياسات ترامب الخارجية؟

عمر الرداد's picture
كاتب وخبير أمني أردني
2019-09-19

قوبلت إقالة المستشار الثالث للأمن القومي للرئيس دونالد ترامب، جون بولتون، التي تمّ الإعلان عنها عبر تغريدة، كما هو الحال بالنسبة إلى سلفَيه السابقَين، بوصفها تعكس مزاجية الرئيس الأمريكي، الذي يبدو أنّه لم يستقر بعد على التشكيلة النهائية لفريقه، رغم مرور ما يقارب الثلاثة أعوام على تسلّمه موقع المسؤولية الأولى في أمريكا، وقرب دخوله بمرحلة "البطة العرجاء"، في ظلّ التفرغ للانتخابات القادمة، والتي يبدو أنّها تشكل البوصلة الأساس في قرارات الرئيس، وتطلّعه لجمع أكبر كمّ من الصور التي يمكن استخدامها في الحملة الانتخابية، وإبعاد ومهاجمة كلّ ما يمكن أن يحول دون ذلك؛ من أشخاص، أو مؤسسات إعلامية وفدرالية مختلفة.

لم يكن بولتون راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي تجاه ملفات؛ كوريا الشمالية وإيران وحركة طالبان

ضمن هذا الفهم، يمكن تفسير القرار غير المفاجئ لترامب بإقالة بولتون، المعروف بأنّه "صقوري" ويقف على يمين ترامب، والذي لم يكن راضياً عن السياسات الخارجية للرئيس الأمريكي، تجاه ملفات "كوريا الشمالية، وإيران، وحركة طالبان"، خاصّة ما يتردّد حول دور بولتون في إفشال اجتماع قمة أمريكية مع الفرقاء الأفغانيين "الحكومة وطالبان"، كانت ستعقد في أمريكا، وما يتردّد حول لقاء مرتقب بالرئيس الإيراني، حسن روحاني، على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، التي ستعقد قريباً في نيويورك، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مرجعيات سياسات ترامب وتكتيكاته في صناعة قراراته، وفيما إذا كانت فروقات بينه وبين بولتون.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب، منذ تولّيه السلطة ومعالجته لكافة الملفات الخارجية، وهي مصطلحات مرتبطة بخلفيّته التجارية، والقطاعات التي عمل فيها، القائمة على المفاوضات، وصولاً للصفقات، وكان ترامب وفياً لمعتقداته، التي أسقطها على السياسة، وإذا كان في اتفاقاته الاقتصادية يستخدم أرصدته المالية؛ ففي السياسة استبدلها بالقوة العسكرية "الجبارة" لأمريكا، للتلويح بها أمام الخصوم، وصولاً إلى المفاوضات، ولاحقاً الصفقات، فيما "بولتون" القادم من خلفيّة أمنية وصقورية، يؤمن باستخدام القوة، لا التلويح بها لإخضاع الخصوم، وبأنّه لا وجود لصفقات أو مفاوضات، سواء مع كوريا الشمالية، أو مع طالبان، أو مع الحرس الثوري الإيراني، وميليشياته التي قتلت أمريكيين في لبنان والعراق وأمريكا اللاتينية.

اقرأ أيضاً: بولتون و"العمل المستحيل" مع ترامب: كوريا وإيران أم شاربه الكث؟
لعلّنا لا نبالغ إذ نقول؛ إنّ تداعيات غياب "بولتون" عن مطبخ صناعة القرار الأمريكي، لن تكون ذات تأثير يذكر على السياسات الأمريكية، ارتباطاً بأسباب إقالته، فبوجود بولتون عقد الرئيس الأمريكي قمَّتَين مع رئيس كوريا الجنوبية، وعقدت أمريكا 11 جلسة حوار مع حركة طالبان في قطر، فيما تواصلت المفاوضات، المباشرة وغير المباشرة، مع طهران، والتي مهّدت للقاء محتمل بين الرئيسَين، ترامب وروحاني، ترتبط احتمالات عقده من عدمه بمخرجات المبادرة الفرنسية من جهة، وتطورات الصراع بين الإصلاحيين بقيادة روحاني، والمتشدّدين بقيادة المرشد خامنئي، والخلاف حول شروط إيران بأن تكون أيّة مفاوضات بعد رفع العقوبات، وهو الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة؛ حيث تتطلع لمفاوضات على غرار مفاوضاتها مع كوريا الشمالية؛ أي مفاوضات مع استمرار العقوبات، وربط إمكانية رفعها كلياً أو جزئياً بنتائج تلك المفاوضات.

لم تغب مصطلحات مثل "التفاوض والصفقة" عن قاموس ترامب منذ تولّيه السلطة ومعالجته الملفات الخارجية وهي مرتبطة بخلفيّته التجارية

بعيداً عن المبالغات والرومانسية السياسية التي تعد أحد أبرز مظاهر الخطاب السياسي والإعلامي في الشرق الأوسط، وربط السياسات بالأشخاص، وتجاوز حقيقة أنّ هناك مؤسسية ودولة "عميقة" تحكم الولايات المتحدة، فإنّ أولى تداعيات غياب بولتون؛ هي أنّنا سنكون أمام فريق أمريكي أكثر تجانساً تجاه قضايا الشرق الأوسط، ورسالة لليمين المتشدّد في إسرائيل بضبط اندفاعاته، فيما غياب بولتون سيكون "عبئاً" جديداً على إيران، التي يفترض أن تلتقط رسالة هذه الإقالة بما يشكّل دافعاً لديها لبدء مفاوضات مع أمريكا، بعيداً عن "التشدّق" بأنّ "صمودها" كان سبباً بالإطاحة ببولتون، خاصة أنّ الطامحين بضربة ساحقة لإيران، لا يترددون بالاعتراف بأنّ غياب بولتون شكّل خسارة لهم.
وفيما يتعلق بملفات الشرق الأوسط الأخرى (سوريا، والعراق، وتركيا، واليمن)، إضافة إلى القضية الفلسطينية و"صفقة القرن"، وقضايا الإرهاب؛ فمن غير المرجَّح أن تشهد تغييرات مهمّة، خاصة أنّها مرتبطة بسياسات ثابتة ومستقرة، قبل تولّي بولتون مسؤولياته، وهو ما يعزز احتمالات أن تكون شخصية مستشار الأمن القومي الجديد، شخصية من خارج اليمين الأمريكي، وأن تكون أقرب للفريق الأمريكي الحالي (الخارجية والبنتاغون)، والاستخبارات، خاصّة أنّ شخصية مثل بولتون أدّت الدور المطلوب منها؛ بإثارة "الرعب" لدى الخصوم، لإيصالهم إلى التفاوض، وربما عقد الصفقات لاحقاً، وهو ما كان يطمح إليه الرئيس ترامب في مرحلة سابقة، وقد انتهت تلك الحاجة بقرب تفرغه لإدارة حملته الانتخابية، وحاجته إلى أكبر كمٍّ من الصور التي يصافحه فيها الخصوم لعرضها على الناخب الأمريكي، وإقناعه بأنّه الأقدر على تحقيق متطلبات الأمن القومي الأمريكي، داخل أمريكا، وحفظ مصالحها الإستراتيجية من وراء البحار.

للمشاركة:

هل نجحت النخب الفكرية والدينية في اختبار العالم الرقمي؟

2019-09-19

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها، سواء تعلق الأمر بتفاعل الرأي العام أو من يُصطلح عليهم بالنخبة، ولو أنّ حضور الجميع في هذه العوالم الرقمية، أفضى للمفارقة، إلى جسر الهوة النظرية بين "العامة" و"النخبة"، كما لو أنّنا نعيش تطبيقات "إلجام العوام عن علم الكلام" لأبي حامد الغزالي، بشكل معاصر ورقمي.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
وما يهمنا أكثر في هذا السياق، التوقف عند بعض الدروس التي أفرزها هذا الواقع الرقمي، وتفاعل نخبة الساحة، مع تركيز مقصود وصريح على تفاعل النخبة الفكرية والدينية حصراً، حتى لا نتيه في كثرة التفاصيل مع باقي النخب، السياسية والفنية والرياضية والاقتصادية وغيرها.

لا زالت مواقع التواصل الاجتماعي مليئة بالمفاجآت في معرض تفاعلنا الجمعي معها

وبيان ذلك، أنّ خطاب الإصلاح والنهضة والديمقراطية، نجده بوتيرة أكبر لدى النخبة الفكرية والدينية، بل يتم خلع نوع من السموّ مع الخطاب النخبوي الفكري، مقابل نوع من القداسة مع الخطاب النخبوي الديني، بينما الأمر مختلف كلياً مع خطاب باقي النخب، ومن هنا أهم أسباب التوقف عند أولى نتائج تفاعل النخبة الفكرية والدينية مع مستجدات العالم الرقمي.
ونزعم بلا أدنى تردد، وانطلاقاً من معاينة هذه التفاعلات طيلة سنوات، موازاة مع إجراء مقارنات والانخراط في حوارات، أنّه من الصعب إحصاء الأوهام التي كشفت حقيقتها لشعوب المنطقة مواقعُ التواصل الاجتماعي، ونخص بالذكر، المشاريع الفكرية والدينية كما سلف الذكر، ومن شتى المرجعيات والإيديولوجيات، إلى درجة تخول لنا الجزم بأنّه لو كان هؤلاء على وعي بتبعات هذا التفاعل على صورتهم، ما كان لهم ليتورطوا في هذا التفاعل مع عوالم رقمية لا تحتمل الازدواجية أو الوصاية وما شابه ذلك.

اقرأ أيضاً: مخاوف أمريكية من عملة فيسبوك الرقمية.. ما الأسباب؟
نقصد بالازدواجية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الفكرية والثقافية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، ومنها الازدواجية التي تكرسها ثنائية القول والفعل، بين ما يصدر عنها نظرياً، وما تكرسه عملياً في هذه العوالم، ناهيك عن العالم المادي.
كما نقصد بالوصاية تلك الممارسة التي أصبحت تميز أداء العديد من النخب الدينية والدعوية في تفاعلها مع العامة عبر المنصات الرقمية، بما يُفسر حالة الدهشة الأقرب إلى الصدمة، التي تنتاب هذه النخب من فرط الأسئلة الدينية الحرجة التي يعج بها العالم الرقمي.

عدم الوعي بالفوارق بين العالمين المادي والرقمي يُساهم في تكريس عزلة النخب عن العامة والمجتمع

يبدو المشهد النقدي في العالم الرقمي أشبه بتطبيق وتفعيل المطرقة النقدية الشهيرة لنيشته على الجميع، بلا استثناء، بل إنّ هذه المطرقة النيتشوية تشتغل بحرية لا تضاهى، ولا تبالي بمكانة عمرو أو مقام زيد، ولكن لامبالاة هذه الأعلام وتلك الإيديولوجيات، وعدم تفطنها لآليات اشتغال العالم الرقمي، ونخص بالذكر عدم تفطنها لآليات اشتغال مواقع التواصل الاجتماعي، كانت هدية للمتلقي، لكي تتضح معالم وآفاق مشاريع هؤلاء جميعاً.
وبينما أفرزت العوالم الرقمية مجموعة من التحديات والإكراهات، بما فيها واقع الحيرة والتيه الذي يُميز أسئلة العديد من شباب المنطقة في التعامل مع أحداث الساحة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية وغيرها، لا زالت هذه النخب تتصرف وتتعامل مع هذه العوالم على غرار تعاملها في العالم المادي.

اقرأ أيضاً: إطلاق أول خريطة رقمية للمكتبات ومراكز المعلومات العربية
كانت مواقع التواصل الاجتماعي مناسبة لنكتشف هذا التباين الجليّ بين القول والفعل، عند العديد من رجال الفكر والدين، كما كانت مناسبة لأخذ صورة أولية، حتى لا نقول شبه نهائية، عن حدود المشروع الإصلاحي الذي روّجه هؤلاء، وأثروا به على الشارع طيلة قرون أو عقود.
ويكفي تأمل تفاعل المشاريع الإسلاموية الحركية في الساحة المغربية مع العالم الرقمي، حتى نتأكد من طبيعة وحقيقة هذه المشاريع، خاصة أنّ سقف الحرية مرتفع في هذه المواقع، مقابل تراجع سقف ممارسة الرقابة.
والنتيجة، أنّ حضور هؤلاء في العالم الرقمي، كشف عن حقيقة الخطاب والمشروع، والأمر سيان مع باقي الإيديولوجيات، مع فارق أنّ معضلة الإيديولوجية الإسلاموية؛ أي مجمل الحركات الإسلامية، الدعوية والسياسية والقتالية [أو "الجهادية"]، تنهل من المقدس، وتدّعي تمثيل الإسلام وتزايد على العامة والخاصة في هذا المضمار، وتعتبر كل مَن سوّلت له نفسه نقد الإسلاميين، أنّه يتوجه بالنقد إلى الإسلام نفسه.

اقرأ أيضاً: الإعلام الرسمي والرقمي.. بماذا يثق الشباب العربي؟
ولأنّ الزمن النقدي لا يرحم ولا يمزح، فإنّ تجميع تفاعل هذه النخب على مرّ السنوات، والاشتغال على تقييمها، كشف عدة نتائج تتطلب الكثير من التأمل والاعتبار، ويبدو الأمر كما لو أنّ العديد من هؤلاء كانوا ولا زالوا "خارج التغطية" حسب قاموس اللغة الرقمية ذاتها، بحيث لا زال خطاب بعضهم أو أغلبهم، يتكرر كما هو قائم عملياً في العالم المادي، على أساس أنّه لا توجد فوارق جوهرية بين الخطاب الموجَّه للعالم المادي (في الندوات والمؤتمرات والمحاضرات والإصدارات)، والخطاب الموجه للعالم الرقمي (في التدوينات والروابط والتفاعلات)، وواضح أنّ عدم الوعي ببعض هذه الفوارق، يُساهم في تكريس عزلة هذه النخب عن العامة وبالتالي المجتمع.
وهذا مقام واحد من الخلاصات، ويهمّ شكل الخطاب؛ أي عدم تفطن هذه النخب إلى هذه الفوارق النوعية بين طبيعة الخطاب المُوَجه للعالم المادي، مقارنة مع طبيعة الخطاب المُوَجّه للعالم الرقمي.

اقرأ أيضاً: "سلفنة" الفضاء الرقمي.. لهذه الأسباب يولي السلفيون مواقع التواصل أهمية كبيرة
وهناك مقام آخر، وهو الأهم، ويهمّ مضمون الخطاب، بحيث لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي، كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي أو شيء من هذا القبيل، بينما يعجّ العالم الرقمي بالغث والسمين، كما يعج بجميع شرائح المجتمع، بما يقتضي الوعي برسائل وإشارات الخطاب الذي يجب ترويجه في هذا العالم، أقله الانتصار لأخلاق التواضع، وأخذ مسافة من خطاب الاستعلاء، والانخراط في التفاعل مع هواجس وأسئلة شباب المنطقة؛ لأنّ أي تقاعس في التفاعل مع تلك الهواجس، يساهم في تغذية قاعدة "الطبيعة لا تقبل الفراغ"، ومعلوم طبيعة الإيديولوجيات التي يروق لها وجود فراغ هنا أو هناك، من قبيل الإيديولوجية الشعبوية والعدمية والإسلاموية وغيرها.

لا زالت العديد من هذه النخب تمارس الأستاذية على المتلقي الرقمي كما لو أنّها في مؤسسة دينية أو حرم جامعي

هذا دون الحديث عن أمراض أخرى لا حصر من قبيل ثقافة الغِلّ والحسد وتصفية الحسابات وممارسات غير سوية من هذه الطينة. وما لا تنتبه إليه هذه النخب، أنّه لا يمكن توقع بصيص أمل في تفاعل المتلقي مع خطابها إذا كانت تعاني من هذه الآفات والأعطاب، ولو من باب احترام القاعدة الكونية التي تفيد أنّ فاقد الشيء لا يُعطيه، ضمن قواعد أخرى.
ونرى أنّ عدم وعي هذه النخب بأبسط هذه المقتضيات الرقمية، يقف، ضمن أسباب أخرى، وراء انتشار "الإلحاد" المعرفي والديني، ونقصد بـ"الإلحاد" هنا، أخذ مسافة من المشاريع الفكرية والدينية على حد سواء، وهذا عامل واحد فقط، من العوامل المغذية للخطاب الشعبوي المضاد، والذي يزداد استفحالاً في الساحة.
هذه الوقفة الأولية مجرد إشارة أو تنبيه إلى رافعي شعار الإصلاح والنهضة والتقدم وما جاور هذه الشعارات المشروعة نظرياً على الأقل، إلا أنّ تفعيلها على أرض الواقع المادي والرقمي، ليست مسألة هينة؛ لأنّه يتطلب التصدي لهذه الآفات السلوكية الذاتية، وإصلاح ما يمكن إصلاحه في هذا السياق، قبل الاشتغال النظري والعملي على إصلاح المحيط القريب والبعيد، ومن ذلك إصلاح أحوال أوطان وشعوب المنطقة التي تمر من مرحلة حضارية حرجة.
نحن محاصرون أكثر من أي وقت مضى، وليست هذه الآفات التي كشفت عنها مواقع التواصل الاجتماعي والخاصة بأداء النخب الفكرية والدينية، سوى أمثلة تطبيقية على مدى استفحال هذا الحصار، الذي لا نشك أنّه سيطول، طالما لم ننتبه إليه، ولم نشتغل بشكل جماعي ومسؤول وصريح على مواجهته.

للمشاركة:

إيران والأحلام المستحيلة!

2019-09-18

لا يمكننا ونحن نتابع تداعيات الهجمات التي استهدفت مؤخراً منشآت نفطية كبرى في المملكة العربية السعودية، إغفال الأضرار الاقتصادية الهائلة التي نجمت عنها، إنْ على مستوى اقتصاديات دول الخليج العربي القائمة على تجارة النفط، أو على مستوى العالم كله، لكن في الوقت نفسه ماذا عن التبعات السياسية المربِكة على منطقة الخليج؛ بل والشرق الأوسط عموماً التي تشتبك بشكل كبير، عالمياً، مع مختلف ملفات المنطقة، وما يدور فيها من صراعات إقليمية ودينية وسياسية، يهتم بها العالم، كونها تتماسّ مع الأمن الدولي المرتبط بمناطق التأثير والنفوذ الجغرافي والإستراتيجي والاقتصادي على السواء!

اقرأ أيضاً: الهجوم على أرامكو في بقيق وخريص
وكانت ميليشيا الحُوثي اليمنية، التابعة لإيران، قد أعلنت السبت، 14 أيلول الحالي، أنّها شنّت "هجوماً كبيراً" بعشر طائرات مسيرة (درونز) على منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو السعودية الحكومية، هما (بقيق)، أكبر منشأة في العالم لمعالجة النفط، و(خريص) المجاورة التي تضم حقلاً نفطياً ضخماً شرق المملكة، ما أدى إلى توقف أكثر من نصف إنتاج المملكة من الخام.

التداعيات الاقتصادية

على المستوى الاقتصادي، تسببت تلك الهجمات في زيادة أسعار النفط عالمياً، وهي زيادة لم تتحقق منذ حرب الخليج، العام 1991؛ إذ ارتفعت أسعار النفط بنسبة 20%، بحيث ارتفع سعر البرميل الواحد من 5 إلى 10 دولارات، بعدما أدى الهجوم إلى توقف إنتاج ما يعادل 5% من الإمدادات العالمية، وتحتاج المملكة إلى بضعة أسابيع قادمة حتى تستطيع العودة إلى الطاقة الإنتاجية الكاملة إلى ما قبل تلك الهجمات، التي يبدو أنّها ستكون محور فصل حقيقي وفعّال في أزمة التهديدات الإيرانية، المباشرة وغير المباشرة، لمنطقة الخليج العربي على التخصيص.

تسببت هجمات الحوثيين في زيادة أسعار النفط عالمياً بشكل لم يحدث منذ حرب الخليج العام 1991

لعل أكبر مخاوف الاقتصاديين على مستوى دول العالم، خصوصاً الدول ذات الاستهلاك الكثيف من النفط، أن يصل سعر البرميل الواحد من النفط إلى حدود 100 دولار، في حال لم تتمكن السعودية من الوصول مجدداً إلى كامل طاقتها الإنتاجية لتصدير النفط بأسرع وقت ممكن.
وإذا نحن أخذنا في الاعتبار قلة المعلومات الرسمية المتداوَلة عن نتائج الحرائق، وحجم الأضرار الناجمة نتيجة الهجمات، فإنَّ ذلك يعني أنّ القلق سيخيّم لعدة أسابيع على أسواق الطاقة العالمية، وكلما زادت الشائعات والتخمينات حول ذلك، استبدّ القلق بأسواق النفط عالمياً، وارتفع نطاق عمليات المضاربة بالأسعار، وهو ما يعكس حجم وتأثير تلك الهجمات التي أثّرت تأثيراً بالغاً بالسلب على أسواق الأسهم الرئيسية الأخرى في دول الخليج ومصر، والتي انخفضت جميعها بنسب متفاوتة.

التداعيات السياسية وتراخي الدور الأمريكي

أما على المستوى السياسي، فيبدو بوضوح تورط إيران في تلك الهجمات؛ فمما هو معروف أنّ ميليشيا الحوثي تقوم بالتنسيق التام مع المسؤولين الإيرانيين، وتنال دعماً معنوياً ومادياً وعسكرياً من حكومة إيران، على الرغم من أنّ الخارجية الإيرانية وصفت، في أعقاب تلك الهجمات، اتهامات واشنطن لها بأنّها "واهية ولا أساس لها"، وأنّها ستعتمد على قوتها العسكرية وحلفائها في "محور المقاومة" للتعامل مع التهديدات.

اقرأ أيضاً: من بين دخان أرامكو.. بولتون حين ينظر بسخرية إلى ترامب
هذه التصريحات، بالفعل، تبدو غريبة للغاية، بل إنّها تحمل في طيّاتها اعترافاً ضمنياً من قِبَل المسؤولين الإيرانيين بأنّ ميليشيا الحوثي أحد حلفاء إيران وأذرعها العسكرية في منطقة الخليج، الأمر الذي يدلل على تورُّط طهران في تلك الهجمات، لسببين: الأول، ضرب الاقتصاد السعودي، خاصة، واقتصاد الخليج عامة، والإشارة إلى أنّها قادرة على الوصول إلى العُمق السعودي وتهديد اقتصادها، والثاني، الضغط على الولايات المتحدة للقبول بالتفاوض النووي معها والتفاهم حول مستقبل العلاقات الإيرانية معها ومع أوروبا، في محاولة لرفع العقوبات النفطية الثقيلة وإنهاء الضغط الاقتصادي المفروض عليها، ولا سيما أن إيران متأكدة من أنّ إدارة ترامب ليس لديها أي رد فعّال، فهي لا ترغب في الدخول في صراع عسكري معها.

يبدو واضحاً تورط الإيرانيين في الهجمات بحكم أنّ ميليشيا الحوثي تقوم بالتنسيق التام مع طهران

كما أنّ هذا الضغط لا يتعلق بالجانب الأمريكي فقط، بل بالجانب الأوروبي أيضاً، فمثل هذه الهجمات في وقت تضمن فيه إيران تراخي الرد الأمريكي أمر كفيل كي يجعل الأوروبيين يبذلون كل ما في وسعهم لإقناع كل جانب بالتخلي عن التصعيد، والتوسط للوصول إلى حلّ جديد يُرضي الجميع بمن فيهم المملكة العربية السعودية.
حالياً، تتجه أنظار العالم كلّه إلى الولايات المتحدة، ومتابعة ردود أفعالها إثر هذه الهجمات، وما إذا كان ترامب قادراً على اتخاذ قرار حيال ذلك، لكنه سيكون خياراً صعباً، فقد تضع واشنطن في اعتبارها أنّ هجوماً بهذا الحجم يطال أكبر مواقع إنتاج النفط السعودي يستدعي بالفعل رداً عسكرياً لردع إيران، ووأد أحلامها التوسعية في المنطقة.
لكن حتى الآن، يظهر أنّ ترامب غير متحمس ومستعد لاتخاذ أي إجراء من شأنه أن يورط بلاده عسكرياً في الشرق الأوسط، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تحويل تركيزها ومواردها إلى غرب المحيط الهادئ وأوروبا، وهو أمر يبدو -في نظري- أقرب إلى التنفيذ؛ فعلى الرغم من أنّ ترامب قد ألمح إلى احتمال تورط إيران في هجوم أرامكو، بيْد أنه أكّد رغبته بتجنب الحرب معها، مؤكداً في الوقت نفسه أنّ الدبلوماسية لا تستنفد أبداً عندما يتعلق الأمر بإيران!
     بعد أربعين عاماً من اندلاع ثورة الخميني وإعلان "الجمهورية الإسلامية"، ماتزال إيران تسعى إلى تصدير نموذجها إلى محيطها الإقليمي من خلال أذرعها، وتحقيق أحلام التوسع لإعادة إنتاج وبناء إمبراطوريتها تحت غطاء ديني، لكنها ستظل، دوماً، أحلاماً مستحيلة، عصيّة على التنفيذ.

للمشاركة:



رسالة من الخارجية الإماراتية إلى قطر.. ماذا جاء فيها؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

حثّت دولة الإمارات قطر على وضع حدّ لبرامج وخطاب التحريض على الكراهية في وسائل الإعلام الوطنية، لما يشكّله ذلك من تهديد لأمن كافة دول المنطقة بما فيها قطر.

وأكّدت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الإماراتية، على لسان أميرة العامري، في كلمة ألقتها أمام مجلس حقوق الإنسان في إطار اعتماد التقرير الوطني لقطر في الدورة الثانية والأربعين لمجلس حقوق الإنسان؛ أنّ دولة الإمارات أخذت علماً بالاستنتاجات التي توصل إليها الفريق المعني بالاستعراض الدوري الشامل، وهي تودّ، في هذا السياق، أن تحثّ قطر مجدداً على إيلاء الأهمية والعناية اللازمتين لمجموعة التوصيات التي أخذت قطر بها علماً وعددها 92، ومن بينها التوصيات المقدمة من دولة الإمارات والمتعلقة بالأعمال غير القانونية التي تقوم بها قطر، والتي تعدّ انتهاكاً لحقوق الإنسان، وفق وكالة "وام".

الإمارات تعرب عن أملها بأن تخصص قطر المساعدات التي تنفقها على الجماعات الإسلامية في تلبية احتياجات مواطنيها

وأعربت عن أملها بأن تخصّص قطر المساعدات التي تنفقها لتمويل الجماعات الإسلامية في تلبية احتياجات مواطنيها الذين، بحسب النظام القطري، يشكون من آثار سلبية بسبب أزمة كانت قطر هي المتسبب الرئيس فيها .

ودعت الكلمة قطر إلى العمل على مراجعة ممارساتها وأنشطتها وتشريعاتها الوطنية ذات الصلة بمسائل الإرهاب.

وفي ختام كلمة الإمارات أمام مجلس حقوق الانسان؛ أكّدت أميرة العامري؛ أنّ دولة الإمارات تأمل في أن تستمع قطر إلى نداءات الاستغاثة التي أطلقها الآلاف من آل غفران، الذين تمّ تجريدهم من جنسيتهم، وأن تتوقف عن طرد بعض القبائل، بمن فيهم الأطفال، دون مراعاة أدنى معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان.

 

 

 

للمشاركة:

انفجار حافلة في كربلاء.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قُتل 12 شخصاً، على الأقل، وأصيب ٥ آخرون بجروح، في تفجير بعبوة ناسفة، أمس، استهدف حافلة عند المدخل الشمالي لكربلاء، المدينة المقدسة لدى الشيعة، والواقعة على بعد 100 كم جنوب العاصمة العراقية بغداد.

وقالت مصادر أمنية: "انفجرت عبوة ناسفة داخل حافلة صغيرة قرب حاجز أمني رئيس، عند المدخل الشمالي لمدينة كربلاء"، وفق ما نقلت شبكة "الحرة".

من جهتها، أوضحت مديرية الصحة في محافظة كربلاء؛ أنّ التفجير "أسفر عن مقتل12 مواطناً وجرح 5 آخرين"، بحسب ما نقلت عنها "خلية الإعلام الأمني".

ووفق مصدر طبي في مستشفى الحسين بكربلاء؛ فإنّ من بين القتلى نساء وأطفالاً.

وسارعت قوات الأمن إلى تطويق مكان الاعتداء الذي لم تتبنّه أيّة جهة في الحال.

وكثيراً ما كانت كربلاء تتعرض لتفجيرات وهجمات من جانب المتطرفين، الذين كانوا يعدّونها هدفهم الأول، غير أنّ الأوضاع الأمنية تحسّنت في الأعوام الأخيرة، وباتت الهجمات في المدينة نادرة للغاية.

لكن خلايا نائمة لتنظيم داعش، الذي اندحر رسمياً من العراق، في نهاية 2017، تواصل تنفيذ هجمات وتفجيرات في أنحاء مختلفة من البلاد تستهدف بشكل أساسي الشيعة.

ويأتي هذا التفجير، بعد عشرة أيام على توافد مئات آلاف الشيعة إلى كربلاء، ولا سيما من إيران المجاورة للعراق، لزيارة مقام الإمام الحسين بمناسبة ذكرى عاشوراء.

وزيارة كربلاء خلال عاشوراء من أقدس المناسبات الدينية لدى الشيعة، ويشارك فيها مئات الآلاف على مدى الأيام العشرة الأولى من شهر محرَّم، يفدون من مناطق مختلفة في العراق.

وفي نهاية تشرين الأول (أكتوبر)؛ يتوقع أن يشارك ملايين الشيعة في إحياء أربعينية الحسين في كربلاء أيضاً، في أكبر تجمّع ديني سنويّ للشيعة حول العالم؛ إذ يشارك سنوياً في هذه المناسبة حوالي 15 مليون زائر.

 

للمشاركة:

ماذا يحدث في مصر؟.. قرقاش يحذّر من مؤامرة إخوانية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

قال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، الدكتور أنور بن محمد قرقاش: إنّ حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً.

وأضاف قرقاش، في تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر: إنّ "منصات الإعلام الموجَّه والمدعوم، يقابلها دعم شعبي حقيقي للدولة المصرية ومؤسساتها".

وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية: حملة الإخوان المنظمة ضدّ مصر واستقرارها فشلت فشلاً ذريعاً

وتابع: "مصر تتعافى وتواجه التحديات بإصرار يومياً، والواقع غير الذي يروّج له هذا الإعلام الحزبي المموَّل خارجياً".

وكانت مصر قد شهدت، أمس الجمعة، مظاهرات محدودة جابت الشوارع، تطالب برحيل الرئيس، عبد الفتاح السيسي، وتمكن المحتجون من الوصول إلى عدد من أبرز ميادين مصر، خصوصاً ميدان التحرير الذي ظلّ مغلقاً أمام المظاهرات والتجمعات الشعبية في الأعوام الماضية.

وتعاطت قوات الأمن مع المحتجين بطرق مختلفة؛ فالمتظاهرون السلميون لم يواجهوا أيّ عنف من قبل قوات الأمن؛ بل كانوا دائماً يتلقون تطمينات منهم بأنّه يحقّ لهم التظاهر السلمي، أما المتظاهرين الذين حاولوا الإخلال بالأمن؛ فقد واجهتهم قوات الأمن بقنابل الغاز المسيل للدموع.

وبحسب ما نقلت بعض وسائل الإعلام المصرية؛ فإنّ المتربصين التابعين للجماعات الإسلامية حاولوا تصوير تلك المظاهرات، التي شارك بها بعض المواطنين، على أنّها ثورة جديدة ضدّ الرئيس عبد الفتاح السيسي.

 

للمشاركة:



محمد العيسى: الإسلام السياسي خطر يهدد الجميع

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

اعتبر الأمين العام محمد العيسى خلال مؤتمر عقد في باريس الثلاثاء أنّ “الإسلام السياسي” يمثّل “تهديدا”، مشيرا إلى أنّ الرابطة اعتمدت “رؤية جديدة لمواجهة التعصّب”.

وقال العيسى، وزير العدل السعودي السابق، الذي يشغل منذ 2016 منصب الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي ومقرّها مكة المكرمة، “نحن ندعم تماما فحوى الخطاب الذي ألقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أبريل الماضي عندما تحدّث عن ‘الإسلام السياسي'”.

وتشكل جماعة الإخوان المكون الأساسي لتيارات الإسلام السياسي، ويصفها الكثير من المتابعين بأنها منبع العنف والتطرف في العالم العربي والإسلامي. وتعتمد هذه الجماعات على توظيف الدين في الشأن العام.

ومنذ تأسيسها عام 1928 في مصر كان تنظيم الإخوان يستهدف أسلمة المجتمع موظفا العنف في خدمة هذا المشروع.

وشارك في مؤتمر باريس عدد من كبار رجال الدين في العديد من الدول الإسلامية، إضافة إلى المسؤولين عن الطوائف الكاثوليكية واليهودية والبروتستانتية والأرثوذكسية في فرنسا.

وأوضح الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي “كما قال الرئيس ماكرون، فإنّ هذا الإسلام السياسي يمثّل تهديدا ومصدرا للانقسام في المجتمع”.

وشدّد العيسى، من جهته، في المؤتمر الدولي للسلام على أهمية أن يحترم المسلمون في فرنسا “دستور بلدهم وقوانينه وثقافته”.

وفي أبريل الماضي اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “أن الإسلام السياسي بات يمثل تهديدا ويسعى للانعزال عن الجمهورية الفرنسية”.

وقال ماكرون “لا ينبغي علينا أن نحجب أعيننا عن الحقائق: نحن نتحدث عن أناس أرادوا باسم الدين مواصلة مشروع سياسي وهو الإسلام السياسي الذي يريد أن يحدث انقساما داخل جمهوريتنا”.

ودافع الرئيس الفرنسي بقوة عن العلمانية منددا بانتشار “الطائفية” ووعد بألا يكون هناك أي “تهاون” بمواجهة أولئك الذين يريدون فرض “إسلام سياسي يسعى إلى الانفصال” عن المجتمع الفرنسي. يأتي هذا في وقت بدأت فيه دول غربية تشعر بالقلق من تمدد الجماعة بين الجالية، ومن شبكاتها المالية واستثماراتها، فضلا عن أفكارها المتشددة.

واعتبر خبراء في الإسلام السياسي أن الجماعة دأبت خلال تجاربها في أوروبا منذ الستينات والسبعينات من القرن الماضي على ملء الفراغ الذي تتركه جماعات أخرى، والتركيز على الخدمات الاجتماعية والدعوية لاستقطاب المسلمين، مع إقناع السلطات بأن نشاطها لا يتناقض مع ثقافة البلاد وقوانينها.

وأشاروا إلى أن دولا كثيرة مازالت مخدوعة إلى الآن في طبيعة حركة الإخوان رغم صدور تقارير بعضها من جهات رسمية غربية تعتبر أن الجماعة توفر الأرضية الفكرية والتنظيمية للتشدّد الديني الذي يجتاح أوروبا.

ولاحظ الخبراء أن جمعيات مختلفة كانت عضوا تابعا للجمعيات والمراكز الإسلامية في أوروبا المرتبطة بالإخوان بدأت تعلن انفصالها عن الجماعة وتنظيمها الدولي، لافتين إلى أن الهدف من ذلك هو التحسب لحظر الجماعة.

وقال العيسى في المؤتمر “يجب على جميع المسلمين في أوروبا احترام دساتير وقوانين وثقافات البلدان التي يعيشون فيها”، مشدّدا على أنّه “يجب عليهم ألا يقبلوا استيراد الفتاوى والأفكار الأجنبية”.

وتابع “نحن هنا لتعزيز جهود التماسك الاجتماعي للجمهورية الفرنسية ونرفض بالكامل أيّ تدخّل في الشؤون الداخلية لأيّ بلد، وخاصة في الشؤون الدينية”، مؤكّدا أنّ الرابطة هي منظمة “دولية” و”مستقلة” ولا تنتمي إلى “أحد”.

ولفت العيسى إلى أنّ الرابطة “تبنّت رؤية جديدة للتعامل مع التعصّب والعنف والإرهاب” من خلال اتّخاذها “مبادرات وبرامج عمليّة”.

وحسبما قال البيت الأبيض، يتزامن هذا التوجه الرافض لفكر وسلوك حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان، مع وقت تعمل فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على إدراج جماعة الإخوان المسلمين للقائمة الأميركية الخاصة بـ”الجماعات الإرهابية الأجنبية”.

وقالت سارا ساندرز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، في تصريحات لـ’بي.بي.سي’ إن “الرئيس تشاور مع فريقه للأمن الوطني وزعماء المنطقة الذين يشاركونه القلق”، مشيرة إلى أن ضم الجماعة للقائمة “يأخذ مساره في داخل الدوائر الداخلية لصنع القرار”.

وسيسمح ضم الإخوان المسلمين لقائمة الجماعات الإرهابية للمسؤولين الأميركيين بفرض عقوبات على أي شخص أو جماعة على صلة بها.

ويأتي الإجراء بعد استضافة ترامب للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي تشن حكومته حملة أمنية ضد الجماعة وعدد من الجماعات الإسلامية الأخرى.

ويجدر التذكير بأن مصر والعديد من الدول العربية الأخرى كانت قد صنفت الإخوان المسلمين جماعة إرهابية، وذلك في أعقاب إطاحة الجيش بالرئيس محمد مرسي، المنتمي للجماعة، عام 2013.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

ماذا بعد العدوان الإيراني على السعودية؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

فاروق يوسف

قصفت إيران المنشآت النفطية السعودية. أليس ذلك اعلانا للحرب؟ بعد ذلك الإعلان لم يعد الحديث عن حرب بالوكالة مقبولا. لكن ما الذي يمكن أن يفعله المجتمع الدولي في مواجهة ذلك العدوان؟

في أسوأ الأحوال ومن أجل تفادي وقوع حرب مدمرة يمكن للمجتمع الدولي أن يتشدد في اجراءاته العقابية من غير أن يخفي علمه بأن الحرب التي شنت على السعودية تقصد الاضرار به أساساً.

فليس من مصلحته أن يتعطل جزء من صادرات النفط وليس من مصلحته لاحقا أن ترتفع أسعار النفط في الأسواق وهو ما يلقي بظلال كئيبة على الأوضاع الاقتصادية لدول مستفيدة من انسيابية أسواق النفط.

ولأن إيران تعرف ما تفعل ولأن العالم يعرف أن إيران مدركة لحجم الخطر الذي تمثله فإن رد الفعل العالمي ينبغي أن يكون بحجم الفعل. وهو ما تنبهت له دولة مثل المانيا وهي التي لا يتحمل اقتصادها اليوم أي اهتزاز خارجي يمكن أن يزيد من حالة كساده.

لذلك فإن الطريقة التي يفكر من خلالها الإيرانيون في حل أزمتهم لن تكون مناسبة. ذلك لأن التوقيت قد يخونهم وهو ما لا يملكون السيطرة عليه. كما أنهم لا يملكون سوى الاعتداء على دول لم تعتد عليهم من أجل أن يضروا بالاقتصاد العالمي وفي ذلك انما يجربون وسائل شريرة للوصول إلى هدف، يعرفون أن وصولهم إليه قد بشكل خطرا عليهم.

كان الهدف من العدوان الأخير على السعودية الاضرار بالاقتصاد العالمي وتعطيل عجلة الطاقة. ولكن في المقابل ما الذي فكر فيه العقل السياسي الإيراني من جهة رد الفعل العالمية؟

يقدر الإيرانيون أن الحرب لن تكون هي الخيار المفضل بالنسبة للولايات المتحدة والغرب من خلفها. ليس بسبب الخلاف على الاتفاق النووي بل بسبب تعكر المزاج السياسي العالمي بعد حربي أفغانستان والعراق. ولكن فطنتهم خانتهم من جهة أن ما يمكن أن تجره أفعالهم عليهم من كوارث، قد تكون أسوأ من كوارث الحرب.

كانت إيران تأمل في أن تكون فرصتها في التفاوض أفضل حين تضع خطرها على الطاولة ولكنها لم تفكر في أن تكون أفعالها سببا في أن تطول المسافة بينها وبين التفاوض. الغباء السياسي الإيراني تجلى في أكثر صوره وضوحا من خلال قصف المنشآت النفطية السعودية.

لقد صار على الآخرين أن يفكروا في السبل المتاحة لوضع إيران في قفص أشد احكاما، بحيث لن تستطيع من خلاله تكرار فعلتها. وما حلمت به إيران لن يكون جزءا من المفاوضات التي ستذهب إليها صاغرة.

خُيل إلى البعض أن العالم تخلى عن السعودية حين لم يعلن الحرب على إيران. ذلك استنتاج ليس صحيحا. فالحرب هي آخر الخيارات. وهي الشر الذي يمكن تفاديه إذا ما كان بلوغ الأهداف ممكنا من دونه.   

وإذا ما كانت إيران تحارب لتشعل حربا في المنطقة فإنها لن تتمكن من انقاذ نفسها من خلال وكلائها. ذلك لأن النار التي ستحرقها ستحرق وكلاءها قبلها. وهو ما يجعل الخصوم يطبخون على نار هادئة.

سيكون على إيران أن تنتظر ما يمكن أن تسفر عنه ردود العالم بعد أن تثبت عليها الجريمة. فما فعلته هذه المرة يختلف كل الاختلاف عن حماقاتها الصغيرة السابقة حين حاولت أن تفجر بقنابل محدودة التأثير ناقلات نفط في المياه الدولية.

لا أعتقد أن أحدا من سياسيي إيران كان يعول على أن تمر الكذبة الحوثية على العالم بأقماره الصناعية التي تعمل على مدار الساعة. بل قد تكون تلك الكذبة مجرد وسيلة لكسب الوقت.

ولأنهم قد اعتقدوا أن قصف المنشآت النفطية السعودية هو خيارهم الأخير في لفت أنظار العالم إلى أزمتهم فإنهم لابد وأن استعدوا للحرب. تلك الحرب التي توهموا أنهم من خلالها، بغض النظر عن نتائجها، سيتمكنون من الحصول على اعتراف المجتمع الدولي بحقهم في الهيمنة على المنطقة.

وهو أمر بعيد المنال.

ذلك لأن تلك الحرب مثلما تخيلها الإيرانيون لن تقع. غير أن العقاب سيكون أسوأ بنتائجه.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

من يحاسب "المرشد"؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-21

إميل أمين

يوماً تلو الآخر، وساعة تلو الأخرى، يثبت للعالم أن الاعتداء الإرهابي الذي جرى على «معامل أرامكو» في المملكة العربية السعودية تم بأيادٍ إيرانية، وبتوجيه مباشر من المرشد علي خامنئي، وبتنفيذ الأصابع الخبيثة لـ«الحرس الثوري» الإيراني.
منذ اللحظات الأولى للحادث الإرهابي، أيقنت الولايات المتحدة بنوع خاص أن إيران وراء ما جرى، وليس سرّاً القول إن واشنطن مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لديها من الأقمار الصناعية ما يمسح الأرض طوال الأربع والعشرين ساعة، وهذا ما جعل وزير الخارجية مايك بومبيو يصف الجرم المشهود بأنه «عمل حربي».
كان الأسبوع الماضي حافلاً بالتسريبات داخل واشنطن، ونيويورك بنوع خاص، وغالباً ما كان الأمر مقصوداً، كما جرى مع قيام مسؤول أميركي عالي المستوى بإعطاء شبكة «سي بي إس نيوز» أخباراً مؤكدة بأن خامنئي هو مَن وافق على الهجوم، بشرط أن يتم تنفيذه بشكل يبعد الشبهات عن أي تورط إيراني.
ما أشرنا إليه سلفاً من أن عيون أميركا الصناعية لا تنام صواب؛ فقد تحصلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على كثير من الصور لم يتم نشرها بعد، تظهر قوات «الحرس الثوري» الإيراني وهي تقوم بترتيبات للهجوم في قاعدة الأهواز الجوية، وساعتها لم يدرِ حائزو الصور ماذا يفعل هؤلاء، وإن عرفوا لاحقاً بعد الاعتداء بالصواريخ والمسيّرات على المنشآت النفطية السعودية.
هل كان من الطبيعي أن يقوم المرشد بإعطاء أوامره بهذه العملية الشنيعة، التي لا تضرب الاقتصاد السعودي بقدر ما تؤثر على وضعية الاقتصاد العالمي برمته، وهو ما رأيناه في زيادة أسعار النفط؟
على صفحات خضراء الأوراق، وقبل فترة ليست بعيدة، قلنا إن «هناك تمرُّداً على سفينة الملالي»، وإن البعض يذهب إلى أن الحوار مع الإدارة الأميركية قد يكون أجدى من «التهور الاستراتيجي»، ذاك الذي سوف يفضي بالتأكيد إلى انتحار الجمهورية الإيرانية، من خلال مواجهة حاسمة وحازمة آتية لا ريب فيها مع الولايات المتحدة.
هذا البعض لا يتسق وشهوات قلب المرشد وحرسه الثوري، اللذين يتزعمان المشهد الداخلي الثوري، ويظنان أنهما هكذا يحافظان على الإرث التاريخي لأسوأ ثورات المنطقة في العقود الأربعة الماضية.
من هنا يمكن القول إنه كان من الضروري قطع الطريق على الأحاديث التي راجت حول لقاء يُعدّ له في الكواليس بين الرئيس الأميركي ترمب والرئيس الإيراني حسن روحاني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ناهيك بوضع العصا في دواليب أي إمكانية لتحرك أميركي إيجابي لرفع بعض من العقوبات الأميركية، كعربون سلام مع الإيرانيين، ما يفتح باباً خلفياً لإمكانية بدء مفاوضات تقود إلى اتفاقية نووية جديدة.
والشاهد أنه حين يقوم وزير الخارجية الأميركي، بومبيو، خلال زيارته إلى الرياض، بوصف فعل الاعتداء على المملكة بأنه «عمل حربي»، فإنه من الطبيعي أن تكون هناك محاسبة على أعلى مستوى تجاه من قام بتنفيذ هذا العمل، لا سيما أن القرار الدولي رقم 3314 الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1974 عرّف العمل الحربي بأنه «عدوان باستعمال القوة العسكرية ضد سيادة دولة أخرى، أو سلامتها الإقليمية، أو استقلالها السياسي».
كما توصف جريمة العدوان أو العمل الحربي بأنها جريمة ضد السلم الدولي، ويترتب عليها مسؤولية دولية، بغضّ النظر عن الاعتبارات السياسية والاقتصادية والعسكرية.
وبموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، فإنه يمكن للدولة المعتدى عليها أن تدافع عن نفسها إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
كما يمكن للدولة المعتدى عليها أن تطلب صدور قرار دولي يبيح استخدام حق الدفاع المشروع بصورة فردية أو جماعية.
بأعلى درجات الحكمة والفطنة وضبط النفس عن قوة وشجاعة، تدير المملكة ملف الإرهاب على منشآتها، وهي التي لو شاءت لاستخدمت حقها الطبيعي في الرد المباشر في التو واللحظة، غير أنها، برفع المشهد برمته إلى مجلس الأمن بداية، واتخاذ الدروب والمساقات الأممية القانونية والأخلاقية، تضع العالم، وفي المقدمة منه الولايات المتحدة بوصفها حليفاً تاريخياً قديماً، أمام استحقاقات محاسبة المرشد وحرسه الموسوم والموصوم بالإرهاب من قبل إدارة الرئيس ترمب.
حسناً جدّاً فعلت المملكة، حين فتحت الباب واسعاً لمشاركة أممية في التحقيق للقطع بالفاعل، وإن كان معروفاً مقدماً، إذ إنها بهذا تكسب رأياً عامّاً عالمياً، وتدعو النيام للاستيقاظ، قبل أن تمسك النيران بتلابيبهم، أو أن تطال صواريخ الملالي مدنهم.
حين نصح المغفور له الملك عبد الله بن عبد العزيز، العالم برمته بالتنبه والحذر من إيواء الإرهابيين، لم يصدقه كثيرون، لا سيما في أوروبا بنوع خاص، أولئك الذين اعتبروا أن تقديم المأوى للفئة الضالة، وعقد الصفقات معها سوف يعصمهم من طوفان الإرهاب المقبل، ولاحقاً صدقت توقعات الراحل الكبير، وها هم يعضّون أصابع الندم، فهل يتكرر الخطأ مرة جديدة من خلال الصمت المخزي على الإرهاب الإيراني الذي سيبسط ظلاله السوداء عليهم عما قريب؟
دعونا ننتظر حتى الثلاثاء المقبل، ولنستمع إلى كلمة الرئيس الأميركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولنرَ إلى أين سيمضي الرجل في اقتصاصه من الإرهاب الإيراني ومحاسبته للمرشد.
تخطئ واشنطن إن ظنّت أن فلسفة المؤتمرات تصلح للتعاطي مع آيات الله، والأصوات الأميركية في الداخل تحذر من التردد والتلكؤ... إنه ليس وقت الأيادي المرتعشة بالمرة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية