عبيد الخليفي: التنظيمات الإرهابية ثمرة جماعات الإسلام السياسي

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
1838
عدد القراءات

2019-01-03

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث التونسي، عبيد الخليفي إنّ مفهوم الجهاد أعيد إحياؤه بقوة بعد فشل التجارب الإصلاحية في القرن الماضي، وتم الانتقال من الاجتهاد والعقل إلى الجهاد مع جماعات الإسلام السياسي.

منح العقل الفقهي التاريخي المسلمين مسنوداً بالمدونات التاريخية والإخبارية شروط تحقيق حاكمية الله في الأرض على العنف

وأوضح الخليفي، في حواره مع "حفريات"، أنّ لأعمال الجماعات الجهادية سوابق ومرجعيات في التاريخ من حرق وتحريق وعنف وقتل واحتطاب، مؤكداً أنّ هذه الجماعات الجهادية هي "ثمرة لجماعات الإسلام السياسي".

ونوّه الخليفي إلى أنّ جماعات الإسلام السياسي لم تمارس بعد ما يكفي من النقد الذاتي الذي يؤهلها للتأقلم مع شروط الدولة المدنية والحرية والديمقراطية.

وعبيد الخليفي أستاذ باحث في الجامعة التونسية، متخصص في الحركات الجهادية والإسلام السياسي، له كتاب "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية"، وعدة دراسات في نفس المجال، وهو إلى هذا سجين سياسي سابق في أحداث الحوض المنجمي في العام 2008.

غلاف الكتاب

وهنا نص الحوار:

مفهوم الجهاد قديماً وحديثاً

انكببت في بحثك الأكاديميّ على مصطلح الجهاد في تلويناته المختلفة قديماً وحديثاً، ما الفرق بين مضامين هذا المصطلح آن نشأته وبين ما يعنيه اليوم مع الجماعات "الجهاديّة" المعاصرة؟

الجهاد مفهوم مركزي في التجربة التوحيدية الإسلامية، غير أنّ تاريخية المصطلح تبرز كم التأويل والانزياح الذي مارسه العقل الفقهي والعقل السياسي على هذا المفهوم، فالجهاد عند أغلب الإسلاميين هو عنف بشري تدثر بالمشروعية الدينية والتنزيل القرآني الكريم، والجهاد هو قتال، غير أنّ النص القرآني الكريم في بداية تشريعه للحرب لم يستعمل مصطلح الجهاد، بل حضر فعل القتال، والآية الكريمة كانت صريحة في الإذن بالقتال (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ.39/22)، ويبدو أنّ النص القرآني الكريم كان على وعي بأن فعل القتل والقتال هو فعل استثنائي، فكان عليه أن يتمايز في الفعل والمصطلح والمرجعية، وقد تساوت استعمالات القرآن الكريم لمفردتي جاهد وقتل (25 مرة)، لكن الفارق أن كلمة "جاهد" و"جهاد" لا توحي مباشرة إلى الفعل الحربي العنيف، بل توحي في أغلبها بالفعل المرتد نحو الذات ولا علاقة له بالآخر في معنى الجهد الذاتي للانسجام مع الدعوة الإسلامية والتضحية لأجلها.

لم تمارس جماعات الإسلام السياسي من النقد الذاتي ومن المراجعات ما يجعلها تتصالح مع مفهوم الدولة المدنية

بعد غياب النبي محمد، عليه السلام، بتمام التأسيس العقائدي ودخول التدين الإسلامي مرحلة التأسيس الجغرافي والسياسي بداية من القتال في حروب الردة سيتماهى فعل الجهاد مع فعل القتال، وقد كان المسلمون الأوائل بحاجة للحديث عن الممارسة الحربية ضمن السياق المقدس لفعل الجهاد وما يحمله الفعل من دلالة قدسية في تحقيق المشروعية الدينية، ومن ثم قامت الدولة/الدول الإسلامية على الفتح والقتال تحت راية الجهاد في سبيل الله.

منح العقل الفقهي التاريخي المسلمين مسنوداً بالمدونات التاريخية والإخبارية شروط تحقيق حاكمية الله تعالى في الأرض على العنف الذي تسلطه الجماعة المسلمة/المؤمنة على الآخر من أجل الطاعة والإكراه السلطوي المتذرع المقدس وفقا لمفوهمهم.

اقرأ أيضاً: هل ساهمت العلمانية في بروز الإسلام السياسي؟

ولعل الجماعات الجهادية المعاصرة قد رفعت الحرج عن جماعات الإسلام السياسي في تصورها المرتبك لمفهوم الجهاد القائم عل أن: الجهاد هو عنف مشروع ومقدس يفرضه الدين على الذات البشرية لتحقيق إرادة الله في حكم البشرية، والخلاصة أن خروج المفهوم عن تاريخيته جعل التناقض شاسعاً بين الحاضر والسلف.

ولكن القول بتاريخية المفهوم قد يوقعنا في مأزق التبرير للجماعات الإرهابية التي تتخذ من واقع المسلمين المعاصر حجة لتنزيل هذا المفهوم في الراهن واستخدامه لمحاربة "الغزاة" أو "الكفار"، ما رأيك؟

يبدو مفهوم التاريخية أكثر تعقيداً لدى العقل الجهادي والإسلامي، ذاك العقل الذي يرى التاريخ ماء واحداً يرفض التطور الزمني والاختلافات المرجعية فيما هي بين الحاضر والماضي، وفكرة السلفية لا تتعلق بالحركات السلفية وحدها، ولكن كل عقل يبحث في الماضي عن تجربة يراها نموذجية ليستعيدها تكراراً على أنها صالحة للحاضر هو عقل سلفي بامتياز، فحتى التجارب الدينية كانت ثورة على فكرة الآباء وتقديس معتقداتهم؛ فالإسلام الحركي بشقّيه؛ السياسي والجهادي، يمتلك فكراً خاملاً غير خلاق؛ لأنه يتكئ على الماضي ليعيد استنساخه. يريدون استنساخ تجربة الجهاد لواقعنا المعاصر غير مكترثين بالشروط المرجعية لواقعنا. قتال الدين في الماضي له شروطه، وحروب اليوم لها شروطها المعاصرة في تحرير الأرض وتحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية، وعليه فإنّ تفعيل المرجعية الدينية التاريخية في العنف يجعل العنف وفقا لمفهومهم مقدساً لجماعة تعتقد أنها تمتلك الحقيقة المطلقة من عند الله، وبالتالي محاربة كل البشرية التي تعتقد أنها على الجاهلية مطلقاً.

من جهاد القلم إلى جهاد السيف

-     ما الّذي جعل هذا المصطلح يعاد إحياؤه في القرن العشرين إلى أيّامنا بهذا الزّخم؟

منذ القرن الماضي حين فشل ما عرف بمشروع الإسلام العالمي مع نخبة المصلحين ذوي التكوين الفلسفي العميق، فُتح المجال لبروز الإسلام العامي مع نخبة من الإسلاميين الحركيين ذوي التكوين العقائدي الكلاسيكي، ومنذ القرن الماضي بدأ التحول من جهاد القلم إلى جهاد السيف، أو من الاجتهاد إلى الجهاد، فقد عاد المفهوم زمن الاستعمار والتبعية في سياق التنوير الفكري والتحرير للأراضي، لكن في سياق الدولة الوطنية كان وسيلة لتحقيق حلم بعيد هو الخلافة الإسلامية، بل وكشفت الحركات الإسلامية عن براغماتية في توظيف ما أسموه الجهاد المقدس من أجل إزاحة الخصوم وبلوغ سدة الحكم والسيطرة على مفاصل الدولة. لن تجد الحركات الجهادية التي تكفر بالممارسة الديمقراطية من وسيلة للإقناع غير الإخضاع بما يطلقون عليه العنف المقدس.

تتّخذ الجماعات الإرهابية اليوم الجهاد ونصرة الدين شعارات لتبرير أعمال الذبح والخطف والحرق والتخريب التي تقوم بها، إلى أيّ مدى تعكس هذه المزاعم حقيقتها؟ وما أبرز أهدافها الحقيقية من وجهة نظرك؟

من الشجاعة القول إنّ هذه الممارسات للجماعات الجهادية لها جذور في تاريخنا، فالحرق والتحريق والتمثيل بالجثث والخطف والاحتطاب مورس منذ عهود قديمة، ولذلك يرون ممارساتهم اليوم بكل ما فيها من وحشية مصدرَ فخر وترهيب للأعداء وأنها من صلب الفعل الجهادي، وبالتالي فتلك هي حقيقتهم بأسانيدهم وأدبياتهم المرجعية، وهي ممارسات تعلن عن أهدافها الحقيقية في تدمير كل ما بنته الحداثة وجعلتهم يعيشون غربة عن الدولة الحلم... ولقد كان لهم في تجاربهم شرقاً وغرباً من الإمارة إلى الدولة ذاك الطموح المنشود، ولذلك سيكونون أكثر وحشية في المستقبل لأن الخيبة لم تصبهم وهم يرون الحلم يتحقق في قيام دولتهم العام 2014، ويرونها معركة خاسرة دون أن يخسروا حربهم الأزلية... لعل أدبياتهم تمنحهم رؤية شاملة عجزت الدراسات الحديثة عن تفكيك رموزها لمقاومتها من الداخل العقائدي والفكري والإستراتيجي.

الجماعات الجهادية سليلة الإسلام السياسي

تعلن جماعات الإسلام السياسي اليوم براءتها من "القاعدة" و"داعش" و"النّصرة" و"بوكو حرام" وتدين أعمالها وتبرّئ منها الإسلام والمسلمين، هل ترى فعلاً أنّ جماعات الإسلام السياسي التي تأسست على شعار الآية الكريمة "وأعدّوا لهم" بالأساس قد تخلّت اليوم عن العنف والإرهاب؟

لم نفصل القول بعد في التقاطعات بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي، ويمكن أن نفترض أنّ الإسلام الجهادي هو ثمرة فعلية لجماعات الإسلام السياسي عند توفر شرطين: إما من خلال الضغط على الإسلام السياسي، وإما فشل جماعات الإسلام السياسي في ممارسة الحكم.

منذ القرن الماضي بدأ التحول من جهاد القلم إلى جهاد السيف، أو من الاجتهاد إلى الجهاد

فكلما تعرضت جماعات الإسلام السياسي لإكراهات واقع الدولة الوطنية والضغوطات الإقليمية والدولية، تحول سريعاً إلى ممارسة ما كان قد "أعد لهم"، ومهما حاولت جماعات الإسلام السياسي التنكر لإفرازاته فهو لا يمكن أن ينكر أنّ زعامات الحركات الجهادية تربت ونشأت على الأدبيات الإخوانية من سيد قطب إلى عبد الله عزام إلى أبي مصعب السوري.. ولنقل إنّ الحركات الجهادية كانت ثمرة ثلاثة روافد أساسية: الرافد القطبي والرافد الوهابي والرافد المودودي، ونحن نعرف بالنصوص علاقتهم بمختلف حركات الإسلام السياسي.

لا تنفك حركة النهضة تنفي صلتها بالإرهاب لكن حوادث بعينها أثارت الشكوك حولها

إذن ما حقيقة تبرؤ حركة النهضة في تونس مثلاً من العنف والإرهاب؟

الحسابات السياسية هي التي منعتنا من تفكيك لغز علاقة حركة النهضة بالعنف والإرهاب، لا تنفك حركة النهضة تنفي صلتها بالإرهاب، لكن حوادث بعينها كانت محل ارتباك وشكوك في ما يتعلق بالتنظيم الخاص، وفي ما يتعلق بحوادث باب سويقة وتفجيرات الفنادق.. إن السياق التونسي لم يمنح حركة الاتجاه الإسلامي سابقاً / النهضة اليوم فعلاً عنيفاً متواصلاً، فقد كانت القبضة الأمنية لنظام بن علي أقوى وأشد، والثابت عندي أنّ العنف كان متبادلاً حسمه النظام بسرعة، كما نعتقد أنّ لحركة النهضة تنظيماً خاصاً وظيفته تحويل الجماعة السياسية إلى جماعة حكم تمارس العنف على المعارضين والمتآمرين.. وهذا ما ذكرته مذكرات القيادي المرحوم المنصف بن سالم.

اقرأ أيضاً: هل فشل الإسلام السياسي في غزة.. ولماذا؟

ما بعد الثورة قدمت حركت النهضة نفسها حزباً سياسياً يناهض العنف، لكن ما ظهر منها صمتاً وعوناً لعنف مدني عبر روابط حماية الثورة كان تواصلاً لبعض أنواع الاستعراض.

وهم التصالح مع الديمقراطية

هل يمكن لجماعات الإسلام السياسي، ومنها من ينخرط اليوم في الحكم مثل حركة النّهضة في تونس، أن تتصالح مع الديمقراطية وتقبل بأسس الدولة المدنية برأيك؟

لا نعتقد أنّ جماعات الإسلام السياسي قد مارست من النقد الذاتي ومن المراجعات ما يجعلها تتصالح مع مفهوم الدولة المدنية، ولا يمكن رمي كل الحركات في خانة واحدة، ولكن يمكن أن نعطي ثلاثة أمثلة: المثال المصري الأكثر تعقيداً، فهو مازال يعيش شرط البيعة، وما عاناه الرئيس مرسي في الولاء للمرشد أو الدستور؛ المثال المغربي معقد من حيث الولاء للقصر وأمير المؤمنين؛ أما المثال التونسي فإن حركة النهضة واقعة تحت ضغط المجتمع المدني الذي أرغمها على التنازل كثيراً لصالح الدولة المدنية ولعبة الديمقراطية.

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي

ومن خلال هذه الأمثلة ندرك أن تصالح الإسلام السياسي مع الدولة المدنية والديمقراطية لا يكون إلا تحت الإكراه والضغط.. وغياب الضغط سيجعل هذه الحركات وفية لأدبياتها الكلاسيكية المركزية لنشوء جماعة الإخوان المسلمين.

المثال المصري هو الأكثر تعقيداً، فهو مازال يعيش شرط البيعة

أي دور يمكن أن تلعبه الأحزاب الديمقراطية في هذا الخصوص في ظل ضعفها وعدم قدرتها على اكتساح الصندوق؟

قوة الأحزاب الإسلامية تأتي من بساطة المشروع وقدرته على التعبئة، يضاف إليها مبدأ الطاعة المغلفة بالشورى، وضعف الأحزاب الديمقراطية ناتج عن عجزها في التجذر في المجتمع، وعدم قدرتها على تعبئة الحركات الاجتماعية في مشروع التحرر السياسي والاقتصادي، يضاف إلى ذلك تضخم الذوات لقيادات الأحزاب الديمقراطية، وقد عجزت هذه القوى التقدمية عن استثمار الانتفاضات الشعبية المتتالية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: