تركيا تضرب العرب بالكرد في سوريا لخدمة أحلامها العثمانية

أحمد قطمة's picture
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
6914
عدد القراءات

2019-02-28

لم تكن الحرب تلك مُتخيلةً قبل سبعة أعوام، تحديداً عام 2011؛ عندما خرج السوريون إلى الشوارع في مختلف المدن والبلدات الرئيسة في البلاد، مطالبين بإصلاحات واسعة في النظام السياسي، وحاملين شعارات تؤكد وحدتهم في مواجهة المخططات الساعية إلى تمزيقهم على أساس عرقي وطائفي، كونهم كانوا على إيمان بأنّها تهدف لحرف مسار حراكهم نحو منزلقات لا يُحمد عقباها، ورافضين تسمية ما يحدث بـ "الحرب الأهلية".

قيادي عربي في قسد: كانت سوريا تشكل أجمل لوحة فسيفسائية من البشر، لكن للأسف تهمّشت هذه اللوحة وتخدشت

لكن الأمور تغيرت بعد أعوام، تحديداً عام 2018؛ عندما ساهم ما يربو عن 25 ألف مُسلّح سوري، ممتطين ظهور الدبابات التركية، في الهجوم على مدينة سورية، ذات صبغة قومية كُردية، اسمها "عفرين"؛ فرغم أنّ الحرب السورية سجلت أساساً آلاف المعارك الداخلية، لكنها كانت مختلفة هناك، كونها المرة الأولى التي يرفع فيها مسلحون مُعارضون (جهاراً نهاراً) من مختلف تشكيلاتهم، كتفاً إلى كتف مع جنود أتراك "العلم التركي"، وهم يهاجمون مدينة سورية بقصد السيطرة العسكرية عليها! 
غصن الزيتون

مسلحو المعارضة المشاركون في عملية غصن الزيتون في  يناير 2018

اقرأ أيضاً: تركيا تعاني من "الفوبيا الكردية".. والكرد شمال سوريا يخشون "تجربة عفرين"

بدأت تركيا، في العشرين من كانون الثاني (يناير) عام 2018، عملية عسكرية تحت مسمى "غصن الزيتون"، استهدفت -من وجهة نظرها- القضاء على خطر يهدّدها في الجيب الكردي، الممتد على مساحة تقارب الـ 2000 كم2، مدّعية أنّهم (أي الأكراد) على علاقة مع "حزب العمال الكردستاني"، وهو ما نفاه الكرد السوريون عادة، مؤكدين أنّ مشروعهم السياسي لحلّ المعضلة السورية، يتمثل في بناء سوريا جديدة لامركزية، وفق نظام "الإدارة الذاتية" المُعلن في عموم مناطق سيطرة "قوات سوريا الديمقراطية"، شمال وشرق سوريا.
سجلّ أبيض
لم يُسجَّل، خلال نشأة الدولة السورية واستقلالها، عام 1946، أيّة مواجهات مسلحة بين السكان الكرد والعرب السوريين، باستثناء ما يؤكد الكرد تعرضهم له من سياسات عنصرية نفذها حزب البعث السوري، منذ تقلده حكم البلاد، والتي انفجرت إلى مواجهة عنيفة وحيدة بين الطرفين (النظام والكُرد) عام 2004، عندما تحولت أعمال عنف خلال مباراة لكرة القدم في مدينة القامشلي، إلى مواجهات عمّت مختلف المناطق الكردية السورية، احتجاجاً على مقتل عشرات الشبان الكُرد بأيدي قوات الأمن السورية ومناصريها، بعيد هتافات وصفت بالعنصرية، أطلق عليها الأكراد السوريون حينها مسمى "انتفاضة القامشلي 2004".

اقرأ أيضاً: بين المعارضة والنظام: سوريات يدفعن الثمن مرتين
ومُذاك، لم يخض الكُرد والعرب السوريون أيّة مواجهات مسلحة، ولربما لم يسجلوها أبداً، لولا تدخّل تركيا، وفق ما يراه عرب مُنضوون ضمن تشكيلات "قوات سوريا الديمقراطية"، ووجهتهم السياسية المعروفة بـ "مجلس سوريا الديمقراطية".    
قبل الأحداث السورية

أحمد السلطان: قيادي عربي ضمن "قوات سوريا الديمقراطية" من محافظة إدلب

من جبهات القتال ضدّ تنظيم داعش، من عاصمته المزعومة في الرقة، وصولاً إلى آخر معاقله في "الباغوز"، قاد أحمد السلطان، نائب القائد العام لـ "جيش الثوار"، فصيله العامل تحت راية "قوات سوريا الديمقراطية". وينحدر غالبية مقاتلي الفصيل من محافظة إدلب، بعد أن تركوا بلداتهم، كما فعل السلطان؛ عندما هُجّر من مدينة "التح" بريف إدلب، نتيجة توسع سطوة التنظيمات المتطرفة، كـ "جبهة النصرة" وغيرها، لكنّ تهجيره كان دافعاً ليلاحق المُتشددين، على أمل العودة إلى إدلب، مُخلصاً لها مما هي فيه، رغم إدراكه صعوبة الموقف، مع تدخل الأتراك والروس بقوة في ملف محافظته. 

القيادي أحمد السلطان: أيام قليلة جداً تفصلنا عن تحرير سوريا من داعش، وسنبدأ بتحرير سوريا فكرياً

يقول أحمد السلطان، لـ "حفريات"، حول العلاقة الكُردية العربية والعلاقات بين مختلف المكونات السورية قبل اندلاع الحراك الشعبي، عام 2011، وتحوله لاحقاً إلى أعمال مُسلحة: "قبل الحرب، نحن سوريون كنا دون تفرقة بين عربي وكردي، وتركماني وسرياني، وسنّي وشيعي ومسيحي وإيزيدي، كانت سوريا تشكل أجمل لوحة فسيفسائية من البشر، لا من الحجر، لكن –للأسف- تهمّشت هذه اللوحة وتخدشت، ونعمل بما وسعنا حتى يتم ترميم تلك اللوحة البشرية، للأسف تحطيمها هو من صنع البشر، رغم أنه كانت لوحة رسمها الخالق، عزّ وجلَّ".
تلك اللوحة، كانت في نظر السلطان، "تعطي جمال الطبيعة رونقاً براقاً، يسود بينهم الحبّ والنسب والزيارات، لا يُعرف الكردي من العربي من التركماني، من كثر الودّ والحبّ والصداقة، أحياناً كانت الكردية، أو الكردي، يتكلمان بثلاث لغات، وأيضاً العربي والتركماني، هذا دليل المودة والمحبّة بين المكونات".
الدور التركي
وحول الدور التركي، وتأثيره في العلاقة بين المكونات السورية المختلفة، يذكر السلطان أنّه "في بداية ثورة الكرامة والحرية، كان من سوء حظ الشعب السوري أنّ حدوده الطويلة شمال سوريا قد كانت مع دولة كتركيا؛ ففي بداية الحراك الثوري، بدأت تركيا بتدريب مهاجرين على أراضيها، وإدخالهم إلى سوريا، بحجة قتال النظام، لنتفاجأ بأنّ تركيا كانت تدعم كلّ شخص له علاقة بالإرهاب لبناء دولة إسلامية". وتابع: "بعد مرور عامين على انطلاق الثورة، بدأت الفصائل الإسلامية تتكاثر وتتمدّد وتطعن فصائل الثورة في الظهر، وحاولت تركيا والإخوان المسلمون، أن يسيطروا على الثورة، ويدعموا تنظيم داعش وتنظيم القاعدة على حساب ما سمي بـ (الجيش الحر)، فبدأت الانشقاقات من ضباط وضباط صفّ وأفراد من الجيش السوري، وكانت تركيا تحتضن كلّ ضابط مُنشقّ، وتضعه في مُخيمات شبيهة بالإقامة الجبرية على أراضيها".
تركيا سلّمت الهرموش!

اقرأ أيضاً: تركيا ترحّل لاجئين سوريين لإثبات روايتها بمحاربة الإرهاب!

الضابط السوري المنشق حسين الهرموش

ويستذكر السلطان أسماء عدد من الضباط، ويتهم تركيا بتسليم أحد أبرز المنشقين للنظام فيقول: "كان أبرزهم؛ المقدم حسين الهرموش، والعقيد رياض الأسعد، وقد رفض الهرموش الذلّ والهوان من طرف الأتراك، فكانت الخيانة الكبرى بتسليمه إلى النظام عن طريق الاستخبارات التركية، بعلم العقيد رياض الأسعد"، متابعاً: "الهرموش شكل تجمع (الضباط الاحرار)، أما العقيد رياض الأسعد، فكان ذا ميول إخوانية بامتياز، وبعدها كان الداعم لجند الأقصى، فرع تنظيم داعش الإرهابي".
تركيا دعمت "داعش" في كوباني
ويتطرق السلطان للأحداث الدامية، نهاية عام 2014، قائلاً: "كانت تركيا تدعم تنظيم داعش، وهي التي تديره عسكرياً، وكان الهدف اقتحام مدينة كوباني ذات الأغلبية الكُردية، وفعلاً اقتحم التنظيم كوباني وريفها، وقتل وأسر المئات من أبناء المدينة والفصائل التي تعمل في كوباني، ولكن العقيدة والإصرار من أبنائها الكُرد، دفعتهم للدفاع عن المدينة حتى آخر حيّ، أو حتى آخر شارع، لتبدأ بعدها تعزيزات سورية، من أبناء سوريا، بعربها وكُردها، بالتوجه إلى كوباني، وبدأ التنظيم بالتراجع، لنتفاجأ بأنّ مفخخات وعناصر تنظيم داعش يدكون مدينة كوباني من المعبر بين تركيا وسوريا؛ حيث انفجرت بأحد مشافي كوباني، لكن رغم ذلك لم ينالوا ما يريدون، بدأت المقاومة بدحر التنظيم، وتحررت كوباني من رجس تنظيم داعش ومن ساندهم من الاستخبارات التركية، وتحررت المدينة في منتصف الشهر الأول من عام 2015". 
تركيا حرّضت على الكُرد
يقول السلطان أيضاً إنّ "تركيا بدأت بدعم فصائل عربية ومن التركمان لقتال المُكون الكردي، كما استقطبت بعض الكُرد أمام الرأي العام، وأدخلتهم في الائتلاف ليحضروا المحافل الدولية والمؤتمرات على أنّهم من المكوّن الكُردي، لكنّ الغريب أنّه لم يكن هناك فصيل على الأرض من المكوّن الكردي سوى "وحدات حماية الشعب"، وكلما حاولت تركيا إضعاف تلك الوحدات، زادت قوة وإصرار وعقيدة"، مُتابعاً: "في بداية عام 2015؛ عندما فشلت تركيا في إضعاف تلك القوات، بدأت تدعم كل الفصائل لقتال (وحدات حماية الشعب) في مدينة عفرين، وكان أولها تنظيم (جبهة النصرة)".

اقرأ أيضاً: كيف استخدمت تركيا المريدية والإخوان في اختراق المجتمعات الكردية؟

مقاتلون وقادة من جيش الثوار المنضوي ضمن قسد أثناء تحرير مدينة الرقة

عفرين ملجأ مناهضي "النصرة"
وحول تهجيرهم من إدلب، وتوجههم لإنشاء قوة عسكرية مُناهضة للنصرة في عفرين، التي كانت خاضعة لسيطرة "الإدارة الذاتية"، وقوات سوريا الديمقراطية في حينها، قال السلطان: "في الربع الأول من عام 2015؛ شكلنا "جيش الثوار" في مدينة عفرين، وكان مقرّ قواتنا في أرياف عفرين، لنقاتل جنباً إلى جنب مع إخواننا ضدّ المخطط القذر، وكانت داعش على تخوم قرى ومزارع عفرين، بعدما لاحظنا التواطؤ التركي لضرب الجيش الحرّ في الظهر عن طريق داعش والنصرة، وأيقنّا أنّ قطر وتركيا تلعبان على الجيش الحرّ، وتدعمان النصرة للسيطرة على محافظة إدلب، وتنبأنا بالخطر القادم من تركيا، وأثناء وجودنا في أرياف عفرين، بدأت تركيا بالحرب الإعلامية ضدّ (جيش الثوار)، بأنه كافر وملحد ومرتد، ويعمل مع الأكراد لمساعدتهم على الانفصال، وكانت فعلاً الحرب الإعلامية في سوريا هي حرب أقوى من حرب السلاح".

اقرأ أيضاً: "الغوطة وعفرين": أحلام المهجرين بالعودة إلى منازل تهدّمت وجغرافيا سُرقت
انتقلت تركيا، في غضون ذلك، من الحرب الإعلامية إلى حرب السلاح على الأرض، فدعمت، كما يوضح السلطان، كلّ فصيل يعمل في الشمال السوري "لضرب الكُرد وجيش الثوار، ذي الغالبية العربية؛ حيث ينحدر غالبية المقاتلين من محافظات إدلب وحلب وحمص"، مستطرداً: "لقد عملت تركيا على إثارة حرب داخلية بين العرب والكُرد، إعلامياً وعسكرياً، وبدأت الفتنة حتى أصبحت أغلب الفصائل تقاتل (وحدات حماية الشعب) وجيش الثوار، ولا تقاتل النظام، أساس الأزمة السورية، لقد قاتلوا كلّ من رفض مشروعهم الإخواني، الذي كان شريكاً مع الأسد في دمار سوريا، وقتل شبابها، وتهجير أهلها".
تشكيل "قسد"
ويستعرض السلطان أحد أهم العوامل التي برزت في الحرب السورية كقوة تواجه الإرهاب بدعم التحالف الدولي، في الوقت الذي كانت البلاد غارقة في أتون صراع مسلّح بين قطبين هما؛ النظام والمعارضة، فيقول لـ "حفريات": "في العاشر من تشرين الأول (أكتوبر) عام 2015، تمّ تشكيل قوات سوريا الديمقراطية في مدينة الحسكة بدعم من التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، وكان جيش الثوار جزءاً من ذلك التشكيل، وما يزال يقاتل تحت ظلّه، قاتلنا جنباً إلى جنب ضدّ تنظيم داعش، وكانت أغلب المعارك في مناطق عربية، مثل مدينة الهول شرق سوريا، ومدينة منبج، والرقة، والطبقة، وآخرها دير الزور، هذه المناطق كلها ذات اغلبية عشائرية عربية، وكان الشعب متجاوباً لمشاركتنا مع قسد كمكون عربي، لننقل للعالم أنّه ليس هناك تهجير او تغيير ديمغرافي، كما حاولت تركيا دائماً أن نشر هذه أخبار، عبر تضليل إعلامي كان هدفه الأساس خلق الفتنة بين العرب والكُرد من أبناء سوريا"، ويعتقد السلطان أنّ سبب استعداء تركيا لـ "قسد" يكمن في كونهم "سوريين أصحاب فكر ديمقراطي، هدفهم وطني، ولا يوجد ما يدل على الانفصال، وكانت هذه القوات والجناح السياسي (مجلس سوريا الديمقراطية) ينادون بالفيدرالية، وهي إحدى النظم السياسية التي تمنع التقسيم، ولكن عادت الحرب الإعلامية التركية لتصنف الفدرالية بأنها تقسيم لـسوريا و انفصال للكُرد عنها، وأنهم يبحثون عن دولة".

المناطق العربية الخاضعة لـ "قسد"
ويتطرق السلطان إلى المناطق السورية ذات الغالبية العربية التي قامت (قسد) بالسيطرة عليها، وإخراج تنظيم داعش منها كالرقة والطبقة ومنبج، وما تبع ذلك من انتقاد تركي، وآخر من فصائل المعارضة المتوافقة مع الرؤى التركية،  فيقول: "منبج، أو الرقة، أو الطبقة ذات الأغلبية العربية، إذا أردنا أن نحسب النسبة المئوية للمقاتلين في قسد من تلك المناطق، فمن ممكن أن تتعدى نسبتهم الـ 85% من المكون العربي، وبمثلها في الإدارات والمؤسسات المدنية، لكن إذا أردنا أن نحسب النسبة المئوية من قيادات الصف الأول في تلك المناطق، فقد يكون نصفها حالياً من المكون الكُردي، كوننا في مراحل أولى، ولم يستقر الوضع في تلك المناطق، لأنّ أغلب الكفاءات فيها منقسم، بعضها يميل إلى تركيا، والبعض الآخر يميل إلى النظام، فيما الفئة الكبيرة صامتة، بسبب تخوفها من إعادة تلك المدن للنظام، أو دخول تركيا إليها، أو عودة داعش، ما قد يعني القصاص منهم بتهمة التعامل مع (قسد)".
تركيا جندت العرب لضرب الكُرد!
لخصت التجربة في عفرين الجهود التركية الرامية إلى خلق صراع عربي كردي في سوريا، عندما تمكنت من تجنيد فصائل سورية عاملة تحت مسمى "الجيش الحر"، و"الجيش الوطني"، للقتال إلى جانبها، في معركة وصفها مراقبون بأنها ليست المعركة المفترضة للمعارضة السورية ضدّ النظام، وأنها  تخدم الأمن التركي ليس إلا، فيقول السلطان: لنعد عاماً إلى الوراء، في بداية العام 2018، سلمت تركيا مناطق المعارضة في ريفي إدلب وحماه وريف حلب الجنوبي، وحتى الغوطة الشرقية، للنظام وروسيا، مُقابل الضوء الأخضر من روسيا والنظام لاجتياح مدينة عفرين، براً وجواً، وبدأت تركيا تستدعي جميع الفصائل العاملة في الشمال السوري، من جرابلس حتى إعزاز، وفصائل إدلب وريف حلب الغربي، وحتى الفصائل التي هُجرت من الجنوب السوري، للعمل العسكري نحو اجتياح عفرين"، متابعاً: "بدأت المعارك وبدأ الطيران التركي بقصف قرى عفرين، وكأنها حرب فيتنام، كانت حرباً لا شفقة فيها ولا رحمة، الطيران التركي جواً، ومقاتلون من أبناء سوريا من المكوّن العربي براً".

اقرأ أيضاً: تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم
وأثناء هذا الوضع العاصف، بدأت انتهاكات واسعة بحقّ البشر، "كانت تعادل انتهاكات داعش بحق أهلنا الإيزيديين، عندما سبى واغتصب نساءهم، وباع بعضهن بسوق النخاسة، واحُتلت عفرين بعد مقاومة 58 يوماً من القتال، لكنّ العين لا تقاوم المخرز، وجرى العمل على التغيير الديمغرافي، وطمس الحضارة الكُردية منها، عبر تدمير المعالم الأثرية؛ كموقع النبي هوري، وغيره، إضافة للتنقيب عن الآثار، كما بدأت وفود من مُهجري الجنوب السوري باحتلال منازل أهالي عفرين، وقطف محاصيلهم، كأنها ملك أبيهم، لقد هجروا أهالي عفرين ليسكنوا أهالي الغوطة وحمص ودرعا".

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب يعرقل "الإخوان المسلمون" توافق السوريين في إدلب

احتفالية لحزب سوريا المستقبل في الحسكة

الزمن كفيل برأب الصدع
كشف السوريين للأطماع التركية ربما سيكون كفيلاً برأب الصدع، وترميم الشرخ الذي رسمته تركيا في الجسد السوري، وفق السلطان الذي يعرب عن اعتقاده بأنّ "غالبية السوريين باتوا يدركون مكر تركيا ورئيسها أردوغان؛ بعد أن سلّم أغلب المناطق المحررة للنظام؛ حيث لم يتبقَّ إلا نصف إدلب في الشمال الغربي، مَن سلم حلب وحمص وحماه وشرق إدلب، بالتأكيد لن يحافظ أو يحمي إدلب، سيسلمها للنظام عاجلاً أم آجلاً"، مردفاً: "الزمن كفيل بكشف الحقائق وفضح مخطط الإخوان المسلمين".

اقرأ أيضاً: الكُرد يتخلون عن حلمهم بالفيدرالية استجابة للأسد ودرءاً لأردوغان
ويؤكد بانفعال: "ساعات، وربما أيام قليلة جداً، تفصلنا عن تحرير سوريا عامة من أعتى تنظيم في العالم، وهو تنظيم داعش، بقي جيب صغير في بلدة الباغوز، شرق دير الزور، يفصلنا عن إعلان التحرير، وقسد حاربت داعش نيابة عن العالم بأسره، وسنستمر في مُلاحقة الخلايا النائمة، وأوكار المتطرفين، حتى القضاء عليهم تنظيمياً وعسكرياً، وسنبدأ بتحرير سوريا فكرياً، ضمن ندوات وحوارات ولقاءات، حتى نصل بالفكر الديمقراطي لكلّ بيت في سوريا".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل ترفع المرجعية الدينية الشيعية الشرعية عن الحكومة العراقية؟

2019-09-23

تعاني حكومة رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، آلام مخاضها الوجودي في البقاء أو المغادرة، وسط تهديدات الكتل المكونة لها إطاحتها نهاية العام الجاري، وذلك على خلفية عدم تنفيذ البرنامج الحكومي الذي من أبرز معالمه مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، في وقتٍ يصرّ فيه رئيس الحكومة العراقية على "مبدأ التوازن السياسي" مع مختلف الأطراف، للخروج بالعملية السياسية إلى برّ الأمان.

الزعيم الشيعي مقتدى الصدر يمنح الحكومة فرصة أخيرة للإصلاح وساسة ينتقدون مشاركته في الحكومة والمعارضة معاً

ويبدو أنّ زعيمَي تحالفَي "سائرون" و"الفتح"، مقتدى الصدر وهادي العامري، قد انفرط عقدهما، بعد تهديد الصدر بسحب يده من الحكومة في حال عدم الاستجابة للمطالب الشعبية، فيما يتجه زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، إلى توسيع جبهة معارضته للحكومة، عبر انضمام كوادر سياسية وقوى اجتماعية ومدنية إليها.
وتقف الحكومة العراقية موقف العاجز أمام ملف الفساد السياسي والإداري الذي تعاني منه الدولة، منذ التغيير الذي حصل عام 2003؛ إذ قدّم وزير الصحة الحالي، علاء الدين العلوان، استقالته، للمرة الثانية، لرئيس الوزراء عادل عبد المهدي، مؤكداً له عدم قدرته على مجابهة الفساد في وزارته.

رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي

الإنذار الأخير للحكومة
يرى سياسيون عراقيون؛ أنّ التهديدات والإنذارات التي تتلقاها الحكومة العراقية من قبل الكتل الداعمة لها، هي بمثابة "ابتزاز سياسي" أو هروب من المسؤولية، مؤكدين أنّ تسمية عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة جاءت بتوافق بين مختلف الأطراف.
وكان زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، قد وجّه، في 7 أيلول (سبتمبر) الحالي، إنذاراً أخيراً لرئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، محذراً من أنّ العراق يتّجه ليكون "دولة شغب"، نتيجة انفلات القرار العسكري بين الحكومة وفصائل الحشد الشعبي.

اقرأ أيضاً: العراق وهيمنة الميليشيات الإيرانية
وانتقد السياسي العراقي، حيدر الملا، مقتدى الصدر على ما أسماه "التنصّل من مسؤولياته تجاه الشعب العراقي؛ كونه يمثل حاضنة لحكومة عبد المهدي"، مبيناً أنّ "الصدر يقوم بتبادل الأدوار في كلّ أزمة سياسية، تارة يتبنى الحكومة وتارة أخرى يعارضها، وهو جزء منها".
ويضيف الملا لـ "حفريات": "جدية تهديدات التيار الصدري، يجب أن تكون عملية، عبر سحب الثقة من الحكومة الحالية، في حال سخط السيد مقتدى الصدر عليها"، متسائلاً: "لماذا يتفاوض فريق كتلة "سائرون" مع عبد المهدي على الدرجات والوظائف الخاصة في الحكومة".
الصدر يهدد الحكومة ويمنحها فرصة أخيرة للإصلاح .. ومطالبات بحفظ هيبة الدولة

الحكيم وحكومة الظلّ
وفي ظلّ تطورات المشهد السياسي؛ أعلن تيار "الحكمة"، المعارض لحكومة عادل عبد المهدي، اتخاذ كتلته النيابية دور "حكومة ظلّ"، لمراقبة أداء الحكومة الفعلية بكافة وزرائها.
ويوضح النائب عن كتلة الحكمة حسن خلاطي، لـ "حفريات": أنّ " المقصود بـ "حكومة الظلّ"، الرؤى المقابلة لرؤى كلّ وزارة، البرنامج الذي يطرح مقابل كلّ برنامج لكلّ وزارة في الحكومة، ومدى تنفيذ البرنامج، ورؤى جانب المعارضة في التنفيذ".

اقرأ أيضاً: كيف يواجه الإعلام تحديات "الفساد المقدس" في العراق؟
وأكّد خلاطي أنّ "حكومة الظلّ، لا تعني بالضرورة أن يكون هناك وزير مقابل وزير، أو رئيس وزراء مقابل رئيس وزراء، لكن سيكون هناك برنامج مقابل برنامج ولكلّ وزارة"، مبيناً أنّ "تيار "الحكمة" لديه برنامج خاص لكلّ وزارة، وسيقارنه بالبرامج الوزارية".

من جهته، أشاد الناشط السياسي، أحمد الموسوي، بـ "الجهود السياسية للمعارضة التي افتقدها النظام الديمقراطي العراقي، على مدار 16 عاماً"، مبيناً أنّ "جميع القوى السياسية المختلفة كانت تشارك في الحكومات السابقة؛ لذا لم يتحمّل أحد مسؤولية تردّي الأوضاع في البلاد".

اقرأ أيضاً: سجون الحشد بالعراق.. 50 ألف معتقل في غياهب الخطف والقتل

وأعرب لـ "حفريات" عن أمله أن تنحو المعارضة النيابية للحكومة، "منحى مهنياً صرفاً، لا أن يتضمّنها الاستهداف السياسي المعرقل لتنفيذ البرنامج الحكومي المتعلق بحياة المواطنين بشكل عام".

الحكيم يوسع جبهة معارضته للسلطة التنفيذية ويسعى لضم قوى اجتماعية وسياسية ومدنية لجبهته

المرجعية الدينية ونبرة التهديد
وفي السياق ذاته، ألمحت المرجعية الدينية الشيعية العليا، إلى رفع الغطاء والشرعية عن حكومة رئيس الوزراء، عادل عبد المهدي، في حال فشلها بمكافحة ملف الفساد.

وتساءل أحمد الصافي، وكيل مرجعية السيد السيستاني، خلال خطبة صلاة الجمعة: "أين ذهبت أموال البلاد بأرقامها المرعبة؟ ولماذا تستمر معاناة الشعب؟ في كل يوم نسمع عن الفساد، وعن أرقامه الكبيرة والمهولة".

استقالة وزير الصحة تكشف عدم قدرة المسؤولين العراقيين على مقاومة الفساد وعبد المهدي يمنحه إجازة مفتوحة

وأضاف مستغرباً: "هل هناك أفق لحلّ مشكلاتنا وسقف زمني لذلك؟ أما آن الأوان للشعب أن يرتاح، وأن تُلبَّى أبسط حقوقه؟"، مؤكّداً أنّ "المواطن العراقي بات يفكر بمغادرة بلاده".

بدورهم، رأى صحفيون عراقيون؛ أنّ تهديدات المرجعية الشيعية الأخيرة، جاءت بفعل الضغط الاحتجاجي على الأداء الحكومي، وقال الصحفي حيدر الخفاجي لـ "حفريات" إنّ "الضغط الشعبي دفع المرجعية إلى توبيخ الطبقة السياسية، بطرح عدة تساؤلات عن تراكمية التحديات الخدمية والاقتصادية والحقوق المفقودة، مقارنة بحجم الموازنات والإنفاق الحكومي على الرواتب، والامتيازات للمسؤولين العراقيين التنفيذيين والتشريعيين، فضلاً عن استفحال ظاهرة الفساد المالي والإداري".

وحذّر الخفاجي من "انهيار المنظومة السياسية في حال عدم إيفاء السلطة التنفيذية بالتزاماتها تجاه الطبقات الاجتماعية العراقية، خصوصاً طبقة الشباب الخريجين؛ إذ باتوا بالآلاف، وهم عاطلون عن العمل، مما ينذر بخلق موجة احتجاج عارمة مجدداً".
وزير الصحة العراقي علاء الدين العلوان

وزير الصحة يحرج رئيسه
وللمرة الثانية؛ يقدم وزير الصحة والبيئة، علاء الدين العلوان، استقالته لرئيسه عادل عبد المهدي؛ احتجاجاً على الضغط السياسي الذي يتعرض له داخل وزارته، مما يعيق عمله في تطوير الواقع الصحي "المتردي" في البلاد.
وقال العلوان، في فحوى رسالته المكونة من (4 صفحات)، لرئيس الوزراء: "تحيط بعملي عقبات ومعوقات كثيرة، يضعها من يقحم التدخلات والضغوط السياسية في عمل الوزارة، ومن تتعارض مصالحه مع التغيير الذي أجريته فيها"، مشيراً إلى تعرّضه لـ "هجمات إعلامية؛ حيث لجأ من لا يريدون النهوض بالقطاع الصحي إلى التشهير في وسائل الإعلام وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي".

اقرأ أيضاً: السلاح السائب بيد الأحزاب الدينية ومليشياتها في العراق
وتابع العلوان: "توصلت إلى قناعة راسخة بعدم إمكانية الاستمرار بالعمل في هذه الظروف، استقالتي بدأت فعلياً من يوم الخميس الماضي 12 أيلول (سبتمبر) 2019"، وكان العلوان قد قدّم استقالته من المنصب، في 19 شباط (فبراير) 2019، لكنّ رئيس الوزراء رفض الاستقالة حينها، وأقنعه عدد من رؤساء القوى السياسية بالعدول عنها أيضاً.
إلى جانب ذلك؛ قدّم الوزير العلوان تقريراً لرئيس الحكومة عن القطاع الصحي بالعراق، وقال: إنّ "تطويره يحتاج لاستثمار ملياري دولار على الأقل".
ممثل المرجعية الدينية يهاجم إخفاقات الحكومة في الإصلاح ويطالب بمكافحة الفساد

رسالة ودّية بإجازة مفتوحة
من جهته، ردّ رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، على استقالة وزير الصحة، علاء الدين العلوان، رافضاً قبولها، ومانحاً إياه إجازة مفتوحة.
وقال عبد المهدي في نصّ رسالتهِ للعلوان: "يؤسفني استلام كتاب استقالتكم، فأنت أحد الرموز البارزين لهذه الوزارة، وقد قمت خلال فترة قصيرة بعمل مؤسساتي وبنيوي كبير نفتخر به جميعاً، واستمرارك معنا أمر ضروري لإنجاز ما بدأته، ولاستكمال المنهاج الذي تعاهدنا على تحقيقه".

اقرأ أيضاً: هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟
وأضاف: "نعم، أنا أعلم أنّ الصعوبات كبيرة، وأنّ المخلصين الذين نذروا أنفسهم لوطنهم ويتمسكون بمهنية قراراتهم واستقلالية سياسياتهم طالما يتعرضون لشتى أنواع الضغوطات؛ لأنّهم يتصدّون لأمور جدية وإصلاحية، يتضرر منها يقيناً من يصرّ على استمرار الفساد والدفاع عن مصالحه الخاصة".
وخاطب رئيس الوزراء وزير الصحة المستقيل بالقول: "عزيزي الدكتور؛ تعلم جيداً أنّني لن أقبل استقالتك بهذه السهولة، وأؤكد لك أنّني استلمت كمّاً هائلاً من الاتصالات التي تؤيد موقفي، الرافض لها، وتشجعني عليه، لكنّني -احتراماً لموقفك وتقديراً لظرفك- قررت منحك إجازة، لا للتفكير فقط، بل أيضاً كي تعود إلى عملك في ظروف تحميك من الإساءات والتجاوزات اللادستورية واللاقانونية واللاأخلاقية لتستمر بتقديم خدماتك لبلدنا الحبيب، العراق، سنبقى على اتصال، وتقبَّل مني كامل التقدير والاحترام".

للمشاركة:

الرسائل المشفَّرة في خطاب البغدادي الأخير

2019-09-22

رأت وسائل إعلام في الرسالة الصوتية الأخيرة لزعيم تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي؛ أنّها تحتوي مضموناً دينياً، وتخلو من الرسائل السياسية، إلّا في بعض الفقرات التي تحدث فيه البغدادي عن إستراتيجية حرب الاستنزاف، التي بدأها التنظيم منذ بضعة أشهر، أو تلك التي تحدث فيها عن مبايعات في صفوف التنظيم، بحسب تقرير موقع "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: أين سيُحاكم المعتقلون من تنظيم داعش في سوريا؟
بيد أنّ الرسالة التي جاءت بعد أنباء تحدّثت عن مرض شديد ألمّ بالرجل، حكى عنه أحد أقربائه أثناء التحقيق معه أمام جهات تحقيق عراقية، لم تكن تحمل مضموناً دينياً مجرداً، كما قرأ البعض من تسجيله الصوتي؛ بل وظّف هذا المفهوم سياسياً وتنظيمياً بدرجة عالية، وأشبع برسائل شملت العديد من المحاور وإن تخفّت بغطاء ديني.
فكّ العاني
كما أغفلت وسائل الإعلام تلك خطراً أمنياً، جاء في أواخر كلمات زعيم داعش، الذي دعا عناصر تنظيمه لاقتحام السجون، وإخراج عناصر جماعته بأيّة طريقة كانت؛ سواء بالهجوم المسلح، أو بدفع فدية في حال عدم استطاعتهم استخدام الحلّ الأول.

خطاب البغدادي لا يستخدم آيات النصر بل آيات التحفيز على التمسّك والاعتصام ويستحضر آيات الصبر والتغلب على نفسية الغربة

قد يرى بعضهم في تلك الدعوة أمنيات مستحيلة التحقق، إلا أنّ تاريخ التنظيم سجّل العديد من الوقائع التي استطاع فيها اقتحام العديد من السجون، وإخراج المئات من عناصره، حتى قبل تمدّده في العراق وسوريا، كانت أكبر تلك الوقائع اقتحام سجن أبو غريب، وإخراج المئات من المعتقلين فيه.
لم يحرّض البغدادي على اقتحام السجون فقط؛ بل على القيام بسلسلة من الاغتيالات التي تنال من القضاة والضباط والمحققين، ذوي الصلة بسجناء تنظيمه، ويستخدم البغدادي في دعوته لذلك لغة تخاطب وجدان الجهادويين وتلهب وجدانهم: "أما أشجى النوازل وأشدّها، فالسجون، السجون يا جنود الخلافة، إخوانكم وأخواتكم، جدّوا في استخراجهم، ودكّ الأسوار المكبلة لهم، فكّوا العاني، فهذا أمر ووصية نبيكم ﷺ، فلا تقصروا في فدائهم، إن عزّ عليكم كسر قيدهم بالقوة، وأقعدوا لجزاريهم من المحققين وقضاة التحقيق، كيف يطيب للمسلمين العيش ونساؤهم يرزحن في مخيمات الشتات، وسجون الذلّ تحت وطأة الصليبيين والرافضة الصوفيين والملاحدة والطواغيت المرتدين في شتى بقاع الأرض.."؟

 

مواجهة الحازميين
لكنّ الأهم في هذا الخطاب، وهو ما يمكن أن يطلق عليه "المراجعة الفكرية للتنظيم"، إن صحّ التعبير؛ فالتنظيم الذي رأى الجناح القوي فيه "الحازميون"؛ أنّ الدين قد اكتمل، ولم تعد هناك حاجة إلى دعوة الناس للدين من جديد، بل يجب القتال فقط لإجبارهم على الدخول فيه، أو قتلهم، يعود ليطرح فكرة الدعوة بالحسنى، بعد اعتبار عوام الناس يجهلون ما جاء به، ومن ثم فيجب توعيتهم، والترفق بهم.

اقرأ أيضاً: لمصلحة من عاد تنظيم داعش بقوة شرق سوريا؟
يدعو البغدادي إلى "دعوة عوام الناس، وأهل السنّة خاصة، والترفّق بهم، فليس بخافٍ عليكم الجهل المدقع الذي عصف بالأمة، واندراس العلم في كثير من أرجائها، فأنتج بعداً عن أصل دينها، وانتشاراً للشرك والبدع والخرافات، وما لم ينزل الله به من سلطان، حتى صوّر أحبار السوء والكثير ممن ينتسبون للإسلام، أنّه الدين الذي بعث به خير المرسلين، ويحسبون أنهم على شيء، ولا حول ولا قوة".
مثل هذا الخطاب غاب عن التنظيم منذ عقد من الزمان، واختفى تحت وطأة الأفكار التي تؤمن بأنّ عوام الناس لا يعذَرون بجهلهم، وبدأت المطالبة بدعوة أفراد التنظيم للتحدث مع الناس ودعوتهم بالحسنى، باعتبار أنّهم جاهلون لا كفّار، وهذا ما قد يشير إلى عزم التنظيم على انتهاج أساليب الدعوة السلمية، لتجنيد عناصر جديدة.
يحاول زعيم داعش تصحيح أخطاء قد وقع فيها تنظيمه

العودة للدعوة مع القتال
يكمل البغدادي هذه النقطة قائلاً: "أقيموا الحجة على الناس بدعوتهم للتوحيد الخالص، والتمسّك بكتاب ربّهم وسنّة نبيهم، بفهم سلف الأمة من القرون الأولى ومن سار على نهجهم واقتفى أثرهم، إلى يوم الدين" وهو الشقّ السلفي الخالص، وإن ربط البغدادي بينه وبين وجوب استمرار القتال بالتوازي "كتاب يهدي وسيف ينصر".
بل يذهب البغدادي في محاولة جذب التيارات الإسلامية إلى مشروعه، وتجديد الدعوة له، عبر إقناعهم بأنّ وسائل التغيير السلمية لن تجدي، فيقول: "يجب إرشادهم أنّه لا سبيل لخلع الطواغيت إلا بالطريق الذي أخبرنا به الله في كتابه، وهو الجهاد في سبيله، وما عدا ذلك فليس سوى أوهام وسراب، يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً".

اقرأ أيضاً: الإرهاب في إقليم الساحل الإفريقي يخرج عن عباءة القاعدة وداعش
يتّجه خطاب البغدادي إلى التركيز على "الدعوة"، وأهمية جذب العناصر، والذي يأتي في الأهمية قبل القتال لا بعده: "وكما قال رسول الله لعلي: فوالله لو يهدي بك الله رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم".
بدا أنّ التنظيم بعد التراجع والخسارة، يتجه نحو تخفيف العنف، واكتساب الأنصار، فيدعو البغدادي إلى قبول التوبة: "قبول توبة من تاب، فاقبلوا توبة من جاء قبل القدرة عليه، ولا تتركوه حتى يتعلم أمر دينه، ويعلم لأيّ شيء نقاتل، وعلام أصبح هدفاً لأسيافنا، وما يجب عليه تجاه دينه من النصرة، وأمّته من الدعوة والإرشاد للمنهج الحقّ".
اعتراف مبطَّن بالخطأ
يحاول زعيم داعش تصحيح أخطاء قد وقع فيها تنظيمه؛ من ضمّ عناصر غير مؤدلجة، ومتشبعة بأفكار التنظيم، تخلّت عنه في النهاية عندما اشتدت وطأة المعارك، أو ذهبت للاستسلام لأعدائه دون قتال، أو سارعت لمبايعته عند تمكّنه، ثمّ ما لبثت أن نكست، فيأتي بعد ذلك هذا الخطاب ليضع ضوابط للتجنيد ومعايير لفرز العناصر.

تندرج خطابات البغدادي فيما يطلق عليه الإسلاميون "المحنة" وهو خطاب يسعى إلى التوافق مع الواقع ومنح الأمل

ويوجه البغدادي خطاباً لقادته ومسؤوليه، يشي بتبرمه من بعضهم، وكثرة الشكوى منهم، أو ربما لتجارب ماضية سلبية، فيدعوهم لــ "تقوى الله والظلم؛ يا عبادي إنّي حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا، تعاملوا مع الناس بالعلم والحقّ والعدل والإنصاف، ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألّا تعدلوا..".
تندرج خطابات البغدادي فيما يطلق عليه الإسلاميون "المحنة"، وهو خطاب يسعى إلى التوافق مع الواقع، ومنح الأمل، والوعد بالنصر والتمكين، دون انتظار نتيجة آنيّة، ويوظف في ذلك الآيات القرآنية، التي تشحذ الهمم، وتنفح النفوس: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
في مثل هذه الخطابات لا تستخدم آيات النصر؛ بل آيات التحفيز على التمسّك والاعتصام، وتستحضر آيات الصبر، والتغلب على نفسية الغربة: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.

اقرأ أيضاً: "أبقار داعش".. سلاح جديد للإرهابيين في العراق
ولا يستهان بمثل هذه الخطابات، في التأثير على وجدان الإسلاميين، فهي تضعهم في حالة قتال ضارٍ ومستمر، لا يوقفه العقل وحكمة الواقع؛ لذا فإنّ البغدادي يركز على عدم أهمية المكاسب، بل على مواصلة القتال، دون انتظار الغنائم في الدنيا: "النصر والتمكين وعلو الدين في الدنيا لم يكلفنا الله بشهوده، ولم يجعله شرطاً لازماً لقبول العمل، ولا دليلاً على الصحة والفساد، وهذا من رحمة الله بهذه الأمة".
في ضوء ذلك، ليس معنى الهزيمة أنّ التنظيم كان مخطئاً؛ فالنصر ليس معياراً للخطأ والصواب، وهو ما يغلق باب المراجعة الجدية "فالنتائج بيده سبحانه، إن شاء منع وإن شاء أعطى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.

للمشاركة:

لماذا يعتنق مغاربة أمازيغ المسيحية؟

2019-09-22

"سأخبر عائلتي يوماً أنّني اعتنقت المسيحية، رغم أنّني أدرك أنّ ردّ الفعل سيكون صعباً، لكنّني مستعدة لتحمل العواقب"، تقول فاطمة (اسم مستعار)، التي اعتنقت منذ حوالي خمسة أعوام، المسيحية، حينما كانت تدرس في الجامعة بمدينة أكادير جنوب المغرب.

اقرأ أيضاً: المسيحيون في المشرق.. هل يمكن الحديث عن تمييز واضطهاد؟
تروي فاطمة لـ "حفريات" تفاصيل ما جرى: "لم أكن أتصوّر يوماً أنّي سأعتنق المسيحية، لم تكن لدي أيّة معلومات عن هذا الدين، كانت ثقافتي محدودة عن باقي الأديان، لكن عندما التقيت بسيدة أجنبية، أهدتني الإنجيل، وتعرّفت إلى الدين المسيحيّ".
مسيحيون مغاربة يمارسون طقوسهم الدينية في سرية

"من حقّنا أن نعتنق الدين الذي اخترناه "
ترى فاطمة أنّ أصولها الأمازيغية ساهمت أيضاً في اعتناقها الدين المسيحي، مضيفةً في هذا الصدد: "لم أكن أعرف أنّ أجدادنا الأمازيغ كانوا مسيحيين، عندما بحثت في تاريخي وحضارتي اكتشفت ذلك، وتعرّفت إلى الدين المسيحي وتعاليمه، وقررت أن أغيّر ديني."

اقرأ أيضاً: المسيحيون في المشرق.. ما أبرز التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؟
تطمح فاطمة، البالغة من العمر 22 عاماً، أن تكشف أمر اعتناقها المسيحية، وأن تمارس طقوسها في العلن، ولكنّها تتخوف من تداعيات ذلك، معتمدة أسلوب التدرج.
تتابع الشابة المغربية: "أحلم في أن يتقبلني المجتمع المغربي، ويفهم أنّ من حقّنا أن نعتنق الدين الذي اخترناه ."
زعزعة العقيدة
وتتحدث فاطمة عن المشاكل التي واجهتها بسبب دفاعها عن المسيحية: "طردتُ من طرف أحد أساتذتي، بعد دخولي في جدال معه حول حرية المعتقد، كان يقدم لنا معلومات مغلوطة عن المسيحيين المغاربة، وأنّهم يخدمون أجندات أجنبية، وأنّه يجب الزجّ بهم في السجن".

اقرأ أيضاً: المسيحيون في السودان.. هل انتهت حقبة القمع؟
ويشار إلى أنّ الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي، ينصّ على "معاقبة كلّ مَن يستعمل وسائل الإغراء بهدف زعزعة عقيدة مسلم، أو تحويله إلى ديانة أخرى، بالحبس من ستة أشهر إلى ثلاثة أعوام، وبغرامة من مئتين إلى خمسمئة درهم" )الدولار يساوي 9,68 درهم).
ويُطالب المسيحيون المغاربة بإلغاء هذا الفصل، معتبرين أنّه مناقض للالتزامات والاتفاقيات الدولية، التي وقّع عليها المغرب في مجال حقوق الإنسان، ومطالبين بملائمة القوانين المحلية مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
المسيحيون المغاربة يطالبون بحقهم في ممارسة شعائرهم الدينية

"طردوني من العمل"
في مدينة أكادير؛ التقت "حفريات" بمسيحيين مغاربة أمازيغ، كشفوا عن حياتهم السرّية بعد اعتناقهم المسيحية والصعوبات التي تواجههم. وفي هذا السياق، تقول مريم، البالغة من العمر 36 عاماً: "اعتنقت المسيحية لأنّني اقتنعت بها، وشعرت أنها تنسجم مع أفكاري، ولم أخبر عائلتي بذلك".

الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي ينصّ على معاقبة مَن يستعمل وسائل الإغراء لتحويل عقيدة المسلم إلى ديانة أخرى

تغيير مريم لدينها تسبّب لها في عدة مشكلات، من بينها طردها من العمل: "كنت أعمل مربية عند عائلة ألمانية في مدينة أكادير، وأخبرتهم أنّني اعتنقت المسيحية، فطردوني من العمل، معتقدين أنّني سأجلب لهم المشكلات مع المغاربة المسلمين".
وتتابع مريم: "تخوّفت العائلة الألمانية من أن تُتهم بأنّها أقنعتني بتغيير ديني، لذلك قامت بطردي".
تُمارس مريم شعائرها الدينية بسرّية، وتخشى أن تعلم عائلتها باعتناقها المسيحية: "كنت أتمنى لو أنّني أستطيع أن أخبر عائلتي بأنّني غيّرت ديني، لكن لا أحد سيتفهم ذلك".
مسيحيون قبل 2000 عام
تطمح مريم بأن يعترف القانون المغربي بالمسيحيين المغاربة، وأن يتمّ إصلاح البرامج التعليمية التي تقصي الأديان الأخرى، وأن يُسمح للمسيحيين المغاربة بزواج مسيحيّ، وبدفن موتاهم في مقابر مسيحية، على حدّ تعبيرها.
لكنّ المعارضين للاعتراف القانوني بالمسيحيين المغاربة يستدلّون بما ورد في الفصل الواحد والأربعين من الدستور المغربي: "الملك هو أمير المؤمنين، وحامي حمى الملّة والدين، والضامن لحرية ممارسة الشؤون الدينية"، بموجب تفسيرهم أنّ "إمارة المؤمنين" تعني الهوية الإسلامية للدولة.

اقرأ أيضاً: كيف أصبح المسيحي كمال ترزي عكازة صديقه الضرير المسلم حاتم خريس؟
بيد أنّ المغاربة المسيحيين يرون أنّ حماية الدين تشمل اليهود والمسيحيين أيضاً، مستشهدين بحديث للملك محمد السادس، لوسائل إعلام محلية في مدغشقر، في 26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، نفى فيه ما وصفه بـ "الإشاعات" حول أنّ "المشروعات التي أطلقها في مدغشقر لن تعود بالنفع إلا على الطائفة المسلمة"، مشيراً إلى أنّ "ملك المغرب هو أمير المؤمنين، والمؤمنون من جميع الديانات، والمغرب لا يقوم بحملة دعوية ولا يسعى قطعاً إلى فرض الإسلام".
ومن جهته، قال كريستوفر لوبيز روميرو، مطران الرباط: إنّ "المسيحيين كانوا يعيشون قبل 2000 عام في مختلف مدن المغرب، من بينها سبتة ووليلي والعرائش"، نافياً بالقطع أن يكون المسيحيون قد "جاؤوا إلى المغرب في عهد الحماية فقط".

اقرأ أيضاً: مسيحيو فلسطين يرفعون صليب الآلام ويقاومون سياسات التهجير الإسرائيلية
وفي سياق حديثه، خلال ندوة عن "قيم الكرامة الإنسانية في الديانات الإبراهيمية"، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، أشار المطران إلى أنّه "من أجل تعظيم الله، يجب أن نقوم بكلّ شيء حتى يعيش الناس بكرامة". وأكّد أنّه لا يقبل بـ "التسامح معه فقط"، بل يجب أن يرافقَ ذلك "احترام وتقدير متبادل ثم حبّ".
حرية المعتقد وتهديد النسيج الوطني
في 17 حزيران (يونيو) 2018، قال وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، المصطفى الرميد، المنتمي إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي المتزعم للحكومة، في تصريح لجريدة "الصباح": إنّ "موضوع حرية المعتقد لا يشكل تهديداً للدولة في المدى القريب، لكن من المؤكّد أنّه يشكّل خطراً على المدى البعيد".
ويرى الرميد أنّ "حرية المعتقد في الوقت الراهن لا تهمّ سوى أفراد من المجتمع، أما إذا اتسعت دائرة الأفراد لتصبح جماعات، وتضمّ فئات واسعة داخل المجتمع؛ فإنّ ذلك يهدد النسيج الوطني لا محالة".
رشيد إمونان مسؤول عن كنيسة الصخرة بأكادير جنوب المغرب

كنيسة الصخرة
من جهته، يقول رشيد إمونان، مسيحي مغربي، ومسؤول عن كنيسة الصخرة بأكادير: إنّ "أكبر تجمّع للمسيحيين المغاربة يوجد في جهة سوس ماسة، وكنّا قد شيّدنا كنيسة الصخرة عام 2006 لنمارس شعائرنا الدينية بسرّية".
ويُضيف ممثل المسيحيين المغاربة بجهة سوس ماسة، في حديثه لـ "حفريات": "المسيحيون الأمازيغ المغاربة يُقيمون صلواتهم بانتظام في كنيسة الصخرة، ولا نعاني من مضايقات من طرف السلطات المغربية"، لكنّ "بعض فئات المجتمع المغربي لا تتقبل وجود مغاربة كانوا مسلمين واعتنقوا المسيحية".

تطمح فاطمة (22 عاماً) أن تكشف أمر اعتناقها المسيحية وأن تمارس طقوسها في العلن ولكنّها تتخوف من تداعيات ذلك

وعن أسباب اعتناقه المسيحية، يجيب إمونان: "استمعت لإحدى الإذاعات التي تقدّم برامج عن الدين المسيحي، وتعرّفت حينها إلى هذا الدين، وإلى تاريخ المسيحية في المغرب، وبعد بحث قررت اعتناقه".
ويُضيف رشيد: "البعض ينظر إليك نظرة احتقار لأنّك غيّرت دينك، لكنّنا سنستمر إلى أن يتقبلونا، وأنا راضٍ جداً؛ لأنّ الوضع في المغرب تغيّر مقارنة بالأعوام الماضية، ونحن نمارس طقوسنا الدينية بسرية، ولا نتعرض للاعتقالات".
وكان المركز المغربي لمناهضة التطبيع قد أشار إلى أنّ "قضية المسيحيين المغاربة لا تتعلق بحرية المعتقد، لكنّ الأمر هو أنّ ملفّ المسيحيين المغاربة، وكلّ ما يندرج في إطار الحريات الفردية والأقليات، هو من هندسة جهة معيّنة".
وفي المقابل؛ نفت تنسيقية المسيحيين المغاربة ارتباطها بأجندات أجنبية، مشددة على أنّ أفرادها لا يسعون إلى زرع الفتنة في المغرب.

للمشاركة:



قمة أردنية مصرية عراقية في نيويورك.. ماذا بحثت؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

بحثت قمة عربية، ضمّت كلاً من العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، والرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، ونظيره العراقي، برهم صالح، ضرورة ترسيخ السلام في منطقة الشرق الأوسط، وإبعاد شبح الحرب عنها.

القمة تؤكّد ضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية ومواجهة كلّ من يدعمها

وأكّد القادة الثلاثة في القمة التي عقدت، أمس، في نيويورك، على هامش اجتماعات الـ 74 للجمعية العمومية للأمم المتحدة، ضرورة البناء على الانتصارات التي تحققت مؤخراً في المعركة على الإرهاب، وضرورة القضاء الكامل على كلّ التنظيمات الإرهابية، أينما وجدت، ومواجهة كلّ من يدعمها سياسياً أو مالياً أو إعلامياً.

وشدّدت مخرجات القمة الثلاثية على مضاعفة الجهود الدافعة باتجاه السلام والحوار، من أجل هدوء يشمل المنطقة كلّها؛ إذ لفتت الأطراف المجتمعة إلى أنّ الأمن مشترك، وأنّ التهديدات والثغرات الأمنية من شأنها أن تشمل الجميع.

كما أكّد القادة دعمهم للحلّ السياسي الشامل للقضية الفلسطينية، قضية العرب المركزية، وأهمية حصول الشعب الفلسطيني على كلّ حقوقه المشروعة، وعلى رأسها حقّه في إقامة دولته المستقلة القابلة للحياة، وعاصمتها القدس الشريف، على أساس حلّ الدولتين وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.

ونوّهوا إلى أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصّة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن، وفق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وبما يحفظ وحدة واستقلال هذه الدول وسلامتها الإقليمية ومقدرات شعوبها، ويتيح الحفاظ على الأمن القومي العربي ومواجهة التدخلات الخارجية التي تستهدف زعزعة اﻷمن القومي العربي.

القمة تؤكد أهمية الحلّ السياسي الشامل لأزمات المنطقة، خاصة الأزمات في سوريا وليبيا واليمن

وعبروا عن تضامنهم الكامل مع المملكة العربية السعودية، في مواجهة الاعتداءات التي تعرضت لها منشآتها النفطية، مشدّدين على أهمية الحفاظ على أمن منطقة الخليج العربي، وتأمين حرية الملاحة في الخليج، كمكوّن أساسي من مكونات الأمن القومي العربي، ومؤكدين أهمية التهدئة وتجنّب المزيد من التوتر والتصعيد؛ لما لذلك من أثر سلبيّ على الاستقرار في المنطقة.

واتفقوا على مواصلة التشاور والاجتماع بشكل دوري والتنسيق المستمر لتعزيز الأمن القومي العربي، ومواجهة كلّ التحديات التي تتعرض لها المنطقة، ودعم التعاون السياسي والاقتصادي والتجاري والاستثماري والثقافي بين الدول الثلاث، وبناء شراكات فعالة بين الحكومات والقطاع الخاص في الدول الثلاث لذلك الغرض.

كما جدّدوا دعمهم الكامل للجهود العراقية لاستكمال إعادة الإعمار وعودة النازحين للمناطق التي تمّ تحريرها من تنظيم داعش الإرهابي.

 

للمشاركة:

الجزائر تشهد أصعب المحاكمات في تاريخها..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-23

تبدأ اليوم، الإثنين، واحدة من أهمّ وأصعب المحاكمات في تاريخ الجزائر، وهي محاكمة أقوى 4 شخصيات في نظام بوتفليقة السابق، بينهم امرأة، في المحكمة العسكرية بالبليدة، وهم: شقيقه ومستشاره السعيد بوتفليقة، ومديرا المخابرات السابقان محمد مدين (المعروف باسم الجنرال توفيق)، والجنرال عثمان طرطاق، ورئيسة حزب العمال، لويزة حنون، بتهم المساس بسلطة الجيش والتآمر ضدّ أمن الدولة.

الجزائر تحاكم أقوى 4 شخصيات في نظام بوتفليقة السابق، بينهم امرأة، بتهم المساس بسلطة الجيش والتآمر ضدّ أمن الدولة

وفي التحرّك القضائي الأول منذ بداية الحراك الشعبي، في 22 شباط (فبراير) الماضي، تبدأ اليوم المحاكمة، التي ستنتهي معها الشكوك التي أحيطت بحملة الاعتقالات التي استهدفت أبرز أركان بوتفليقة، والتي رآها البعض محاولة لإلهاء وإسكات الشعب؛ حيث إنّه من المرتقب أن تنقل المحاكمة مباشرة عبر شاشات التلفزيون، وفق "العربية".

وأُوقف سعيد بوتفليقة، والجنرالان توفيق وطرطاق، في 5 أيار (مايو) الماضي، بينما وضعت حنون قيد الحبس الاحتياطي في التاسع من الشهر ذاته، بعد أن اتهمهم القضاء العسكري بـ "التآمر على سلطتَي الجيش والدولة"، وهما تهمتان يواجهون بسببها عقوبة بالسجن من 5 إلى 10 أعوام، وربما تصل إلى الإعدام، بحسب قانون القضاء العسكري.

وتعود القضيّة إلى الأسابيع الأولى لبداية الحراك الشعبي في الجزائر، وتحديداً بعد دعوة رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، إلى تطبيق المادة 102 من الدستور، التي تعني إقرار شغور منصب رئيس الجمهورية، في 26 آذار (مارس) الماضي، وحديثه عن "اجتماع مشبوه" من أجل التآمر على مطالب الشعب وعرقلة مساعي الجيش ومقترحاته لحلّ الأزمة، جمع بين السعيد بوتفليقة ومدير المخابرات السابق، محمد مدين، المعروف بالجنرال توفيق، والجنرال عثمان طرطاق، ورئيسة حزب العمال لويزة حنون.

يذكر أنّ المحكمة العسكرية بالبليدة تشهد، اليوم، أيضاً محاكمة غيابية لعدد آخر من مسؤولي الدولة السابقين، هم: وزير الدفاع السابق خالد نزار، وابنه لطفي، وفريد بن حمدين، وهو مسيّر الشركة الجزائرية الصيدلانية العامة، الذين يواجهون بدورهم التهم نفسها، وقد صدر في حقّهم أمر بالقبض الدولي بعد فرارهم إلى الخارج.

 

للمشاركة:

فرنسي يحاول اقتحام مسجد بسيارته عمداً

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

حاول رجل اقتحام أحد المساجد بفرنسا بسيارته عمداً، أمس، في عملية لم يُصب فيها أحد سواه.

وأعلنت سلطات منطقة "الرين العليا" في مقاطعة الألزاس؛ أنّ "رجلاً حاول اقتحام مسجد كولمار في شرق فرنسا بسيارته"، مضيفة أنّه "لم يصب أحد باستثناء السائق"، ومعلنة أنّ "التحقيق جار"، وفق وكالة "فرانس برس".

فرنسا تحقّق مع رجل حاول أن يقتحم مسجد كولمار، شرق فرنسا، بسيارته ولم يصب أحد باستثنائه

وصرّحت المدعية العامة في كولمار، كاترين سوريتا مينار؛ بأنّ "الرجل جُرح بسلاح أبيض كان يحمله، ونُقل إلى المستشفى، حيث سيخضع لجراحة".

وتابعت: "سيعاينه طبيب نفسي في أقرب وقت ممكن"، معتبرة أنّ المعلومات الأولية تفيد بأنّه يعاني "مشاكل نفسية".

وقالت إنّ شهود عيان وصفو حالة الفاعل وكلماته التي تلفَّظ بها قبل البدء بالهجوم، مؤكّدة أنّه "سيوضع قيد التوقيف الاحتياطي وسيتم استجوابه في أقرب وقت"، موضحة: "عندها سنعرف المزيد حول دوافعه".

 وقد أكّدت الدعية العامة؛ "عدم سقوط أيّ جريح، رغم وجود بعض الأشخاص في المسجد حينها".

بدورها، أوردت صحيفة "لالزاس"؛ أنّ خبراء تفكيك متفجرات عاينوا السيارة، وأكّدوا أنّها لم تكن تحتوي على متفجرات".

يذكر أنّ وتيرة جرائم الكراهية ضدّ المسلمين قد زادت مؤخراً في فرنسا، في ظلّ تنامي الخطاب السياسي المعادي للمسلمين، وموجة الإسلاموفوبيا، التي اجتاحت أوروبا، وما تلقاه من ترويج في بعض وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية.

 

للمشاركة:



اعترافات طارق رمضان تصدم اتحاد مسلمي فرنسا

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-22

ترجمة: مدني قصري


أذِن القضاء الفرنسي مؤخراً بإصدار الكتاب الجديد للمفكر الإسلامي طارق رمضان "واجب الحقيقة" دون تعديل. يأتي هذا القرار في أعقاب الاستئناف القضائي الذي قدمته امرأة تتهم رمضان بالاغتصاب ويَظهر اسمها في الكتاب.
لن يتم تغيير كتاب طارق رمضان الجديد، الذي صدر يوم الأربعاء الموافق 11 أيلول (سبتمبر) الجاري. وفقاً لوكالة "فرانس برس"، فقد قرر القضاء الفرنسي يوم الثلاثاء، وهو اليوم التالي للإحالة التي قدمتها إحدى المتّهِمات للداعية الإسلامي السويسري. أرادت المرأة، التي تتهم حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، بالاغتصاب، أن يختفي ذكرُ اسمها من الكتاب.
"التدخل المفرط وغير المتناسب في حرية التعبير"
وفقًا لوكالة "فرانس برس"، التي حصلت على الحكم، وجدت محكمة باريس الكبرى أنّ ادعاء المدعية "سيؤثر بشكل غير معقول وغير متناسب على حرية التعبير" لطارق رمضان بينما تم بالفعل تعريف هوية المتهم. ومع ذلك، نظراً لنشر اسمها في الكتاب دون موافقتها، وجدت المحكمة أيضاً أنّ المرأة عانت من الأذى وحكمت على الداعية الإسلامي السويسري بأن يدفع لها يورو رمزياً.

اقرأ أيضاً: هل كشف طارق رمضان الوجه الحقيقي للإخوان في أوروبا؟.. صحيفة فرنسية تجيب
يخضع الباحث في علم الإسلام البالغ من العمر 57 عاماً، للتحقيق منذ شباط (فبراير) 2018 بسبب "اغتصاب امرأتين في فرنسا". أمضى ما يقرب من 10 أشهر رهن الاحتجاز المؤقت قبل الإفراج عنه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.
 أنكر في البداية أي علاقة مع النساء المشتكيات قبل أن يتناقض مع التحقيق ويستحضر ما أسماه بعلاقات بالتراضي

طارق رمضان متهم بـ 4 حالات اغتصاب
طارق رمضان متهم باغتصاب امرأتين في فرنسا. لقد نفَى في البداية أي علاقة بهاتين المرأتين، قبل أن يتناقض مع التحقيق ويذكر بعد ذلك "علاقات بالتراضي". كما أنّه متهم من قبل امرأتين أخريين بالاغتصاب، بما في ذلك واحدة في اجتماع، وهي شكاوى مقدَّمة في آذار (مارس) 2018 وتموز (يوليو) من العام الماضي.
في مقابلة مع قناة BFMTV اعترف طارق رمضان بأنّه "كان في تناقض مع بعض مبادئه" وبأنّه كذب بشأن علاقاته الحميمة مع بعض الشاكيات "لحماية أسرته".
لا يتوقف طارق رمضان عن القول في آخر أعماله "واجب الحقيقة": "ملفي فارغ من أي جريمة. فهو يحتوي على العكس من ذلك، على جميع الأدلة على براءتي". إذن فلماذا سُجن لمدة عشرة أشهر تقريباً في عام 2018، ولماذا حُرم من جوازات السفر، وهل يجب عليه أن يراجع كل أسبوع مركزاً للشرطة في منطقة باريس؟ الجواب بسيط: حسب قوله، فهذه ليست سوى قضية سياسية. "هل يمكن أن أكون شخصاً مزعجاً؟ هل أعامَل بهذه الطريقة بسبب الأصل العربي والدين الإسلامي؟ أليس في الأمر شيء من العنصرية في هذه المعاملة؟" ويضيف رمضان: "اليوم رمضان، فمَن سيكون القادم؟ لم يفقد طارق رمضان أيّ ذرّة من حماقته، أو من طموحه في أن يبقى الشخصية الرئيسية في إسلام فرنسا والبلدان الناطقة بالفرنسية. على الرغم من أن جميع مساعديه تقريباً تخلوا عنه.
لا يتردّد مؤلف كتاب "عبقرية الإسلام" في أن يقول إنّ قضية رمضان قضية أوروبية وغربية صريحة، وأنّها "تتجاوز الشخص. فهي تندرج في قصة معينة". لكن، لسوء حظه، لم تعد فرنسا تخشى كاتبها الشهير زولا. "يبدو أنّها تعيد إنتاج دريفوس (1)، اليهودي بالأمس، والمسلم اليوم. في مقابلة مع BFM TV أجراها معه الصحافي جان جاك بوردين، قارن طارق رمضان نفسه بالكابتن دريفوس. في هذا الكتاب، يقارن نفسه بنماذج أخرى مشهورة، أمثال غاندي، ومارتن لوثر كينغ، ومالكوم إكس، ومانديلا. أي الكثير من الرجال العظماء الذين تعرّضوا مثله، "للوصم، والإقصاء، والسجن، والتشويه و / أو الإعدام". "لقد قلت مراراً وتكراراً إنني كنت فقط الشجرة التي تخفي وتعلن عن الغابة"، هكذا قال رمضان، دون استحياء، وأدان بشدة "العنصرية المعادية للمسلمين التي استقرت في البلاد".

 

 

"سقوطي هل يمكن أن يخدم هذه السياسات التي صرتُ أزعِجُها كثيراً؟ وماذا لو كان خطابي العلني، فيما أنا أنتمي إلى الشعوب العربية والمستعمرة السابقة، يزعج علاقة الهيمنة القائمة منذ وقت طويل؟ هكذا سأل طارق رمضان مرّة أخرى. لهذا السبب اصطنعت "السلطة"، في رأيه، "مؤامرة" – أو بالأحرى "فخاً" – لإسقاطه منذ أن أعلن عن نيّته في الحصول على الجنسية الفرنسية (زوجته إيمان فرنسية) وإعادة ترتيب وجوده في فرنسا. بل ويمزج طارق رمضان ويخلط حتى بين قاضي محكمة النقض والمستشار السابق لإيمانويل ماكرون وبين صحافية في هذه العملية، من أجل إسقاطه ... باختصار، فهو ليس سوى الضحية الوحيدة لـ "قضية رمضان"، ساعياً إلى أن يُنسِي الجميعَ أنه متّهم بالاغتصاب في فرنسا وسويسرا. حتى لو بقي إلى الآن بريئاً مفترضاً.

سمحت العدالة الفرنسية بإصدار كتاب الإسلامي السويسري طارق رمضان، رغم إرادة إحدى النساء اللواتي يتّهمنه بالاغتصاب والتي نددت بذكر اسمها الحقيقي في الكتاب.

في قرارها، اعتبرت محكمة باريس المختصة أن هُوية صاحبة الشكوى قد تم الإعلان عنها سابقاً وأن طلبها "سيؤثر بشكل غير معقول وغير متناسب على حرية التعبير للسيد رمضان، وفقاً للحكم الصادر".
ومع ذلك، اعترفت المحكمة بأن كريستيل التي ذُكر اسمها الحقيقي 84 مرة في كتاب رمضان قد تضرّرت بسبب نشر اسمها دون موافقتها، وأدانت المفكر الإسلامي بدفع يورو رمزي لهذه المرأة. وهذا ما ندّد به محاميها في استدعائه القضائي.

اقرأ أيضاً: الإسلامي طارق رمضان يعترف
كانت صاحبة الشكوى، التي تُدعَى كريستيل في وسائل الإعلام، رفعت يوم الإثنين 9 أيلول (سبتمبر)، دعوى طارئة ضد المؤلف وناشره، لتعديل هذا الكتاب "واجب الحقيقة"، قبل أي تسويق، وإزالة لقبها منه.
أسّس محامي المدعية صاحبة الشكوى عريضتَه على المادة 39 من قانون حرية الصحافة الصادر في 29 تموز (يوليو) 1881، والتي تحظر "نشر المعلومات المتعلقة بهوية ضحية اعتداء ـ أو اعتداء جنسي ".
رمضان: علاقاتي بالتراضي
في هذا الكتاب، يروي السيد رمضان كيف عايش القضية التي انفجرت في خريف عام 2017 وتسببت في سقوطه، في نص مليء بالتأملات الروحية.
وكان هذا الباحث الإسلامي الذي ظل يثير بشخصيته المؤثرة منذ فترة طويلة الجدل في الإسلام الأوروبي، والذي يخضع للتحقيق منذ شباط (فبراير) 2018 بسبب اغتصاب امرأتين في فرنسا، قد أنكر في البداية أي علاقة جنسية بهاتين المرأتين، قبل أن يتناقض مع التحقيق ويستحضر ما أسماه بـ "علاقات جنسية بالتراضي". وقد أمضى ما يقرب من 10 أشهر رهن الاحتجاز المؤقت قبل الإفراج عنه في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

 

 

 

صدمة اتحاد مسلمي فرنسا
بين مسلمي فرنسا (MF، UOIF سابقاً) وطارق رمضان، أصبحت القطيعة نهائية ومستهلكة. في أعقاب تدخل طارق رمضان على BFM TV و RMC الذي وقع على عودته إلى وسائل الإعلام في فجر صدور كتابه "واجب الحقيقة" قرر اتحاد مسلمي فرنسا الخروج عن تحفظه وصمته حول القضية التي تهز عالم الإسلام والذي لم تُعرب عنه المنظمة الإسلامية علانية منذ آذار (مارس) 2018، أثناء التجمع السنوي للمسلمين في فرنسا (RAMF).
ففي يوم الجمعة 6 أيلول (سبتمبر)، استقبل الصحافي الفرنسي، جان جاك بوردين، الداعية الإسلامي طارق رمضان. كانت فرصة رمضان لشرح حالات الاغتصاب الأربعة التي اتهِم بها. لقد صدم اللقاء الاتحاد الفرنسي الإسلامي الذي كان رمضان إلى عهد قريب، نجماً ساطعاً في سمائه. السبب: "الاعترافات الصادمة التي قدّمها للمرّة الأولى هذا الشخص فيما يتعلق بعلاقات الزنا المتكررة"، حسب الاتحاد.

اقرأ أيضاً: طارق رمضان.. تهمة جديدة باغتصاب جماعي
قال اتحاد مسلمي فرنسا بأنّه "خُدِع بسلوك" الداعية طارق رمضان، "المتناقض تناقضاً تاماً مع المبادئ المتوقعة من رجل يبشر بالإسلام"، بعد تصريحاته حول علاقاته الجنسية غير الشرعية .
"لقد خَدعنا طارق رمضان بالسلوك الذي أقرّه"، هذا ما قاله اتحاد المنظمات الإسلامية السابق في فرنسا (مسلمو فرنسا، أم إف منذ عام 2017) في بيان نشره في موقعه على الإنترنت، بعد بضعة أيام من المقابلة التلفزيونية المذكورة مع الداعية الإسلامي السويسري، الذي وجِّهت إليه تُهمٌ بحالات اغتصاب ما فتئ يدحضها.

اتحاد مسلمي فرنسا: الاتحاد يشعر بالصدمة من الفجوة بين أقوال وسلوك رمضان وهي الفجوة التي لم يكن تتوقعها منه قط

قال اتحاد مسلمي فرنسا MF، في بيان صارخ: "نحن نواجه التحدي والسؤال من خلال الاعتراف الذي أدلى به الشخص المعني بشأن علاقاته الزوجية غير الشرعية العديدة والمتكررة". لطالما كان اللاهوتي نجماً متكرراً في الصالون السنوي للاتحاد في منطقة باريس؛ حيث كانت محاضراته تستقطب الحشود.
وضّح اتحاد مسلمي فرنسا أنّه لا يملك الحق في "التعليق على هذه القضية من الناحية القضائية"، إلا أنه يتحمل "واجب التعبير عن نفسه"، في ضوء "الدور الهام" الممنوح للسيد رمضان "داخل الجالية المسلمة في فرنسا، وخاصة الأصغر سناً".
وأضاف الاتحاد أنّه يدين "السلوك الذي يتناقض تماماً مع المبادئ الأخلاقية المتوقعة من رجل يُبشر بالإسلام، ويدعو إلى روحانيته وقيمه، ويتعامل مع أسئلة جمهور من الشباب، بشكل أساسي، يبحث عن النماذج المثالية".
"الاتحاد يشعر بالصدمة من الفجوة بين أقوال وسلوك السيد رمضان، وهي الفجوة التي لم يكن يتوقعها منه قط. لم نكن على علم بذلك قط، ولم نلاحظ أي سلوك من هذا الشخص الذي لم يعد يتفق بتاتاً مع أخلاقيات المسلمين".
في بيانه ذكر الاتحاد بأنّ "الأئمة والخطباء والزعماء الدينيين المسلمين" مطالبون بالعيش "مع أخلاق تتفق مع ما يعِظون به وفي مستوى ما يتوقّعه جمهورُهم منهم".
كيف تبرر العدالة صدور كتاب طارق رمضان
على الرغم من طلب إحدى المدعيات ضد طارق رمضان، فإن كتاب الداعية الإسلامي الذي يشير إلى هوية هذه المرأة، قد عُرض  في المكتبات يوم الأربعاء 11 أيلول الجاري.

اعترف طارق رمضان بأنه كان في تناقض مع بعض مبادئه وبأنه كذب بشأن علاقاته الحميمة مع بعض الشاكيات لحماية أسرته

يتربع كتابُ "واجب الحقيقة" بالفعل، منذ صباح 11 أيلول، على رفوف المكتبات. كان من الممكن تأجيل إصدار كتاب طارق رمضان الأخير، بسبب الطلب الذي قدمته المرأة التي تحمل لقب "كريستيل" في وسائل الإعلام، والذي تتهم فيه السويسري باغتصابها في عام 2009. أرادت صاحبة الشكوى أن يبقى اسمُها مجهولاً، وتأسف لذكر اسمها 84 مرة، وفقاً لمحاميها. لكن محكمة باريس قدّرت أن لقبها الحقيقي قد تم نشره بالفعل، وأن منع طارق رمضان من نشر كتابه بصيغته الحالية "سيكون مساساً مفرطاً بحرية التعبير".
ومع ذلك، فقد اعتُبر أن نشر اسم صاحبة الشكوى قد تسبب في الضرر لها، وهو الضرر الذي كلفه دفع يورو رمزي لها. في هذا الشأن عبّر محامي طارق رمضان، إيمانويل مارسيني، لوكالة "فرانس برس"، عن ارتياحه برفض هذا الطلب، القائم حسب رأيه "مرة أخرى على الأكاذيب". من ناحيته وافق وسلّم إريك موران، الذي يدافع عن مصالح "كريستيل"، بأن يصدر كتاب طارق رمضان "واجب الحقيقة" في بلد فولتير".
ست شكاوى ضد طارق رمضان
طارق رمضان متّهم من قبل ست نساء، بما في ذلك أربع نساء في فرنسا، بالاغتصاب والاعتداء والتحرش الجنسي. في الوقت الحالي، أسفرت شكوتان اثنتان من أصل أربع شكاوى لدى المحاكم الفرنسية عن توجيه اتهامات لطارق بدأت الأولى من قبل هندة عياري، وتتعلق بحقائق تعود إلى 26 أيار (مايو) 2012 ، بينما جاءت الثانية من "كريستيل".

اقرأ أيضاً: وثائقي فرنسي عن حفيد مؤسس "الإخوان" طارق رمضان
بسبب هاتين الحالتين بالتحديد، تم اعتقال طارق رمضان، لكن بعد خمسة طلبات بالإفراج، قررت غرفة التحقيق منحه إفراجاً مشروطاً: منعه من مغادرة الأراضي الفرنسية، ومُصادرة جواز سفره، وحظر أي تواصل منه مع أصحاب الشكوى وبعض الشهود، ودفع كفالة بـ 300000 يورو. فبينما كان في البداية قد أنكر أي علاقة مع هاتين المرأتين خلال جلسات الاستماع، اعترف طارق رمضان، مع مواجهته بعناصر التحقيق، بأنه مارس بالفعل علاقات بالتراضي.
 جاءته النكسة الأعظم من صفوف حلفائه السابقين أي جماعة الإخوان المسلمين الذين ساعدوا صعودَه في فرنسا في الماضي

هجوم طارق المضاد
منذ ما يقرب من عام، ظل طارق رمضان حرّاً طليقاً، في انتظار المحاكمات، لكن هذا لم يمنعه من إعداد دفاعه. بدءاً بشكوى منه ضد النساء اللواتي اتهمنه بالاغتصاب. بل ولقد أكد محامي رمضان، في شباط (فبراير) الماضي، أن موكله "تعرض لاتهامات خطيرة، واتهامات كاذبة، لا أساس لها من الصحة"، وأن الأمر متروك الآن للعدالة "لتحديد الظروف التي قدمت فيها أصحاب الشكاوى ادعاءً كاذباً بالاغتصاب ضده". في الآونة الأخيرة، في آب (أغسطس) الماضي، اعترض طارق رمضان أيضاً على أحد جوانب ظروف حريته. ففيما كان يتمنى السفر إلى لندن "لاستئناف حياته المهنية والطبية والعائلية" وفقاً لمحاميه، فقد قدّم التماساً إلى القضاة بمغادرة الإقليم الفرنسي. لكن الطلب رُفِض من محكمة استئناف باريس، التي رفضت حتى حضور طارق رمضان، الجلسة.

يواصل الإسلامي طارق رمضان استعادة الأوساط المسلمة التي صارت على خلاف معه منذ الكشف عن حياته المزدوجة

يواصل الداعية الإسلامي طارق رمضان، الذي تتهمه نساء بالاغتصاب، والذي نشر تواً دفاعاً عن قضيته في كتاب "واجب الحقيقة"، عمليته لاستعادة الأوساط المسلمة التي صارت على خلاف معه منذ الكشف عن حياته المزدوجة.
"طارق لم يقدم أي إقرار مشرف بالذنب"، قال متأسفاً أحد المقربين منه السابقين. وقال عبد العزيز تشامبي، وهو رفيق سابق في مدينة ليون، على خلافٍ مع عالم اللاهوت منذ عشر سنوات: "لديه جرأة وقِحَة شيطانية، في محاولة العودة إلى المسرح". "فليصمتْ!" هكذا تطالبه الأوساط المسلمة، وفقاً لعالم الاجتماع المتخصص في الإسلام، فنسنت غيسر، المطلع على أجواء قاعدة طارق رمضان.
"الرد على الضربات التي تلقاها"
غامر رمضان بمخاطر كبيرة، من خلال العودة بصوت عالٍ إلى وسائل الإعلام. في الوقت الحالي لم يتم الاستماع إليه أو مواجهته بـ "بريجيت" (الاسم المستعار) للمرأة التي تتّهمه في سويسرا باغتصابها، وبالإغلاق عليها ليلة كاملة، في نهاية شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2008 بأحد الفنادق في مدينة جنيف. القضاء السويسري، الشامخ، عليه ألا يقدّر تصريحات طارق رمضان ضد صاحب الشكوى، التي اتهمها بنصب فخّ لتُسقطه مع "كريستيل"، ثاني امرأة تقدّم شكوى بخصوص اغتصاب اللاهوتي لها. "كل هذا تزوير، وكذب إضافي"، هكذا قال محامِيا بريجيت، روبرت أسايل وأليك ريمون، "إنه كذب آخر".

اقرأ أيضاً: 35 ألف يورو شهرياً يتقاضاها المفكر الإسلامي طارق رمضان.. من يدفعها؟ ولماذا؟
على أي حال، تتضح عودة اللاهوتي إلى المشهد العام أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً. قبلت وسائل إعلام قليلة مقابلته على الرغم من اقتراحات ناشره  Presses du Chatelet. تحدث طارق رمضان يوم الأربعاء فقط على موجات الإذاعة المجتمعية France Maghreb 2 خلال البرنامج الشهير "المنتدى الكبير". قال رمضان "أنا أفهم خيبة أمل البعض والبعض الآخر، لكنني أطلب من كل مَن رافقني وضْع الأشياء في مكانها. [...] هل نخدم رجلاً أم نخدم رسالة؟"، هكذا قال رمضان، على وجه الخصوص، للتخلص من حياته المزدوجة.

 

 

 

ضربة كبيرة لطارق رمضان من الإخوان المسلمين
لكن بالنسبة لطارق رمضان، فقد جاءته النكسة الأعظم من صفوف حلفائه السابقين؛ أي جماعة الإخوان المسلمين الذين ساعدوا على صعوده في فرنسا في الماضي. رغم كل التوقعات، أصدر اتحاد مسلمي فرنسا (UOIF السابق، الفرع الفرنسي لجماعة الإخوان المسلمين)، مؤخراً، بياناً يتبرّؤون فيه من اللاهوتي. يقول النص "نشعر بالخيانة نتيحة السلوك الذي كشف عنه السيد رمضان، وهو سلوك يتناقض تماماً مع المبادئ الأخلاقية المتوقعة من رجل يُبشّر بالإسلام". في هذا الصدد يقول صحفي من إحدى وسائل الإعلام المجتمعية: "إنها ضربة كبيرة لطارق رمضان". في بيانه، يصر اتحاد مسلمي فرنسا على الحماية الضرورية لعامة الشباب.


هامش:

(1) قضية دريفوس  Dreyfus هي صراع اجتماعي وسياسي حدث في نهاية القرن التاسع عشر في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة. اتهم دريوفوس بالخيانة في هذه القضية (النقيب ألفريد دريفوس) وهو فرنسي الجنسية يهودي الديانة. هزت هذه القضية المجتمع الفرنسي خلال اثني عشر عاماً من 1894 وحتى 1906 وقسمته إلى فريقين؛ المؤيدين لدريفوس المقتنعين ببراءته (الدريفوسيين)،  والمعارضين له المعتقدين أنه مذنب.
قبل كل شيء، يربط طارق رمضان بين قضيته وبين قضية دريفوس، فضيحة مدوية للجمهورية الثالثة تجمع بين إجهاض وإنكار العدالة ومعاداة السامية ضد النقيب ألفريد دريفوس، الذي اتُهم خطأً بالخيانة العظمى في عام 1894 قبل إعادة تأهيله أخيراً في عام 1906.


المصادر عن الفرنسية: ouest-france.fr و liberation.fr و lepoint.fr

للمشاركة:

الاستسلام للصداع الإيراني خطيئة كبرى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

فاروق يوسف

ليس من باب المبالغة القول بإن إيران تفكر في فرض إرادتها على العالم. ولكن ما الذي يعنيه ذلك وهو لا يستقيم مع أحسن الاحتمالات التي يمكن توقعها لحل النزاع بين إيران والعالم؟

بغض النظر عن أكاذيب ومرويات الحرب العقائدية فإن لإيران مصالح اقتصادية وخطط سياسية في الهيمنة على منطقة استراتيجية تشكل قلب الشرق الأوسط. وليست هذه الخطط وليدة اليوم، بل هي ظهرت منذ اليوم الأول لاستيلاء الملالي على الحكم في طهران.

ما فعلته إيران عبر الأربعين سنة الماضية كان يهدف إلى توسيع حدودها لتصل إلى بحرين يصلان بين قارات ثلاث هما البحر الأحمر والبحر المتوسط. وهو ما لم يعد محل شك أو التباس.

استعمل الإيرانيون البعد الطائفي غطاء لأطماعهم القومية في بناء امبراطورية لم يعد لها مكان في العصر الحديث. 

امبراطورية على غرار امبراطوريات العالم القديم.

ما لم يتمكن الفرس من تحقيقه في سالف أيامهم يحلم خامنئي بأن يتحقق في ظل ولايته التي وضع لها العمامة سقفاً زائفا. سيُقال إنه حلم انتحاري لولا أن هناك ما يؤكد أن ذلك الانتحار سيكون جماعيا في سياق اللعبة الطائفية التي أحكمت إيران صنع مفاتيحها في ظل غفلة إقليمية وعالمية. 

لا ترغب إيران في أن تنتحر بنفسها. بل ترغب في أن تكون هناك حفلة انتحار جماعية. وهو ما كانت تهدد به، غير أنها وضعته موضع التنفيذ حين قامت بقصف المنشآت النفطية السعودية.

وفي ذلك تحاول إيران التشبه بالانتحارين الذين يرتدون أحزمة ناسفة ويهددون بتفجيرها وسط حشد هائل من الناس. سلوك إرهابي صار عنوانا للصداع الإيراني الذي صار العالم يعاني منه من غير أن يستطيع أن يعالجه بطريقة جذرية.

يشعر المرء حقا بالضجر كلما اضطر إلى الالتفات إلى المسألة الإيرانية التي صارت تتعقد مع مضي الزمن في ظل تحول تلك المسألة بالنسبة لبعض الدول إلى واجهة لخلافاتها مع الولايات المتحدة من غير التفكير بمصير دول دمرها التدخل الإيراني وأفقدها حريتها في قرارها السياسي المستقل وشعوب أفقرتها إيران بفساد عملائها الذين يمارسون لصوصيتهم تحت راية الولي الفقيه.

ولأن إيران لا تملك مشروعا سوى ذلك المشروع الذي تطمع بأن تحقق من خلاله حلمها الامبراطوري فإنها وضعت كل ما تملك من أجل أن تصل إلى غايتها، بغض النظر عن تعارض ذلك مع القانون الدولي ومع إمكانية أن يؤدي إلى تدميرها.

وما ييسر للإيرانيين الاستمرار في عنادهم أن هناك دولا كبرى لا يهمها مصير العراق ولبنان واليمن. تلك دول لا تفكر إلا في اتقاء شر المسعى النووي الإيراني ولا مانع لديها في أن تترك إيران تفعل ما تشاء في العراق ولبنان واليمن مقابل تعهدها بعدم مواصلة مسعاها لامتلاك سلاح نووي.

حتى عند ذلك المستوى السياسي الرخيص فإن إيران ستكذب. وكما أتوقع فإن تلك الدول ستتستر على الأكاذيب الإيرانية من أجل أن تقنع شعوبها بأن كل شيء على ما يرام.

في سياق تلك المعطيات أليس من المتوقع أن تفكر إيران في فرض ارادتها على المجتمع الدولي؟ فهناك مَن يماليها. وهناك مَن يؤيدها ضمنا. وهناك مَن يدافع عنها ويحميها فالفيتو الروسي جاهز في مجلس الأمن إذا ما وصلت الأمور إليه.

غير أن ذلك كله ينبغي أن لا ينسينا أن العقوبات الأميركية بالرغم من تبجح النظام الإيراني بمقاومتها وبأنها لم تؤثر على مشروعه العدواني تقود إيران تدريجيا إلى الانهيار الاقتصادي. حينها لا تنفع أسلحة الدمار لشامل في الحيلولة دون سقوط النظام.

ومن المؤكد أنه صار لزاما على خصوم النظام الإيراني أن يلتفتوا إلى معارضيه في الداخل والخارج من أجل تهيئة البديل السياسي المقنع لشعوب إيران. في إمكان تلك المعارضة إذا ما قويت أن تزعزع ثقة النظام بإرادته التي يريد أن يفرضها على المجتمع الدولي.      

لم يعد مقبولا أن يستمر الصداع الإيراني من غير علاج.

سيكون الاستسلام لذلك الصداع خطيئة تاريخية كبرى لن يغرفها المجتمع الدولي لنفسه.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

بقيق: سقوط كذبة "منع جر المنطقة إلى حرب"!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-22

إياد أبو شقرا

قيل الكثير عن الهجوم الذي استهدف خلال الأسبوع الماضي المنشآت النفطية في كل من بقيق وهجرة خريص بالمملكة العربية السعودية، وهذا أمر متوقع وطبيعي.
متوقع وطبيعي ليس فقط لأن نفط الخليج مادة حيوية للاقتصاد العالمي... واستهداف المنشآت كان يتعمّد توجيه رسالة «عالمية»، بل لأنه سبق لمَن نفذوه أن هدّدوا به غير مرة. لقد هدّدوا به، أحياناً من قلب عاصمة القرار، وأحياناً أخرى على ألسنة الأتباع والدُّمى الذين تحرّكهم فوق الأراضي العربية التي تتباهى القيادة الإيرانية بأنها «تسيطر» عليها. وبالفعل، بُعيد الهجوم، بادرت بعض الأدوات إلى إعلان المسؤولية - في اليمن، هذه المرة - وفق «السيناريو» المؤقت المعدّ لاختبار ردة الفعل.
أكثر من هذا، جاء هذا العدوان في سياق تصعيد مستمر منذ باشرت إيران عمليات تخريب، ثم خطف ناقلات نفط، في رسالة واضحة إلى العالم، تقوم على إشارتين:
الإشارة الأولى، أنها القوة الآمرة الناهية في مياه الخليج، حتى بوجود القواعد والأساطيل الغربية في الخليج نفسه، في وجه الدول العربية المطلّة عليه.
والإشارة الثانية، أنها لا تخشى أي ردّ على تصعيدها، بل، على العكس، تتعمّد إفهام خصومها أنها تسعى لجرّ العالم إلى مواجهة معها، تريد أن تنتهي كما انتهى الاتفاق النووي... أي بإطلاق يدها سياسياً في المشرق العربي.
في هذه الأثناء، شكّل انسحاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الاتفاق النووي، الذي عقده سلفه باراك أوباما مع طهران... بالتفاهم والتضامن الكلّي من القوى الأوروبية الغربية الكبرى والروس نكسة، بلا شك، للمخطط الإيراني. لكن هذه النكسة، مع ما تلاها من تشديد للعقوبات الاقتصادية، بقيت مجرد نكسة.
إنها نكسة تعتقد طهران بقناعة راسخة أنها قادرة على تجاوزها، لدى أخذ عدة مُعطيات في الاعتبار، أبرزها:
- وجود تفاوتٍ مصلحي بين القوى الأوروبية من جهة وواشنطن تحت رئاسة ترمب من جهة ثانية. وبناءً عليه، فإن القيادة الإيرانية واثقة من قدرتها على «خلخلة» هذا التحالف الغربي، لا سيما، إذا رفعت كلفة المواجهة معها.
- استمرار روسيا شريكاً لإيران، أقله لمشاغبة الولايات المتحدة وابتزازها في كل مكان يسهل فيه الابتزاز، وهذا من دون إسقاط العامل الصيني أيضاً من المعادلة. ومعلومٌ أن ثمة عشرات المليارات من الدولارات مرصودة للمشاريع الإيرانية - الصينية المشتركة.
- إن إيران تمكّنت حتى الآن من تحييد تركيا في صراع بدا لفترة ما في مستهل المحنة السورية أنه محتوم. ولقد استفاد الإيرانيون، من تحوّل الموقف التركي باتجاههم بعد تشجيع واشنطن أحلام الاستقلال الكردية، وضغط موسكو على أنقرة ثم جرّها إلى «معسكرها» بعد حادثة إسقاط الأتراك الطائرة الحربية الروسية عام 2015، ناهيك بتفاهم بعض تنظيمات «الإسلام السياسي السنّي» - مثل «حماس» - مع طهران... التي دمرت سوريا بحجة القضاء على «التكفيريين» السنة!
- إن ثمة انقساماً وضياعاً في العالم العربي مكّن طهران من تحقيق اختراقات ما عاد جائزاً تجاهلها. ولقد نجحت طهران على هذا الصعيد خليجياً، كما نجحت مع بعض الأنظمة العربية التي ما عادت ترى إشكالية في التطبيع الكامل مع نظام بشار الأسد مع أنه حوّل سوريا إلى قاعدة من قواعد التمدّد الإيراني.
- إن طهران تدرك تماماً «ارتياح» المؤسسة الاستراتيجية والأمنية الإسرائيلية للدور الإيراني التخريبي في المنطقة. وهي، بعيداً عن الدعاية والعنتريّات، تعلم جيداً - بناءً على الموقف الإسرائيلي من مستقبل النظام السوري، كما كرّر بعض كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين - أن ما نفذته وتنفّذه في سوريا من تهجير طائفي، منذ 2011، إنما يخدم مشروع «الأمن الإسرائيلي» والغايات الغربية العليا.
العوامل المشار إليها أعلاه، مجتمعة، تشجّع القيادة الإيرانية على المضي أبعد في تنفيذ الشق السياسي من استراتيجيتها النووية. هذا الشق هو الهيمنة السياسية والاقتصادية على «جاراتها» العربيات واستتباعها لها، وتحويل أنظمتها السياسية إلى نُسخ من النموذج الإيراني القائم على دعامتي «المرشد» و«حرسه الثوري». وجاء ليؤكد هذا الواقع كلام السيد أحمد علم الهدى، إمام مدينة مشهد في خطبة الجمعة أول من أمس، إذ قال صراحة إن مساحة إيران اليوم «أكبر من حدودها الجغرافية». وشرح: «إيران اليوم ليست فقط إيران، ولا تحدّ بحدودها الجغرافية. الحشد الشعبي في العراق وحزب الله في لبنان وأنصار الله (الانقلابيون الحوثيون) في اليمن و(ميليشيا) قوات الدفاع الوطني في سوريا والجهاد الإسلامي وحماس في فلسطين، هذه كلها إيران!».
هنا، نحن والعالم أمام حقيقة لا تقبل الجدل. فالكلام عن السعي إلى «تغيير سلوك النظام» الإيراني بات مسألة عبثية لا طائل منها، وإصرار بعض القوى الأوروبية على المراهنة على تحوّل سلوكي، ناهيك بتقبّل موسكو وبكين طوعاً إسقاط «ورقة ابتزاز» لواشنطن رهان عبثي أخطر وأسوأ.
وكانت الحصيلة... ما رأينا بالأمس في بقيق وهجرة خريص.
لذا، ومع مركزية القرار الوطني السعودي، والمصلحتين الأمنية والقومية خليجياً وعربياً، فإن التحدي أكبر بكثير من الخليج ومن العالم العربي. فعلى العالم بأسره التعامل ليس مع دولة ميليشياوية مشجّعة على التطّرف ومحفزة له، فحسب، بل أيضاً مع «مشروع» قوة نووية غاشمة تهدّد بالاستحواذ على أكبر احتياطي للطاقة في العالم.
التحدّي بلغ هذا الحدّ، وأي تهرّب من مواجهته بالوسائل الناجعة يعني عملياً القبول به ومباركته، وتسليم المنطقة لطهران مع كل ما يمكن أن يطلق ذلك من ردّات فعل غير مأمونة العواقب.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية