فضاء بلا سلطة.. هل يمكنه مواجهة التطرف؟

2408
عدد القراءات

2018-10-24

كما كان الإسلام السياسي في تشكّله وأزمته تعبيراً عن مرحلة الصناعة والدولة المركزية، فإن التطرف القائم اليوم، كما حال وأزمة الجماعات الدينية تعبّر عن تداعيات ومتواليات الشبكة وفعلها في الدول والمجتمعات والأسواق والأعمال، هكذا فإن البناء القيمي والأخلاقي لعالم الشبكة وفق استجابات صحيحة وملائمة للمرحلة يساعد كثيراً في فهم ومواجهة التطرف، مع ضرورة التذكير بأنّ عالم الشبكة في قيمه واتجاهاته مختلف عن عالم ومجتمعات وقيم الصناعة والدولة المركزية.

صحيح بالطبع أنّ الجديد لا يولد من جديد، لكن يولد من القديم، لكنه يظل جديداً مختلفاً برغم علاقة وتشكله من عالم القديم، وهكذا تتأكد كل يوم الحاجة إلى تنظيم اجتماعي وأخلاقي جديد للجدل والمشاركة العامة في الفضاء العام، ليس بقواعد وقوانين بوليسية أو تنظيمية مركزية، وليس أيضاً وفق قواعد الجدل والمشاركة قبل الشبكة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون ومنصات التواصل.. كيف نتجادل دون عداء؟

فالشبكية تنشئ ثقافتها وقيمها وأدواتها الجديدة التي لا تلائمها القواعد التنظيمية السابقة، ففي قدرة جميع الناس اليوم بلا استثناء على المشاركة في الجدل العام، وفي مساواةٍ تكاد تكون مطلقة، لم يعد لأحد فضل أو سلطة، ليس لدينا في هذه الشبكة سوى أن يستمع الجميع إلى الجميع في حرية وعقلانية اجتماعية وأخلاقية، وأن يكون لكل فكرة أو مقولة حقها في التشكل والاستماع والجدل، ليس مرفوضاً في هذا المجال الجديد سوى الإساءة إلى أحد، أي أحد، وانتهاك القوانين السائدة، ولا تحتاج الشبكة إلى قانون خاص بها؛ فالحقوق والواجبات واضحة في التشريعات النافذة.

إنّ البناء القيمي والأخلاقي لعالم الشبكة وفق استجابات ملائمة للمرحلة يساعد كثيراً في فهم ومواجهة التطرف

من البديهي أن يكون المتطرفون يستندون في سلوكهم ومواقفهم إلى أفكار ومعتقدات ومشاعر متطرفة، لكن السؤال البديهي أيضاً هو كيف تشكلت أو تتشكل الأفكار المتطرفة؟ فلا يكفي القول إنها حالة فكرية لأن تشكيل الأفكار ليس حالة معزولة عن بيئتها الاجتماعية الاقتصادية، والتركيز على حالات المتطرفين الأغنياء لنفي العلاقة بين البيئة الاجتماعية والاقتصادية وبين التطرف لا ينفي القاعدة؛ لأنه وببساطة بيئة الفقر والظلم لا تخص الفقراء والمظلومين وحدهم، لكنها تمتد في تأثيراتها الفكرية والثقافية والسلوكية إلى جميع الطبقات والفئات الاجتماعية والاقتصادية؛ فالقول إنّ الفقر مسؤول عن التطرف لا يعني بالضرورة أنّ الفقراء وحدهم يتجهون إلى التطرف، وبالطبع هناك أمثلة كثيرة جدا للفقراء غير المتطرفين، وكذلك الحال بالنسبة للظلم والتهميش، فالحركات اليسارية، على سبيل المثال، استقطبت عدداً كبيراً من الأغنياء والمثقفين للدفاع عن الفقراء والمظلومين، والحركات القومية والتحررية اجتذبت عدداً كبيراً من المؤيدين من خارج المنتمين إلى هذه الحركات.

لكن سواء اشتغل المهتمون بالظاهرة بردّها إلى فهم النصوص الدينية وتطبيقها أو البيئة الاجتماعية والاقتصادية أو النزعات النفسية أو إلى الاستبداد والفشل السياسي أو بمزجها معاً، أو كانوا مخطئين أو مصيبين، فإنّ حقائق أساسية تظل قائمة وتنشأ حولها أسئلة بديهية وتلقائية، وهي أنّ هناك حالات من التطرف والعنف المشكلة تهديداً للسلم الاجتماعي وحياة المواطنين. وأنّ هناك أعداداً كبيرة من المواطنين مستعدة للمشاركة في العنف ضد بلادها ومجتمعاتها وأنّ هناك عدداً أكبر من هؤلاء يؤيد التطرف ويعتبره صواباً.

اقرأ أيضاً: الحكومات والجماعات: نزاع ديني أم صراع على الدين؟

كيف تتشكل المعتقدات والأفكار التي تدفع الناس إلى تمجيد الموت والقتل؟ وكيف تسيطر على هؤلاء الناس مشاعر القسوة والكراهية والسادية واللامبالاة تجاه الضحايا من الأبرياء؟ وكيف تتحمس فئة من الناس لإثارة الفزع والخوف؟ وإذا كان صحيحاً القول إنها حالة لا يفيد في مواجهتها إلا بقدرٍ ضئيل الردّ الفكري والأدلة والبراهين العقلية؛ إذن كيف يمكن فهمها والاشتباك معها؟

قتال العدو فكرة راسخة في أذهان الأمم ويموت من أجلها الناس، وحول هذه الفكرة تتشكل جماعات ومصالح وقوى سياسية واجتماعية وثقافية، وتترك الجماعات نفسها تنخدع أيضاً، فتزود نفسها بالتبريرات والمعتقدات لتجعل جرائمها مقبولة، أو تنشئ عواطف قوية ترى في الإرهاب والتطرف وحتى القتل العشوائي للأبرياء والعزل دفاعاً عن النفس والدين!

بديهي أن يستند المتطرفون في سلوكهم ومواقفهم إلى أفكار ومعتقدات متطرفة لكن السؤال كيف تشكلت الأفكار المتطرفة؟

ولا يمكن بالطبع إغفال الصعوبات الاقتصادية أو العجز السياسي أو الفشل في تحريك الصراعات الداخلية أو البحث عن أسباب لتخفيف الفشل وألمه وإن كان لا يمكن إغفاله أو تجاهله. وتكون المعتقدات الدينية والقومية حاجة ملحة لأنها تشجع على تحويل الجريمة إلى فضيلة، وتثير عواطف قوية مرتبطة بالتهديدات الصادرة عن قوى خارج الجماعة (الخوف، الغضب، الاشمئزاز، ..) وكذلك العواطف المجزية من داخل الجماعة (الحب، الكبرياء، الفخر، السعادة، ..) وهذا أيضاً يجعل الضحايا مثل المجرمين، ويقلل من التعاطف معهم.

إنّ الأيديولوجيات والقواعد الأخلاقية تجعل القسوة شيئاً معتاداً في المجتمع حتى تصير سلوكاً مقبولاً. ويعاد بناء المعتقدات وترتيبها حسب الأهمية والحاجة إليها، فتعزل الأفكار والمعتقدات المشتركة مع الأعداء والخصوم، وترفع الاعتقادات التي تناقض الأفكار والمثل العليا الأساسية لمن يعارضونهم، بل وتمنح القداسة لمعتقدات لم تكن مهمة، ويمكن، على سبيل المثال، الملاحظة كيف أخذت مفاهيم حديثة لم تكن معروفة من قبل صفة القداسة وأنها فرض عين، مثل الدولة الإسلامية، والولاء والبراء، واستعلاء الإيمان، والمفاصلة الشعورية، أو المبالغة والتوسع في مفاهيم الحسبة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتركيز على العقوبات، والانتقائية في الفتاوى والتفسيرات والمواقف المتشددة للنصوص الدينية وبعضها بشري منح صفة دينية، لقد منحت القداسة لمعتقدات وأفكار عندما قررت الجماعة أهميتها وحاجتها إليها.

اقرأ أيضاً: كيف نحارب الإرهاب والتطرف بالتعليم؟

ربما لا يكون سهلاً على المشاركين في الفضاء العام، وفق تجربة التنظيم الاحتكاري للمعلومات، عندما لم تكن كلمة تنشر أو تبث إلا بموافقة وتنظيم مركزي أن ينتقلوا إلى مجال لا مركزي مفتوح للجميع للمشاركة والجدل، ويحتاجون أيضاً إلى التذكير أن التأثير الذي كانوا يتمتعون به ليس مردّه إلى المحتوى الذي يديرونه أو يقدمونه، لكنه تأثير مستمد من أن الناس، جميع الناس، كانوا يتابعون مصادر إعلامية بلا منافسة (تقريباً)، وفي ذلك كان في مقدور السلطة والنخب أن تنظم المجتمعات والأفراد في تشكيلات منضبطة، وكان ممكناً بطبيعة الحال أن تحدد السلطات والنخب ماذا يجب أن يعرف الناس وماذا يجب ألا يعرفوا،.. والأكثر خطورة وتنظيماً كان في مقدور السلطة أن تحدد من يقول وماذا يقول.

إن الأيديولوجيات والقواعد الأخلاقية تجعل القسوة شيئاً معتاداً في المجتمع حتى تصير سلوكاً مقبولاً

مؤكد بالطبع أنّ المجال العام قوة اجتماعية وسياسية، ويمكن أن يقود إلى الفوضى وغياب الاتجاه العام، لكنها فوضى يمكن إدارتها وتنظيمها في اتجاهات إيجابية، فأن تفقد السلطة والنخب الاحتكار التنظيمي للمجال العام لا يعني أنها فقدت تأثيرها وأفضليتها في المشاركة والتوجيه، ففي جميع الظروف والأحوال تعبر الأفكار السائدة عن الطبقة السائدة. وسوف يظل في مقدور النخبة أن تقود المجال العام، لكنها تحتاج إلى أدوات وقيم وأفكار جديدة، وليس في مقدورها أن تواصل تأثيرها بالأدوات والأفكار والقيم المتشكلة حول "المطبعة".

وببساطة، يجب أن تكف النخب والجماعات الدينية عن النظر إلى نفسها كشريك ذي امتيازات أو أفضلية في المجال العام، وأن تشارك في حسن نية باتجاه تطوير الجدل العام ليكون في مقدور كل مواطن المشاركة وأن يستمع إليه، الجميع يستمع إلى الجميع، وأن تعيد توظيف إمكانياتها وتفوقها باتجاه تطوير أفكارها ومصالحها لتكون مقبولة أو أكثر قبولاً، وأن يكون لها قواعد اجتماعية طوعية ومقتنعة بأفكارها ومصالحها واتجاهاتها وأن تكون أيضاً مستفيدة من ذلك فائدة تعود عليها بالرضا والحماس.

اقرأ أيضاً: متى يكون الدين منارة للأخلاق؟

سيكون في مقدور الأكثر مالاً والأكثر تنظيماً أن يطوّر المجال العام كما في مقدوره على الإفساد والتدمير، لكن من الأفضل أن يستخدم إمكانياته المالية والتنظيمية لبناء مجال عام يستفيد منه الجميع، فعندما يستهدف المجال العام بالتشتيت والإشاعة والتغريق يخسر الجميع، ومن الأفضل للنخبة أن تستفيد ويستفيد معها جميع المواطنين بدلاً من العكس، ويحتاج جميع الفاعلين في المجال العام إلى إعادة تأهيل أنفسهم اجتماعياً ونفسياً وروحياً باتجاه قبول الجميع والموافقة على احتمال خطأ الذات وصواب الآخر، والقدرة على الاستماع.

 

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: