المثقفون العراقيون.. قتلة ومقتولون

2160
عدد القراءات

2019-02-10

بتحول الثقافة إلى حقل تابع لسيطرة الدولة، بعد عام 1958، لم يعد للنشاط الأدبي والفني والفكري في العراق، إلا ما ندر، أي ملمح شخصي وإنساني مجرد؛ فالمثقف صار موزعاً بين معسكري الحكم والمحكومين، والغلبة كانت للمعسكر الأول دائماً.

اقرأ أيضاً: اغتيال المشذوب.. الطائفية تقتات على أرواح المبدعين

كانت الآمال معلقّة على نهاية ممكنة لتلك المعادلة القاسية، بنهاية النظام الديكتاتوري في 2003، والانتقال إلى تفتيت تدريجي لمؤسسات الطغيان وصولاً لمرحلة انعتاق الثقافة ومنتجيها من أسر السيطرة الحكومية والسياسية العقائدية عامة، غير أنّ احتكار الدولة للوطن واحتكار الأحزاب وميلشياتها المسلحة للدولة، جعل من هذا الانتقال الطبيعي نحو رحابة الحياة، أمراً صعباً بل مستحيلاً.

العراق بات ملكاً حقيقياً لدولة الولي الفقيه وعصاباتها المسلحة التي تتمظهر بأحزاب وميليشيات عراقية

ومثلما انقسم المثقفون العراقيون بين دولة الطغيان وضحاياها، قبل عام 2003، واصلوا الانقسام بين معسكري دولة الأحزاب وباقي الفعاليات الاجتماعية، مع أرجحية المعسكر الأول لجهة احتكاره المال والسلامة والنفوذ.

ولم تتخلص الثقافة العراقية من اعتماد كلي على الحكومة كما في أيام النظام السابق، فثمة ركونٌ إلى مؤسسات الحكومة المركزية أو المحلية في المحافظات، واستجداء قادتها ومسؤولي أحزابها، وقواها المتنفذة، حتى أنّ مثقفاً "تقدمياً" يعدّ رعاية رجل دين من تيار إسلامي متشدد لنشاط فني "أمراً طبيعياً في ظلّ الظروف الراهنة".

ومن ملامح الثقافة العراقية اليوم استعادة "نبرة مديح السلطة" فثمة عددٌ لا يستهان به ممن كانوا يمدحون الديكتاتور تحولوا إلى مديح سلطة معارضيه الحاكمة اليوم، هذا يقود إلى الحديث عن جدوى الثقافة العراقية في مؤسساتها، الرسمية منها وشبه الرسمية، وحتى الخاصة الأقرب إلى الخمول، فهي لم تنظم أيّة فعالية حقيقية من شأنها الضغط على القوى المتنفذة في الدولة والمجتمع لفك أسر المسرح والسينما والموسيقى، من اعتقال وحجب طالا كثيراً، مثلما لم تتمكن من تسيير ولو تظاهرة صغيرة واحدة ضدّ اغتيال الكتّاب والصحفيين والأكاديميين والعلماء.

إنّ مثقفاً "تقدمياً" يعدّ رعاية رجل دين من تيار إسلامي متشدد لنشاط فني أمراً طبيعياً في ظلّ الظروف الراهنة!

ولطالما كانت المفارقات الكبرى هي ميزة عراق ما بعد عام 2003، فبعد الحديث الطويل الممل عن دولة ديمقراطية تكفل حرية التعبير، اغتيل مئات الصحفيين والأكاديميين والكتّاب، دون القبض على قاتلٍ واحد، في مؤشر على تعارض بديهي بين الحرية والاغتيال.

وقبل أيام، وفي وسط كربلاء، التي توصف بأنها "الحصن الحصين" أمنياً في المدينة، التي "يحج" إليها ملايين الشيعة من العراق والعالم على مدار العام، أوقف مسلحون الكاتب والأكاديمي علاء مشذوب وأردوه بـ 13 رصاصة.

وثمة من يسأل، وهو على حق: لماذا 13 رصاصة، طالما أنّ واحدة تكفي لقتل رجل أعزل؟ ومن ذا الذي بإمكانه أن يمشي مسلحاً وبثقة في مكان هو من ملكية قوات الأمن وفصائل السلطة المسلحة؟

اقرأ أيضاً: من وراء اغتيال الأديب العراقي مشذوب؟.. ردود فعل على الجريمة

غير أنّ الحقيقة التي لم يقاربها كثيرون خوفاً وحذراً، هي التي تقف وراء الرقم (13) ودلالته، فصاحب رواية "شارع أسود" كان كتب قبل اغتياله بأيام "كانت عندي فكرة ضبابية عن هذا الزقاق الذي سكنه الخميني، وهو فرع من الزقاق الرئيس والطويل والذي يطلق عليه (عگد السادة)، هذا الرجل سكن العراق ما بين النجف وكربلاء لما يقارب ثلاثة عشر عاماً، ثم رحِّل إلى الكويت التي لم تستقبله، فقرر المغادرة إلى باريس ليستقر فيها، ومن بعد ذلك صدّر ثورته إلى إيران، عبر (كاسيت) المسجلات، التي حملت اسم (ثورة الكاسيت)، ليتسلم الحكم فيها، ولتشتعل بعد ذلك الحرب بين بلده، والبلد المضيف له سابقاً".

من ذا الذي بإمكانه أن يمشي مسلحاً وبثقة في مكان هو من ملكية قوات الأمن وفصائل السلطة المسلحة؟!

قرأت تلك السطور التي نشرها الراحل، فشعرت بشيء باردٍ قاسٍ هو ذاته الذي خبرته مع كلّ كتابة كان تمضي إلى هدفها مباشرة دون وجلٍ أو خوف من طغيان، لا سيما أنّ العراق بات ملكاً حقيقياً لدولة الولي الفقيه وعصاباتها المسلحة التي تتمظهر بأحزاب وميليشيات عراقية، وأنا على يقين من قوة الانتقام الهمجية عند أتباع إيران الذين باتوا يسيطرون على كل شاردة وواردة في البلاد، قلت لنفسي: قد يكون الرجل قرر الهجرة أو في طريقه إلى خارج البلاد؟

الحقّ؛ أنّ الرجل غادر الحياة قبل أن يفكر بنصيحة عاجلة مني أو غيري بتدارك الأمر، غادرها إثر 13 رصاصة استقرت في جسده؛ انتقاماً من كلمته التي تناول فيها الأعوام الثلاثة عشر، التي أقام فيها الخميني بالعراق.

ولأنّهم منقسمون فعلياً بين معسكري دولة الأحزاب والمليشيات وباقي الفعاليات الاجتماعية، التزم مثقفو المعسكر الأول، وهم الأكثر عدداً والأقوى حضوراً في منابر صنع الرأي العام، الصمت حيال دم زميلهم ونظيرهم، فالكلام هنا يمس "العروة الوثقى": سادتهم وأولياء نعمتهم؛ من حكام العراق، وقادة أحزابه، وزعماء ميليشياته، بينما صرخ مثقفو المعسكر الأصغر والأضعف صرخةً مجروحةً، بما لم تعد تقوى البلاد على حمله، ولا حتى معرفته: الضمير.

اقرأ المزيد...

الوسوم: