هل يقود وقف التمويل الخارجي إلى انهيار السلطة الفلسطينية؟

هل يقود وقف التمويل الخارجي إلى انهيار السلطة الفلسطينية؟

مشاهدة

20/10/2020

تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية واقتصادية هي الأشدّ منذ تأسيسها، عام 1994، مع دخولها في معركة مزدوجة ضدّ تفشّي وباء فيروس كورونا، ووقف التنسيق مع الاحتلال الإسرائيلي، ضمن مواجهة مخطط الضمّ بالضفة الغربية المحتلة، ما أدّى إلى تراجع إيراداتها الشهرية، وكذلك انخفاض المنح والمساعدات الخارجية لأكثر من النصف، وهو ما يتهدّد بعدم وفاء السلطة بالتزاماتها المالية وتضرّر النشاط الاقتصادي ومستويات المعيشة بشكل كبير.

اقرأ أيضاً: المستعربون: فرق موت إسرائيلية خفيّة تطارد الفلسطينيين

وكان تقرير صادر عن الفريق الأهلي لدعم شفافية الموازنة، في تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، قد بيّن أنّ نسبة التمويل الخارجي الفعلي انخفضت خلال هذه السنوات إلى نسبة 37%، وهو ما يهدّد بأنّ انهيار السلطة حتمية واقعية، إذا استمرت الأزمة الخانقة، ولن يكون بمقدر السلطة الوفاء بالتزاماتها ومهامها.

وقال التقرير إنّ "أكثر من ١٨.٦ مليار شيكل حصلت عليها السلطة الفلسطينية كمساعدات ومنح خارجية خلال الأعوام العشرة الأخيرة، نصفها تماماً من الاتحاد الأوروبي، والنصف الآخر من باقي العالم".

تواجه السلطة الفلسطينية أزمة مالية واقتصادية هي الأشدّ منذ تأسيسها، عام 1994

وبحسب أرقام وزارة المالية؛ فإنّ الدعم الخارجي الذي تلقته السلطة، في أيار (مايو) الماضي، بلغ 28 مليون دولار فقط، ما يعني أنّ كلّ ما حصلت عليه السلطة من إيرادات، في أيار (مايو)، لا يتجاوز 68 مليون دولار، تغطي حوالي خمس النفقات العامة الشهرية فقط، البالغة حوالي 300 مليون دولار.

اقرأ أيضاً: فلويد الفلسطيني لـ"حفريات": نجوت بأعجوبة من موت محقق

وتتصدر السعودية قائمة الدول العربية كأكثر المانحين للسلطة الفلسطينية، منذ تأسيسها وحتى عام 2019، بقيمة 3.2 مليار دولار، تليها الإمارات بقيمة 937 مليون دولار، والجزائر بقيمة 800 مليون دولار، والكويت 485 مليون دولار، وقطر 225 مليون دولار، العراق 108 ملايين دولار.

أمام السلطة الفلسطينية اتّباع سياسة التقشف والاستمرار في تقليص النفقات غير الضرورية، والتعايش في ظلّ انخفاض مساعدات المانحين، وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي بخصوص اقتطاع أموال المقاصة

وتظهر بيانات الميزانية الفلسطينية للربع الأول من 2020؛ أنّ الحكومة الفلسطينية تلقت 70.2 مليون دولار مساعدات ومنح خارجية للموازنة العامة، ما يعني أنّ الدعم السعودي شكّل 43.4% من إجمالي المنح الخارجية الفعلية.

ويقدّر إجمالي النفقات لدى السلطة بـ 18.089 مليون شيكل، منها حوالي 8 ملايين شيكل تنفق على الرواتب والأجور، ويستحوذ قطاع البنية التحتية على 18% من إجمالي الموازنة المعتمدة للنفقات التطويرية، هي: "النفقات التي لھا طبیعة تختلف عن النفقات الجارية من حیث العمر الافتراضي والعائد من النفقة".

أزمة مالية متراكمة

بدوره، يقول مدير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني والوزير الأسبق، سمير عبد الله، في حديثه لـ "حفريات": إنّ "السلطة الفلسطينية تعاني، منذ العام 2012، أزمة مالية متراكمة، وهو ما أدّى إلى ازدياد ديونها الداخلية لصندوق التقاعد والقطاع الخاص وتغطية فاتورة رواتب موظفيها، ما نتج عنه عدم مقدرة السلطة، منذ ما يزيد عن أربعة أشهر، على تغطية كامل رواتب الموظفين العموميين، واكتفائها بصرف 50% من الرواتب، وفي أحيان أخرى تقل هذه النسبة بحسب الميزانية المتوفرة"، مشيراً إلى أنّ "البنوك الفلسطينية لم تعد لديها مقدرة على إقراض السلطة الفلسطينية، التي فقدت أكثر من 20% من محفظتها الائتمانية، التي تقدَّر بمليار و800 مليون دولار أمريكي بفعل إقراض خزينة السلطة الفلسطينية".

يقدّر إجمالي النفقات لدى السلطة بـ 18.089 مليون شيكل، منها حوالي 8 ملايين شيكل تنفق على الرواتب والأجور

واستبعد عبد الله، الذي شغل منصب وزير التخطيط والعمل سابقاً: أن "تؤدّي الأزمة المالية الحالية إلى انهيار السلطة الفلسطينية في ظلّ احتجاز الاحتلال الإسرائيلي أموال المقاصّة، التي بلغت على مدار أربعة أشهر مليار دولار أمريكي، وترفض السلطة الحصول عليها منقوصة، على أمل أن تقوم بعض الدول الضامنة في بروتوكول باريس الاقتصادي بالضغط على إسرائيل لاستعادة أموال المقاصة كاملة من وزارة المالية الإسرائيلية، والتي تعدّ حقوقاً مالية للسّلطة يتمّ الحصول عليها من ضريبة الدخل والقيمة المضافة ومقتطعات أخرى؛ حيث تشكّل المقاصّة ضماناً لمقرضي السلطة بسداد جزء كبير من مستحقاتهم المالية حال تمّ الإفراج عن هذه الأموال".

تراجع الدعم الخارجي

وتابع: "الدعم الخارجي للسلطة الفلسطينية من الدول المانحة، الأجنبية والعربية، بدأ بالتراجع منذ العام 2000، وهو ما نتج عنه حدوث عجز في ميزانها الجاري، وتحديداً في الجزء المتعلق بالموازنة العامة"، مبيناً أنّ "هذه المنح كانت تقدر بمليار و300 مليون دولار، وتراجعت هذه النسبة، عام 2012، إلى مليار دولار أمريكي فقط، حتى وصلت خلال العام الماضي (2019) إلى 700 مليون دولار، مما دفع بالسلطة إلى اتّباع سياسة تقشّف في نفقاتها على حساب مشاريع التنمية والبنى التحتية، والتي أصبحت حاجة ثانوية لتطويرها".

وزير التخطيط الفلسطيني الأسبق سمير عبد الله لـ "حفريات": السلطة الفلسطينية تعاني أزمة مالية متراكمة، ما أدّى إلى ازدياد ديونها الداخلية لصندوق التقاعد وتغطية رواتب موظفيها

وبيّن عبد الله أنّ "المنح الخارجية من الدول العربية كانت تشكّل، بين العامين 2000 و 2010، حوالي 40% من المساعدات المقدمة، فيما كانت المساعدات الأوروبية تشكّل من  20 إلى 25%، والباقي كانت تتكفّل به بعض الدول الأجنبية، كالولايات المتحدة واليابان والنرويج، والتي كانت تترأس لجنة الارتباط المؤقتة، التي تشكّلت بعد اتفاقية أوسلو، بهدف تجنيد التمويل للشعب الفلسطيني"، موضحاً أنّ هناك دولاً، عربية وأجنبية، أوقفت دعمها للسلطة الفلسطينية، تماشياً مع صفقة ترامب لفرض الاستسلام على الفلسطينيين وتجفيف منابع الدعم الخارجي لهم".

اقرأ أيضاً: كيف تستغل إسرائيل "الكانتينا" لعقاب الأسرى الفلسطينيين؟

ووفق عبد الله؛ فإنّ "الموازنة التطويرية، كتطوير شبكات المياه والكهرباء وبناء المدارس وغيرها، تراجعت بنسبة كبيرة، من 300 مليون دولار إلى 100 مليون دولار أمريكي، كما وصل العجز في الميزانية الجارية من 600 إلى 700 مليون دولار"، مؤكداً أنّ "السلطة استطاعت، من خلال جباية الضرائب المحلية التي تشكّل ثلث الإيرادات العامة، تحقيق مليار دولار أمريكي، خلال العام 2007، وقد ارتفعت الجباية حالياً إلى مليار ونصف المليار، وهو ما أدّى إلى خفض نسبة العجز المالي في الميزانية".

أزمة سياسية سببها إسرائيل

وأوضح أنّ "الأزمة المالية انعكست سلباً على الاقتصاد الفلسطيني بعد أن تمّ استنفاد كافة المصادر المحلية، وتراجع مستوى الإيرادات، منذ العام 2000، باعتبار الاقتصاد الفلسطيني هو اقتصاد نامٍ ومتخلّف، نتيجة وقوع معظم الأراضي الفلسطينية تحت السيطرة الإسرائيلية ويمنع الاستثمار فيها، وكذلك سيطرة الاحتلال على مدينة القدس، التي من المتوقّع أن تشكّل 15% من دعم الاقتصاد الفلسطيني، إضافة إلى سيطرة الاحتلال على 85% من المياه في الضفة الغربية لضخّها بداخل المستوطنات، وفي الأراضي المحتلة عام 1948، وكذلك سيطرة الاحتلال على ثروات البحر الميت، والتي تشكّل مليار دولار سنوياً، والتي كان من المفترض أن تذهب إلى خزينة السلطة الفلسطينية".

 سيطرة الاحتلال على ثروات البحر الميت، والتي تشكّل مليار دولار سنوياً

وأشار وزير التخطيط والعمل الأسبق إلى أنّ "تقرير البنك الدولي، الصادر خلال العام 2013، قد بيّن أنّ عدم استثمار السلطة الفلسطينية في مواردها وأراضيها تسبّب بأكثر من 3.4 مليار دولار كخسائر سنوية، حيث بقيت مصادرنا ومواردنا قليلة، بعد اتفاقية أوسلو خلال العام 1993، وهو ما أدّى إلى توقّف الاقتصاد الفلسطيني عن النموّ، وأصبحت السلطة وبعض القطاعات الخاصة غير قادرة على تأمين فرص عمل للشباب"، موضحاً أنّها "أزمة تنموية سياسية سببها سرطان الاحتلال وسياساته العنصرية المكبلة للاقتصاد".

مخاطر مصرفية كبيرة

من جهته، يقول أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية، بكر شتية إنّ "السلطة الفلسطينية كانت تعتمد منذ تأسيسها على المساعدات والمنح الخارجية، والتي كانت تشكّل 50% من ميزانيتها، ومع تراجع حجم هذه المساعدات منذ ما يزيد عن خمسة أعوام، تقلّص الاعتماد على تلك المساعدات، وأصبحت نفقات الضرائب المحلية تشكّل 85% من موازنة السلطة، ومع عودة المقاصّة، والتي تشكّل 65% من موازنة السلطة الفلسطينية، من المرجح أن تعود الأوضاع المالية للسلطة الفلسطينية للاستقرار وتغطية معظم نفقاتها ومستحقاتها المالية".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستولي على آثار فلسطينية لخلق تاريخ مزيف لأكاذيب الاحتلال

ويضيف شتية، لـ "حفريات": "لجوء السلطة الفلسطينية للاقتراض من البنوك الفلسطينية يهدّد القطاع المصرفي الفلسطيني، بعد إقراضها السلطة 22% من مجموع القروض الممنوحة، وهو رقم خطير يسمّى اقتصادياً "التركز الائتماني"، الذي سيزيد من مخاطر سلامة القطاع، في ظلّ مزاحمة الحكومة القطاع الخاص في الحصول على القروض من البنوك الفلسطينية"، مبيناً أنّ "البنوك الفلسطينية تحبّذ إقراض الحكومة على القطاع الخاص؛ لأنّها مصدر سهل للإقراض، ولا تترتّب عليها مخاطر كبيرة، وتستطيع الحصول على أسعار فائدة عالية منها، وهو ما يصبّ في مصلحة البنوك العاملة".

اقرأ أيضاً: مشروع وادي السيلكون: إسرائيل تهوّد القدس والسلطة الفلسطينية تتفرّج

ولفت إلى أنّ "الحكومة الفلسطينية لن تكون قادرة على الاقتراض من البنوك خلال الأشهر المقبلة، تحديداً خلال شهر تشرين الثاني (نوفمبر) القادم، وعلى السلطة الفلسطينية أن تبحث عن مصادر بديلة أخرى مع وصولها لأرقام اقتراض خطرة من المصارف المحلية".

بدائل محدودة

وعن إمكانية لجوء السلطة الفلسطينية لصندوق الاستثمار الفلسطيني لسدّ العجز المالي في ميزانيتها بين شتية؛ أنّ "صندوق الاستثمار يعاني من أزمات مالية في ظل عدم توافر معلومات كاملة حول الموجودات المالية داخل الصندوق، إلا أنّ هناك بعض التقارير التي تبيّن تأثّر صندوق الاستثمار بالمشاكل المالية والصحية التي تواجه السلطة الفلسطينية، وذلك لاقتصار استثماراته على داخل الأراضي الفلسطينية بعد توقفها في الخارج، كما كان سابقاً"، موضحاً أنّ "السلطة لجأت إليه في مرات عديدة، إلا أنّ مرجعيّته ليست من صلاحيات الحكومة الفلسطينية، وهي منوطة بمنظمة التحرير الفلسطينية".

وتابع شتية: "البدائل أمام السلطة محدودة، مع تراجع المنح الخارجية بشكل كبير لارتباط التمويل بقضايا سياسية، في ظلّ التوتر بين السلطة وبعض الدول العربية، كما أنّ البنك الدولي بات يضع شروطاً لاستمرار تقديم الدعم والمساعدات، وأمام السلطة، مع كافة هذه المشاكل المالية، اتّباع سياسة التقشف والاستمرار في تقليص النفقات غير الضرورية، والتعايش في ظلّ انخفاض مساعدات المانحين، وإجراءات الاحتلال الإسرائيلي بخصوص اقتطاع أموال المقاصة لحين إحداث انفراجة في تلك المعضلة المالية المهمّة".

اقرأ أيضاً: أساليب شيطانية تلجأ إليها إسرائيل لسرقة أراضي الفلسطينيين

وأكّد الأكاديمي الفلسطيني؛ أنّه "لا بدّ من الانفكاك الاقتصادي عن إسرائيل، ودعم السلطة الفلسطينية للمشاريع الزراعية، كمشروع العنقود الزراعي في قلقيلية، والذي يعدّ من التجارب الفلسطينية القليلة التي حققت نتائج جيدة"، مشيراً إلى ضرورة تعميم العنقود الزراعي في باقي المحافظات الفلسطينية، لتأسيس قاعدة إنتاجية تعمل على تخفيض معدلات البطالة، وتقليل الاعتماد على الواردات والمساعدات الخارجية، وإيجاد حلول للأزمة الاقتصادية الحالية".

الصفحة الرئيسية