رهانات خاسرة.. لماذا فشل تحالف "الاشتراكيين الثوريين" مع "الإخوان"؟

11640
عدد القراءات

2019-09-28

في نهاية عام 2005 خرجت جريدة "المصري اليوم" القاهرية بـ"مانشيت" احتل مكاناً بارزاً من صفحتها الأولى بعنوان "مصاحف الإخوان وأعلام الشيوعيين ترتفع في سماء القاهرة" 1 وصاغ محرر الجريدة أسفل هذا العنوان تفاصيل المظاهرة التي نظمتها جماعة الإخوان المسلمين ومنظمة الاشتراكيين الثوريين للتنديد بالمحاكمات العسكرية التي طالت عدداً من أعضاء مكتب إرشاد الجماعة، والاحتجاج على قانون الطوارئ الذي يسمح للنظام باعتقال المعارضين وقمع الحركات المناهضة لسياساته.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الكردية: صراعات وأحلام تنتظر التغيرات الدولية
لكن المظاهرة المشتركة لم تكن مجرد خبر عابر من أخبار السياسة المصرية التي شهدت خلال تلك السنوات حراكاً محموماً، بقدر ما مثلت صدمة سياسية لكل أطياف اليسار المصري من شيوعيين وقوميين وناصريين؛ لأنها ببساطة كانت تعني دخول أكثر التيارات اليسارية راديكاليةً فيما يشبه "التحالف" مع "الإخوان"، وبالفعل بدأ التنسيق بين الطرفين على مصفوفة من القضايا المشتركة، وتنظيم فعاليات احتجاجية وعقد مؤتمرات وندوات وبرامج تثقيفية، شارك فيها القيادات وأعضاء المستويات الوسيطة والطلاب من الإخوان والاشتراكيين معاً.

كان تحالف الاشتراكيين الثوريين مع الإخوان بمثابة صدمة لكل أطياف اليسار المصري

اعتبرت التيارات الشيوعية، وأبرزها الحزب الشيوعي المصري، أنّ هذا التحالف سيؤدي إلى ذوبان "الاشتراكيين الثوريين" ومحو شخصيتها في هذا الكيان الضخم المُسمى بالإخوان المسلمين.
لم يأتِ التحالف بين كيانين سياسيين يقف أحدهما في أقصى اليسار في حين يقف الآخر على يمين السياسة، بمجرد الصدفة أو بناءً على رغبة بعض الأفراد من الطرفين، وإنما تباينت رغبات أطرافه، بين منظمة ناشئة شابة تستعجل الانتشار والتأثير، وكيان عجوز يحاول تحسين صورته أمام الرأي العام كـ"فصيل وطني".
البداية من الجامعة الأمريكية
قبل أن نعرض للجذر الفكري التأصيلي الذي اعتمدته منظمة الاشتراكيين الثوريين لخوض هذا التحالف، علينا أن نتتبع أولاً الظروف التي نشأ فيها التيار في مصر، والأسس الفكرية التي بُني عليها التنظيم.

اعتبرت التيارات الشيوعية أنّ تحالف الإخوان والاشتراكيين الثوريين سيؤدي إلى الحركة في الجماعة ومحو شخصيتها

شكَّل انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي ضربة موجعة لأغلب الأحزاب الشيوعية في العالم، وكان سقوط "الدولة النموذج" قد حمل معه خيبات لا حصر لها لفشل المشروع الاشتراكي برمّته، ومع ذلك يمكن القول إن كثيراً من الأحزاب الشيوعية في العالم العربي قد انتهت عملياً قبل عام 1989، ولم يعد لها وجود في الشارع أو بين الجماهير، فيما أصبح كثير من قيادات وأعضاء هذه الأحزاب عبارة عن نشطاء في منظمات المجتمع المدني ومراكز حقوق الإنسان 2.
ولم تعد قضية النضال من أجل بناء حزب طليعي عمالي يقود الثورة الاشتراكية وتأسيس نقابات مستقلة تدافع عن حقوق الشغيلة وإمداد الجماهير بالوعي الثوري المناهض لسياسات الإفقار العالمية ومجابهة المشروع الإمبريالي التوسعي، ضمن أجندة تلك الأحزاب التي باتت ذراعاً أيديولوجياً من أذرع الأنظمة العربية الحاكمة وتفرغت لمواجهة خطر المد الأصولي الإسلامي واتخذت منه عدواً من دون الدولة وأجهزتها القمعية وبنيتها الطبقية، وظهر ذلك واضحاً في عشرات الأدبيات التي صدرت في ذاك الوقت، وحررها مفكرون ماركسيون تناولت بالتحليل خطر الإسلام السياسي وتغول الأصولية الدينية والتأسلم وأقنعة الإرهاب.

اعتبر توني كليف أن الاتحاد السوفيتي لم يكن اشتراكياً بل يتبع نمطاً من أنماط الإنتاج الرأسمالي

مع ذلك، وعلى الرغم من أنّه، كان هناك بعض من الشباب الماركسيين الذين رفضوا الانخراط في أنشطة المجتمع المدني والتبعية للنظام السياسي في آن، وكانت البداية بالجامعة الأمريكية بمصر 3،  وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا منظمين سياسياً في ذاك الوقت إلا أن ثقافتهم سمحت لهم بالاطلاع على النسخة الإنجليزية من كتاب "رأسمالية الدولة في روسيا" 4 للمنظر والمناضل الماركسي توني كليف (1917-2000) مؤسس حزب العمال الاشتراكي البريطاني، وأحد الورثة الشرعيين لميراث القائد الشيوعي الكبير، ليون تروتسكي (1879- 1940) وبعيداً عن المضمون الذي حملته أفكار كليف، إلا أنّ الاستنتاج الذي خرج به هؤلاء الشباب بعد قراءتهم كتابه هو أنّ ما كان يعيشه الاتحاد السوفيتي منذ عهد جوزيف ستالين (1878- 1953) وإلى سقوطه، لم يكن نظاماً اشتراكياً، بل هو نمط من أنماط الإنتاج الرأسمالي يعمل فيه الشغيلة لدى الدولة التي تجني الأرباح لصالح طبقة من البيروقراط، بدلاً من أن يعملوا مباشرة لدى مالك وسائل الإنتاج، وهو النمط المُسمى بـ"رأسمالية الدولة".

اقرأ أيضاً: الأحزاب العربية: خيبات الفرص الضائعة
من هنا استقر هؤلاء الشباب على ضرورة بناء تجربة اشتراكية جديدة، تميزت بالإخلاص الشديد لتعاليم الماركسية الراسخة؛ حيث الوجود يسبق الفكر ويحدده، ومن هنا تقررت الأسس الفكرية والحركية 5 التي قام عليها التيار في جدل مع الواقع الاجتماعي، وبالعمل على محورين متوازيين: الأول إعادة إحياء التراث الماركسي الثوري كأداة لفهم الواقع المصري من خلال تطور الصراع الطبقي وتناقضات الرأسمالية، والثاني الارتباط بالحركة العمالية وكافة الاحتجاجات الجماهيرية والاجتماعية، وبالتالي لم تنشأ الحركة في تهويمات السياسة بل في النضال على الأرض. 
مع الإسلاميين أحياناً.. ضد الدولة دائماً
التحالف الذي عقده الاشتراكيون الثوريون مع الإخوان لم يأت من فراغ، وإنما تنازع فيه الطرفان كل آليات التأويل التي تسمح بـ"لم الشامي على المغربي"، فالإخوان رأوا فيه فرصة لإثبات أنفسهم كجماعة "open mind" يمكنها التحالف مع تيار يساري تقدمي دون أن تجد في ذلك حرجاً، أما الاشتراكيون فكانوا أكثر عمقاً في التسويغ الأيديولوجي لهذا التحالف.

استعارت الحركة تكتيك تروتسكي "الجبهة المتحدة" للتعاون مع قوى رجعية

ويعود ذلك إلى المفهوم الذي صاغه ليون تروتسكي حول تكتيك "الجبهة المتحدة"6  ولخصه تحت شعار "السير منفردين والضرب معاً"، ويعني أنّه يمكن للحزب الثوري الانخراط ضمن جبهة واسعة تضم مطالب محددة، بشرط الحفاظ على استقلاليته من خلال برنامج واضح وانضباط داخلي صارم، ولأن كتلة كبيرة من النقابات والروابط العمالية والحركات الطلابية ما زالت تحت سيطرة الأحزاب الإصلاحية بسبب قوة النفوذ الذي تملكه داخل هذه الكيانات، ولأن طبيعتهم الإصلاحية لا تستطيع المضي في طريق التحرر الثوري إلى نهايته بسبب ارتباط مصالحهم الطبقية بالأوضاع القائمة، فإنّ العمل المشترك مع الإصلاحيين من أجل كشف تناقضاتهم أمام قواعدهم الجماهيرية وجذب مؤيديهم من عمال وطلبة ومهنيين وكافة الشرائح الاجتماعية إلى المشروع الثوري، يُعد ضرورة نضالية.

اقرأ أيضاً: الأحزاب الدينية المصرية بعد ثورة يناير: متى تتجاوز مربع الشعارات؟
ومع ذلك لم تنطبق أطروحة تروتسكي على تحالف 2005 مع جماعة الإخوان التي لا يمكن وصفها بالإصلاحية دون الدخول في إشكاليات بالغة التعقيد، وهنا يبرز الدور التنظيري الخطير الذي لعبه المفكر الماركسي الراحل كريس هارمن (1942- 2009) التلميذ النجيب لتوني كليف وواحد من أهم منظري الماركسية التروتسكية على مستوى العالم، في هندسة هذا التحالف بتقديمه أطروحة حول الموقف من الإسلام السياسي بعنوان "النبي والبرولتاريا"7 ، والذي جاء بغرض الكشف عن الأساس الطبقي للحركات الإسلامية وما يحمله من تناقضات تظهر بوضوح في الممارسة العملية لجماعات الإسلام السياسي بأطيافها المتطرفة والمعتدلة، ومن ثّم إمكان تحديد الموقف الماركسي الثوري تجاهها.

كان شعار كريس هارمن المفتاح السحري لحل تناقضات التحالف الذي عقده التروتسكيون مع الإخوان

ألمح هارمن في كتابه إلى الموقف الهلامي الذي تعاملت به القوى الليبرالية وكذا اليسارية مع ظاهرة الإسلام السياسي، وتلخص هذا الموقف لدى هارمن في رؤيتين متعارضتين:
الأولى ترى الظاهرة وكأنها تناسخ رجعي للفاشية، وهي الرؤية التي تبنتها عدد من الأحزاب اليسارية في مصر والجزائر8 ، وينتهي هذا الموقف عملياً إلى بناء أحلاف سياسية مع الدولة لوقف هذا الخطر الفاشستي بأي ثمن، حتى لو كان الدعوة صراحة إلى التنكيل بالإسلاميين واضطهادهم وتصفيتهم جسدياً، كما يستوجب معه تسخير كافة الأدوات الأيديولوجية التي تملكها هذه الأحزاب في مهاجمة الإسلاميين وتشويههم وتصويرهم أحياناً كعملاء للغرب.

لعب المفكر الماركسي الراحل كريس هارمن دوراً في هندسة التحالف بين الاشتراكيين الثوريين والإخوان ومنحه غطاءً نظرياً

فيما ذهبت الرؤية الثانية التي تبنتها بعض الأحزاب التقدمية الأخرى9  إلى اعتبار الحركة الإسلامية "حركة تقديمة للمقهورين" في مواجهة الإمبريالية، واستوجب هذا، على سبيل المثال، تأييد ثورة الخميني في إيران 1979، تأييداً مطلقاً باعتباره "نصير المستضعفين".
ينتهي تحليل هارمن إلى خطأ كلتا الرؤيتين، ويرى أنّ حركات الإسلام السياسي لا يمكن أن تكون فاشية، فهي لا تتوجه أساساً ضد المنظمات العمالية، ولا تطرح نفسها على مؤسسات رأس المال كوسيلة لحل أزماتها المتكررة على حساب الشغيل.
كما برّأ الحركة من اتهامها بالعمالة، خاصة أنّها ترفع شعارات معادية للغرب، بل وتنفذ عمليات عسكرية تستهدف الهجوم على نقاط مركزية للإمبريالية الأمريكية، كما أن اتهامها بالرجعية يشوبه التبسيط المخل؛ فالرجعية، بالنسبة إليه، تعني ببساطة الدعوة إلى تأبيد الأوضاع القائمة بغرض الحفاظ على مصالح طبقات بعينها، وهو ما يتنافى مع جوهر مشروع الإسلام السياسي الذي يمد نظره إلى هدم النظام الاجتماعي السائد وإعادة بنائه وفقاً لتعاليم "طوباوية" يشتغل بها أتباعه.

اقرأ أيضاً: ملحمة الحزب الشيوعي العراقي .. بدم الرفاق لا راية الثورة
وفي المقابل يؤكد هارمن أنّه لا يمكن أيضاً وصف الحركات الإسلامية بأنّها تقدمية، أو معادية للدولة والإمبريالية على طول الخط، وذلك لأن تلك الحركات لا يتوقف هجومها فقط على مراكز الإمبريالية أو الطبقات المسيطرة في الدولة، وإنما يمتد عدوانها إلى النساء والأقليات الدينية (كالمسيحيين في مصر) والعرقية (كالبربر في الجزائر وأكراد سوريا والعراق) بل وتعمل بعض قيادتهم كوكلاء في خدمة المشروع الإمبريالي.
ويخلص هارمن إلى أنّ هناك ديالكتيكاً صاخباً داخل الحركة الإسلامية، فمن ناحية يدخلون مع الدولة في صراع مسلح فاشل معزولين عن القاعدة الجماهيرية العريضة للمجتمع، ويمارسون أثناء ذلك هجوماً رجعياً على ضحايا الدولة نفسها، ومن ناحية أخرى يركنون أحياناً إلى فخ التفاوض مع الدولة لإقناعها بتمرير بعض القوانين "الشرعية" وفرض "الشريعة الإسلامية" من خلال مؤسسات الدولة، بل ولا يمانعون من "التربيط" مع الأجهزة الأمنية للحصول على امتيازات برلمانية أو نقابية أو غير ذلك.

اقرأ أيضاً: الحزب الشيوعي السوري.. حين ضيّعنا "السوفييت"
ولذلك يخطئ الاشتراكيون، حسب هارمن، في النظر إلى الحركة الإسلامية ككتلة مصمتة أو بتعبيره "أوتوماتيكية"، باستخدامهم مغالطة "إما..أو"، إما رجعية أو تقدمية، وإنما هي تعبر في المحصلة النهائية عن قطاع من الطبقة الوسطى الجديدة يواجه المنتمون إليها خيارات محدودة بين فرض صورة بطولية عبثية في مواجهة الدولة والمجتمع، أو المساومة معهما، لكن الأكيد أنّهم ليسوا مسؤولين عن وجود النظام الرأسمالي العالمي الذي لا يكف عن إذلال ملايين البشر من أجل مراكمة الأرباح، كما أنهم ليسوا مسؤولين عن سياسات النهب والإفقار والفساد الذي تعاني منه مجتمعاتهم، والحروب التي تخوضها الولايات المتحدة وكيلةً عن الإمبريالية من أجل إخضاع كل بقاع الأرض للهيمنة الرأسمالية.

اقرأ أيضاً: كيف تحول حزب البعث في العراق من الأيديولوجيا إلى العائلة؟
وعليه توصل هارمن إلى أنه كما أنّ الإسلاميين لا يمكن أن يكونوا حلفاءً للاشتراكيين؛ لأن هذا يعني استبدال أحد أشكال الاضطهاد بآخر، إلا أنّ هذا أيضاً لا يعني اتخاذ موقف سلبي منهم، فقد نموا على أساس مجموعات اجتماعية كبيرة تعاني في ظل الأوضاع الطبقية السائدة، ومن هنا فإنه "يمكن تنظيم شعورهم بالتمرد لصالح أهداف تقدمية.. ومن الضروري وجود رؤية مختلفة ترى الحركة الإسلامية نتاجاً لأزمة اجتماعية عميقة لا يمكن حلها، وأن نناضل من أجل كسب بعض الشباب الذين يؤيدونها إلى رؤية اشتراكية ثورية مستقلة ومختلفة عنها تماماً".10
في المحصلة أصبحت الوصية التي ختم بها هارمن كتابه، والتي لخصها في شعار "مع الإسلاميين أحياناً.. ضد الدولة دائماً"، المفتاح السحري لحل تناقضات التحالف الذي عقده التروتسكيون مع الإخوان، وهو القرار الذي اعتمده مؤتمر منظمة الاشتراكيين الثوريين المنعقد في صيف 2005 بالأغلبية المطلقة، ولم يجد سوى معارضة بعض الأصوات الضئيلة، وعليه تم تنسيق العمل المشترك بين قيادات وأعضاء المستويات الوسيطة والقواعد الشبابية لكلا الكيانين.

شارك الإخوان بمؤتمر "أيام اشتراكية" بنقابة الصحفيين عام 2006 وسط ذهول معظم أطياف اليسار المصري

كان الطموح الذي رسمه الاشتراكيون يسير نحو تحقيق وصية هارمن، وبالفعل تم دعوة شباب الإخوان إلى حضور الندوات التثقيفية بمركز الدراسات الاشتراكية التابع للاشتراكيين الثوريين، وكذلك دعوتهم إلى مؤتمر "أيام اشتراكية" بنقابة الصحفيين المصرية عام 2006، وتخصيص المنصة التثقيفية لمحاضرة لأحد قياداتهم، وكذلك التنسيق معهم في مؤتمر "مناهضة الإمبريالية العالمية وسياساتها التوسعية" بالقاهرة في مارس من نفس العام.

اقرأ أيضاً: حزب البعث السوري: تجربة خمسة عقود من الحكم.. ما أبرز التحولات؟
كما شمل التحالف التنسيق الميداني في العمل المشترك بالمناطق والأحياء الشعبية مع عدد من أعضاء الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان والتي بلغ عدد أعضائها نحو 88 عضواً في انتخابات مجلس النواب 2005/2010.
لكن ما جرى بعد ذلك كان على الضد من وصية هارمن؛ فلم يستطع الاشتراكيون كسب عناصر جماعة الإخوان إلى صفوفهم، وبدلاً من إشاعة الوعي الاشتراكي الثوري بين صفوف الطبقات الوسطى والشرائح المنتمية إلى البرجوازية الصغرى ذات الأصول الريفية التي تشكل القاعدة العريضة للإخوان، اضطر الاشتراكيون في بعض الأحيان إلى تبني خطاب ديني لمغازلة الجماعة وكسب ود أعضائها.

لم يستطع الاشتراكيون كسب عناصر الإخوان إلى صفوفهم وبدلاً من ذلك اضطروا إلى تبني خطاب ديني لمغازلة الجماعة وكسب ود أعضائها

وكادت الحدود الفاصلة أيديولوجياً بين الكيانين أن تنمحي، وأصبح الاشتراكيون وكأنهم الفرع التقدمي لجماعة الإخوان، وذابت المنظمة كلها في هذا الجسد الهلامي.
ومع قيام ثورة 25 يناير 2011، وتولي محمد مرسي، عضو مكتب الإرشاد بجماعة الإخوان، منصب رئيس الجمهورية، انقلب الحال إلى الضد تماماً، ولم يستطع الاشتراكيون "صرف العفريت الذي أحضروه"، بعدما أصبحوا في مواجهة نيران الإخوان الذين تعاملوا بانتهازية مع كل حلفائهم، وتغيرت لهجة موقع "العامل الاشتراكي" الذي يديره الاشتراكيون الثوريون بعد أن تعرضت الحركة لهجوم إخواني منظم على كل الجبهات.
وتوالت بيانات الحركة وتنوعت في إدانة مرسي وجماعته، فمرة بسبب تورطهم في تشريد مئات العمال المحتجين ضد ظروف العمل القاسية، وبيان آخر بعد اعتداء أعضاء الجماعة على مناضلين اشتراكيين في إحدى الجامعات، وثالث يفضح تنسيق الإخوان مع المجلس العسكري لإطفاء جذوة الشرارة الثورية التي انطلقت مجدداً مع أحداث محمد محمود، ورابع يهاجم الجريدة الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين التي حرضت ضد أحد الإضرابات العمالية.

اقرأ أيضاً: حزب الوسط المصري إذ يدور في فلك جماعات الإسلام السياسي
ختاماً سعت هذه المقالة إلى التأكيد على الاختلاف الجذري بين التيارين الشيوعي والإسلام السياسي، وهو الاختلاف الذي يضعهما في دائرة العداء الأيديولوجي وليس التحالف التكتيكي بحال، خاصة أن هذا التحالف لم يكن يعني للإخوان أكثر من قناع ارتدته الجماعة لمغازلة القوى التقدمية، والادعاء أمام قواعدها بامتلاكها عقلية منفتحة وفكراً واسع الأفق، في الوقت الذي كان يمثل للاشتراكيين مخاطرة سياسية في لحظة تاريخية حرجة دفعوا ثمنها الباهظ لاحقاً.


هوامش:

1- لم نتمكن من العثور على تاريخ الخبر بدقة من أرشيف "المصري اليوم" التي تأسست في 2004.

2- منظمات المجتمع المدني هي إحدى وسائل الدعاية الأمريكية التي تم ترويجها إلى شعوب العالم الثالث في ثمانينيات القرن الماضي لامتصاص غصب الجماهير وتطمين حسهم الغاضب، عبر توفير بعض احتياجاتهم الضرورية من خلال تلك المنظمات وكف يد الدولة عن واجبها في الرعاية الاجتماعية.
3- كثير من الأحزاب الشيوعية في مصر جرى تأسيسها على يد أبناء الطبقات العُليا المنتمين إلى البرجوازية التجارية والصناعية، وهي مفارقة تستحق دراسة منفصلة.
4- الكتاب صدر ضمن مطبوعات مركز الدراسات الاشتراكية بمصر عام 1998 وترجمه عمر الشافعي.
5- ثورة لا إصلاح/ بناء الحزب الثوري/ الطبقة العاملة تقود/ الأممية. (أي أن الاشتراكية لا يمكن أن تقوم في بلد واحد).
6- كتب تروتسكي مقالة "الجبهة المتحدة" ضمن التقرير الذي قدَّمه حول المسألة الشيوعية الفرنسية في اجتماع الأممية الثالثة 1922.
7- مطبوعات مركز الدراسات الاشتراكية دون تاريخ.
8- أبرزها الحزب الشيوعي المصري وحزب التجمع الوطني الوحدوي المصري.
9- أبرزها حزب تودة في إيران.
10- كريس هارمن/ النبي والبرولتاريا/ وتسويد النص من عندنا.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مقاتلو داعش الأجانب: هل يمكن حل المشكلة قبل فهمها؟

2019-10-16

تحتلّ مسألة المقاتلين الأجانب  (Foreign fighters) في تنظيم داعش مكانة ذات أهمية من الناحية السياسية والإستراتيجية، فيما يتعلق بالتهديد الذي مثّله هؤلاء المقاتلون الآتون إلى الشرق الأوسط، من بيئات اجتماعية وخلفيات دينية وأوضاع اقتصادية متباينة، للانضمام في حروب التنظيم الذي أعلن الخلافة في حزيران (يونيو) ٢٠١٤، ورغم الاعتقاد الشائع بانتهائه على يد قوات التحالف، إلا أنّ خطر التهديد من قبله ما يزال قائماً، لا سيما فيما يتعلق بعملياته الإرهابية الخارجية في بلدان أوروبية.

اجتذب ظهور تنظيم داعش العام ٢٠١٤ سيلاً من المجاهدين الأجانب الذين تحدروا من كافة بلدان العالم

ففي ٢٠١٧، وفق مسح قام به مركز بيوPew Research Center" "؛ فإنّ المخاوف التي يثيرها تهديد تنظيم داعش احتلت المرتبة الأولى، متجاوزة بذلك قضايا أخرى عالمية، مثل؛ التغير المناخي والبيئي، بالتالي؛ يغدو الحديث عن القضاء على "داعش" أمراً ينبغي التثبت منه، خصوصاً أنّ التنظيم، المكوَّن من بضعة آلاف من المقاتلين، يغيّر إستراتيجيات حروبه على الدوام؛ فرغم إنهاكه وإضعافه بشكل كبير في سوريا والعراق، إلا أنّ هناك توجهاً للتنظيم للحروب الخارجية في بلدان أوروبية، كما شاهدنا منذ ٢٠١٥ وحتى يومنا هذا.
والحال؛ أنّ المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش كانوا محطّ اهتمام غربي وعربي واسع؛ لأنّ الأعداد الوافدة إلى التنظيم مثّلت فزعاً كبيراً، وحوّلت سوريا إلى جبهة لهذا التوافد، مما ضاعف من خطورة التنظيم، الذي اجتذب شرائح من كلّ حدب وصوب، وكان هذا القلق العالمي عموماً مرتبطاً بمسألتين: الأولى؛ مسألة متعلقة بفهم "جاذبية" تنظيم داعش؛ أي ما الجاذبية التي تجعل شباباً ونساء، عرباً وأوروبيين وآسيويين، ينضمون إليه.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟
أما المسألة الثانية فمتعلقة بالخطر الذي سينجم عن ذلك، لا سيما أنّ المقاتلين الأجانب خرجوا من بيئات تدّعي دوماً أنّها قائمة على الحرية والفردانية وقيم الحداثة السياسية، ومن ثم؛ ما هي السبل الإستراتيجية المتعلقة بمكافحة التنظيم عموماً، والتعاطي مع هؤلاء المقاتلين "الأجانب" خصوصاً، هذا من ناحية.

يميل الباحثون عادة إلى تكريس الحرب الأفغانية باعتبارها اللحظة الأولى لبزوغ مصطلح المقاتلين الأجانب
ومن ناحية أخرى؛ فعشية الألفية والانسحاب الأمريكي من العراق، كانت هناك وجهة نظر أمريكية بأنّ ظاهرة المقاتلين الأجانب قد أخذت في التلاشي؛ ففي أثناء حرب العراق ٢٠٠٣ وبعدها، كان هناك ما يقارب عشرة آلاف مقاتل أجنبي، انتهى الحال بهذا العدد في ٢٠٠٨ إلى وصوله إلى حدود الألفين أو الثلاثة آلاف على أقصى تقدير.
بيد أنّ الثورة السورية، التي بدأت سلمية في بداية العام ٢٠١١، على نظير أخواتها في الشرق الأوسط بمصر وتونس وغيرهما، كانت بمثابة الانفتاح الجديد لظاهرة المقاتلين الأجانب، بعد عسكرة الصراع في سوريا على يد النظام والحركات الإسلاموية الراديكالية، ووصل العدد تقريباً إلى ثلاثين ألف مقاتل أجنبي، وفق تشارلز ليستر، في آب (أغسطس) ٢٠١٥، وفي إحصائية أخرى؛ وصل العدد إلى 40 ألفاً من ١٢٠ دولة عالمياً.

اقرأ أيضاً: خطر الإرهاب وعودة المقاتلين الأجانب يتصدر المشهد.. كيف يمكن مواجهته؟
فقد اجتذب ظهور تنظيم داعش، العام ٢٠١٤، سيلاً من المجاهدين الأجانب الذين تحدروا من كافة بلدان العالم، إلى مركزي التنظيم الأساسيين: أي سوريا والعراق، وكان هذا الإحياء لظاهرة قديمة-جديدة، هي "المقاتلون الأجانب"، مترافقاً مع نمط جديد مع العلاقات الاجتماعية في البيئة التي هاجروا إليها.

هناك اختلاف وتضارب في حقل "الدراسات الأمنية" وما يسمى "علوم الإرهاب" في تعريف المقاتل الأجنبي

واللافت في مسألة المقاتلين الأجانب؛ أنّها ظاهرة غير مقتصرة على المقاتلين الأوروبيين، أو غير العرب عموماً، بل كان هناك توافد عربي للصراع بأعداد كبيرة، يمكن الإشارة إلى ثلاث دولة هي الأكثر عدداً على التوالي: تونس (٣٠٠٠ مقاتل)، المملكة العربية السعودية (٢٥٠٠ مقاتل)، الأردن (٢٠٠٠ مقاتل)، وفق دراسة تشارلز ستيلر المنشورة بمركز بروكنغز، والمعنونة بـ "المقاتلون الأجانب العائدون: تجريمهم أم إعادة إدماجهم؟".
كلّ ذلك إنما يشير إلى الأهمية التي تحظى بها مسألة المقاتلين الأجانب عالمياً، لما تشكّله من خطر أمني وإستراتيجي على الدول، وأيضاً للبحث في سبل الحلّ التي يمكن أن تقلّل من خطر التطرف والحدّ من هذه الظاهرة، وللدواعي التي تدعو أفراداً في دول أخرى للمشاركة في حروب قائمة بدول غير دولهم، على أسس أيديولوجية أو دينية.
فكما توضح دراسة للمركز الوطني للأبحاث واستطلاع الرأي؛ فإنّ "حقيقة وجود أعداد كبيرة من الأجانب داعمة للتنظيم في العراق وسوريا، عسكرياً أو بطرق أخرى، هو شيء يرعب غير المؤيدين تقريباً بالقدر نفسه الذي يضايق به الحكومات التي تحاول جاهدة دحرها؛ لأنّه من المعروف أنّ الأجانب شاركوا بانتظام في الحروب البعيدة في الماضي، جذبت الأزمات في العراق وسوريا أعداداً ضخمة لم نشهدها من قبل [...]، ورغم الجهود الكبيرة المبذولة لتحديد احتمال سفر شخص ما يعيش في المملكة المتحدة مثلاً، للانضمام إلى الجهاديين في سوريا والعراق، لم يبذل جهداً يُذكر في أيّ بحث حديث لدراسة العوامل التي أدّت إلى اختياره هذه الطريق، ويمتدّ هذا النقص في البحث ليشمل البروباغندا".

يبدو أنّ  الحديث عن القضاء على تنظيم داعش أمر ينبغي التثبت منه

ظاهرة قديمة وتشكّل جديد
في الواقع، هناك اختلاف وتضارب في حقل "الدراسات الأمنية"، وما يسمى "علوم الإرهاب" في تعريف المقاتل الأجنبي، لكن، ودون الدخول في تفصيلات أكاديمية بخصوص التعريف، يمكننا القول إنّ المقاتل الأجنبي هو كلّ شخص ينخرط في حرب أو نزاع في محلّ ليس هو بلده، ولا علاقة قربى تربطه بأطراف المنضمّ إليهم، ولا ينتسب إلى أيّة منظمة عسكرية رسمية.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وعليه؛ فالمقاتل الأجنبي هو شخص مختلف عن المرتزق، وفق باحثين لم يعدّوا المرتزق مقاتلاً أجنبياً، إلا أنّ الفرق بين المقاتل الأجنبي والمرتزق سينتهي، والذي كان سائداً منذ الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، مع تنظيم داعش، الذي جنّد مقاتلين أجانب من أعراق كثيرة وبلدان متعددة، وكان يدفع لهم رواتب ثابتة تتراوح بين ٢٠٠ دولار إلى ٥٠ دولاراً شهرياً، كما في دراسة ماجا غرينوود من جامعة كوبنهاغن، تحت عنوان "المقاتلون الأجانب في تنظيم داعش والقاعدة".

رغم أهمية المنظور الديني فيما يتعلق بظاهرة المقاتلين الأجانب إلا أنّه جزء لا يمكن أن يفسّرها

يميل الباحثون عادة إلى تكريس الحرب الأفغانية (١٩٧٩ وما بعدها) باعتبارها اللحظة الأولى لبزوغ مصطلح "المقاتلين الأجانب"؛ حيث توافد كثير من المقاتلين للحرب ضدّ السوفييت، مما سيجعل من المصطلح لاحقاً مصطلحاً مكرّساً لظاهرة تدلّ على مقاتلين من دول غير دول محل الصراع، وستعلن جريدة "التايمز"، عام ١٩٨٨؛ أنّ المجاهدين، رفقة "المقاتلين الأجانب"، قد أحرزوا النصر.
إضافة إلى ذلك؛ يمكننا أيضاً أن نلمس وضوحاً أكبر في مصطلح "المقاتل الأجنبي" مع ما يمكن أن نطلق عليه اسم "منعطف الحادي عشر من سبتمبر"؛ حيث ستبزغ ظاهرة جديدة مع تدمير البرجين العالميين على يد تنظيم القاعدة، وسيكون الجهاد معولماً، وسيدشّن ما يسميه الباحث النرويجي المتخصص في ظاهرة الجهاد، توماس هيغهامر "الجهاد العالمي".
يعني "الجهاد العالمي"؛ الانتقال بظاهرة الجهاد والحرب من أفق محلي إلى تدويل الجهاد، مما يجعل له طابعاً أممياً، وينضم تحت لوائه مشايعون من بلدان كثيرة، كما رأينا سابقاً في حالة القاعدة، وحالياً مع داعش، التي وصل الانضمام لها إلى ١٢٠ دولة، كما سبق ذكره.
تحتلّ مسألة المقاتلين الأجانب في تنظيم داعش مكانة ذات أهمية من الناحية السياسية والإستراتيجية

لحظات فاصلة
سنحاول في هنا تقديم تواريخ بمثابة محطات فاصلة في تاريخ ظاهرة المقاتلين الأجانب، تساعد سريعاً في التقاط خيط تطوّر هذه الظاهرة.
1. اللحظة الأفغانية (١٩٧٩): حيث تدخّل السوفييتيون لمدة عشرة أعوام في أفغانستان، دعماً للحكومة الأفغانية ضدّ التمرد الذي كان قائماً ضدّها، مما استجلب عدداً كبيراً من المقاتلين الأجانب، وكان الداعي والداعم الأكبر لحملة المقاتلين الأجانب ضدّ السوفييت الولايات المتحدة الأمريكية وباكستان والمملكة العربية السعودية ومصر، أما بخصوص عددهم؛ فالإحصاءات متضاربة، وتميل الرواية العامة إلى كونهم أربعة آلاف شخص، سيطلق عليهم فيما بعد "الأفغان العرب".
2. اللحظة البوسنية (١٩٩١): وهي اللحظة التي حمل فيها صرب البوسنة السلاح في وجه مسلمي البوسنة، رفضاً للانفصال، مما أدّى إلى توافد مقاتلين أجانب كثر من أفغانستان بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتمّ تحويل الصراع البين قومي إلى صراع جهادي عالمي.

هناك حاجة ملحّة عربياً لفتح نقاش بخصوص العائدين العرب وسياسات التعامل معهم

3. اللحظة الشيشانية (١٩٩٤): وهي اللحظة التي قامت فيها حرب روسية-شيشانية، انتهت فعلياً باستقلال الشيشان عن روسيا، رغم التعقيد الذي اكتنف الجغرافيا الشيشانية من حيث الوصول؛ إذ اعتقل الظواهري على حدود داغستان على يد القوات الروسية، وهو يحاول النفاذ إلى الشيشان، إلا أنّ هناك تدفقاً كبيراً من المقاتلين الجهاديين العرب وغيرهم سيصلون إلى هناك، وسيتدفق تمويل إسلامي كبير إلى الشيشان، كـ "جهاد" ضدّ الأعداء.
4. لحظة 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١: في 11 أيلول (سبتمبر) ٢٠٠١، سيتوّج تنظيم القاعدة عمله بإطلاق صواريخ على برجي التجارة العالميَّين في الولايات المتحدة الأمريكية، وبهذا ستكون القاعدة قد وضعت مسألة "الإرهاب" على مصاف أولى المهمات التي ستقوم الحكومات العالمية والعربية بالانتباه إليها ومحاربتها.
الجهاد العالمي في هذه اللحظة ستنجم عنه سياسات كبيرة في العالمين؛ العربي والغربي، فيما يخصّ تدشين مدارس لتعليم إسلام "غير متطرف"، ولظهور فكرة الإصلاح الإسلامي في المنطقة العربية والانخراط في المشروع الأمريكي لمحاربة الإرهاب الكوني.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
5. اللحظة السورية (٢٠١١):
رغم أنّ هناك لحظة سابقة للحظة السورية، ألا وهي غزو العراق في ٢٠٠٣، إلا أنّ اللحظة السورية ستكون بمثابة الحلبة الأوسع التي سيتوافد إليها خلايا تنظيم القاعدة وتنظيم داعش، بكلّ التشكلات والمسارات التي خاضها التنظيمان، وسيشهد العالم، للمرة الأولى، تدفّق مثل هذه الأعداد من "المقاتلين الأجانب"، إلى حدّ، كما أشرت سابقاً، أنّ العدد وصل إلى ما يقارب ٤٠ ألف مقاتل من ١٢٠ دولة.
وإذا كان تنظيم القاعدة قد قام بالأساس على محاربة "العدو البعيد" (أمريكا وحلفاؤها)؛ فإنّ تنظيم داعش سيقوم على محاربة "العدو القريب" (متمثلاً في الأنظمة المحلية وغير المسلمين والشيعة، ...إلخ)، للتوسعة فيما يخصّ العدو القريب والبعيد، يمكن مراجعة أعمال حسن أبو هنية، الباحث المتخصص في الجماعات الإسلامية، لا سيما كتابه "الجهادية العربية".
وبعد التكريرات العالمية بهزيمة التنظيم، إلا أنّ داعش يموضع نفسه خارج السياقات العربية، ويقوم بشنّ هجمات في عواصم ومدن أوروبية ما تزال تجعل القلق بشأنه قائماً وسبل محاربته أول مهمات للحكومات العربية والغربية.

ما الذي يدفع شاباً للتطرف؟
تثير مسألة المقاتلين الأجانب الآن في المقاربات البحثية والدولتية المتعلقة بمسائل الأمن والإرهاب أسئلة أكثر أساسية فيما يخص: لماذا يذهب شاب أوروبي إلى بلد كسوريا لـ "الجهاد" مع تنظيم عنيف وراديكالي كداعش؟ ما الدافع وراء هذا الفعل؟ وكيف قام به؟ وما الخلفيات الاجتماعية والثقافية والسياسية التي أنتجت مثل هذا الفعل؟ والسؤال الأهم: كيف لمن يعيش في بيئات علمانية، في دول أوروبية، أن يذهب للانضمام إلى القتال دون مقابل، أو في أحسن الأحوال مقابل رواتب زهيدة؟ ما هذه الرغبة في "الجهاد" أو الموت؟

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول
لكن لا بدّ من الملاحظة أنّ السؤال بخصوص الشاب القابل للتطرف، أو المتطرف فعلياً، هو في الوقت الراهن لا يتعلق بمكان محدد، وإنما بطبيعة عابرة للدول للحرب والجهاد؛ فقد مكّن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي من خلق ما يمكن تسميته بـ "جهاد شبكي"، ورأينا كيف توظّف داعش التكنولوجيا الحديثة والإنترنت في بثّ أفكارها، وتقديمها، وكأنّها معرض، وسوق دينية كبيرة.
بالطبع، كانت الإجابات على هذه الأسئلة في الفضاء البحثي منقسمة إلى ثلاث إجابات، سنحاول إيجازها:

لا بدّ من وجود تدابير إستراتيجية لأسئلة الدين والسياسة والهوية لتجنيب العالم هذا العنف

1- الإجابة الاقتصادية: باختصار، تسعى هذه الإجابة إلى القول إنّ هؤلاء الشباب يعانون من حرمان اقتصادي وفقر مدقع وإحباط، فيما يخصّ أوضاعهم المعيشية، دفعتهم إلى الانخراط في حرب لا تمثل لهم أية قيمة؛ أي إنّها مقاربة تفسّر ظاهرة الردكلة العنيفة التي يدخل فيها الشاب، ويترك بلده (سواء الأم/ أو المهاجِر إليها) من خلال النظر إلى الظروف الاقتصادية الحاكمة لحياة هذا الفرد.
فكما يحاجج الباحثان الكبيران؛ لورن داوسون، وأمارناث أماراسينغام، فإنّه "لا توجد علاقة قوية بين التهميش أو ضعف الاندماج وبين التوجه نحو التطرف كما يفترض عادة؛ فعلى سبيل المثال: دعت دراسة ميدانية جديدة حول المسلمين في أوروبا الغربية إلى مساءلة العلاقة بين التوجه نحو التطرف، وتبني معتقدات دينية أصولية، وضعف الأحوال الاجتماعية الاقتصادية.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة
وجد الباحثون أنّه "بشكل عام، كان المبحوثون من العائلات الأكثر رفاهية يميلون أكثر لممارسة إسلام يرتبط بشكل كبير بالأصولية، فهم أكثر محافظة تجاه الأدوار الاجتماعية، ويسعون لتطبيق الشريعة في العالم كلّه، ويحتفون بالاتجاهات والمواقف المرتبطة بالإسلام الأكثر تسييساً، وإضافة إلى ذلك؛ كان الأفراد الذين يتبنّون هذه المعتقدات أكثر دعماً لاستخدام العنف لـ "الدفاع عن إيمانهم"".
هذه الإجابة/ المقاربة (approach) قد تمّ تحديها على نطاق واسع، وتمّ إثبات عدم صحتها ويمكن النظر، بهذا الصدد، إلى دراسة "جيمس بايازا"، الذي أثبت فيها أنّ العمليات الإرهابية التي في وقعت في حوالي ٩٦ دولة من ١٩٨٨ إلى ٢٠٠٢ لا تمتّ بصلة للنموّ الاقتصادي وعلاقته بالإرهاب.

2- الإجابة الدينية: هذه الإجابة مفادها باختصار؛ أنّ الخلفية الدينية لهؤلاء الشباب هي المتحكم في سلوكهم الانضمامي لجماعات إرهابية، كتنظيم داعش أو القاعدة، وبالتالي؛ لا بدّ من تقديم إسلام آخر، والقيام بالتعاطي الديني المختلف مع هذه القواعد المسلمة الموجودة في الغرب.
في الواقع؛ الإجابة الدينية تستند بالأساس إلى التفسير الثقافوي (Culturalist) للظاهرة الجهادية، لا سيما في النسخة الداعشية، وما يسمى في أدبيات الحقول المختصة بالإرهاب "الهجرة"؛ التي يقوم بها شاب في بلد غربي إلى مناطق صراع على أساس ديني.
ورغم أهمية المنظور الديني فيما يتعلق بظاهرة المقاتلين الأجانب، إلا أنّه جزء لا يمكن أن يفسّر الظاهرة، كما أنّه يخضع لأسئلة عسيرة لا بدّ فيها من الاستماع إلى المقاتلين أنفسهم: هل تربيتهم الدينية السالفة هي التي دفعتهم إلى الردكلة؟ هل العرض الديني الداعشي هو ما جذبهم؟ ولماذا جذبهم؟ وهل الانجذاب هو ديني كذلك، أم أنّ هناك أبعاداً اجتماعية واقتصادية ورؤيوية هي التي دفعتهم لذلك؟
أضف إلى ذلك؛ أنّ هناك تحدياً يواجه الإجابة الدينية الصرف يتمثل في أنّ ما أظهرته داعش؛ أنّ كثيراً من المقاتلين الأوروبيين المنضمين إليها كانوا في الماضي عازفين أو مغنين، أو لهم ماض علماني صرف؛ مما يضع الإجابة الدينية موضع تحدٍّ وتساؤل، ويجعل لهم حدوداً لا يمكن لها أن تخرج عنها، وبالتالي لا تستطيع وحدها أن تفسر المشهد.

اقرأ أيضاً: عودة "المقاتلين الأجانب" والانسحاب الأمريكي من سوريا.. هذه هي التحديات

3- الإجابة السياسية: أما الإجابة السياسية؛ فذات صلة بالإجابة الأولى (الاقتصادية)، ومفادها أنّ الحرمان السياسي وتفريغ هؤلاء الشباب من أيّ تمثيل سياسي كان الدافع وراء انجرارهم وراء الجماعات المتطرفة كتنظيم داعش؛ فالحرمان من التمثيل السياسي والتهميش من العملية السياسية يؤدي إلى الانجرار وراء التطرف، بالتالي؛ لا بدّ من فتح مجال سياسي لهؤلاء الشباب للانخراط في السياسة، لا سيما في عصر "لا سياسي" تسيطر عليه شعبويات يمينية كلّ مرماها الدفاع عن الأصالة والنقاء والهوية ورهاب الأجانب، دون إيلاء نظر جدّي للمشاكل السياسية-الاقتصادية التي تعاني منها المجتمعات المعاصرة جراء السيرورة النيوليبرالية المعولمة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين؛ تلك السيرورة التي تزيد من الإفقار والبطالة العالمية، وتخلق تفاوتات طبقية، وتهميشات اجتماعية لشرائح كبيرة من الناس. في المقابل؛ تعطي الامتيازات لشرائح قليلة جداً وللشركات.
إلا أنّ هناك مقاربة أخرى، قام بها الباحث الفرنسي المتخصص في الجماعات الإسلاموية، أوليفيه روا(Olivier Roy) ؛ لتفسير هذه الأزمة في كتابه الأخير الجهاد والموت فيما يخصّ الشباب المنضمين إلى داعش، يقوم حجاج روا بالأساس على مفهوم "الأزمة الجيلية" التي وصفها، فيقول روا: إنّ هؤلاء الشبان يمثلون ما أسماه "المرحلة الثانية من الجهاد العالمي" التي كملت المرحلة الأولى متمثلة في القاعدة.
يحاجج روا بأنّ هؤلاء الشباب لديهم "رغبة عدمية" في الموت، فمن أجل التأكيد على الهوية، كان لا بدّ من تقديم الذات كقربان للتنظيم.
بالنسبة إلى أوليفيه روا؛ هؤلاء الشباب فاقدون للمعنى في حياتهم بشكل جذري، والبحث عن معنى هو سبب رئيس وراء انضمامهم للتنظيمات الجهادية؛ فالحداثة بما شظته من مجتمعات وذوات، خلقت حالة من اللامعنى التي تكسي الوجود البشري، وبالنسبة إلى متديّن فاقد للمعنى والهوية في مجتمع ما، فإنّ كلّ سعيه سيكون منصبّاً على "الحمائية" وحفظ الهوية، بالتالي؛ سيكون البحث عن تنظيم يمثل هذه الهوية (كتنظيم داعش)، بمثابة المعنى الذي يمكن، من أجل الحصول عليه، أن يقدّم بحياته في سبيله.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة
باختصار؛ يسعى حِجاج روا الأساسي والذي يمكننا تسطيره ههنا، منذ كتابه المهم "فشل الإسلام السياسي"، إلى أننا نشهد عملية أسلمة للراديكالية، وليس العكس، أي ردكلة للإسلام. فروا، الذي تعاطى مبكراً مع الحركات الإسلاموية، قد رأى منذ التسعينيات أنّ حركات الإسلام السياسي أصلاً (من الإخوان إلى القاعدة) هي حركات خارجة على التقليد العلمائي، وبالتالي هي تعمل خارج المؤسسة الدينية الرسمية، وتقطع معها، ومن ثم؛ يسحب روا حجاجه إلى تلك الموجة الثانية من "العدمية الإسلامية" التي تأتي، كما يقول ياسين حاج صالح في كتابه "أساطير الآخرين: نقد الإسلام المعاصر ونقد نقده"، من حضور مفرط من المعنى، وليس من غياب المعنى.
داعش مثّل، فيما مثّل، طغياناً لحضور المعنى، في عالم يرزح تحت وطأة غياب المعنى، والحضور الكثيف للتكنولوجيا التي جردت الإنسان من أيّة بشرية محتملة، يمثّل الموت، كما يوضح روا، إغراء فظيعاً بالنسبة إلى جيل إسلاموي عدمي.

مقاربتان لمشكلة العائدين
كما أشرنا سابقاً؛ بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش، عاد عدد كبير من المقاتلين الأجانب الأوروبيين إلى بلدانهم، مما أثار أسئلة أمنية في المقام الأول بشأن عودتهم، وأسئلة أخرى عن إمكانية إدماجهم من جديد في المجتمع بعد هذه الرحلة الراديكالية والعنيفة التي قاموا بها.
قضية أو مشكلة العائدين بالأساس هي ملحّة لسببين: أولاً؛ للخطر المحتمل من هؤلاء العائدين. ثانياً؛ في إمكانية من رجعوا عن ماضيهم العنيف إلى القيام بأعمال مشابهة مستقبلاً.
يمكن لنا أن نشير إلى مقاربتين معتمدتين في أوروبا للعائدين:
1- المقاربة الأمنية:(Security Approach) تقوم هذه المقاربة على الملاحقة والضبط والمطاردة للعائدين وزجّهم جميعاً في السجن، دون تفرقة، وهي مقاربة بالعموم، كما يشير تشارلز ليستر، سهلة ولا تتطلب سوى إستراتيجيات أمنية، لكنّ المقاربة الأمنية قد تأخذ، في بعض الأحيان، منحى ذا وجاهة، لا سيما، كما أشرت سالفاً، إلى أنّ تنظيم داعش ينقل هجماته إلى عواصم أوروبية، مما قد يثير الحفيظة الأمنية بأنّ هؤلاء العائدين يمكن أن يكونوا بمثابة نقاط إرشادية للتنظيم.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟
وبالتالي؛ في حين أنّ المقاربة الأمنية قد تكون السبيل الأيسر لمعالجة مشكلة العائدين باعتبارهم مقاتلي حرب، وبمثابة تهديد للأمن القومي للبلدان العائدين إليها، إلا أنّها لا يمكن أن تحلّ المشكلة، بل ولربما فاقمت من راديكالية هؤلاء الشباب.
2- المقاربة الليبرالية:(Liberal Approach)  هذه المقاربة الليبرالية/ الإصلاحية/ الإدماجية على نهج أكثر حوارية وإصلاحية مع المقاتلين العائدين، والعمل بمقتضى أنّ المواطن في الدول الغربية، ذات الديمقراطية العريقة والتقليد القانوني الواسع، لا بدّ له من أن يعطى الفرصة للاندماج فرصة من أجل إعادة التأهيل والاندماج مرة ثانية، بالتالي؛ المقاربة الإدماجية هذه تقوم على التعاطي مع كلّ فرد على حدة، من حيث مدة سفره، والتعليم الذي تلقاه، إن كان قد قام بأعمال حربية أم لا، وبناء عليها يُنتهَج معه نهج يختلف عن مقاتل آخر.
باختصار؛ إنّ المقاربة الليبرالية تحاول أن تقوم بإصلاح نفسي وإعادة تأهيل اجتماعي للعائدين، مع بعد قانوني بامتثالهم إن ارتكبوا جرائم، من أجل إعادة إدماجهم في مجتمعاتهم مرة ثانية عن طريق إيجاد عمل لهم، ومعالجتهم نفسياً، وتوفير بيئة جديدة لهم.
المقاتلون الأجانب خرجوا من بيئات تدّعي دوماً أنّها قائمة على الحرية والفردانية وقيم الحداثة

العائد العربي: هل يمكن فتح نقاش؟
أشرنا إلى أنّ المقاتلين الأجانب في التنظيمات المتطرفة منهم مقاتلون عرب كثر، لكنّ مسألة العائدين لم تفتح بما فيه الكفاية في العالم العربي، والسياسات المطروحة على الأجندة العربية فيما يخصّ العرب المقاتلين هي سياسات "التجريم"؛ ففي حين أنّ الغربي العائد يمكن إعادة تأهيله، بسبب افتراض أنّه تمّ إغواؤه، إلا أنّ العربي العائد ما يزال التعامل معه على أنّه "إرهابي" فحسب، ولم يفتح الباب لإمكانية إدماج هؤلاء العائدين، وفق سياسات واضحة، إصلاحية وقانونية، يمكن أن يكون لها أكبر الأثر والنفع من سياسات التجريم والاعتقال والسجن التي قد تكون سبباً في جعلهم متطرفين أكثر.
إنّ ضرورة فتح نقاش عربي مثمر بشأن قضية "العائد العربي" تتمثل في تقديم مقاربات كثيرة لفهم طبيعة هؤلاء المنضمين، وتقديم رؤى معرفية وقانونية وسياسية (كما في الحقول المكرسة غربياً) للتعاطي مع هؤلاء، بعيداً عن المنطق الأمني الذي لا يحلّ شيئاً، أو يقدّم تفسيراً لظاهرة.
المقاتلون الأجانب بالعموم هي بالأساس ظاهرة، والظاهرة لا بدّ من أن تفهم وتعالج وتقارب أولاً: من ناحية فهم الجذور النفسية والاقتصادية والسياسية والدينية لها، وثانياً: من ناحية طبيعة التعامل معها للحدّ منها في المستقبل القريب والمنظور.
وبالتالي؛ هناك حاجة ملحّة عربياً من الجهات السيادية والنخب السياسية إلى فتح نقاش بخصوص العائدين العرب، وسياسات التعامل معهم، ومعالجة الأسباب الجوهرية لانضمامهم لتنظيمات راديكالية.
خلاصة القول: إنّ مسألة المقاتلين الأجانب لها جذور تاريخية، ومن أجل التعاطي معه على نحو سياسي وإستراتيجي صحيح لا بدّ من التنبه إلى المسائل المتعلقة بها، مثل مسألة الهوية والدين، والحرمان السياسي، وقضايا التهميش، بدلاً من المقاربة الأمنية الأحادية، وفي عالمنا اليوم، الجارف نحو شعبويات يمينية متطرفة؛ لا بدّ من وجود تدابير إستراتيجية لأسئلة الدين والسياسة والهوية لتجنيب العالم أكبر قدر من ظواهر عنيفة مثل هذه؛ حيث يجد الأفراد في بيئاتهم المحيطة كيانهم الاجتماعي والهوياتي والديني والثقافي السليم، حتى لا يكون البديل العنيف والراديكالي هو المتاح أمامهم.

للمشاركة:

العراق منذ 2003 وحتى الثورة: سوق مفتوحة لبضائع إيران وعبثها (2-3)

2019-10-16

لم يكتب للدولة العراقية الجديدة أن تظهر حتى الآن؛ فالاحتلال لا يبني دولة، والتدخلات والأطماع لا تفعل ذلك أيضاً، وبين براثن هذَين الوحشَين، ما يزال العراق ينزف في 2019 دم أبنائه، وتُستنزف بناه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، من أجل أن يحفظ كلّ مكاسبه، على صعيد النخبة المتحكمة في السلطة عموماً، وكذلك من قِبَلِ إيران، فكيف يحدث هذا مراراً وتكراراً على حساب العراق؟
المستقبل المسلوب
خلال الفترة بين عامَي 2003 و2010، بذلت إيران جهوداً جبارة لتوحيد القوى الشيعية (الميليشيوية تحديداً) من أجل بناء أكثريةٍ شيعية تضمن لها أغلبيةً موالية، يمكن لها أن تساهم في تشكيل حكوماتٍ تتفق مع سياسات طهران، وقد دعمت إيران، حتى عام 2010، العديد من التيارات العراقية، مثل: "فيلق بدر" (التابع للمجلس الأعلى العراقي)، و"جيش المهدي" (التابع للتيار الصدري وقائده مقتدى الصدر)، وكذلك لواء "اليوم الموعود"، لكنّ إيران "لم تنجح كلياً في توحيد صفوف التيارات الشيعية العراقية، التي كانت تتبع مصالح مختلفة وقيادات متقلبة الآراء، مثل: آية الله السيستاني، ومقتدى الصدر، وغيرهما، إضافةً إلى خلافاتها مع الحكومة العراقية، وفق دراسة لمعهد واشنطن في 2011.

تمنع إيران أيّ تطور اقتصادي عراقي للحفاظ على مكاسبها وتصدّر المنتجات الفاسدة وتحاول جعل السياحة دينيةً فقط

وفي النهاية؛ "اقتصر دعم إيران على جيش المهدي، وجماعة عصائب أهل الحقّ، وحزب الله العراقي، واستمرت إيران بتقسيم جماعاتها وعناصرها على هذه المجموعات، وتطورت قوتها، التي لا دليل أكبر عليها مثل المباحثات الأمريكية في تلك الفترة معها حول مستقبل العراق"، بحسب تقرير نشره موقع "إضاءات"، عام 2015.
وفي تعليقه على هذه السياسات الإيرانية، قال أستاذ الدراسات الثقافية في الجامعة الأمريكية بالعراق، عقيل عباس، لـ "حفريات": "تمّ استهداف قياداتٍ سنّيةٍ عديدة، مثل طارق الهاشمي وسواه، واستبعادهم، من أجل الحفاظ على أغلبية شيعية في السلطة، وهذا ما قاد إلى حربٍ جديدة، تصدرها تنظيم داعش الإرهابي هذه المرة، وساهم إقصاء السنّة مرةً أخرى، في تمدّد التنظيم الإرهابي نوعاً ما، وقد تطور الخطاب الطائفي بعد ذلك، من خلال نوري المالكي، الذي شكل مرحلةً من الاستقطاب الشيعي، وهو ما أدّى إلى إقصائه لاحقاً في 2014، وقدوم حيدر العبادي إلى الرئاسة، ومن ثم تشكيل ميليشيات الحشد الشعبي، التي تتبع الجيش العراقي ميدانياً، وتكتسب شرعيتها من النجف الأشرف، للمحافظة على (وحدة واستقرار العراق) كما كان معلناً".

اقرأ أيضاً: حروب وفساد وتدخلات إيرانية: العراق منذ 2003 وحتى الثورة (1-3)

تدين الميليشيات بالولاء لطهران وتعدّ سبباً ممكناً لاشتعال العنف

لكنّ الحشد الشعبي تطرف في أجزاء منه، وأخذ، على حدّ تعبير عباس؛ يميل إلى "الولي الفقيه"، فيما بقيت تياراتٌ أخرى منه وفيةً إلى وطنيتها، وقد دعمت ظهور تيارٍ ليبراليٍ شيعي لاحقاً، رأى فيه عباس أنه يمثل "أصحاب نزعةٍ إصلاحية وطنية، حيث تعدّ احتجاجات البصرة، عام 2018، مثالاً على تلك التحركات الإصلاحية".

80 بالمئة من المخدرات في العراق تدخل من الحدود البرية الطويلة مع إيران التي تقوم بتهريب النفط ومواد أخرى

لكن، في الوقت ذاته، يؤكّد عباس أنّ إيران عملت كقوةٍ شدٍّ عكسي، ولم تدعم أيّة عملية إصلاحٍ داخل العراق، وقد أبقت على تحالفاتها مع النخب والقوى الفاسدة حفاظاً على مصالحها، حتى إنّها بدأت تفقد جزءاً من شعبيتها بعد 2015، بين صفوف العديد من الشيعة العراقيين، الذين ينتمون إلى الطبقات العامة والشعبية في أغلبيتهم، ومعظمهم بعيدون عن مراكز القوى المتحالفة مع طهران.
وربما يكشف دور إيران، في تراجع الاقتصاد العراقي، وإبعاده عن النمو في المستقبل، أيضاً، كيف نمت المعارضة من جديد، في صفوف كثيرين من شيعة العراق العرب، غير المرتبطين بـِ "قم"، ولا بمصالح مرجعياتها الدينية التابعة لإيران.
"فرانكنشتاين في بغداد"
يمكن القول إنّ جسد العراق بمقوماته السياسية والاجتماعية تمزق، بينما تمّ العبث باقتصاده أيضاً، ليعكس وجهاً بشعاً قوامه الفقر وانعدام فرص العمل وتراجع التنمية؛ حيث إنّ "أدوات إيران تمنع رجوع الصناعة العراقية الوطنية، خوفاً على مصالحها، وتجارتها في الداخل العراقي، فحجم التبادل التجاري بين العراق وإيران يصل إلى أكثر من 16 مليار دولار سنوياً، وهو ليس تبادلاً تجارياً؛ لأنّه أحادي الجانب، فالعراق لا يُصدّر أي شيء لإيران تقريباً"، وفق تقرير بحثي صدر عن موقع "الحلّ" العراقي في تموز (يوليو) 2019.

الحدود العراقية الإيرانية وحديث دائم عن عدم حصولها على الحراسة الكافية

ومنذ أكثر من 16 عاماً، بقي العراق بالنسبة إلى إيران مجرد رصيدٍ مفتوح، كما أنّه "سوق مفتوحة لشتى بضائعهم، الرديئة وغير الرديئة، بما فيها السيارات وقطع الغيار، والتجهيزات في مجال النفط، والغاز، والغاز المسال، والإمداد الكهربائي لغالبية المحافظات، وحتى السلع التي لا يحتاجها السوق العراقي، لكنها تُفرض فرضاً من خلال النفوذ الواضح"، بحسب المصدر ذاته، الذي يضيف أيضاً، على لسان خبراء اقتصاديين عراقيين، مثل: سلام سميسم، وصالح الهاشمي، أنّ عمليات تهريب النفط من البصرة إلى إيران مثلاً،  "تمر عبر أنفاق وأنابيب وأحواض كبيرة محفورة لتهريبه دون رقابة أو سلطة من أحد، حيث تحصل الأحزاب الموالية لها على نسب من عمليات التهريب؛ فمن بين 3 ملايين و550 ألف برميل (معدل طاقة تصدير النفط الخام) في البصرة يومياً، يتم تهريب ما يُقارب الـ 375 ألف برميل إلى إيران يومياً".

اقرأ أيضاً: قمع التظاهرات العراقية.. هل تغير الوضع عن النظام السابق؟

لا يهيمن العراق وطنياً على اقتصاده ويتعرض للاستغلال المستمر من إيران

أما في مجال الاستيراد؛ فإنّ العراق يتلف، بحسب الخبيرَين الاقتصاديَّين، ما مقداره "900 ألف طنٍ من المواد الغذائية الفاسدة كلّ شهر، وهي قادمة من إيران"، كما يؤكدان؛ أنّ "80% من المخدرات التي تدخل العراق، قادمة من إيران، إضافةً إلى السياحة التي تستفيد منها إيران بقصرها على السياحة الدينية فقط، للمراقد والأماكن الشيعية المقدسة".

تسعى إيران لإضفاء روح (فيلق القدس) الممثل العسكري لأيديولوجيتها على الميليشيات الشيعية في العراق لبناء أكثريةٍ سياسيةٍ ودينية

وإيران، التي لا يخفى دعمها للميليشيات المسلحة، كحزب الله العراقي وغيره من القوى الموالية لها، تتمتع بحدودٍ برية طويلةٍ مع العراق، تمكنها من القيام بالكثير من الأعمال، المتعلقة بنقل الأموال المشبوهة لهذه التيارات، والضلوع في دعمها إرهابياً، وتساهم في معضلات البنوك العراقية الرئيسة، التي تعاني عدم منحها الثقة الدولية، بسبب العلاقات المحتملة (القسرية) مع إيران والنشاطات المشبوهة في عمليات غسيل أموال.
ويتواصل هذا التوغّل الإيراني العميق في العراق، ومحاولة إيران إضفاء روح (فيلق القدس) الممثل العسكري لأيديولوجيتها على الميليشيات الشيعية في العراق، وبناء أكثريةٍ سياسيةٍ ودينية لخدمة مصالحها، مقابل تراجع في حالة العراق، الذي كاد وجهه المستقبلي يتحول إلى مسخٍ لا علاج له، لذلك أخذ العراق يغلي، وبدأت ردود الفعل الشعبية تظهر في 2018، إلى أن انتفضت بوضوح مؤخراً، فما هي طبيعة هذه الانتفاضة الشعبية؟ وما هي مكوناتها؟ وإلى أين تؤدي مستقبلاً؟

للمشاركة:

أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟

2019-10-15

إثر انهيار الدولة العثمانية، في أعقاب هزيمتها بالحرب العالمية الأولى، تعالت دعوات الشعوب والقوميات، في عموم المناطق التي كانت تابعة لها، للاستقلال ونيل حقّ تقرير المصير، وكان من بينها الأكراد، في مناطق شرق الأناضول وشمال جبال زاغروس، الذين حرصوا على إيفاد ممثل لهم في مؤتمر الصلح بفرساي، عام 1919، وكان لهم نيل خطة لإقامة دولة كرديّة مقترحة، لكنّ الأحداث تسارعت وتبدّد الحلم وخاض الأكراد في كلّ قُطر صراعاً طويلاً مع الحكم المركزي، لكن مصير الأكراد في العراق كان الأفضل؛ باعتبارهم الأكثر قرباً من تحقيق حلم الاستقلال، فكيف كان ذلك؟
ثورات متتالية ومملكة غير معترَف بها
في العراق، الواقع بحسب اتفاقية سايكس بيكو ضمن مناطق الإدارة البريطانية، في أيار (مايو) من عام 1919، بادر القائد الكردي، محمود الحفيد البرزنجي، إلى إعلان استقلال الأجزاء الكرديّة من ولاية الموصل تحت قيادته، واتخذ السليمانية عاصمة له، لكنّ بريطانيا رفضت مبادرة البرزنجي، وأرسلت قوّاتها مباشرة للقضاء على حكمه.

رفضت الحكومة العراقية في عهد عبد الكريم قاسم مطالب كردية بالحكم الذاتي باعتبارها تمثّل تهديداً لوحدة العراق

وبعد تأسيس المملكة العراقية، وتنصيب الملك فيصل الأول ملكاً عليها، عام 1920، بدأت تُطرح مسألة حسم مصير ولاية الموصل، في ظلّ مطالبات وتطلعّات تركية لها، إضافة إلى استمرار المناخ الذي كانت توفّره معاهدة سيفر، بالحديث عن خطة لإقامة دولة كردية في المنطقة، كلّ ذلك دفع البرزنجي إلى محاولة استغلال الأوضاع، والقيام بثورة كرديّة جديدة، في تشرين الأول (أكتوبر) 1921، سرعان ما جاء التصدي البريطاني لها.
لم ييأس البرزنجي وعاد للمبادرة في العام التالي، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 1922؛ أعلن البرزنجي نفسه ملكاً في السليمانية، والمناطق المحيطة بها، معلناً بذلك تأسيس مملكة كردستان المستقلة، واستمرت المملكة غير المعترف بها دولياً قرابة السنتين، وفي تموز (يوليو) 1924 قامت القوّات البريطانية بالقضاء عليها.

محمود الحفيد البرزنجي.. أعلن قيام مملكة كرديّة تحت قيادته

وفي عام 1925؛ قضى مجلس عصبة الأمم بضمّ ولاية الموصل للمملكة العراقية بشكل نهائيّ، منهياً أطماع الدولة التركيّة بها، وليتم التأكيد بذلك على اعتبار الأكراد المتواجدين فيها جزءاً من المملكة العراقية.
وبعد توقيع رئيس الوزراء العراقي، نوري السعيد، المعاهدة العراقية الإنجليزية، في آب (أغسطس) 1930، وتزايد الشعور بالتوجه نحو استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، تصاعدت الاحتجاجات الكردية، وقام محمود الحفيد من جديد بتحشيد قوّات كرديّة والاستقلال بالسليمانية ومحيطها من جديد، وأرسل مذكرة إلى المندوب السامي البريطاني يخطره فيها باتخاذه قرار إنشاء دولة كرديّة مستقلة، وتمكّنت القوات العراقيّة من جديد، مدعومةً من الإنجليز، من إلحاق الهزيمة به.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
وفي العام ذاته؛ قام القيادي الكردي الآخر، أحمد البرزاني، زعيم عائلة البرزاني الحاكمة في دهوك منذ العهد العثماني، بتوحيد العشائر الكرديّة والإعلان عن الثورة على الحكم العراقي، فتصدّى الجيش العراقي له.
وفي العام التالي؛ 1932، أعلن عن استقلال المملكة العراقية وتثبيت حدودها، ليتم بذلك القضاء تماماً على إمكانيّة الاعتراف بأيّ دولة كرديّة مستقلّة ضمن حدود المناطق الكرديّة في العراق.

مملكة الكردستان (باللون الأصفر).. استمرت قرابة العامين

عام 1943؛ حاول مصطفى البارزاني، الشقيق الأصغر لأحمد البارزاني، القيام بثورة كرديّة مستغلاً تراجع قبضة القوات البريطانيّة مع انشغالها في معارك الحرب العالمية الثانية، لكنّ الثورة هذه فشلت أيضاً، ونُفي مصطفى البارزاني إلى إيران؛ حيث انخرط مع الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وشارك في الإعلان عن استقلال جمهورية مهاباد، عام 1946، قبل أن يتم القضاء عليها، عام 1947، ليلجأ بعد ذلك إلى الاتحاد السوفييتي.
عودة.. وبداية حوار متعثر
عام 1958؛ قامت ثورة الضباط الأحرار بقيادة عبد الكريم قاسم على حكم الأسرة الهاشمية في العراق، وجاء الإعلان عن قيام الجمهورية العراقية، وبادر قاسم بالإعراب عن حسن نواياه تجاه قضية الأكراد، ووجه الدعوة إلى البارزاني للعودة إلى العراق، وهو ما كان، وإثر ذلك؛ بدأت المناقشات بين الطرفين حول إعطاء الأكراد بعضاً من الحقوق القومية.

وقّعت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر عام 1975 التي تضمّنت توقف إيران عن تقديم أيّ دعم للأكراد

وكان الأكراد يرفعون مطالب إعلان الحكم الذاتي، وأن تصرف معظم عائدات النفط المستخرجة في مناطق الموصل وكركوك في مخصصات المحافظات الكردية، وأن يكون عناصر الشرطة والجيش في المحافظات الكردية من الأكراد بالكامل، إضافة إلى تشكيل حكومة محليّة تتولى مهام الإشراف على التعليم والصحة وكافّة الشؤون البلديّة في تلك المحافظات. وقد رفضت الحكومة العراقية هذه المطالب باعتبارها تمثل تهديداً لوحدة العراق، وبذلك جرى الانتقال سريعاً من مرحلة الحوار إلى شكل ومرحلة جديدة من الصراع العراقي - الكردستاني، مع إرسال قوات عراقية للقيام بحملة عسكريّة ضدّ معاقل القوات المناصرة للبارزاني، وفي أيلول (سبتمبر)؛ اندلعت الثورة الكرديّة التي عرفت بـ "ثورة أيلول"، عام 1961.

الملا مصطفى البارزاني بين المقاتلين الأكراد

ثورة مستمرة
مع انتقال البارزاني إلى العراق؛ انتقل معه الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي بدأ النشاط بين الأكراد في العراق واستلم دور القيادة بدءاً من ثورة العام 1961.
ومع وصول عبد السلام عارف إلى الحكم، عام 1963، إثر الانقلاب على قاسم، ومن ثم قيام حركة الثامن عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) التصحيحية في العام ذاته، وصل إلى الحكم تيار جديد آمن بضرورة وقف الصراع مع الأكراد، فاتجه رئيس الوزراء العراقي آنذاك، طاهر يحيى، إلى إيقاف العمليات العسكرية، وتم التوصل إلى اتفاق العاشر من شباط (فبراير) عام 1964، والذي قضى بإعادة إدارات الحكم المحلي لمناطق الأكراد، ومنحهم الحقوق الثقافية، وإقرار مشاريع اعادة التعمير بالمناطق الكرديّة، لكنّ تعنّت وزير الدفاع، عبد العزيز العقيلي، أدّى إلى تجدد الاشتباكات عام 1965.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
وفي نيسان (أبريل) 1966؛ توفّي الرئيس عبد السلام عارف، وتولّى الرئاسة شقيقه عبد الرحمن عارف، الذي أعاد المفاوضات من جديد، وفي حزيران (يونيو) 1966؛ أذاع رئيس الوزراء العراقي، عبد الرحمن البزاز، برنامجاً حول القضية الكردية، تضمّن اعتراف الحكومة العراقية بالقوميّة الكردية، وترجمة ذلك عبر تفعيل نوع من اللامركزية في الحكم؛ حيث يكون للمحافظات الكردية مقدار أكبر من الحكم الذاتي، وإقرار تمثيل الأكراد في البرلمان بممثلين، بحسب نسبتهم المئوية من السكان، وكذلك تمثيلهم بالتناسب في إدارة الدولة والسلك الدبلوماسي والجيش، مع السماح بالنشاط السياسي والصحافة السياسة الكرديّة.
اتفاقيّة للحكم الذاتي
وفي تموز (يوليو) عام 1968؛ حدث انقلاب حزب البعث، بقيادة أحمد حسن البكر وصدام حسين، وبسبب عدم جديّة الحكم الجديد بتنفيذ التعهدات تجاه الأكراد، تجددت الاشتباكات في تشرين الأول (أكتوبر) من ذلك العام، وفي أيار (مايو) 1969؛ أبدت الحكومة العراقية رغبتها من جديد بإيجاد حلّ عادل للقضية الكرديّة، فأصدرت عفواً شاملاً عن جميع الأكراد المشاركين في أعمال القتال، وقامت بإصدار قانون المحافظات الذي تضمّن إقرار لا مركزيّة الإدارة المحليّة، كما تمّ إنشاء جامعة السيلمانيّة، وفتح مجمّع علميّ كرديّ، وإنشاء مديريّة الثقافة الكرديّة، وجُعِل عيد النيروز عيداً وطنياً في البلاد.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
وفي آذار (مارس) 1970، صدر عن الحكومة العراقيّة بيان لوقف إطلاق النار وتضمّن الإعلان عن اتفاقيّة الحكم الذاتي للأكراد، على أن يتم تنفيذها خلال مدّة أربعة أعوام، وفي آذار (مارس) عام 1974؛ أعلن الرئيس البكر قانون الحكم الذاتي، إلّا أنّ الحزب الديمقراطي الكردستاني رأى أنّ هناك ثغرات عديدة فيه، كما رفض دعوة الحكم له للانضمام إلى تكتّل أحزاب الجبهة الوطنية، ولم تمضِ فترة قصيرة حتى عاد القتال من جديد بين الطرفين.
اتفاقيّة الجزائر.. نهاية الثورة
وفي السادس من آذار (مارس) 1975، وخلال انعقاد مؤتمر دول أوبك في الجزائر، وقعّت بغداد وطهران اتفاقيّة الجزائر، والتي نصّت على تسوية المشاكل الحدودية بين البلدين، وذلك مقابل تراجع إيران عن تقديم أيّ شكل من أشكال الدعم للمقاتلين الأكراد، وبذلك تمكنت الحكومة العراقية، للمرة الأولى، من إنهاء الصراع المندلع منذ عام 1961 بشكّل تامّ. والتجأ البارزاني إلى إيران قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة، ويتوفّى هناك عام 1979.

الرئيس الجزائري هواري بومدين مجتمعاً مع صدام حسين والشاه محمد رضا بهلوي قبل التوقيع على الاتفاقية

الانشقاق.. وحزب جديد في القيادة
وقبل توقيع اتفاقيّة الجزائر، كانت الخلافات داخل صفوف الحزب الديمقراطي والحركة الثورية الكرديّة قد بدأت بالتصاعد، وبدأ الانقسام يظهر بين مصطفى البارزاني من جهة، وجلال طالباني، عضو اللجنة المركزية للحزب، من جهة أخرى. وبعد توقيع اتفاقية الجزائر ونهاية الثورة الكرديّة، انفصل طالباني عن الحزب، وفي حزيران (يونيو) 1975 شكّل في دمشق مع مجموعة من رفاقه حزباً جديداً كان عبارة عن اتحاد لخمسة قوى كرديّة، بقيادة حركة كردستان الاشتراكية، ومنظمة "كومه له" الشيوعية، وحمل الحزب الجديد اسم "الاتحاد الوطني الكردستاني".

اقرأ أيضاً: أكراد في تركيا.. كيف حدث الانتقال من السلاح إلى صناديق الانتخاب؟
وبعد تأسيسه، بدأ الحزب بشن حملة عسكريّة جديدة ضدّ الحكومة العراقية، ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية بداية الثمانينيات عرض الرئيس صدام حسين خيار التفاوض على الحزب، لكن المفاوضات فشلت وتجدد الصراع، واستمر إلى أن أطلقت الحكومة العراقية الحملة العسكرية المعروفة بـ "الأنفال"، بداية من شباط (فبراير) عام 1988، واستمرت حتى أيلول (سبتمبر) من ذلك العام، وتمّ فيها استخدام الأسلحة الكيميائية المحرّمة دولياً، وتتراوح تقديرات أعداد الضحايا فيها من خمسين إلى مئة ألف، بحسب منظمة "هيومن رايتس ووتش" في حين تصل تقديرات بعض الجهات الكردية بالرقم إلى (182,000)، وإثر الحملة؛ اضطر طالباني إلى مغادرة البلاد واللجوء إلى إيران.

أسّس جلال طالباني (يسار) حزب الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 وأصبح في قيادة الثوّار الأكراد

قرار دولي يفضي إلى مرحلة جديدة
بعد اندلاع حرب الخليج الثانية، عام 1990، إثر دخول القوات العراقية إلى الكويت، وفي شباط (فبراير) من عام 1991 بدأ الأكراد في المدن الكرديّة بالانتفاض، وخلال أيام تمكّنت قوات البيشمركة الكرديّة من السيطرة على مدن كردستان الكبرى الثلاث (السليمانية، وأربيل، ودهوك).

عام 2005 صدر الدستور العراقي الجديد وحُدِّد إقليم كردستان ككيان فدرالي ضمن الدولة العراقية

وتفادياً لأيّة ردة فعل محتملة من قبل الحكومة العراقية، بادر مجلس الأمن الدوليّ، في نيسان (أبريل) 1991، باتخاذ القرار (688) القاضي بتشكيل منطقة حظر طيران فوق المحافظات الكرديّة، وهو القرار الذي نشأ عنه كيان إقليم كردستان في شمال العراق، وجرى تشكيل برلمان كردستاني، باسم المجلس الوطني الكردستاني، ليكون بذلك أول مجلس برلماني منتخب في العراق، وفي العام التالي، 1992، تشكّلت حكومة إقليم كردستان، وفي منتصف التسعينيات، برز الصراع داخل الساحة السياسية الكردية، بين حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، والحزب الديمقراطي الكردستاني.
ما بعد 2003
ومع وقوع الحرب على العراق، عام 2003، انضمت القوى الكرديّة للقوّات المحاربة لحكومة بغداد، وشاركت قوّات البيشمركة الكرديّة في العمليات العسكريّة. وعام 2005؛ صدر الدستور العراقي الجديد وحدّد إقليم كردستان ككيان فدرالي (اتحادي) ضمن الدولة العراقية.
وفي عام 2005 أيضاً؛ انتخب مسعود البارزاني رئيساً لإقليم كردستان العراق، وأُعيد انتخابه من جديد عام 2009، في حين أصبح جلال طالباني رئيساً لجمهوريّة العراق، واستمر في منصبه حتى عام 2014.

انتخب مسعود بارزاني كأول رئيس لإقليم كردستان العراق بعد حرب 2003

استفتاء الانفصال
ومنذ عام 2003 كانت هناك أصوات كرديّة تتعالى للمطالبة باستقلال كردستان العراق، وأن تصبح دولة مستقلة، وهو المطلب الذي واجه معارضة شديدة من قبل الحكومة المركزيّة وحكومات الدول المجاورة.
وفي الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) 2017؛ أُجري في كردستان استفتاء على الانفصال، وحصل على أغلبية تأييد بنسبة 92%، في حين رفضته الحكومة المركزية، واعتبرته غير شرعي، ومباشرةً توالت ردود الفعل الدولية المجمعة على استنكار ورفض المشروع باعتباره إجراء أحادي الجانب لا يحظى بالشرعيّة لمخالفته الدستور العراقي، ما أدى إلى تعثّر المشروع ونهايته.

للمشاركة:



فرار داعشيات فرنسيات من مخيم بسوريا.. وباريس تستنفر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان: إنّ "9 فرنسيات من المنتميات لتنظيم داعش الإرهابي، قد هربن من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد في شمال غرب سوريا".

وأكّد لودريان؛ أنّه سيتوجه إلى العراق قريباً، لبحث الإطار القضائي الذي يتيح محاكمة متشددين محتجزين في سوريا"، وفق ما نقلت "رويترز".

وزير الخارجية الفرنسي يؤكّد فرار 9 فرنسيات من المنتميات لـداعش الإرهابي من مخيم خاضع لسيطرة الأكراد

وذكر الوزير الفرنسي، أمس؛ أنّه سيجري محادثات مع زعماء عراقيين وأكراد لمناقشة كيفية تأمين آلاف من مقاتلي تنظيم داعش الأجانب، المحتجزين في مخيمات وسجون سورية.

يذكر أنّ رئيس الوزراء الفرنسي، إدوار فيليب، كان قد صرّح، أمس: بأنّ "القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستكون لها عواقب وخيمة على المنطقة، وستؤدي، لا محالة، إلى عودة تنظيم داعش في سوريا والعراق".

وكان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، قد حذّر، الأسبوع الماضي، من أنّ العدوان التركي على شمال شرق سوريا، سيحيي خطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

إدوار فيليب: القرارات التي اتخذتها تركيا والولايات المتحدة في سوريا ستؤدي، لا محالة، إلى عودة داعش

وبدأت تركيا ومقاتلون سوريون موالون لها قبل نحو أسبوع هجوماً في شمال شرق سوريا، تسبّب وفق المرصد، بمقتل نحو 70 مدنياً و135 مقاتلاً من قوات سوريا الديمقراطية، كما قتل أكثر من 120 عنصراً من الفصائل الموالية لأنقرة.

وأحصت تركيا، من جهتها، مقتل 4 جنود أتراك في سوريا، و18 مدنياً، جراء قذائف اتهمت المقاتلين الأكراد بإطلاقها على مناطق حدودية.

ودانت غالبية دول العالم العدوان التركي، وطالبت أنقرة بالانسحاب الفوري من سوريا، باستثناء قطر التي أعلنت تأييدها لتركيا في العدوان على شمال سوريا ضدّ القوات الكردية.

 

للمشاركة:

بنك تركي يتآمر مع إيران.. ماذا فعل؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

أعلنت وزارة العدل الأمريكية، اليوم، أنّها وجّهت إلى مصرف "خلق بنك" التركي تهمة الالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

 وأوضحت؛ أنّ المصرف تآمر بين العامين 2012 و2016 للالتفاف على العقوبات المفروضة على النظام الإيراني، من خلال السماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات من الأموال، وخداع جهات الرقابة الأمريكية بشأن هذه العمليات، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وقالت الوزارة في بيان: إنّ البنك التركي يلاحَق بتهم الاحتيال وغسل الأموال والالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران.

واشنطن تتهم مصرف "خلق بنك" التركي بالسماح لطهران بالوصول إلى مليارات الدولارات

ونقل البيان عن مساعد وزير العدل، جون ديمرز، قوله: "هذا واحد من أخطر الانتهاكات التي رأيناها لنظام العقوبات"، مضيفاً: "ما نؤكّده اليوم؛ أنّ "خلق بنك"، وهو مؤسّسة مالية مملوكة بغالبيتها من قبل الحكومة التركية، قد انخرط عن عمد في أنشطة مضلّلة للالتفاف على العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران"، مؤكّداً أنّ المصرف فعل هذا "بمشاركة وحماية من كبار المسؤولين الإيرانيين والأتراك".

والتهم الملاحق بها المصرف هي التهم ذاتها التي أدين بها، في كانون الثاني (يناير) 2018، محمد حقان آتيلا، الذي كان يشغل منصب نائب مدير في البنك، وحكم عليه بالسجن، وأطلق سراحه في تموز (يوليو) الماضي، قبل انتهاء فترة عقوبته.

ويأتي الإعلان عن توجيه الاتهام إلى البنك التركي في وقت تشهد فيه العلاقات الأمريكية التركية، توتّرات كبيرة أجّجها أخيراً الهجوم الذي شنّته أنقرة على القوات الكردية في شمال شرق سوريا، وردّ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عليه بفرض عقوبات على أنقرة.

 

للمشاركة:

لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:



كارثة صنعها الجميع في سوريا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

فاروق يوسف

"بغض النظر عما يُقال" تلك جملة تحد قالها الرئيس التركي اردوغان تعبيرا عن إصراره على الاستمرار في حملته العسكرية التي يهدف من خلالها إلى إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا وبالضبط على الأراضي التي سبق للأكراد أن أعلنوا فيها استقلالهم عن الدولة السورية.

ها هم يتخلون عن ذلك الاستقلال الذي تمتعوا به خمس سنوات وسط ضجيج الحرب التي خاضوها ضد التنظيمات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم داعش الذي ما من قوة هزمته هناك مثلما فعل الأكراد. غير أنهم اليوم يجدون أنفسهم مضطرين إلى التذكير بأنهم جزء من الشعب السوري أن مدنهم ينبغي أن تكون تحت حماية الدولة السورية.

عاد الأكراد سوريين وفتحت مدنهم أبوابها للقوات السورية ولكن كل ذلك يجري برعاية روسية. وذلك إجراء ضروري من أجل أن لا يحدث أي تماس غير مقصود بين قوات الغزو التركي والقوات السورية ما دام اردوغان مصرا على مواجهة تبعات فعلته. وهي تبعات لا أعتقد أنها أقل خطرا من الإرهاب الوهمي الذي شكل تهديدا لأمن تركيا حسب المسؤولين الأتراك.

سوريا إذاً تمر اليوم بحلقة جديدة من مسلسل متاهتها التي يبدو أنها لم تكشف بعد عن جميع حلقاتها بالرغم من مضي أكثر من ثمان سنوات على بدء الحرب العبثية التي بدأت بانتفاضة شعبية سلمية لتصبح في وقت قياسي جزءا من لعبة الامم التي لا يمكن العثور على وسيلة للخروج منها. وفي كل ما جرى فإن هناك ما يسوغ توجيه اللوم إلى السوريين بالرغم من أنهم تحولوا مع الوقت إلى ضحايا بدرجات مختلفة.

المقصود هنا السوريون كلهم من غير استثناء، موالاة ومعارضة من غير أن يشمل ذلك التنظيمات الارهابية التي غزت سوريا بتمويل قطري ورعاية تركية فهي لا يمكن أن تكون مشمولة بأي التفاتة إنسانية.

فعلى سبيل المثال، كان الغزو التركي مناسبة لكي يصحو الأكراد ويتخلوا مجبرين عن أوهامهم في الانفصال عن سوريا وإقامة الدولة القومية وعادوا إلى الدولة السورية غير أن ذلك الموقف ليس مقنعا بالنسبة لزعماء أكراد كانوا على خلاف مع قوات سوريا الديمقراطية وسبق لهم أن اتهموها بالعمالة للنظام قبل أن يقع الغزو التركي بسنوات.

ذلك التمزق يعطي صورة عن الحال الذي عاشته سوريا في خضم صراعات فرقائها الذين ذهب كل فريق منهم إلى جهة حسب رؤية الطرف الذي يدعمه ويموله بالمال والسلاح.    

لقد تخلى الأكراد عن سوريتهم في اللحظات العصيبة ولكن ذلك لم يكن حكرا عليهم. فالسوريون الذين انتموا إلى التنظيمات "الجهادية" كانوا أيضا قد تخلوا عن سوريتهم بحجة مناهضة النظام والسعي إلى اسقاطه. تلك كذبة مررها الارهابيون ليشرعنوا من خلالها جرائمهم التي خرجت من دائرة الحرب على النظام لتدخل في دائرة الحرب على المجتمع.

كان من الواجب الأخلاقي والوطني أن يخلص السوريون، موالاة ومعارضة إلى مبدأ المواطنة قبل أن يقرروا الالتفات إلى مطالبهم والذهاب بها إلى المكان الذي يفقدهم القدرة على أن يكونوا صادقين مع أنفسهم. ولكن المشكلة تكمن في أن مبدأ المواطنة لم يكن واضحا بالنسبة للكثيرين بسبب عنف النظام وسياساته القمعية العمياء.

اليوم يعتمد أردوغان في غزوته السورية على "الجيش الوطني السوري" وهو عبارة عن مجموعة من المرتزقة السوريين، في ارتكاب جرائم إبادة بشرية في قرى وبلدات سورية انما يضيف صفحة إلى الملف الأسود الثقيل الذي صار يضم صفحات الكارثة السورية.

لقد أخطأ الجميع وها هو أردوغان يستفيد من تلك الأخطاء من غير أن يلتفت إلى ما يُقال.

عن "ميديل ايست اون لاين"

للمشاركة:

أردوغان إذ ينتصر للمال على حساب صحة شعبه

2019-10-16

منذ أن تعرّضت السّيّدة سيفجي جيبتجي للإصابة بالسّرطان قبل تسعة أعوام، صارت منخرطة في معركتين، واحدة ضدّ المرض وأخرى ضدّ الدّولة التّركيّة. جيبتجي (50 عاماً) تعيش في مدينة ديلوفاسي ضمن مقاطعة كوجالي في تركيا، على بعد حوالي 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الشّرق من إسطنبول. وتقول إنّ إقامتها هناك هي السّبب الدّقيق وراء معاناتها من سرطان الغدد الّليمفاويّة.

اقرأ أيضاً: "أردوغان".. وتقلبات السياسة التركية

في الماضي، كانت مقاطعة كوجالي عبارة عن امتداد ساحر من الأراضي الرّيفيّة بين بحر مرمرة والبحر الأسود؛ حيث انتشرت بساتين الكروم والخوخ. واليوم، بالرّغم من ذلك، يُفتقَد الكثير من هذا الانسجام الطّبيعيّ. فقد استقرّت أكثر من 2,000 شركة صناعيّة في المنطقة خلال العقود القليلة الماضية، وبين كلّ ثماني شركات تقريباً ثمّة واحدة أجنبيّة، بما في ذلك شركات ألمانيّة مثل باير وسيمنز.

جيبتجي رفعت دعوى ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة لأنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيرات بشأن التّلوث

لقد جعل التّصنيع من كوجالي منطقة مزدهرة، مع عدم وجود منطقة أخرى في البلاد، باستثناء إسطنبول، تتمتّع بناتج محليّ إجماليّ أعلى للفرد. إلّا أنّ هذا التّحوّل قد تسبّب أيضاً في إصابة السّكان بالمرض، وفقاً لما كشفته "دير شبيغل" بالتّعاون مع "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة".

الإلقاء العشوائيّ للنّفايات

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي. فالإفساد قد لحق بالأنهار والتّربة، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ. كما كشفت عيّنات المياه الّتي استخلصتها "الشّراكة الاستقصائيّة الأوروبيّة" من النّهر في ديلوفاسي، وخضعت للاختبار في أحد المعامل الجامعيّة في إسطنبول، عن وجود تركيزات عالية من الحديد والنّيكل والفوسفور، من بين معادن ومواد كيميائيّة أخرى.

يعاني السكان من أمراض مختلفة بسبب التلوث البيئي

وفي عام 2005، كان أنور حمزة أوغلو، وهو أستاذ سابق للطّبّ بجامعة كوجالي، قد اعتمد على دراسة طوليّة لكشف أنّ خطر الوفاة من السّرطان في مسقط رأسه يصل إلى أكثر من ضعفي مثيله في باقي أنحاء البلاد. كذلك، أظهرت دراسة إضافيّة أجراها حمزة أوغلو وفريقه أنّ حليب الأمّ لدى نساء ديلوفاسي يحتوي على آثار من الألمنيوم والزّئبق. وفي عام 2007، أوصت لجنة برلمانيّة تركيّة بإعلان المقاطعة "منطقة كوارث صحّيّة". لكن بالرّغم من التّقارير، استمرّت الحكومة التّركية، برئاسة رئيس الوزراء رجب طيّب أردوغان، في فتح المنطقة أمام الصّناعة.

اقرأ أيضاً:  تركيا: احتجاجات على بيع مصنع الدبابات

ها هي سيفجي جيبتجي تجلس على كرسيّ بلاستيكيّ أمام منزلها في تلال ديلوفاسي، وتعاني صعوبة في التّحدّث، فيما يمسك زوجها أحمد بيدها. وكانت جيبتجي قد رفعت دعوى قضائيّة ضدّ الدّولة التّركيّة مقابل مبلغ رمزيّ قدره ليرة واحدة (0.16 يورو، 0.17 دولار)، مدعية أنّ وزارة الصّحة تجاهلت تحذيراتٍ بشأن التّلوث البيئيّ في مدينتهم. ومن جانبها، رفضت المحكمة الدّعوى.

وتلقي جيبتجي ببصرها نحو المنطقة الصّناعيّة في الوادي أدناه، حيث يجد طريق سريع مساره عبر أبنية سكنيّة شاهقة. والدّخان الكثيف ينجرف نحو السّماء من المداخن. وما من خيار أمام سكّان كوجالي سوى تنفس هذا الهواء السّيئ كلّ يوم.

"كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث"

إسماعيل سامي، وهو مؤسّس منظّمة غير حكوميّة تُدعى "إيكوس-دير"، يستقبل الزوّار في مكاتبه في وسط ديلوفاسي. وشأن العديد من سكّان المدينة، يعاني سامي مشكلات في الجهاز التّنفسيّ. ويتمثّل هدف منظّمته غير الحكوميّة في تعريف النّاس بالتّجاوزات البيئيّة الّتي تقوم بها الشّركات في منطقتهم، وأيضاً تنظيم التّظاهرات. يقول: "كأنّنا إحدى دول العالم الثّالث. يمكن لأيّ شخص أن يأتي إلى هنا ويُنتِج على حساب صحّتنا".

اقرأ أيضاً:  كيف توظف تركيا قومية الإيغور في حساباتها السياسية؟

وكانت الشّركات الأولى في كوجالي قد استقرّت خلال السّتينيات، حيث قَيّمت القرب من إسطنبول وطرق الشّحن الّتي يمكن الوصول إليها بسهولة إلى أوروبا. لكن مع صعود أردوغان إلى السّلطة عام 2003، بدأ دخول التّصنيع إلى المنطقة في التّسارع. وتحوّلت الغابات والحقول إلى مصانع ومستودعات، ومنح أردوغان المليارات في شكل إعفاءات ضريبيّة خلال العقد الماضي للشّركات الّتي استقرّت في المنطقة.

تتمتّع الشّركات في كوجالي بضرائب أقلّ ولديها خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة، بل لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق

اليوم، هناك 13 "منطقة صناعيّة منظّمة" رسميّة في كوجالي، حيث تتمتّع الشّركات ليس فقط بضرائب أقلّ ولكن لديها أيضاً خوف أقلّ بكثير إذا انتهكت القوانين البيئيّة. وفي الواقع، لا تكاد تخضع للعقاب على الإطلاق.

باير وسيمنز ليستا الشّركتين الألمانيّتين الوحيدتين في هذه المنطقة الصّناعيّة. فشركات "بي أي إس إف" وثيسنكرب وشركة الغازات الصّناعيّة ليندي تمتلك مصانع في كوجالي. وقد دعمتها منظّمات مثل البنك الدّوليّ والبنك الأوروبيّ للإنشاء والتّعمير بملايين اليوروات. ولا يكاد أيّ شخص يشعر بالقلق الشّديد إزاء العواقب الصّحّيّة على شعب كوجالي، لا سيّما في أوروبا.

لا تكاد توجد أيّ منطقة تركيّة أخرى يكون فيها الهواء ملوّثاً كما هو الحال في كوجالي

مستقبل قاتم

عندما رغبنا في تعليق على القضيّة، صرّحت شركتا "بي أي إس إف" وسيمنز بأنّ مصانعهما في كوجالي تعتمد المعايير البيئيّة العالميّة وتخضع للتّفتيش بشكل منتظم. ووصفت وثيسنكرب منشأتها هناك بأنّها "جديدة ونظيفة نسبيّاً"؛ لأنّها بُنيت فقط في العام الماضي.

الإفساد لحق بالأنهار والتّربة بمقاطعة كوجالي التركية ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أنّ بعض المصانع تُفرّغ نفاياتها بشكل عشوائيّ

ويشعر أهل كوجالي بأنّ حكومتهم، إلى جانب الاتّحاد الأوروبيّ، قد تركتهم في مأزق. ويقول طبيب في ديلوفاسي، لا يريد الكشف عن اسمه خوفاً من فقدان وظيفته: "إنّ الهواء سيئ للغاية بحيث يؤدّي إلى معاناة الجميع من المرض، الأطفال والمسنين على حدّ سواء". وتقول هيريي أوديمس، وهي أمّ شابّة تعاني الرّبو: "فقط تخيّل أنّنا نأتي إلى بلدكم، ونبني مصانع ونتسبّب في تلوّث الهواء. لن تسمحوا أبداً بمثل هذا الشّيء".

وتقوم حكومة أردوغان بإخماد الاحتجاجات البيئيّة في كوجالي بانتظام. كما أصبح من الصّعب على سامي، مدير المنظّمة غير الحكوميّة، حشد النّاس للتّظاهر.

ويستمرّ الاستغلال البيئيّ في التّوسّع في المنطقة. فشركة هيدلبرغ للإسمنت تعمل حالياً على بناء مصنع في كوجالي. وسامي يحاول منع المشروع مستخدماً حيلاً إجرائيّة. لكنّه يدرك تمام الإدراك أنّه بالرّغم من أنّه قد يكون قادراً على تأخير تدمير منطقته، فإنّه لن يكون قادراً على منع ذلك.

 

مينا إير أوغلو، دير شبيغل

مصدر الترجمة عن الإنجليزية: https://www.spiegel.de

 

 

للمشاركة:

مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية