عبدالغني هندي: التجديد الديني إشكالية لا تتعلق بالأزهر وحده

1676
عدد القراءات

2018-12-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بمصر، الشيخ عبدالغني هندي، إنّ ثمة جهداً مبذولاً من الأزهر لتجديد الخطاب الديني ضمن ضوابط، لكنّه لا يرتقي إلى مستوى التطلعات المنتظرة من مثل هذه المؤسسة الكبيرة والعريقة. وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّ الإشكالية ليست في وجود خطاب ديني مستنير، أو آخر معتدل؛ خصوصاً الذي تتبنّاه المؤسسات الدينية، بل في حضور هذا الخطاب محلّ الخطاب المتشدّد الذي يمتلك إمكانيات ومنصات تجعل حضوره طاغياً.

وأكد هندي أنّ الإشكالية الكبرى في الخطاب الديني المتشدد والمسيّس تكمن في الفضاء الإلكترونيّ وصفحات التواصل الاجتماعي التي يتعذر ضبطها وتخفيف تأثيراتها في ظل ضعف التمويل للمؤسسات الدينية الرسمية، وذهب إلى أنّ مسألة المصالحة مع الإخوان غير مطروحة مجتمعياً الآن و "على الأقل في العشرين عاماً المقبلة".

وهنا نصّ الحوار:

تطلعات التجديد

هناك من يذهب إلى أنّ الأزهر يعارض دعوات تجديد الخطاب الديني، هل تتفق مع هذا الرأي؟

القول إنّ الأزهر وقف في وجه دعوات تجديد الخطاب الديني، هكذا جملة واحدة، غير صحيح، لكن من الممكن أن نحسب مسألة التجديد برمّتها كنقاط، هنا يمكننا القول: إنّ الأزهر أحرز بعض النقاط، ولم يحرز بعض النقاط الأخرى؛ فالحقيقة أنّ هناك مساعي من قبل مؤسسة الأزهر، على مستوى الآليات، لا على مستوى تجديد الفكر؛ لأنّ موضوع تجديد الخطاب الديني له ثلاثة أبعاد: تجديد على مستوى الفكر، وتجديد على مستوى اللغة، وتجديد على مستوى الآليات، وهناك جهد مبذول من قبل الأزهر في مسألة تجديد الآليات، وإلى الآن هو غير واضح، أو غير ظاهر، أو غير مؤثّر على مستوى كبير.

اقرأ أيضاً: الأزهر ومسألة ضرب المرأة خطوة على طريق التجديد

إذاً؛ هناك جهد مبذول، لكنّه لا يرتقي إلى مستوى التطلعات المنتظرة من قبل مؤسسة كبيرة وعريقة، اسمها الأزهر الشريف، والتي نتّفق على أنّها تمتلك المنهجية العلمية الوحيدة للدين التي تستطيع أن تقوم بهذا التجديد، ومواجهة الأفكار المنحرفة للجماعات المتشددة.

أي إنّك ترى أنّ الإشكالية لا تتعلق بالأزهر بقدر ما تتعلق بمعنى الخطاب الديني؟

بلا شكّ، فأنا أعتقد أنّ الإشكالية ليست في وجود خطاب ديني مستنير، أو آخر معتدل؛ خصوصاً الذي تتبناه المؤسسات الدينية، وعلى رأسها مؤسسة الأزهر الشريف، الإشكالية هي في حضور هذا الخطاب محلّ الخطاب المتشدّد، هل الأزهر يمتلك أدواته كي يكون خطابه هو الخطاب الأكثر حضوراً على خطاب الجماعات، أو الخطابات المتطرفة؟ الإجابة في الحقيقة: لا؛ لأنك لو رأيت أكبر 25 موقعاً على الإنترنت، وصفحات الجماعات المتشدّدة، وما يُبذل في ترويجها، وما يُنفق على الكتب التي تقدم خطاباً متشدداً، ستجد كلّ هذا يطغى على خطاب الأزهر؛ لذلك أعتقد أنّ الإشكالية الكبرى تتعلق بالدرجة الأولى في التمويل؛ كي يكون الخطاب أكثر حضوراً.

أحرز الأزهر بعض النقاط المهمة ولم يتجاوز أخرى بمسألة التجديد الديني

كيف تنظر إلى دعوات التطوير بدل التجديد المعني بصفة أساسية بتجديد القديم بحجة أنّ الزمن تجاوزه؟

التجديد سنّة كونيّة، والرسول، صلّى الله عليه وسلّم، دعا إلى التجديد في قوله: "على رأس كل مائة سنة يرسل الله للأمة من يجدّد لها دينها"، والتجديد يكون في فهم النص الثابت بالكتاب والسنّة، وهذا الفهم يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان والأشخاص، أما نظرية التطوير فلا يوجد شيء اسمه تطور، فنظرية دارون لا توجد في الخطاب الديني؛ فنحن نتحدث عن عملية تجديد، وهي عملية علمية لها أدواتها، وقواعدها، ومناهجها، نحن نتحدث عن عملية علمية بامتياز، وهي عملية التجديد الذي يتماشى مع الواقع، الذي يؤكد صلاحية الدين لكلّ زمان ومكان.

تطوير الخطاب الديني

أين وصلت مسألة تطوير الخطاب الديني في مصر ودور المؤسسات الدينية؟

هناك تقدّم ودور للمؤسسات الدينية في مصر، فلو تتبّعنا سيطرة الجماعات على المنابر؛ فالآن أصبح هناك دور أكبر للمؤسسة الدينية في هذا المجال، وعندما نتحدث بلغة الأرقام فإن الدولة ممثلة بوزارة الأوقاف نجحت في السيطرة على فوضى الخطاب الديني في المساجد، وبالنسبة إلى الإعلام الخاضع لمظلة التشريعات المصرية فإن غالبية الأصوات الدينية الآن ينتمي أصحابها إلى المؤسسة الدينية في طرحها المعتدل واحترامها لضوابط الخطاب الديني، لكن الإشكالية الكبرى تكمن في الفضاء الإلكترونيّ وصفحات التواصل الاجتماعي، التي ليس للمؤسسة الدينية دور كبير فيها.

التجديد يكون بفهم النص الثابت وهذا الفهم يتغيّر بتغيّر الزمان والمكان

ألا تعتقد أنّ التقدم يعوقه أحياناً وجود لوبي وخلايا إخوانية بالمؤسسات الدينية؟

نعم هناك خلايا إخوانية في المؤسسات الدينية، وحين اختار الأزهر قائمة للإفتاء، وجدنا 7 منهم ينتمون للإخوان، وهذا يوضح حجم المشكلة، وحين نراجع قرار عصام شرف، رئيس الوزراء المصري الأسبق، بتعيين أكثر من أربعة آلاف معيد في جامعة الأزهر من الإخوان، سنكتشف أنّ هناك مشكلة، وعندما نتحدث عن كلية مثل كلية الدعوة في الأزهر، سنرى أنّ الفهم السلفي هو المسيطر والموجود فيها، بمن فيهم هيئة التدريس التي أخرجت أجيالاً متعددة.

اقرأ أيضاً: علماء شكلوا علامة فارقة في تاريخ الأزهر..هل تعرفهم؟

وتحاول الدولة التصدّي لهذه المعضلات، لكنّ ذلك لا يتمّ بشكل مدروس، فتجب مراجعة المؤلفات، ومراجعة الكتب والبرامج التي يخرج فيها الأساتذة من الجامعة، فأعتقد أن الأخونة الفكرية أخطر بكثير من الأخونة الحركية، وخطورة سلفنة الحركة أكبر بكثير من الانتماء للحركة السلفية.

ما هي رؤيتك لتجديد الخطاب الديني؟

تجديد الخطاب الديني له ثلاثة أبعاد: أحدها هو تجديد الآليات، وجزء منه هيكلة المؤسسات بهدف المخرج الدعوي، أو الإفتائي أو التعليمي؛ حيث يخرج بشكل جيد للجمهور، أياً كان هذا الجمهور، سواء الطلبة أثناء تعليمهم، أو الناس في العالم الإسلامي، أو غير العالم الإسلامي، وتجب إعادة الهيكلة على أساس الإجابة عن سؤال: من ستخاطب؟ وبناء عليه تبني المؤسسات آليتها في مسألة الخطاب، كذلك في مسألة النواحي الإدارية؛ فتجب هيكلتها والتجديد الإداري فيها، فليس مقبولاً أن يأتي الطالب من بلاده في بعثة تعليمية، ثم حينما يحتاج لاستخراج بعض أوراقه، تكون الأمور غير ميسّرة وشاقة، فهذا غير مقبول، الإشكالية في الآليات وضرورة تجديدها أصبحت لازمة، المؤسسة ظلت متروكة مدة طويلة جداً، وبالتالي؛ هي تحتاج إلى مجهود لإعادة هيكلتها، سواء عن طريق الأزهرية أنفسهم، أو عن طريق الخبراء، خصوصاً أنّ موضوع الآليات هذا أصبح علماً.

تود الحركة السلفية أن تحتكر لنفسها حصناً عقدياً يميزها عن غيرها

وأين دور المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في هذا الشأن؟

المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية يقتصر دوره على مسألة الكتب وعقد مؤتمر سنويّ، وتقديم المنح العلمية لبعض الوافدين، وهو يحتاج إلى مزيد من الأعمال والاختصاصات، وهذا يعيدنا إلى مسألة التمويل، التي تعيق توسيع دور المجلس في الشؤون الإسلامية عامة.

كيف تنظرون إلى الدعوات التي تستهدف كتب الصحاح والخطبة الموحّدة وغيرها؟

القول إنّ الأزهر وقف في وجه دعوات تجديد الخطاب الديني هكذا جملة واحدة غير صحيح

أراها دعوات غريبة، مثل التشكيك في أحاديث البخاري، وهي مقولات قديمة، ولها أهداف مخططة ومعروفة، الفارق أنّ من كان يدعو لهذه الآراء قديماً أشخاص لهم وزن علمي، بعكس اليوم؛ فمن يتبنون هذه الدعوات ليست لهم قيمة علمية.

وفي هذا السياق وجد إعلاميون غير متخصصين أو مؤهلين تمويلاً، وقنوات مفتوحة لترويج هذه الكلام، وهم يعيدون ترديد مقولات من سبقوهم التي أُشبعت ردّاً في حينها ولا يأتون بجديد، وليس لكلامهم قيمة علمية حقيقية على الإطلاق.

اقرأ أيضاً: الأزهر يرد على "صدام الحضارات" بندوة عن تكامل الإسلام مع الغرب

وأما مسألة الخطبة الموحّدة؛ ففيها جهد مبذول، وزادت من سيطرة الأوقاف على المساجد بشكل واضح، فلا يوجد أحد يستطيع الآن صعود المنبر دون إذن الأوقاف، فأيّ مسجد تودّ الأوقاف أن ترسل له خطيباً ويصعد المنبر، لم تعد مشكلة، فقد سيطرت الأوقاف بالفعل على المساجد.

نحو إستراتيجية متكاملة

ألا ترى أنّ تحديد مفهوم من هم أهل السنّة والجماعة والجدل بشأن ذلك أعاق التجديد؟

تلك إشكالية أخرى بالفعل؛ فالجدل بشأن الأشاعرة وكونهم من أهل السنّة والجماعة مسألة مفتعلة منذ أكثر من 800 عام، ويعيد ترديدها بعض السلفيين الذين يعتقدون أنّهم يمثلون أهل السنّة وحدهم، أنا أعتقد أنّه سوء فهم منهم في النهاية، فالحركة السلفية تودّ أن تحتكر لنفسها حصناً عقدياً يميزها عن غيرها، وقد طالبت أكثر من مرة بأن يخرج السلفيون ويعقدوا مؤتمراً مثلاً، يوضحون فيه معالم دعوتهم ودورهم؛ فالحقيقة أنّهم لا يملكون منهجاً علمياً متفرداً يطرحونه على الناس، والأصوات السلفية أكثر حضوراً بسبب التمويل؛ فهم يمتلكون قنوات بأكملها، وأعتقد أنّه عندما طُرحوا هذا الخطاب للناس انكشفوا وتراجعوا عن كثير من آرائهم.

ولماذا لا تطرحون إستراتيجية متكاملة لتجديد المؤسسات الدينية؟

فكرة طرح شكل متكامل أو إستراتيجية لتجديد المؤسسات الدينية موضوع كبير جداً، وقد سبق لي طرح مبادرة، واقترحت فيها إستراتيجية لتجديد المؤسسات الدينية، وسلّمت ورقة بحثية كاملة في هذا الصدد للرئاسة، وأعتقد أنه نشر عنها في الصحف، ويمكن الرجوع إليها، لأنّه موضوع واسع وشائك.

اقرأ أيضاً: هل يستطيع الأزهر تجديد الخطاب الديني؟

وفي هذا السياق أقامت دار الإفتاء مؤتمراً عالمياً حول الفتوى، وقد كان مثمراً، وطرح وجود مرصد إفتاء عالمي، وهو شيء جيد جداً؛ حيث سيتم إطلاق بوابة هداية المعرفية، وكذلك فكرة اجتماع المفتين على فكرة التجديد نفسها يعد أمراً مبشراً على المدى البعيد.

ختاماً هل تؤيد المؤسسة الدينية المصرية دعوات المصالحة مع الإخوان؟

مسألة المصالحة مع الإخوان من طرحها هم الموالون للجماعة، لكن لا يوجد تبنٍّ مجتمعي بها، وحينما يكون مثل هذا الطرح متفقاً عليه من شرائح المجتمع، نستطيع حينها أن نبني جسوراً، وهذا غير موجود الآن، وأنا أعتقد أنه لن يوجد، على الأقل في العشرين عاماً المقبلة.

اقرأ المزيد...

الوسوم: