مسيحيو فلسطين يرفعون صليب الآلام ويقاومون سياسات التهجير الإسرائيلية

4186
عدد القراءات

2019-04-09

يواجه المسيحيون في الأراضي الفلسطينية تحديات كبيرة، وحملة إسرائيلية ممنهجة، تنذر باندثار مكوّن أساسي من مكونات الشعب الفلسطيني التاريخية؛ لإفراغ فلسطين من سكانها المسيحيين، والعمل على تهجيرهم قسراً منها، لتفقد القضية الفلسطينية جزءاً من نماذجها الثقافية والوطنية، ومجموعة بارزة من النخب السياسية المسيحية، التي كان لها دور بارز في مناصرة قضاياها العادلة والدفاع عن حقوقها المشروعة.

اقرأ أيضاً: مسيحيو فلسطين شركاء في النضال والعيش المشترك

وينتشر في الضفة الغربية أكثر من 40 ألف مسيحي، يتركز تواجدهم في أكثر من 15 مدينة وقرية فلسطينية؛ في بيت ساحور، وبيت لحم، وبيت جالا، ورام الله، وبيرزيت، وعين عريك، والطيبة، والزبابدة، ورفيديا، والجلمة، ودير غزالة وطوباس، وجنين، بينما يعيش في مدينة القدس 4 آلاف مسيحي فقط، وبلغ عدد المسيحيين في قطاع غزة منذ قدوم السلطة الفلسطينية للقطاع، عام 1994، أكثر من 3 آلاف و500 مسيحي، وتراجع تعدادهم إلى 650 مسيحياً فقط.

الحضور المسيحي في الأراضي الفلسطينية يواجه تطهيراً عرقياً إسرائيلياً

تطهير عرقي

الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حنا عيسى، يقول لـ "حفريات" إنّ "الأراضي الفلسطينية تضم 13 طائفة مسيحية، هي: الروم الكاثوليك، واللاتين، والروم الأرثوذكس، والبروستانت، والسريان، والأرمن، والأقباط، والأحباش، والموارنة، والشركس، وطوائف أخرى عديدة، وهم يشكلون ما نسبته 20% من مجموع تعداد الشعب الفلسطيني".

حنا عيسى: المسيحيون الفلسطينيون في سباق مع الزمن لبقائهم داخل فلسطين خاصة في المدينة المقدسة

ويضيف: "الحضور المسيحي في الأراضي الفلسطينية يواجه تطهيراً عرقياً إسرائيلياً، خاصة المقدسيين منهم، وذلك في ظلّ مناصرتهم القضية الفلسطينية، وتجنباً لفضح جرائم الاحتلال عالمياً، مما دفع الكثير منهم للهجرة والعيش في بعض الدول الغربية والعربية، لأسباب مختلفة، أهمها: التضييقات الإسرائيلية، والتي عمدت إلى ارتكاب عدة جرائم بحق المقدسات والشخصيات المسيحية الدينية، وإحراق عدد من الأديرة والكنائس، حتى باتت حياة الكثيرين منهم شبه مستحيلة، في ظلّ ما تمارسه إسرائيل بحقهم من اعتداءات متواصلة".

اقرأ أيضاً: المسيحيون في الخليج

ويوضح عيسى: "السلطات الإسرائيلية تفرض عقوبات اجتماعية ودينية واقتصادية على المؤسسات والكنائس المسيحية، من خلال فرض الضرائب الباهظة عليها، بعدما قررت اللجنة الإسرائيلية لشؤون التشريع في الكنيست الإسرائيلي إصدار مشروع قانون يعطي السلطات الإسرائيلية حقّ مصادرة أملاك وأراضي الكنائس والمؤسسات المسيحية، في حال رفضت دفعها الضرائب المستحقة عليها، وذلك بهدف تهجير ما تبقى من مسيحيين في داخل الأراضي الفلسطينية".

يمارس الاحتلال إجراءات عديدة لإفراغ القدس من سكانها المسيحيين

فرض الضرائب المجحفة

ويؤكد أنّ "الحكومة الإسرائيلية تستهدف أكثر من 800 كنيسة وعقار مسيحي في مدينة القدس، لإرغامها على دفع أكثر من 190 مليون دولار أمريكي كضرائب عليها منذ عام 2010، والسيطرة على الكنائس والعقارات التي تمتنع عن تسديد ما عليها من ضرائب، الأمر الذي يهدد بإغلاق كافة الكنائس والأديرة والمؤسسات الكنسية في فلسطين، وبالتالي حرمان آلاف العائلات المسيحية من الحصول على الخدمات الطبية والتعليمية والثقافية التي توفرها الكنائس لأبنائها، لضمان بقائهم بداخل الأراضي الفلسطينية، في ظل شظف العيش الذي يواجهونه".

اقرأ أيضاً: كيف يعيش المسيحيون في إيران؟

وتابع: "يمارس الاحتلال إجراءات عديدة لإفراغ القدس من سكانها المسيحيين، تمثلت بحرمانهم من الحصول على حقهم في لم شمل عائلاتهم، ومنعهم من الحصول على البطاقات الإسرائيلية الزرقاء، في حال تمّ ارتباطهم بفتيات من خارج مدينة القدس، وفرض ضريبة الأملاك "الأرنونا" على عدد كبير منهم، وحرمان معظمهم من حرية التوجه للكنائس، خاصة التي تقع خلف الجدار العازل، ككنيسة المهد في بيت لحم، وحرمان أعداد كبيرة من المسيحيين من الوصول إليها بحرية، وهو ما جعل الكثير منهم يغادرون الأراضي الفلسطينية للدول التي تتوفر لديها ظروف اقتصادية وحياتية جيدة، نتيجة الممارسات العنصرية والتعسفية، التي أدت إلى ارتفاع مستويات الفقر فيما بينهم لمستويات عالية، وهو الهدف الذي تسعى إسرائيل إليه لتفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها المسيحيين".

تراجع أعداد المسيحيين

ويشير عيسى إلى أنّ "المسيحيين الفلسطينيين في سباق مع الزمن لبقائهم داخل فلسطين، خاصة في المدينة المقدسة، مع الأساليب التي تتبعها السلطات الإسرائيلية والإجراءات التهويدية التي تمارس بحقهم، وتقييد وصولهم إلى كنائس وأديرة مدينة القدس، من خلال رفض الجهات الإسرائيلية المختصة منحهم تصاريح لزيارة المقدسات المسيحية، وتحديداً في المناسبات والأعياد المسيحية، ودفعهم للهجرة إلى خارج فلسطين، في إشارة واضحة إلى حسم إسرائيل قضية التوازن الديمغرافي لصالح تهويد المؤسسات والكنائس المسيحية وطمس معالمها الدينية والتاريخية".

اقرأ أيضاً: مسيحيون يشدون بحب النبي: هل يصلح الفن ما أفسدته الأيديولوجيا؟

ويبين أنّه "منذ النكبة الفلسطينية، عام 1948، تراجعت أعداد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية بعد تهجير أكثر من 50 ألف مسيحي، وقامت إسرائيل بالاستيلاء على أكثر من 50% من الممتلكات المسيحية في مدينة القدس، وبعد النكسة، عام 1967، تزايدت المصادرات الإسرائيلية لأملاك المسيحيين، ووصلت إلى 30%، وكان من أبرز الأمثلة على هجرة المسيحيين؛ مغادرة ما يقارب من 55 ألف مسيحي من مدينة رام الله بالضفة الغربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يتبقَّ في المدينة سوى 1600 مسيحي فقط".
سجن كبير

راعي كنيسة اللاتين الأسبق، الأب مانويل مسلم، يقول إنّ "الكنائس المسيحية تمّ بناؤها قبل قيام دولة إسرائيل بأعوام عديدة، ومنذ تهجير المسيحيين، إبان النكبة الفلسطينية، وإسرائيل ماضية بالتضييق عليهم، ليعيش المسيحيون في أشبه ما يكون بالسجن الكبير، وتمارس ضدّهم مختلف أشكال التمييز والاضطهاد العنصري لدفعهم على الهجرة من الأراضي المقدسة، لنظرة إسرائيل للمسيحيين على أنهم مناصرون ومؤيدون للقضية الفلسطينية بشكل كامل".

اقرأ أيضاً: مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

ويضيف مسلم لـ "حفريات" أنّ "إسرائيل ترى في تهجير المسيحيين مكسباً مهمّاً للدولة الصهيونية، لتفريغ القضية الفلسطينية من بعدها المسيحي والإسلامي، لتنفيذ مشروع يهودية الدولة، وفرض سيادة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وسرقة المنازل والعقارات والكنائس المسيحية، وفرض ضرائب مجحفة عليها لتعطيل عملها، وبالتالي تهجير الطوائف المسيحية إلى أوروبا والولايات المتحدة لوجود الظروف الاقتصادية والمعيشية والتنموية الملائمة لهم".

المسيحيون جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني

صمود الكنيسة بوجه المحتل

ويشير إلى أنّ "المسيحيين هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وللكنيسة دور كبير في مسيرة البناء والمقاومة ضدّ المحتل الإسرائيلي، وهم شركاء المسلمين في الصمود بوجه المحتل الإسرائيلي وغطرسته، والذي يهدف إلى تهجير كافة مكونات الشعب الفلسطيني، باختلاف أديانهم ومعتقداتهم، فلم يسلم المواطن المسيحي، كغيره من المواطنين المسلمين الذين يعيشون على أرض فلسطين، من الاعتداءات الإسرائيلية، والتي دأبت على هدم منازل بعضهم، واستشهاد واعتقال عدد منهم، فالمسيحي جزء أصيل من مكونات النسيج المجتمعي الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: مسيحيو الأراضي المحتلة: لا نريد مقابلة بنس

ودعا مسلم إلى ضرورة توحيد جميع الفلسطينيين، من مسلمين ومسيحيين، في وجه المخططات الإسرائيلية الرامية إلى القضاء على الوجود العربي، خاصة في مدينة القدس، والعمل على تكثيف الزيارات الدورية للأماكن المسيحية والإسلامية بشكل مستمر، لإيقاف جرائم إسرائيل بحقها.
كيروس فلسطين

ووقعت قيادات الكنائس المسيحية، في كانون الأول (ديسمبر) عام 2009، وثيـقة تاريخية مهمة، تحت عنوان "وثيقة كيروس فلسطين- لحظة الحقيقة"، وتنص الوثيقة الجريئة على أنّ "احتلال فلسطين يعدّ خطيئة ضدّ الله وضدّ الإنسانية"، وتدعو الوثيقة جميع الكنائس والمسيحيين في العالم إلى تبني الوثيقة والدعوة إلى مقاطعة إسرائيل، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وسحب الاستثمارات منها؛ فعزلة إسرائيل ستؤدي إلى زيادة الضغط عليها لتتراجع وتلغي كافة القوانين العنصرية التي تميز ضدّ الفلسطينيين وغير اليهود، وشكلت هذه الوثيقة استمرار الدور الريادي والقيادي الذي لعبه مسيحيو فلسطين في مقارعة الاغتصاب الصهيوني والاحتلال.

عام 1967 أقدم مستوطنون إسرائيليون على اقتحام كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس وقاموا بذبح رئيس الكنيسة الأرشمندريت فيليمينوس

ووفق إحصائية صادرة عن اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين؛ فإنّ من أبرز الاعتداءات الإسرائيلية بحق المقدسات الفلسطينية، كان قيام قوات الاحتلال بالاستيلاء على الكنيسة الأرمنية، وتحويلها إلى ثكنة للجيش الإسرائيلي، عام 1967، وفي العام نفسه؛ أقدم مستوطنون إسرائيليون على اقتحام كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس، وقاموا بذبح رئيس الكنيسة (الأرشمندريت فيليمينوس)، وما تزال جثته المحنطة موجودة في كنيسة "صهيون" للروم الأرثوذكس في القدس، وفي عام 1973؛ أحرق الإسرائيليون المركز الدولي للكتاب المقدس في جبل الزيتون، كما قامت عصابة "تدفيع الثمن" الإسرائيلية، خلال عام 2015، بإحراق كنيسة "صهيون" في القدس المحتلة، وخطت عبارات مسيئة للديانة المسيحية على جدرانها.
وتواصلت الاعتداءات بقيام قوات الاحتلال بهدم كنيسة قرية عابود بالضفة الغربية أكثر من مرة، ومصادرة الحقول الزراعية فيها، وخلال عام 2018؛ قام رؤساء الكنائس بإغلاق كنيسة القيامة بالقدس احتجاجاً على قرار بلدية الاحتلال الإسرائيلي بفرض ضرائب على أملاك الكنائس في القدس المحتلة، واحتجاز أرصدتها، تمهيداً لمصادرتها والتصرف بها.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



مسيحيو فلسطين يرفعون صليب الآلام ويقاومون سياسات التهجير الإسرائيلية

عدد القراءات

2019-04-09

يواجه المسيحيون في الأراضي الفلسطينية تحديات كبيرة، وحملة إسرائيلية ممنهجة، تنذر باندثار مكوّن أساسي من مكونات الشعب الفلسطيني التاريخية؛ لإفراغ فلسطين من سكانها المسيحيين، والعمل على تهجيرهم قسراً منها، لتفقد القضية الفلسطينية جزءاً من نماذجها الثقافية والوطنية، ومجموعة بارزة من النخب السياسية المسيحية، التي كان لها دور بارز في مناصرة قضاياها العادلة والدفاع عن حقوقها المشروعة.

اقرأ أيضاً: مسيحيو فلسطين شركاء في النضال والعيش المشترك

وينتشر في الضفة الغربية أكثر من 40 ألف مسيحي، يتركز تواجدهم في أكثر من 15 مدينة وقرية فلسطينية؛ في بيت ساحور، وبيت لحم، وبيت جالا، ورام الله، وبيرزيت، وعين عريك، والطيبة، والزبابدة، ورفيديا، والجلمة، ودير غزالة وطوباس، وجنين، بينما يعيش في مدينة القدس 4 آلاف مسيحي فقط، وبلغ عدد المسيحيين في قطاع غزة منذ قدوم السلطة الفلسطينية للقطاع، عام 1994، أكثر من 3 آلاف و500 مسيحي، وتراجع تعدادهم إلى 650 مسيحياً فقط.

الحضور المسيحي في الأراضي الفلسطينية يواجه تطهيراً عرقياً إسرائيلياً

تطهير عرقي

الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات، حنا عيسى، يقول لـ "حفريات" إنّ "الأراضي الفلسطينية تضم 13 طائفة مسيحية، هي: الروم الكاثوليك، واللاتين، والروم الأرثوذكس، والبروستانت، والسريان، والأرمن، والأقباط، والأحباش، والموارنة، والشركس، وطوائف أخرى عديدة، وهم يشكلون ما نسبته 20% من مجموع تعداد الشعب الفلسطيني".

حنا عيسى: المسيحيون الفلسطينيون في سباق مع الزمن لبقائهم داخل فلسطين خاصة في المدينة المقدسة

ويضيف: "الحضور المسيحي في الأراضي الفلسطينية يواجه تطهيراً عرقياً إسرائيلياً، خاصة المقدسيين منهم، وذلك في ظلّ مناصرتهم القضية الفلسطينية، وتجنباً لفضح جرائم الاحتلال عالمياً، مما دفع الكثير منهم للهجرة والعيش في بعض الدول الغربية والعربية، لأسباب مختلفة، أهمها: التضييقات الإسرائيلية، والتي عمدت إلى ارتكاب عدة جرائم بحق المقدسات والشخصيات المسيحية الدينية، وإحراق عدد من الأديرة والكنائس، حتى باتت حياة الكثيرين منهم شبه مستحيلة، في ظلّ ما تمارسه إسرائيل بحقهم من اعتداءات متواصلة".

اقرأ أيضاً: المسيحيون في الخليج

ويوضح عيسى: "السلطات الإسرائيلية تفرض عقوبات اجتماعية ودينية واقتصادية على المؤسسات والكنائس المسيحية، من خلال فرض الضرائب الباهظة عليها، بعدما قررت اللجنة الإسرائيلية لشؤون التشريع في الكنيست الإسرائيلي إصدار مشروع قانون يعطي السلطات الإسرائيلية حقّ مصادرة أملاك وأراضي الكنائس والمؤسسات المسيحية، في حال رفضت دفعها الضرائب المستحقة عليها، وذلك بهدف تهجير ما تبقى من مسيحيين في داخل الأراضي الفلسطينية".

يمارس الاحتلال إجراءات عديدة لإفراغ القدس من سكانها المسيحيين

فرض الضرائب المجحفة

ويؤكد أنّ "الحكومة الإسرائيلية تستهدف أكثر من 800 كنيسة وعقار مسيحي في مدينة القدس، لإرغامها على دفع أكثر من 190 مليون دولار أمريكي كضرائب عليها منذ عام 2010، والسيطرة على الكنائس والعقارات التي تمتنع عن تسديد ما عليها من ضرائب، الأمر الذي يهدد بإغلاق كافة الكنائس والأديرة والمؤسسات الكنسية في فلسطين، وبالتالي حرمان آلاف العائلات المسيحية من الحصول على الخدمات الطبية والتعليمية والثقافية التي توفرها الكنائس لأبنائها، لضمان بقائهم بداخل الأراضي الفلسطينية، في ظل شظف العيش الذي يواجهونه".

اقرأ أيضاً: كيف يعيش المسيحيون في إيران؟

وتابع: "يمارس الاحتلال إجراءات عديدة لإفراغ القدس من سكانها المسيحيين، تمثلت بحرمانهم من الحصول على حقهم في لم شمل عائلاتهم، ومنعهم من الحصول على البطاقات الإسرائيلية الزرقاء، في حال تمّ ارتباطهم بفتيات من خارج مدينة القدس، وفرض ضريبة الأملاك "الأرنونا" على عدد كبير منهم، وحرمان معظمهم من حرية التوجه للكنائس، خاصة التي تقع خلف الجدار العازل، ككنيسة المهد في بيت لحم، وحرمان أعداد كبيرة من المسيحيين من الوصول إليها بحرية، وهو ما جعل الكثير منهم يغادرون الأراضي الفلسطينية للدول التي تتوفر لديها ظروف اقتصادية وحياتية جيدة، نتيجة الممارسات العنصرية والتعسفية، التي أدت إلى ارتفاع مستويات الفقر فيما بينهم لمستويات عالية، وهو الهدف الذي تسعى إسرائيل إليه لتفريغ الأراضي الفلسطينية من سكانها المسيحيين".

تراجع أعداد المسيحيين

ويشير عيسى إلى أنّ "المسيحيين الفلسطينيين في سباق مع الزمن لبقائهم داخل فلسطين، خاصة في المدينة المقدسة، مع الأساليب التي تتبعها السلطات الإسرائيلية والإجراءات التهويدية التي تمارس بحقهم، وتقييد وصولهم إلى كنائس وأديرة مدينة القدس، من خلال رفض الجهات الإسرائيلية المختصة منحهم تصاريح لزيارة المقدسات المسيحية، وتحديداً في المناسبات والأعياد المسيحية، ودفعهم للهجرة إلى خارج فلسطين، في إشارة واضحة إلى حسم إسرائيل قضية التوازن الديمغرافي لصالح تهويد المؤسسات والكنائس المسيحية وطمس معالمها الدينية والتاريخية".

اقرأ أيضاً: مسيحيون يشدون بحب النبي: هل يصلح الفن ما أفسدته الأيديولوجيا؟

ويبين أنّه "منذ النكبة الفلسطينية، عام 1948، تراجعت أعداد المسيحيين في الأراضي الفلسطينية بعد تهجير أكثر من 50 ألف مسيحي، وقامت إسرائيل بالاستيلاء على أكثر من 50% من الممتلكات المسيحية في مدينة القدس، وبعد النكسة، عام 1967، تزايدت المصادرات الإسرائيلية لأملاك المسيحيين، ووصلت إلى 30%، وكان من أبرز الأمثلة على هجرة المسيحيين؛ مغادرة ما يقارب من 55 ألف مسيحي من مدينة رام الله بالضفة الغربية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ولم يتبقَّ في المدينة سوى 1600 مسيحي فقط".
سجن كبير

راعي كنيسة اللاتين الأسبق، الأب مانويل مسلم، يقول إنّ "الكنائس المسيحية تمّ بناؤها قبل قيام دولة إسرائيل بأعوام عديدة، ومنذ تهجير المسيحيين، إبان النكبة الفلسطينية، وإسرائيل ماضية بالتضييق عليهم، ليعيش المسيحيون في أشبه ما يكون بالسجن الكبير، وتمارس ضدّهم مختلف أشكال التمييز والاضطهاد العنصري لدفعهم على الهجرة من الأراضي المقدسة، لنظرة إسرائيل للمسيحيين على أنهم مناصرون ومؤيدون للقضية الفلسطينية بشكل كامل".

اقرأ أيضاً: مسلمون ومسيحيون في رمضان على مائدة مشتركة

ويضيف مسلم لـ "حفريات" أنّ "إسرائيل ترى في تهجير المسيحيين مكسباً مهمّاً للدولة الصهيونية، لتفريغ القضية الفلسطينية من بعدها المسيحي والإسلامي، لتنفيذ مشروع يهودية الدولة، وفرض سيادة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، وسرقة المنازل والعقارات والكنائس المسيحية، وفرض ضرائب مجحفة عليها لتعطيل عملها، وبالتالي تهجير الطوائف المسيحية إلى أوروبا والولايات المتحدة لوجود الظروف الاقتصادية والمعيشية والتنموية الملائمة لهم".

المسيحيون جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني

صمود الكنيسة بوجه المحتل

ويشير إلى أنّ "المسيحيين هم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني، وللكنيسة دور كبير في مسيرة البناء والمقاومة ضدّ المحتل الإسرائيلي، وهم شركاء المسلمين في الصمود بوجه المحتل الإسرائيلي وغطرسته، والذي يهدف إلى تهجير كافة مكونات الشعب الفلسطيني، باختلاف أديانهم ومعتقداتهم، فلم يسلم المواطن المسيحي، كغيره من المواطنين المسلمين الذين يعيشون على أرض فلسطين، من الاعتداءات الإسرائيلية، والتي دأبت على هدم منازل بعضهم، واستشهاد واعتقال عدد منهم، فالمسيحي جزء أصيل من مكونات النسيج المجتمعي الفلسطيني".

اقرأ أيضاً: مسيحيو الأراضي المحتلة: لا نريد مقابلة بنس

ودعا مسلم إلى ضرورة توحيد جميع الفلسطينيين، من مسلمين ومسيحيين، في وجه المخططات الإسرائيلية الرامية إلى القضاء على الوجود العربي، خاصة في مدينة القدس، والعمل على تكثيف الزيارات الدورية للأماكن المسيحية والإسلامية بشكل مستمر، لإيقاف جرائم إسرائيل بحقها.
كيروس فلسطين

ووقعت قيادات الكنائس المسيحية، في كانون الأول (ديسمبر) عام 2009، وثيـقة تاريخية مهمة، تحت عنوان "وثيقة كيروس فلسطين- لحظة الحقيقة"، وتنص الوثيقة الجريئة على أنّ "احتلال فلسطين يعدّ خطيئة ضدّ الله وضدّ الإنسانية"، وتدعو الوثيقة جميع الكنائس والمسيحيين في العالم إلى تبني الوثيقة والدعوة إلى مقاطعة إسرائيل، وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وسحب الاستثمارات منها؛ فعزلة إسرائيل ستؤدي إلى زيادة الضغط عليها لتتراجع وتلغي كافة القوانين العنصرية التي تميز ضدّ الفلسطينيين وغير اليهود، وشكلت هذه الوثيقة استمرار الدور الريادي والقيادي الذي لعبه مسيحيو فلسطين في مقارعة الاغتصاب الصهيوني والاحتلال.

عام 1967 أقدم مستوطنون إسرائيليون على اقتحام كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس وقاموا بذبح رئيس الكنيسة الأرشمندريت فيليمينوس

ووفق إحصائية صادرة عن اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين؛ فإنّ من أبرز الاعتداءات الإسرائيلية بحق المقدسات الفلسطينية، كان قيام قوات الاحتلال بالاستيلاء على الكنيسة الأرمنية، وتحويلها إلى ثكنة للجيش الإسرائيلي، عام 1967، وفي العام نفسه؛ أقدم مستوطنون إسرائيليون على اقتحام كنيسة بئر يعقوب للروم الأرثوذكس، وقاموا بذبح رئيس الكنيسة (الأرشمندريت فيليمينوس)، وما تزال جثته المحنطة موجودة في كنيسة "صهيون" للروم الأرثوذكس في القدس، وفي عام 1973؛ أحرق الإسرائيليون المركز الدولي للكتاب المقدس في جبل الزيتون، كما قامت عصابة "تدفيع الثمن" الإسرائيلية، خلال عام 2015، بإحراق كنيسة "صهيون" في القدس المحتلة، وخطت عبارات مسيئة للديانة المسيحية على جدرانها.
وتواصلت الاعتداءات بقيام قوات الاحتلال بهدم كنيسة قرية عابود بالضفة الغربية أكثر من مرة، ومصادرة الحقول الزراعية فيها، وخلال عام 2018؛ قام رؤساء الكنائس بإغلاق كنيسة القيامة بالقدس احتجاجاً على قرار بلدية الاحتلال الإسرائيلي بفرض ضرائب على أملاك الكنائس في القدس المحتلة، واحتجاز أرصدتها، تمهيداً لمصادرتها والتصرف بها.