كيف يمكن وصف نظام الولي الفقيه بالعلمانية؟

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
3876
عدد القراءات

2019-04-15

تظلّ جدلية العلاقة بين الدين والسياسة من بين الأمور التي تعكس توتراً في بنية النظم السياسية، خاصة تلك الدول التي تعمد إلى استثمار الدين وتوظيفه، بصورة غير مباشرة، أو الدول الأخرى التي تطرح مرجعية دينية شمولية، في نظام الحكم الخاص بها.

اقرأ أيضاً: استهداف الخليج: جنون ميليشيا الملالي وفقدان منطق الدولة
كما يبقى الحال إشكالياً ومتوتراً في تلك الدول، وإيران نموذجها الأكثر سطوعاً؛ لأنها تضع إطاراً كلياً لسياستها وإستراتيجيتها، وإدارتها للحكم والمجتمع، عبر منظومة فقهية ودينية، تحميها طبقة من رجال الدين، ممن يساهمون بأدوارهم المتعددة، في منح الشرعية الدينية للنظام، وتكفير المخالفين والخصوم السياسيين، فضلاً عن فرض نمط عام من التدين على المجتمع، من خلال تأويلاتهم، وتفسيراتهم الفقهية، التي لا يسمح فيها بالخلاف أو التعارض.

هل تبعث الاحتجاجات مفهوماً آخر لولاية الفقيه؟
كشف الحراك الاجتماعي والشعبي القائم في إيران، منذ نهايات العام قبل الماضي، نزعة ليست جديدة، وسبق وتبناها، في فترات متفاوتة، عدد من المعارضين لنظام "ولاية الفقيه" وسياسة الملالي، وهي وجود نبرة تذمر، تتصاعد لدى قطاعات، لا يستهان بها، في المجتمع؛ إذ ترفع بعض المطالب الحقوقية، وليست فقط السياسية والاجتماعية، والتي تتصل بالحريات، وتنبذ هيمنة رجال الدين، وتحتج على سلطة الحوزة، سواء فيما يتصل بدورها السياسي أو الديني، على حدّ سواء.
منذ الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979، والتي فرضت نظام ولاية الفقية بقراءتها الخمينية، تضخمت الحوزة العلمية في إيران، ولعبت أدواراً مهمة ومؤثرة، عبر رجالها وأئمتها، في نظام الحكم الناشئ والجديد، ومخاضاته السياسية وصراعاته مع القوى القديمة والتقليدية، بعد سقوط الشاه؛ إذ اندمجت مع مشروعه، وحصلت على امتيازات اجتماعية ومادية، وحققت نفوذاً كبيراً.

اقرأ أيضاً: إيران ومستقبل الاتفاق النووي بين تياري الحمائم والصقور في نظام الملالي
ويشير مكتب الأوقاف في إيران، إلى أنّ عدد رجال الدين وطلاب العلوم الدينية، بلغ نحو 200 ألف فقط، في العام الأول من الثورة، بينما بلغ عام 1989، ما يربو عن النصف مليون.
وبحسب أمير طاهري، الباحث الإيراني، المتخصص بشؤون الشرق الأوسط والسياسات الدولية؛ فقد كان من وظيفة رجال الدين "المزعومين" الجدد، بحسب توصيفه، منح التأييد العلمي الافتراضي للمزاعم الدينية الخاصة بالنظام الحاكم الجديد، وفي الأثناء ذاتها، ورغم كلّ شيء، مكّن وجودهم المجال لرجال الدين التقليديين من المحافظة على جزء من هويتهم المستقلة على أقلّ تقدير.
الخمينية واحتكار المرجعية الدينية
ورغم أنّ الثورة الخمينية حين اندلعت، ساهم فيها العلمانيون واليساريون، جنباً إلى جنب، مع الإسلاميين، إلا أنه عقب ذلك، جرى إقصاء عدد كبير من الليبراليين وعناصر أخرى من شركاء الثورة، خاصة من التيار اليساري؛ إذ نجح الخميني في فرض سيطرته، وتهميش جميع المناهضين له، وأسلمة الثورة في نهاية المطاف، وترتب على ذلك حملة اعتقالات وإعدامات، وغلق الجامعات لمدة ثلاثة أعوام.

الصياد: الحوزة ما تزال "انتظارية" بالمعنى النظري في شقها الأكبر والإصلاحيون في إيران يحاولون تقييد صلاحيات الولي الفقيه

ويضاف إلى تلك الإجراءات؛ قيام رجال الدين بمحاولة "أسلمة" الحياة العلمية، والمؤسسات التعليمية بإيران، عبر تدشين "المجلس الأعلى للثورة الثقافية"؛ حيث كان من بين أهداف هذا المجلس، تطهير هيئة التدريس، وإعادة كتابة مناهج التدريس في العلوم الاجتماعية، كما دمجوا مناهج إسلامية جديدة ومعاهد علمية مغايرة في الحياة الفكرية، وعهد إلى هذه المعاهد وضع برنامج أكاديمي مشترك؛ يقوم على تدشين دراسات دينية تقليدية، إضافة إلى مقررات حديثة عادية.
بيد أنّ الباحث المصري، محمد الصياد، مدير وحدة الدراسات الفكرية والأيدولوجية، في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية في الرياض، يشير إلى أنّ رجال الدين ممن كانوا بعيدين عن الحكم، وإدارة الدولة في إيران، بصورة شبه كاملة، منذ عهد الصفويين وحتى الثورة الإيرانية، عام 1979، ظلوا في التزام تام بالتراث الشيعي "الانتظاري"، الذي يرفض العمل السياسي، وخلطه بالمرجعية الدينية حتى ظهور الإمام المعصوم، بحسب معتقدهم المذهبي.

ما هي النظرية "الانتظارية"؟
ويؤكد الصياد، في دراسته "العلمانية والحوزة: تحولات التدين الإيراني"، أنّ رجال الدين تبنوا رفض العمل السياسي، في ظل غياب الإمام المعصوم، واعتبار هذا الأمر لا يدخل في دوائر عملهم، حتى وإن لم يكن هذا النهج على نفس المستوى في كل العصور، وهو ما شهد تبدلاً في فترات تاريخية وسياسية معينة، كما حدث في عهد الصفويين، مثلاً، ومراحل من عهد القاجاريين، لكن تبقى الفكرة الرئيسية؛ عدم المطالبة بتشكيل دولة شيعية تحكم باسم المذهب، وهي الفكرة السائدة في الدرس الفقهي والحوزوي.

اقرأ أيضاً: هكذا تقف الحركة النسوية في إيران بوجه نظام الملالي
يرى الصياد، فضلاً عن ذلك، أنّ العلمانية ما تزال هي الأصل في إيران، حتى وهي تحت مظلة ولاية الفقيه؛ حيث إنّ الثورة لم تقم من أجل إخضاع السياسة للدين، والمذهب لولاية الفقيه، بقدر ما كان لها مطالب تراكمية في عهد الشاه؛ وهي المطالب التي لم تتحقق على أيدي النخبة الدينية الحاكمة، والتي وعدت بتحقيقها؛ كمثل عدالة توزيع الثروات، والحريات العامة، ناهيك عن كون الثورة لم تكن ذات صبغة دينية خالصة عند حدوثها؛ حيث شاركت فيها كلّ فئات المجتمع الإيراني، ثم حرمت سائر الفئات من حقوقها بعد ذلك، لصالح فئة أبّدت الحكم، واحتكرت السلطة.
تآكل النخب العلمانية
ويلفت الباحث المصري، إلى أنّ ثمة علمانية تقليدية، ليست حركية، ما تزال تتمسك بحقها في قلب الحوزة الدينية ذاتها، ويمثلها جناح عريض داخلها؛ حيث يتشبث بنظرية "فقه الانتظار"، ويعتبرها أصل المذهب الشيعي؛ إذ تدعو لعدم الاشتباك السياسي؛ لأنّ السياسة ليست من بين مهامها، ولا ضمن دوائر عملها.

سروش: بنية النظام في إيران الذي يقوم في إحدى صوره على تبني الحكومة للثقافة سيؤول إلى التنظير لأعمال العنف

فالحوزة، في رأي الصياد، ما تزال "انتظارية" بالمعنى النظري، في شقها الأكبر، والإصلاحيون في إيران، يحاولون تقييد صلاحيات الولي الفقيه، ومن ثم، تدعو إلى تشكيل مجلس فقهاء، بغية توسيع دوائر الشورى. ورغم أنّ العلمانية منبوذة في أروقة الحكم، لكنها متغلغلة في المجتمع، وإن كانت محاطة بسياج من نصوص القانون والدستور، التي تتصدى لمظاهرها وتبطش بأفرادها وأفكارهم، وتحول دون مشاركتهم الواقعية في السياسة، في ظلّ القوانين "الجعفرية" والملاحقات الأمنية والميلشيات الطائفية.
وربما ساهم الاغتيال الدموي، وحملة الاعتقالات التعسفية التي حدثت، خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين، في هجرة رموز عديدة من تلك النخبة، للتدريس في الجامعات الأجنبية والغربية، وهو ما ترتب عليه خفوت وتراجع في تلك الأفكار وتأثيراتها على النظام، لكن ظلت القواعد الشبابية والنسائية المتعلمة، مناهضة لنظرية ولاية الفقيه، واستبداد رجال الدين. كما يوضح الصياد.

اقرأ أيضاً: احتجاجات البصرة وأذرع الملالي
ومن بين المفكرين الذين وضعوا آراء نقدية لنظام الحكم الديني في إيران؛ المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، الذي يتبنى النموذج العلماني في الحكم ونظام السياسة، لكن من خلال تبْيئة المفهوم بالشكل الذي يتناسب ومجتمعه المحلي، من ناحية، وفهمه الخاص وتعريفه للمصطلح، الذي يعنى بـ "استقلال السياسة عن الدين"؛ حيث يرى أنّ "السياسة مستقلة بطبيعتها عن الدين، فالفلسفة والفنّ والعلوم، وكثير من الشؤون الإنسانية، والنظم الاجتماعية، هي كذلك أيضاً؛ لهذا يجب أن يفهم الانفصال بمعنى الاستقلال، وأن علمنة البشر هي ثمرة اكتشافهم هذا المعنى".
وبحسب سروش؛ فإنّ بنية النظام في إيران، الذي يقوم في إحدى صوره على تبني الحكومة للثقافة، مثلاً، سيؤول بها الحال إلى أن "تنتهي بالتنظير لأعمال العنف، وتجويز استعمال آليات القهر، فلا ينبغي للحكومة أن تتولى صناعة الثقافة الاجتماعية، لأنّ وضع الثقافة بعهدة الحكومة يعني التضحية بالديمقراطية، فجعل مسؤولية تثقيف الناس بيد الحكومة يعني شنق الثقافة والقضاء عليها".

اقرأ المزيد...

الوسوم: