"الجهاد والشركة: الأسواق السوداء والقوة الإسلامية": كيف ساعد الاقتصاد الجماعات المتطرفة؟

1356
عدد القراءات

2018-12-23

خلال العقدين الماضيين؛ استطاعت الجماعات الإرهابية؛ في الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا، ووسط آسيا، أن تعبث بالسلم الاجتماعي، وأن تدمّر البنى التحتية المهمّة في العديد من المدن في هذه المنطقة الواسعة ومترامية الأطراف، والمترابطة بفعل آليات العولمة التكنولوجية والاقتصادية.

اعتمدت المؤلفة  على خبرتها البحثية والأكاديمية  في آليات الصراع والحروب الأهلية  في مناطق الحروب في العالم الإسلامي

وقد ظهرت هذه الجماعات من الرماد، كطائر العنقاء، واندفعت بقوة هائلة إلى السلطة، محطّمةً أعداءها ومنافسيها في أرض المعركة والمنافسة. ومن الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا؛ شكّل صعود الجماعات الإسلاموية المسلحة أحد أهم الأزمات التي تواجه الأمن العالمي، في عالم اليوم وفي العالم الإسلامي، وفي الوقت الذي ركزت فيه الدول والحكومات وأجهزتها الأمنية في هذه المناطق على إستراتيجيات المحافظة على الأرض والمناطق الجغرافية التابعة لها؛ ظهر من تحت الأرض نوع من النظام الاقتصادي الخفيّ، وهو يساعد الآن في تمويل ودعم هذه الجماعات الإرهابية.

كتاب "الجهاد والشركة: "الأسواق السوداء والقوة الإسلامية"

كما شاركت النخب، ورجال الأعمال المحليين (خاصة المهربين وتجار السلاح) الخائفين من عدم تحقيق الأرباح المالية خلال الحرب، الجماعات الإرهابية في تأمين ممرات آمنة لتسويق وعرض منتجاتهم، وقد استفاد تنظيم داعش تحديداً من هذه الشركات والعلاقات مع المحليين، كما قامت جماعات إرهابيه أخرى بإيجاد طرق ثانية لتأمين الدعم المالي؛ وذلك ببيع القطع الأثرية المختلفة بأسعار باهظة جداً.

شاركت النخب ورجال الأعمال المحليين الجماعات الإرهابية في تأمين ممرات آمنة لتسويق وعرض منتجاتها

هذا السؤال المركزي؛ الذي حاولت الدكتورة عائشة أحمد، الإجابة عنه في كتابها المعنون بـ "الجهاد والشركة: "الأسواق السوداء والقوة الإسلامية" ( Jihad & Co.: Black Markets and Islamic Power)؛ الذي نشر باللغة الإنجليزية أواخر العام 2017.
وقد لقي كتاب الدكتورة عائشة أحمد، الكندّية من أصول باكستانية، من منطقة بيشاور على الحدود مع أفغانستان، وأستاذة العلوم السياسية في جامعة تورنتو- كندا، ومديرة برنامج الإسلام والشؤون العالمية في كلية مونك (Munk) للشؤون العالمية في الجامعة، تغطية إعلامية واسعة واهتماماً كبيراً من مركز البحث والدراسات في أمريكا وكندا؛ لأنّه أماط اللثام عن خفايا وتفاصيل اقتصاديات السوق السوداء الجهادية، من خلال عملها الميداني الموسّع؛ الذي قامت به في أفغانستان، وباكستان، والصومال، ومالي، ومنطقة الساحل، ولبنان، وسوريا، والعراق، معتمدة على خبرتها البحثية والأكاديمية في آليات الصراع والحروب الأهلية في مناطق الحروب في العالم الإسلامي، خاصة في أفغانستان والصومال.

اقرأ أيضاً: الإرهابيون الخارجون.. إلى أين سيذهبُ هؤلاء؟!
لقد نجحت عائشة في تقديم مقاربة، أو تفسير جديد، يتحدى "الحكمة التقليدية" لكيفية بروز الجماعات الإسلامية المعاصرة، المدعومة من طبقة التجار والأعمال. وكيف أنّ دعوة، أو قضية الجماعات الإسلاموية المسلحة يمكن أن تكون اقتصادية كما هي أيديولوجية، وبالقدر نفسه.
إنّ هذه المقاربة، وهذا التحليل العميق، مهمّان للحكومات والأجهزة الأمنية العالمية، المهتمة بمكافحة الإرهاب اليوم؛ فهما يوسّعان المنظور الذي تتحرك فيه سياسات مكافحة الإرهاب وعمليات إعادة التأهيل والإدماج والرعاية اللاحقة، وإعادة الإعمار، وبناء الدول بعد الحروب الأهلية. 

 الدكتورة عائشة أحمد
لقد طرحت عائشة سؤالاً مهمّاً: كم هي مربحة ومنتشرة هذه "السوق السوداء"؟ وفي ظلّ هزائم الجماعات الإرهابية على الأرض وانحسارها عن المناطق التي كنت تنشط فيها؛ ما احتمال بقاء تنظيم مثل؛ "داعش" قوياً نتيجة لما حققه من مكاسب مالية في هذه السوق السوداء؟
إنّ أحد أهم الدروس المعروفة عن الحرب، وهو درس يتمّ نسيانه دوماً؛ أنّ الحروب تدمّر، لكنّها خلّاقة في الوقت نفسه، وتُبدع في جهات ومواقع أخرى، وأحد تجليات هذا الإبداع؛ أنّ الجماعات الإسلاموية المسلحة نجحت بتزويد النخب المحلية التجارية بمزيد من حفظ النظام والثقة، وهذا ما أدّى إلى مساعدتهم في مضاعفة أرباحهم وكسب ولائهم المطلق، والكاتبة تتحدث هنا عن حالات في أفغانستان وباكستان والصومال ومالي ولبنان.

أكّدت الكاتبة على فرضية أنّ دور الاقتصاد أكبر من الدين والأيديولوجيا؛ وفسّرت بذلك صعود الجماعات الإسلاموية المسلحة في العالم الإسلامي

تعمّق هذه المقاربة فهمنا للجماعات المتطرفة اليوم، وكيف أنّ المتطرفين سياسياً يمكن أن يعتمدوا آليات الاقتصاد والسعي نحو تحقيق الأرباح المالية، وفهم آليات وديناميكيات العلاقة الاقتصادية التي تنشأ بين المسجد والسوق، خاصّة في ظلّ اقتصاديات الحروب الأهلية، والتقاطع العميق بين قطاع الأعمال ومصالح الجماعات الإسلاموية، وكيف تساهم في صعود القوة الإسلامية في المجتمعات المضطربة.
  ومن شمال إفريقيا، إلى الشرق الأوسط، إلى جنوب آسيا، سيطرت هذه الجماعات الإسلاموية المسلحة على مساحات واسعة من الأراضي، وسيطرت اقتصادياً على مجتمعات إثنية وقبلية مختلفة.

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب "التطرف" لإبراهيم غرايبة
ومن أكثر المجتمعات تحطماً وتهشماً وبعداً عن السيطرة الدولية في الأرض، أنشأت "دولة جهادية" جديدة غير معترف بها (proto-states)، من رحم الفوضى العميقة في هذه المناطق، وأبرز مثال عن ذلك؛ "الدولة" التي أسّسها تنظيم داعش، بعد عام 2014 حتى نهاية 2018؛ التي أسماها بــ "الدولة الإسلامية"، قبل أن يهزَم عسكرياً في سوريا والعراق.
وهنا يُطرح تساؤل آخر: لماذا فشلت جماعات مسلحة عالمية أخرى في جذب الانتباه والاهتمام العالميّين، بينما نجحت، في المقابل، الجماعات الإسلاموية في ذلك واستطاعت إقامة ما يشبه الدولة؟

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب "تشريح الإرهاب.. من مقتل بن لادن إلى ظهور داعش"
من خلال البحث العميق، والإحصائيات، والمقابلات الشخصية، والعمل الميداني الذي يتسم بالخطورة في مناطق الصراع والحروب الأهلية (العراق، سوريا، أفغانستان، باكستان، الصومال، ومالي)؛ توصّلت إلى أنّ السبب الرئيس والمنطقي كان "الاقتصاد"! لكن كيف؟!
تحاجج عائشة، بتحليل عميق ومدعم بالبيانات والإحصائيات والمقابلات الشخصية؛ بأنه من خلال تعاون مجتمع رجال الأعمال المحليين (المهربين، وتجار السلاح)، أو ما يمكن أن نطلق عليهم النخب التجارية المحلية، وسعيهم المحموم للربح مع الجماعات الإسلاموية، التقت آليات السوق مع المسجد.

اقرأ أيضاً: إرهاب الذئاب المنفردة لدي سيمون: صرخة إنذار
وهنا يمكن أن نلاحظ كيف زعزعت عائشة المسلّمات التقليدية المُضلّلة، والرطانة المنتشرة حول هذه المنطقة من العالم المعاصر، بأنّها تتحرك وتتفاعل مع العالم من خلال الأفكار الكبرى والأيديولوجيات المنغلقة والهويات الخاصة، ودور الدين كمحرك لأفعال الناس في هذه المنطقة؛ وذلك حينما أكّدت على فرضية أنّ الاقتصاد والأعمال أكثر من الدين والأيديولوجيا؛ وهو ما يفسّر صعود الجماعات الإسلاموية المسلحة في العالم الإسلامي المعاصر.
فحين استطاع رجال الأعمال (المهرّبون)، خاصة في أفغانستان والصومال (اتحاد المحاكم الصومالية الإسلامية) بناء نوع من الأخلاقيات للسوق السوداء، القائمة على الالتزام والاحترام المتبادل مع الجماعات المسلحة، وذلك ما ضمن المهربون به عدم تعرّض الجماعات المسلحة لهم أو معاقبتهم، كما تفعل السلطات والحكومية الرسمية.

يعدّ الكتاب من أهم قائمة الكتب التي ظهرت عام 2018 بحسب المجلة الأمريكية "فورين أفيرز"

إذاً، استطاعت المؤلفة النفاذ إلى هذه المقاربة الصادمة والقوية من خلال معرفتها وثقافتها الشخصية؛ فهي تنحدر أصلاً من عائلة باكستانية كانت تمتهن التهريب عبر الحدود، بين مدينتها بيشاور الباكستانية وأفغانستان، (ويذكر أنّها كانت تمارس فنون القتال وكانت ملاكمة محترفة).

ولأنّ الهدف هنا قراءة ومراجعة الكتاب، وليس نقده؛ فسيتم القفز عن بعض الملاحظات النقدية التي، ربما، تخصّ التباينات الأيديولوجية بين الجماعات الإسلامية المسلحة، خاصة بين طالبان باكستان وأفغانستان وحركة الشباب في الصومال؛ التي تؤثر في كيفية تعاملها مع الداخل المحلي والخارج، كذلك الأمر بخصوص تعميم التعريف الواسع الذي اعتمدته للجماعات الإسلامية، والذي يشمل طيفاً واسعاً من الجماعات التي يمكن اعتبار "جماعة الإخوان المسلمين" جزءاً منها؛ فقد ركّز كتابها على الجماعات الإسلاموية المتطرفة أو الإرهابية، إن جاز التعبير، ورغم أنّ عائشة، في تعريفها لتلك الجماعات، تحدّثت عن الكلّ فقد خصّت الجزء، وكذلك الأمر بخصوص تعريفها المبهم لمفهوم "النخب التجارية الباحثة عن الربح".

اقرأ أيضاً: الإرهاب المقدس: مقاربات خارج الصندوق الأسود
في النهاية؛ يبقى الكتاب من أهم قائمة الكتب التي ظهرت العام 2018، بحسب المجلة الأمريكية الرصينة "فورين أفيرز"(Foreign Affairs)، في عددها الصادر بتاريخ 14 كانون الأول (ديسمبر) 2018؛ حيث جاء في المرتبة (26) من أصل (33) كتاباً ضمّتها القائمة التي تصدر سنوياً عن المجلة، كما فاز بجائزة "إدغار فيورنس" (Edgar Furniss)؛  كأفضل كتاب في الأمن الدولي والوطني في كندا، وجائزة "المنظمة الكندية للعلوم السياسية" كأفضل كتاب في السياسة المقارنة العام 2018.

اقرأ المزيد...

الوسوم: