الخطاب العربي الموجّه للغرب: مرونة أم تبدّل مواقف؟

صورة رشا سلامة
كاتبة وصحافية أردنية
1400
عدد القراءات

2018-12-06

قطع العرب شأواً كبيراً عن ذلك الخطاب الآفل، الذي اشتهروا به يوماً بصوت المذيع أحمد سعيد "تجوّع يا سمك"، واستمرّ الخطاب العربي، سياسياً وثقافياً، في التنازل عن أحلامه وطقوسه اللغوية، سيما حين كان يُوجّه للغرب، إلى حدّ وصل فيه مرحلة من تغيير المواقف، لا اللّغة فحسب.

اقرأ أيضاً: كيف وظّف الخطاب السياسي العربي الدين والبلاغة؟

كثيرون هم من باتوا يعقدون مقارنات بين خطاب الشخصية العربية، السياسية أو الثقافية، حين يُقصد به الجمهور العربي، وذلك المقصود به الجمهور الغربي، تماماً كخطاب الشخصية العربية قبل وبعد الطموح للعالمية.

فيما يلي محاولة للإضاءة على التباين بين الخطاب العربي الموجّه للمجتمعات العربية، وذلك الموجّه للغرب، وسؤال حول ما إذا كان ينطوي على مرونة لغوية وفكرية أم تغيير في صلب المبادئ التي يقوم عليها.

الخطاب... أهميته وذكاؤه

وفي هذا السياق، يقول الأكاديمي والمترجم علاء الدين أبو زينة: "لا شكّ في أنّ الخطاب هو محرك التغيير وعربته؛ لعظيم أثره في التحولات السياسية والاجتماعية، ولتحريضه الانتقالات الثورية في النظم المعرفية والسلوكية والعقائدية، لكنّه كثيراً ما يستعير براغماتية السلطة ومكرها، فيفرز تناقضات صارخة".

البرغوثي: ينبغي التنبه لعدم خلط عامل الأسلوب مع عامل المضمون فاللغة المرنة لا تتطلب، البتة، المساس بصلابة الموقف

لأنّ الخطاب هو لغة في الأساس؛ فإنّ السلطات تسخّر المثقفين والمفكرين لترويج خطابها، من خلال استعمال أدواتها، وبما يخدم مصالحها، ويرفد وجودها وهيمنتها.

ويتابع أبو زينة، في حديثه لـ"حفريات": "لا بدّ للخطاب، أيّ خطاب، من اعتماد طريقة ذكية وبارعة لخلق انطباع إيجابيّ مبدئيّ حول الفكرة؛ إذ من الأخطاء الفادحة في هذا السياق طرح أفكار تتصادم بشكل مباشر مع ما تأخذه تلك الثقافة على أنه مسلّمات، لأنّها تكون حينها الطريقة الأسهل لحصد الكراهية، سلفاً وبالمجّان"، ويردف: "لكن ذلك لا يعني، بأيّة حال، العبث في جوهر الخطاب أو التنازل عن بديهياته، وإنما العمل على التهيئة له في بيئة غريبة عنه".

اقرأ أيضاً: مصنع الإسلاموية وخطابها تجاه الغرب

يستدرك أبو زينة بأنّ "الأمر مختلف لدى المثقفين العرب الذين يعيشون في الغرب ويعرفون منظومته الفكرية واللغوية والعقائدية"، موضحاً "غالباً ما يستمدّ هؤلاء القبول الأول من سلطتهم الأكاديمية، أو مواقعهم المهنية، مثل: إدوارد سعيد، وإبراهيم أبو لغد، وآخرين، وهؤلاء يراعون حساسيات الجمهور المستهدف حين يطرحون فكرهم المغاير، مستشرفين إجابته وردّة فعله، فيجعلون البداية للفكرة المقبولة لديه، ومن ثم للفكرة الجديدة".

المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد

إدوارد سعيد أنموذجاً

يسوق أبو زينة مثالاً عن إدوارد سعيد؛ حين يتحدث عن القضية الفلسطينية قائلاً: "يبدأ سعيد خطابه بالاعتراف بالهولوكوست الذي تعرّض له اليهود؛ إدراكاً منه لحقيقة أن إنكاره ذلك سيعني تحييده والانفضاض عنه، قبل أن يبدأ بالحديث عمّا تعرّض له الشعب الفلسطيني على أيدي الإسرائيليين"، متابعاً "يعقّب سعيد بعد ذلك مباشرة بقوله: "نعم، حدث هولوكوست يهوديّ، لكن ما ذنب الفلسطينيين الذين لم يرتكبوا الهولوكوست اليهودي حتى يصبحوا هم أنفسهم موضوعاً لهولوكوست على يد اليهود، ليصبحوا ضحية الضحية؟"، وكذلك عن موضوع الإرهاب مثلاً يقول: "لقد كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عملاً مداناً وإرهابياً، لكن دعونا نبحث عن أصل الإرهاب وعن دوركم في صناعته، أيّها الأمريكيّون".

اقرأ أيضاً: ما مستقبل الإسلام في أوروبا الغربية؟

وينوّه أبو زينة: "إنّ على الخطاب، لا سيما ذلك الموجّه للغرب، أن يكون ليّناً في بدايته؛ حتى يكتسب من أدوات القوة ما يكفي، وليصبح لاحقاً أكثر استقراراً، وأقلّ مراوغة".

من جهته، يرى الأكاديمي والكاتب د. أحمد عزم أنّ "هنالك ما يبرّر اختلاف الخطاب الموجه للعرب عن ذلك الموجه للغرب؛ تبعاً للخلفية التاريخية التي يملكها كلّ جمهور، إلى جانب عوامل أخرى، تتعلق بالفكر والثقافة والعقيدة وغيرها"، بيد أنّه يشير إلى حالات تتّسم بـ "الانتهازية"؛ حين يتمّ الانتقال من أقصى التطرّف، الذي يسم الحديث للجمهور العربي، إلى أقصى المرونة عند الحديث للجمهور الغربي.

عزم: يختلف الخطاب الموجه للعرب عن الموجه للغرب تبعاً للخلفية التاريخية لكل جمهور

مرونة أم تغيير مواقف؟

يدلل عزم على رأيه، بذكره مثالاً عن أساتذة جامعيين، كانوا يرفضون بشدّة نهج المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، حين يحاضرون في محفل عربيّ، لتنقلب لهجتهم كلّياً نحو تبنّي خيار الحوار والمفاوضات عند التوجه بالحديث للجمهور الغربي، منوّهاً في هذا السياق إلى كون الازدواجية في المواقف قد تحمل "طابعاً مؤسسياً"، وليس شخصياً فحسب.

عزم: هنالك ما يبرّر اختلاف الخطاب الموجه للعرب عن ذلك الموجه للغرب تبعاً للخلفية التاريخية التي يملكها كلّ جمهور

ويشير عزم أيضاً إلى الترجمة من اللغة العربية إلى الإنجليزية، كونها واحدة من وسائل الخطاب الموجّه للغرب، لا سيما حين تكون الأعمال الجدلية هي ميدان هذه الترجمة، فيقول: "كثير من الروائيين والروائيات باتوا يكتبون مدفوعين بهاجس ترجمة أعمالهم، وهو ما يظهر جلياً من خلال طرق أفكار جدلية بعينها، وبمنهج يجتذب القارئ والمتابِع الغربي".

يسوق، عزم، في حديثه لـ"حفريات"، مثالاً عن ترجمة كتاب الدكتورة نوال السعداوي "الوجه العاري للمرأة العربية"، قائلاً: "تمّ تغيير ترتيب فصول هذا الكتاب عند ترجمته، لتبرز الفصول المتعلقة بالجنس والختان في المقدمة؛ كونها قضايا تجتذب القارئ الغربي، بينما جُعِلت هذه الفصول في خاتمة الكتاب الموجَّه للقارئ العربي"، مردفاً "كما تمّ حذف الأجزاء التي تحدثت فيها السعداوي باستحسان عن تعامل الإسلام مع بعض القضايا النسوية".

غلاف كتاب "الوجه العاري للمرأة العربي" للكاتبة نوال السعداوي

هل تتبدل المواقف؟

أما السياسي الفلسطيني د.مصطفى البرغوثي، فيقول لـ"حفريات": "تغيير المواقف السياسية والإنسانية عموماً، تبعاً لما تقتضيه المصلحة، أمر يشير إلى خلل في المبادئ، وإلى عدم احترام الذات، بالتالي؛ عدم احترام الجمهور، أيّاً كان، للشخصية المتلونة هذه".

أبو زينة: على الخطاب العربي الموجّه للغرب، أن يكون ليّناً ليكتسب من أدوات القوة ما يكفي ويصبح لاحقاً أكثر استقراراً وأقلّ مراوغة

يتساءل البرغوثي: "كيف لشخصية ما تغيير مواقفها من محفل لآخر، والعالم اليوم عبارة عن قرية كونية صغيرة يسهل اكتشاف المُخادع فيها عبر وسائل الإعلام والتواصل؟".

"التملّق يُكشَف حتى أمام الجمهور الغربي، فيما الثبات على الموقف يخلق حالة احترام جماهيرية للشخصية المتحدثة، حتى إن اختلف الجمهور مع مبادئها"، وفق البرغوثي الذي يقول "من واقع تجربتي السياسية، حتى عندما كنت وزيراً للإعلام في حكومة الوحدة الوطنية، وجدت أننا لسنا في حاجة إلى تغيير المواقف بتاتاً، بل الثبات عليها، وتدعيم ذلك بالخرائط والإحصائيات، وليس الكلام المنمق والانفعالي؛ إذ إنّ لغة الحقائق والأرقام هي الأقدر على إقناع الجمهور الغربي بعدالة قضيتنا الفلسطينية والعربية".

 

اقرأ أيضاً:  هل كشفت السوشيال ميديا عن مكبوتات الشباب العربي؟

يتفهم البرغوثي أنّ لكلّ جمهور لغة خاصة يتطلبها الخطاب الموجه إليه، بيد أنّه يقول: "ينبغي التنبّه لعدم خلط عامل الأسلوب مع عامل المضمون؛ إذ إنّ اللغة المرنة لا تتطلب، البتة، المساس بصلابة الموقف"، مضيفاً "بعض هؤلاء المتلوّنين يخلطون بين الدلال الذي يقدمه صنّاع القرار لهم؛ كي يغدوا أبواقاً ناطقة باسمهم، وبين تيقظ الجمهور وعدم احترامه لأولئك المبدّلين خطابهم تبعاً للحسابات البراغماتية".

اقرأ المزيد...

الوسوم: