4 سيناريوهات ما بعد فرض العقوبات على إيران

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
9846
عدد القراءات

2018-11-05

استكملت إيران تقريباً عمليات التحضير لمواجهة الحزمة الثانية من العقوبات، التي تفرضها الولايات المتحدة، ابتداءً من الرابع من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2018، ونشطت الدبلوماسية الإيرانية في توسيع العلاقات مع دول الجوار الجغرافي الإيراني خلال الشهور الماضية، وسعت إلى رفع قابلية التبادل التجاري؛ البرّي والبحري، مع هذه الدول، إلى الحدّ الأقصى المتاح، كما اجتهدت الفرق الدبلوماسية والاقتصادية الإيرانية في تقديم الإغراءات المتنوعة لزبائن النفط الإيراني، لضمان بقاء مستوى صادرات النفط الإيرانية في الحدّ الأعلى المتاح.

وقد أظهرت التغييرات، التي أجراها الرئيس روحاني على تشكيلته الوزارية؛ أنّه بات يقبل فكرة التخلص من "الليبراليين" في حكومته، لتعزيز المركزية في المجال الاقتصادي، وإيقاف الإصلاحات الاقتصادية النيوليبرالية استعداداً للعقوبات الأمريكية الجديدة.

اجتهدت الفرق الدبلوماسية والاقتصادية الإيرانية في تقديم الإغراءات المتنوعة لزبائن النفط الإيراني

وبينما تتزايد الشائعات حول وجود مفاوضات سرّية بين إيران والولايات المتحدة من جهة، وإيران وإسرائيل من جهة أخرى، قبل بدء الحزمة الجديدة من العقوبات الأمريكية، أظهرت طهران بعض التراجع عن موقفها المعلَن، الرافض للحوار مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ حيث دعا رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحات بيشه، بلاده إلى إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحاً مع الولايات المتحدة، وفي السياق ذاته؛ أعلن السيناتور الفرنسي، فيليب بونكارير، أنّ الأوروبيين "يجهدون كي يبقى مصرف إيراني واحد على الأقل متصلاً بالنظام المصرفي العالمي، بعد تطبيق العقوبات الأمريكية الجديدة".

لكنّ بونكارير، الذي يرأس مجموعة الصداقة الفرنسية-الإيرانية في مجلس الشيوخ الفرنسي، لفت خلال زيارة لطهران إلى أنّ تطبيق آلية خاصة للالتفاف على العقوبات الأمريكية ليس ممكناً قبل الربع الأول من العام المقبل، وفي المقابل؛ أعلن مصرف "ميغا" التايواني أنّه سيوقف فوراً آليته لتسوية المدفوعات بين تايبيه وطهران، امتثالاً للعقوبات الأمريكية.

 فرض بعض العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني يصبّ في المصلحة التجارية لروسيا

وفي هذه الأثناء؛ أطلقت إسرائيل شائعة حول توصّل روسيا وإيران إلى اتفاق سرّي لتفادي العقوبات الأمريكية، وتحدثت هذه التقارير عن قيام إيران ببيع نفطها من خلال روسيا مروراً ببحر قزوين، بعبارة أخرى؛ قيام روسيا بشراء النفط الإيراني بسعر محدود، وبعد ذلك بيعه على أنّه نفط روسي، بالتالي؛ استفادة روسيا من الأرباح، واستمرار إيران في بيع نفطها، وجني العوائد، وإذا ما صحّت هذه التقارير؛ فإنّ الولايات المتحدة ستجد نفسها أمام خيارات سيئة للتعامل مع عملية تحايل طهران وموسكو على عقوبات واشنطن، كأن تلجأ الولايات المتحدة إلى فرض عقوبات على صادرات النفط الروسية، أو مهاجمة خطوط الأنابيب، أو ناقلات النفط التي تنقل النفط الإيراني إلى روسيا، لكنّ فرض عقوبات على النفط الروسي سيضرّ بالاقتصاد الأمريكي أيضاً، كما أنّ واشنطن لن تلجأ إلى أيّ عمل عسكري ضدّ صادرات النفط الإيرانية، وتدرك طهران وموسكو هذه الحقيقة، وتهدف إيران وروسيا من خلال نشر مثل هذه الانطباعات إلى تقويض سياسة العقوبات الأمريكية؛ فقد أشار الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى أنّ تحييد قوة واشنطن على فرض العقوبات، ستؤدي إلى إنهاء التفوق الأمريكي على الساحة الدولية، بعبارة أخرى؛ القضية بالنسبة إلى موسكو أكبر من مجرد مسألة إيران؛ لأنّ فرض بعض العقوبات الأمريكية على النفط الإيراني يصبّ في المصلحة التجارية لروسيا.

اقرأ أيضاً: شبح الإضرابات العامة يعود لشوارع إيران..هل يسقط الدكتاتور مرتين؟

وبينما تتراجع التوقعات المتفائلة حول مخرجات الحوار الإيراني-الأوروبي المتواصل حول آليات إنقاذ الاتفاق النووي، أظهرت طهران تراجعاً عن مواقفها السابقة حول إمكانية الخروج من الاتفاق النووي في حال أخفق الأوروبيون في إرضاء إيران، وبدت طهران أكثر تمسكاً بالحفاظ على الاتفاق النووي، بعد خروج الولايات المتحدة، رغم ضعف الضمانات الأوروبية، كما أظهرت طهران حرصاً أكبر على إبقاء الخطوط مفتوحة مع أوروبا؛ فقد أشار عضو بارز في البرلمان الإيراني إلى أنّ الحكومة الإيرانية قد تكون منفتحة على فكرة السماح للاتحاد الأوروبي بفتح مكتب سياسي في طهران، بعد أن طلب عدد من سفراء دول الاتحاد ذلك من إيران.

تراجع التوقعات المتفائلة بإنقاذ الاتفاق النووي

وبالنظر إلى تجارب العقوبات السابقة على الساحة الدولية بشكل عام، وتجارب العقوبات الدولية والأمريكية على طهران بشكل خاص، واعتماداً على حالة إيران الاقتصادية والسياسية؛ فإنه يمكن توقّع السيناريوهات الآتية لمسار هذه العقوبات، والمستقبل الذي ينتظر إيران في حال استمرارها:

السيناريو الأول: النموذج العراقي خلال عهد صدام؛ حيث ستستمر العقوبات لفترة من الزمن، وتنتهي بنوع من نظام النفط مقابل الغذاء، وبما يؤدي إلى تآكل أجهزة النظام الإيراني، ثم تستعد الولايات المتحدة وحلفاؤها لضرب إيران، بعد أن تكون قد أصبحت ضعيفة البنية من جهة، وضعيفة الشرعية من جهة ثانية، وبعد أن تكون الولايات المتحدة قد استطاعت تكوين حدّ أدنى من الإجماع الدولي لضرب إيران من جهة ثالثة، وتكون قد استطاعت كذلك تجاوز الهشاشة في المعارضة الإيرانية، وخلق معارضة إيرانية يمكنها تسلم الأمور بعد سقوط النظام الحالي.

يمكن أن يأتي انهيار النظام عبر توجيه ضربات له كما يمكن أن تكون نتيجة احتجاجات داخلية

ويمكن أن يأتي انهيار النظام عبر توجيه ضربات له، كما يمكن أن تكون نتيجة احتجاجات داخلية، ونلمس مصل هذا التوجه من خلال متابعة مواقف الإدارة الأمريكية، ومواقف بعض المعارضات الإيرانية، إلا أنّ الرهان الزمني يُصعِّب الموقف؛ إذ إنّ عمر إدارة ترامب قد لا يسمح بحدوث مثل ذلك، حتى إن فاز ترامب بولاية ثانية، كما أنّ امتدادات إيران الأيديولوجية في المنطقة تجعله مختلفاً عن الحالة العراقية، إلا إذا كانت الولايات المتحدة تحمل خطة لتجفيف هذه الامتدادات.

السيناريو الثاني: النموذج الفنزويلي؛ إذ يفترض أن تستمر الضغوط الاقتصادية الناتجة عن العقوبات، فتؤدي إلى انهيار الاقتصاد الإيراني، دون أن ترافق ذلك احتجاجات اجتماعية وسياسية تستطيع هزّ كيان الدولة الإيرانية، تماماً مثل ما يحدث في فنزويلا، ويمكن الاستناد في ذلك إلى أنّ طبيعة الطبقات الاجتماعية في المجتمع الإيراني، ومعرفة النظام الإيراني بتلك الطبقات، ومحاولة استغلالها لمنع انتشار رقعة الاضطرابات دون وصول الاضطرابات والاحتجاجات السياسية إلى نقطة اللاعودة، ونتيجة مثل هذه الحالة؛ قد يكون استمرار النظام الإيراني لكن على شكل الدولة الفاشلة (Failed state)، مثل ما يمكن مشاهدته في دول القرن الإفريقي أو وسط إفريقيا، أو مثل ما نشهد نموذجاً أقلّ خطورة منه في بنغلادش، إلا أنّ موقع إيران الإستراتيجي، وسابقة الاحتجاجات الناجمة عن الضغوط الاقتصادية قد تجعل السيناريو هذا مستبعداً، وتفتح المجال أمام اضطرابات تقضي على حياة النظام الإيراني.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية متلاحقة.. هل ينهار الاقتصاد الإيراني؟

السيناريو الثالث: عودة إيران إلى التحالف مع الولايات المتحدة؛ وهو السيناريو الذي تفضل حدوثه الولايات المتحدة وحلفاؤها، ويفترض أن تؤدي الضغوط الاقتصادية الناجمة عن العقوبات والضغوط الاجتماعية الناجمة عنها إلى "عودة الإيرانيين إلى رشدهم"، وما يجعل الإدارة الأمريكية ترى احتمال حدوث ذلك؛ هو سابقة السلوك الإيراني خلال العقوبات السابقة، والتي أدّت إلى تنازل إيران عن الملف النووي، ودفعتها لتقوم بمفاوضات كانت نهايتها الاتفاق النووي. وتشير تأكيدات ترامب إلى أنّ الإيرانيين سيعودون إلى طاولة المفاوضات، عاجلاً أم آجلاً، إلا أنّه يرجّح مثل هذا السيناريو؛ إذ يحاول الأمريكيون تنظيم عقوبات ذكية وسريعة المفعول لتعيد إيران الكرة وتقوم بالتفاوض، لكنّ الفارق بين الملف النووي والملفات الخلافية الراهنة (ملف الصواريخ وملف النفوذ الإقليمي) تبين الطابع الأيديولوجي والعقائدي للملفات الخلافية الراهنة، واختلافها الكبير مع الملف السابق.

عودة إيران للتحالف مع الولايات المتحدة هو السيناريو الذي تفضل حدوثه الولايات المتحدة

السيناريو الرابع: تراجع الولايات المتحدة، ويفترض هذا السيناريو أن تتراجع الولايات المتحدة عن مواقفها تجاه إيران نتيجة الضغوط الدولية على إدارة ترامب؛ ما يجعلها تتراجع عن مواقفها، كما أنّه قد يحصل نتيجة خسارة ترامب في السباق الرئاسي، ووصول الديمقراطيين إلى سدة الحكم؛ ما يعزز فرص الحفاظ على الاتفاق النووي مرة أخرى.

اقرأ أياً: هل تقصم العقوبات الأمريكية ظهر النظام الإيراني المنهك؟

ويبدو أنّ الجانب الإيراني يعتمد على هذا السيناريو كثيراً، خصوصاً أنّ ثمة مؤشرات تظهر أنّ الأوروبيين نصحوا الإيرانيين بالصبر حتى انتهاء فترة ولاية ترامب، مؤكدين احتمال خسارته في تسلّم منصب الرئاسة ثانية.

وإذا تم الافتراض أنّ الإيرانيين اقتنعوا بهذا السيناريو؛ فإنّ أغلب الظنّ أنهم سيعملون على برنامج تقشف خلال العام الإيراني المقبل، إلا أنّ المعطيات الاقتصادية تجعل من قوة إيران على تحمل الوضع لعامين مقبلين أمراً صعباً للغاية.

وتبين طبيعة الأمور؛ أنّ الجانبين الأساسيين في هذا النزاع (إيران من جهة والولايات المتحدة وحلفاؤها من جهة ثانية) يفضلان السيناريوهين الأخيرين؛ ما يجعل احتمال حدوث واحد منهما أكثر من كلّ السيناريوهات الأخرى، بينما يحقق السيناريو الثالث مصالح دول المنطقة عموماً؛ حيث يبقي إيران ضعيفة ومحاصرة، دون تطوّر الصراع معها إلى مواجهة عسكرية.

اقرأ المزيد...

الوسوم: