شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين

شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
5052
عدد القراءات

2019-03-21

أجرى الحوار: ماهر فرغلي وصلاح الدين حسن


قال مفتي الديار المصرية الشيخ شوقي علام، إنّ التنظيمات الإرهابية بعيدة كلّ البعد عن الاختلافات الفقهية وإنّ كل ما تبغيه تحقيق أهداف سياسية لا أكثر من الفتاوى "المضللة" التي تستند إليها. وأشار إلى أنّ دار الإفتاء المصرية لجأت إلى وسائل التقنية الحديثة لرصد تلك الفتاوى وتفنيدها والردّ عليها، مؤكداً، في حواره مع "حفريات"، أنّ المواجهة مع الفكر الذي تحمله تلك التنظيمات أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يكون التطرف عدوّاً مخفيّاً؟ وكيف تتسلّل الكراهية للثقافة والتعليم؟
وأضاف أنّ علينا أن "ننظر إلى التراث الإسلامي باستثناء الكتاب والسنّة باعتباره عملاً تراكمياً مقدَّراً لكنّه ليس مقدساً"، مشدداً في هذا السياق على أنّ كثيراً من الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى "غربلة والكثير منها يتصف بالكذب ويروِّج للشائعات"، داعياً في تجديد الخطاب الديني إلى التركيز على القضايا التي استند إليها الفكر المتشدد لتصدير الوجه المسيء للإسلام والمسلمين.
وهنا نصّ الحوار:
مواجهة الفكر المتطرف

التنظيمات المتطرفة بعيدة عن الاختلافات الفقهية وكل ما يهمها تحقيق أهداف سياسية
تدَّعي التنظيمات المتطرفة أنّ وجودها من باب خلاف التنوع، وأنّ غياب الشريعة يستدعي وجودها الآن، ما رأي فضيلتكم في ذلك؟

تلك التنظيمات تختزل الشريعة الإسلامية في الحدود، مع اتساع الشريعة لكافة شؤون الحياة، واختصار الشريعة في فكرة تطبيق الحدود فقط أمر مرفوض؛ فالشريعة الإسلامية جاءت ضابطة لكل أمور الحياة وسلوك البشر.
والإسلام أول من أرسى القواعد والأحكام والمبادئ التي تنظِّم العلاقات بين الفرد والمجتمع، وكان من أهمها مبادئ العدالة الاجتماعية، التي اقترن ميلادها بميلاد شريعة سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، بما تحمله من معانٍ وقيم سامية للجميع، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، حتى ينعم المجتمع كلّه بالعدل والسلام والمحبة والإخاء.

هل يمكن أن نعدّ اختلافات تلك التنظيمات اختلافات فقهية؟
هذه التنظيمات بعيدة كلّ البعد عن الاختلافات الفقهية؛ فهي في حقيقة الأمر تبتغي تحقيق أهداف سياسية لا أكثر، وتتخذ من تلك الادعاءات وسيلة لتحقيق غايتها، والاختلاف الفقهي للعلماء منطقة واسعة، ولو أُخذ بالمعايير المنضبطة فسيكون فيه رحمة للأمة، أما لو أُخذ بمنهج آخر إقصائي، فإننا سنكون في مشكلة عويصة، ولعلنا نعاني من ذلك حالياً، كما يجب إخضاع الاجتهاد والنظر والتقليد في الفقه والإفتاء والقضاء للقواعد، والضوابط الفقهية الدقيقة والمنضبطة عبر الأجيال والعصور، بما يعصم الأمة من التخبط والفوضى، ويسهم في المحافظة على الهوية والاستقرار.

اقرأ أيضاً: هل نؤمن حقاً بالاختلاف؟ ومتى نتحرر من مرض التطرف؟
الاختلاف الفقهي في الأحكام موجود منذ عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، والفيصل هو الإدارة الحسنة للخلاف، وهي ما ينبغي الاقتداء بها لحل الخلاف الآن.

كيف ترون سبل مواجهة أصحاب الفكر المتطرف في ظل من يعتبر أنّ الأولوية للمواجهة الأمنية؟

المواجهة أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول، والأجدى هو تضافر كافة الجهود؛ فالتعاون في مواجهة التطرف والإرهاب أمر بالغ الأهمية، خاصة أنّ التطرف لم يعد مقتصراً على منطقة بعينها، لكنه أصبح عابراً للحدود ويجتاح العالم بأكمله، كما أنّ تعزيز المسؤولية المجتمعية يعد معياراً مهماً ومؤشراً على تطور المجتمع ونموه، وهي مهمة يجب أن تقوم بها المؤسسات التثقيفية والتعليمية المسؤولة عن تنشئة المجتمع، خاصة فئة الشباب.

الإسلام أول من أرسى القواعد والأحكام التي تنظِّم العلاقات بين الفرد والمجتمع ومن أهمها مبادئ العدالة الاجتماعية

وفي هذا الشأن؛ بذلت دار الإفتاء جهوداً كبيرة في تفكيك الأفكار المتطرفة على كافة المستويات، منها الفضاء الإلكتروني، الذي أصبحت الدار رائدة فيه؛ حيث بلغ عدد متابعي الصفحة الرئيسة للدار على موقع فيسبوك أكثر من 7 ملايين و200 ألف متابع.
وقد قام فضيلة المفتي بجولات خارجية مهمة، وعقدت الدار دورات تأهيل للمفتين وأئمة المساجد من أجل إعدادهم لمواجهة التطرف، وتم تخريج دفعتين من أئمة بريطانيا مؤخراً، بعد تدريبهم في دار الإفتاء، كما أصدرنا مجلة "Insight" التي أُطلقت قبل أعوام للردّ على مجلة "دابق"، و"رومية"، التي يصدرها تنظم داعش الإرهابي باللغة الإنجليزية.
هذا فضلاً عن مراكز الدار البحثية التي تعمل على تفنيد الأفكار المتطرفة، ورصد الفتاوى والأفكار الغريبة للتنظيمات المتطرفة، إضافة إلى التواصل المباشر مع الشباب من خلال المجالس الإفتائية التي تعقدها الدار بشكل دوري في مراكز الشباب، على مستوى محافظات الجمهورية، بالتعاون مع وزارة الشباب، وعلى كافة أفراد المجتمع أن يتعاونوا مع أجهزة ومؤسسات الدولة في مواجهة جماعات التطرف والإرهاب، والتصدي لها فكرياً ومعنوياً وأمنياً.

بعدما صارت الفتوى أداة في يد الإرهابيين؛ ما هي الجهود المبذولة للحيلولة دون استغلالها لصالح هذه الجماعات؟
اتبعنا في دار الإفتاء المصرية عدداً من وسائل التقنية الحديثة، لرصد تلك الفتاوى وتفنيدها والردّ عليها، ويعدّ المؤشر العالمي للفتوى الذي أطلقته الدار خلال مؤتمرها العالمي الأخير، في طليعة تلك الوسائل؛ فالمؤشر الذي تنفذه وحدة الدراسات الإستراتيجية بالأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، يهدف في الأساس لتبيان حالة الفتوى في كلّ دائرة جغرافية، وَفق أهم وأحدث وسائل التحليل الإستراتيجي والإحصائي؛ للمساهمة في تجديد الفتوى من خلال الوصول إلى مجموعة من الآليات الضابطة للعملية الإفتائية.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
كما يُعدّ المؤشر العالمي للفتوى بمثابة الآلية و"الترمومتر" الذي يعيد الفتاوى غير المنضبطة الخارجة عن المسار الصحيح إلى سياقها المنضبط وطريقها القويم، حتى لا تظهر خطابات إفتائية، متشددة أو منحلَّة، تكون بمنأًى عن الحضارة الإسلامية السمحة عبر كلّ زمان ومكان.
وقد اعتمد المؤشر آليات تحليل إستراتيجية حديثة، وأدوات التنبؤ المستقبلي، والاستباقية، وتقويم الحالة الإفتائية من جوانبها المختلفة؛ لذا يقدم عدة نتائج وتوصيات شديدة الدقة والأهمية لكافة العاملين بالمجال الإفتائي، كما أنّه لا يغفل التوصيات الخاصة بكافة ما يحيط بالحقل الإفتائي، سواء كانت إعلامية أو نفسية أو غيرها.

دور المؤتمر العالمي للإفتاء

دار الإفتاء بذلت جهوداً كبيرة في تفكيك الأفكار المتطرفة
كيف يختلف المؤتمر العالمي للإفتاء عن أيّ جهد سابق لمواجهة الفتاوى المتشددة؟

المؤتمر يأتي بمثابة أداة إعلامية ودينية مكملة لأدوات الدار في مواجهة حالة التشدد وفوضى الفتاوى التي نعيشها، فكلّ عام يأتي المؤتمر لمناقشة قضايا علمية ومنهجية وحياتية مهمّة، تضيف لأمة الإسلام بشكل عام، والعاملين بالمجال بوجه خاص، معطيات ونتائج جديدة، كما يشتمل على توصيات وأطروحات في سياق العديد من المجالات المتسقة والمتعلقة بحياة المسلمين وإشكاليات الوقت الحاضر، لعلنا نلقي حجراً في المياه الراكدة.

أطلقتم مؤخراً منصة "هداية"؛ ما هي الغاية منها خاصة في مجال تجديد الخطاب الديني؟
لدينا منصة "هداية"؛ التي أعلن عن انطلاقها خلال المؤتمر العالمي الأخير لدار الإفتاء، وتهدف إلى المشاركة الفاعلة في تجديد الخطاب الديني وتنويع أساليبه، بتقديم الدعم المعرفي والسلوكي للناس كافة في صورة فائقة الجودة، كما تسعى لتقديم محتوى يحمل علوم الإسلام وأحكامه وقيمه، بأسلوب يتفق مع التطور التكنولوجي المعاصر، وعلى أسس علمية وتربوية صحيحة.

اقرأ أيضاً: المواجهة مع التطرف.. هل هي صراع بين الكراهية والمحبة؟
كما تسعى لتقديم محتوى يحمل علوم الإسلام وأحكامه وقيمه، بأسلوب يتفق مع التطور التكنولوجي المعاصر، وعلى أسس علمية وتربوية صحيحة، كما تهدف إلى محاربة الأفكار المتطرفة والهدامة، وتعمل على تحويل الردود العلمية المنهجية إلى صور وبرامج إلكترونية متقنة، تتناسب وثقافة العصر وأدواته، وكذلك ترد على أوهام وأكاذيب الجماعات الإرهابية، وشبهات وضلالات أصحاب الأفكار المنحرفة، بالدليل والحجة والبرهان، وإزالة رواسب الأعمال الإرهابية التي قاموا بها، بدعم قنوات التواصل والحوار والتعاون مع الآخرين.

هل ترى دار الإفتاء محاورة أصحاب الفكر المتطرف في السجون أمراً ممكناً؟

المراجعات أمر مهم عند ثبوت فشل تلك التنظيمات فكرياً، وهناك عدد من الضوابط الحاكمة للمراجعات، وأهمها التأكيد على أنها تمثل إعمالاً للشرع والقانون وليست إهمالاً له، خاصة فيمن تورطوا في أعمال إجرامية، ودرءاً للفتنة، وليس وقوعاً فيها، وعودة لصحيح الدين ودعوته الصافية النقية، والجمع بين الفتوى والجدوى التي تخاطب الاعتبارات العملية، وأن تمثل المراجعات كذلك ظاهرة مجتمعية تصب في عافية المجتمع وارتقائه ونهوضه، ولا تقف عند حدود التبرير والاعتذار، وهو الأمر الذي قد يفقدها المصداقية والحجية لدى فئات المجتمع.
ومن ثم؛ إنّ مراجعة تلك العناصر واجبة للحفاظ على أمن المجتمع، ومنع الأفراد من الانجراف نحو الفكر التكفيري العنيف، الذي ميز الجماعة في الفترة الماضية، وأنا أشدّد على أهمية أن تكون المراجعة شاملة للفكر والممارسة على السواء.

وُصف بيان دار الإفتاء عقب تنفيذ أحكام الإعدام بقضية النائب العام السابق حاسماً وقوياً؛ لماذا أصرّت الدار على إصدار هذا البيان؟

جماعة الإخوان لم تقدم لمصر طيلة تاريخها سوى الخراب والدمار باسم الدين، والقتل وتزييف الحقائق، ولم يقدّموا عبر تاريخهم أيّ منجز حضاري يخدم وطنهم أو دينهم.

اقرأ أيضاً: المثقف والفقيه.. هل من قطيعة بينهما؟ وكيف يمكن أن يواجها التطرف؟
وكما أكدنا في بياننا الصادر ضدهم؛ فهؤلاء العناصر "الدين مطيتهم، والكذب وسيلتهم، والنفاق صناعتهم، والقتل هوايتهم، والإرهاب طريقتهم، والشباب ضحيتهم، وإبليس قدوتهم، وتمزيق الأوطان هدفهم، والسياسة غايتهم"، ومهما بلغوا من إجرام فلن يثنينا ذلك عن مقاومة شرهم وجهاد عدوانهم، وفضح كذبهم وتفنيد ضلالهم.
استغلال التقنيات الحديثة

الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى غربلة
كيف ترى إمكانية مواجهة استخدام المتطرفين لمواقع التواصل الاجتماعي؟

الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي في حاجة إلى غربلة؛ حيث إنّ الكثير منها يتصف بالكذب ويروِّج للشائعات، لكن يوجد بها أيضاً كثير من الإيجابيات التي ينبغي الاستفادة منها، وتجب متابعة الأبناء على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس من باب فرض سيطرة الآباء على الأبناء، لكن من باب مشاركة الأبناء في هذه الأفكار لحمايتهم وتوجيههم نحو المعلومات والأفكار الصحيحة.

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
كما أنّ الدراسات المتخصصة التي فحصت مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت أنّ كثيراً من الناس قد جعلوها منصّة لنشر محتويات كاذبة، دون التأكد من صحة ما تحتويه، ودون البحث في تبعات وآثار نشرها على السلم العام والأمن والاقتصاد؛ بما يعمل على زعزعة فكر الناس ووعيهم؛ لذا ينبغي غرس المسؤولية في نفوس أبنائنا، خصوصاً عند تعاملهم مع الفضاء الإلكتروني.

مسألة الإحاطة بالواقع وتوافق الفتوى مع البيئة ضرورية لاستنباط الأحكام؛ ما الدور الذي تضطلع به دار الإفتاء في هذا الشأن؟
قضية التجديد في الفتوى أمر بالغ الأهمية، خاصة مع الظرف الحالي الذي تعيشه الأمة الإسلامية، والمؤسسات الدينية، وفي مقدمتها: الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، جميعها تأخذ على عاتقها مشروعات التجديد وتصحيح المفاهيم لحماية المجتمع من الجماعات الظلامية، التي خرجت عن المنهج السليم للإفتاء، وآمنت بأفكار شاذة مغلوطة، وتغولت على التراث دون امتلاك وإحكام مفاتيح العلوم، وقواعد الفهم الصحيح والمنهج السديد، وأعرضت عن أهل العلم الثقات من العلماء العاملين، الذي نقلوا العلم بالإسناد المتصل إلى سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فضلاً عن جهل هذه الجماعات الشديد بالواقع الذي نعيش فيه، وإهمال إدراكه إدراكاً صحيحاً، وفهم التغيرات التي تطرأ على المجتمعات والثقافات نتيجة حركة التطور المعرفي والحضاري.

اقرأ أيضاً: التطرف.. بين "كمون وظهور"
وفي هذا الشأن حرصت دار الإفتاء على أن يأتي مؤتمرها الدولي الأخير، الذي عقد في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، رافعاً عنوان قضية "التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق"، وقد وُفقنا خلالَه، بحمد الله، بمناقشة العديد من القضايا العصرية المهمة، وخرجنا بمجموعة من التوصيات، نعمل على تنفيذها حالياً بالتنسيق مع أعضاء الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم.

ضوابط الإفتاء

مواجهة أصحاب الفكر المتطرف أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول
ما الحد الفاصل بين من يتصدى لإصدار الفتوى العامة والخاصة؟

الفتوى العامة هي التي تمسّ أمور المسلمين عموماً، ويجب أن يُمنع أي شخص يريد أن يفتي فيها منفرداً؛ لأنّ خطورتها كبيرة، وينبغي أن تكون الفتوى فيها عن طريق المجامع والهيئات الرسمية، أما الفتوى الخاصة؛ فهي إما أن تكون من المسائل التي بُحثت سابقاً من قِبل أهل العلم، ودُوِّنت الأحكام فيها، وإما أن تتعلق بالمسائل النازلة التي حدثت في هذا العصر، ولم يسبق أن بحثها العلماء قديماً، وفي جميع الأحوال؛ أمر الإفتاء له ضوابط ولا يجوز لأيّ شخص إصدار الفتاوى دون تأهيل وضوابط.

لكن هناك من يقول إنّ وقف الفتوى على أشخاص بأعينهم نوع من الكهانة الجديدة؛ كيف تواجهون هذا الزعم؟
هذا زعم خاطئ، فكيف السبيل إلى القضاء على فوضى الفتاوى التي خرجت علينا ممن يجهلون بقواعد الفتوى وضوابطها، إلا بتحديد أسماء بعينها مؤهلة للتحدث في أمور الفتوى؟! وفي رأيي؛ إنّ تحديد الأزهر الشريف ودار الإفتاء لقائمة الخمسين قد حدَّ كثيراً من هذه الظاهرة.

رأينا كيف استغل المتشددون المساجد للترويج لأفكارهم؛ هل توجد توافقات بين دار الإفتاء والأوقاف لنشر الفكر الوسطي ومواجهة عشوائية الفتاوى؟
المؤسسات الدينية تعمل وفق منهج واحد، ورسالتها واحدة؛ هي القضاء على فوضى الفتاوى، وإيصال رسالة الأزهر الشريف للجميع، في الوطن وفي كلّ بقاع الأرض.

أطلقنا قبل أعوام مجلة "Insight" للردّ على مجلة "دابق" و"رومية"، التي يصدرها تنظم داعش بالإنجليزية

وجميعها يعمل في تكامل وتناغم معاً في نشر صحيح الدين، فعلى سبيل المثال؛ إصدار الفتوى يتم وفق المنهج الأزهري القائم على مراعاة المآلات والأحوال والعادات والتقاليد التي تتفق والشرع الشريف، وكذا إدراك الواقع، وهو ما يفتح باب الاجتهاد أمام علماء الأزهر ودار الإفتاء للتفاعل مع قضايا الأمة، بما يعود عليها بالنفع، ويناسب العصر، ويسدّ الباب أمام الفتوى المتطرفة والشاذة، والفتوى بها، علاوة على كونها مستمدة من منهج الأزهر الشريف؛ فهي أثناء التكييف الفقهي للمسألة تبحث في الوقائع بصورة متخصصة، إضافة إلى التنقل بين المذاهب الفقهية المعتمدة، مع دراسة الواقع ومآلات الفتوى؛ لأجل الوصول إلى حكم شرعي صحيح يراعي الزمان والمكان والعوائد والأحوال.

ازداد الحديث مؤخراً عن تجديد الخطاب الديني؛ هل توافق فضيلتك على المصطلح؟ وكيف ترى التجديد ووسائله؟
تجديد الخطاب يحتاج إلى تكاتف الجميع، على حدّ سواء، ومن أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها وبيانها عند تجديد الخطاب الديني؛ تحديد القضايا التي استند إليها الفكر المتشدد في تصدير الوجه الدموي المفتري على الإسلام والمسلمين، في الداخل والخارج، مثل قضية الجهاد بمفهومه الصحيح، الذي يحافظ على الإنسان ما دام لم يعتدِ على الفرد أو المجتمع، أو القانون الذي يحكم علاقاتهم ويرفع النزاع من بينهم.

المؤتمر العالمي للإفتاء بمثابة أداة إعلامية ودينية مكملة لأدوات الدار في مواجهة التشدد وفوضى الفتاوى

وقضية التجديد ترتبط ارتباطاً وثيق الصلة بتفكيك الفكر المتطرف وكشف ضلاله وفساده، لتحصين شبابنا ومجتمعاتنا من شرّ هؤلاء جميعاً.
وفي سبيل ذلك علينا أن ننظر إلى التراث الإسلامي، باستثناء الكتاب والسنّة، باعتباره عملاً تراكمياً محترماً، لكنّه ليس مقدساً، بمعنى أننا نستفيد من مناهج السلف الصالح فيه، لأنها مبنية على اللغة والعقل وقواعد تفسير النصوص، ولكن في نفس الوقت لا نلتزم بمسائلهم التي ارتبطت بسياق واقعهم وقتها، فالمشكلة الكبرى عند ذوي الفكر المتشدّد والمنحرف؛ أنهم يحاولون توسيع دائرة الثوابت بغير حقّ، حتى يضيق على الناس دينهم ودنياهم، فيسهل عليهم تبديعهم وتفسيقهم وصولاً إلى تكفيرهم؛ بل ينحرف فكرهم إلى استباحة دمائهم.
والمنهج الأزهري الوسطي الذي تتبنّاه دار الإفتاء المصرية، يقف على الطريق الوسط بين هؤلاء وأولئك، كما أنّ واجب الوقت يقتضي منا الآن أن نحدد المفاهيم الدائرة فيما هو قطعي وما هو ظني؛ ليظلّ المجتمع المصري المتدين بطبعه على وسطيته المعهودة منه عبر التاريخ.

ما رأي فضيلتكم في قضية الطلاق الشفهي؟
عقد الزواج وجد بيقين، وذلك بحضور الأهل والمأذون والشهود والناس، وهذا العقد لا يرفع إلا بيقين، بمعنى أنه يجب أن نتيقن أن هذا الزوج قد تلفظ بالطلاق، قاصداً إنهاء العلاقة الزوجية بلفظ ونية صريحَين؛ لذلك لا نجيب في دار الإفتاء المصرية عن مسائل الطلاق إلا بحضور الزوج إلى الدار للتحقق من أنّ هذا الزوج بالفعل قد قصد الطلاق.
هناك من يرى أنّ الفتوى تعاني تشتتاً على المستوى الرسمي بين الدول العربية والإسلامية، هل ثمة تكامل بين المؤسسات الدينية في هذا الشأن؟

بالطبع هناك تكامل، ولعلّ الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم، التابعة لدار الإفتاء المصرية، تقوم بدور عظيم في هذا الشأن، من حيث التنسيق وفتح قنوات اتصال مع المؤسسات الدينية بالخارج.

الفتوى العامة تمسّ أمور المسلمين عموماً ويجب أن يُمنع أي شخص يريد أن يفتي فيها منفرداً

تضمّ الأمانة عدداً كبيراً من الدول الأعضاء، ونقوم من خلالها بالتنسيق بين دُور الفتوى والهيئات الإفتائية العاملة في مجال الإفتاء في أنحاء العالم، بهدف رفع كفاءة الأداء الإفتائي لتلك الجهات، مع التنسيق فيما بينها لإنتاج عمل إفتائي علمي رصين، ومن ثم زيادة فعاليتها في مجتمعاتها حتى يكون الإفتاء أحد عوامل التنمية والتحضر للإنسانية، وترسيخ منهج الوسطية في الفتوى، وتهدف الأمانة إلى تبادل الخبرات العلمية والعملية والتنظيمية بين دور وهيئات الإفتاء الأعضاء، وتقديم الاستشارات العلمية والعملية لها، لتنمية وتطوير أدائها الإفتائي، وتقليل فجوة الاختلاف بين جهات الإفتاء من خلال التشاور العلمي بصوره المختلفة.

ترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك

تكاد مخرجات حوار الوحدة الوطنية تنحصر بالبيانات المشتركة عن قيم العيش المشترك، وما هي جهود دار الإفتاء في هذه المسألة؟

دار الإفتاء المصرية بذلت الكثير من الجهد من أجل ترسيخ قيم المواطنة وتعزيز العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد؛ وذلك من خلال الفتاوى التي تحثّ على حسن معاملة جميع الخلق، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو النوع أو اللون.

ليس ذلك فحسب؛ بل دار الإفتاء المصرية عضو مؤسس في "منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي"، وهي منصة إقليمية أطلقت في شهر شباط (فبراير) 2018، وتعدّ الأولى من نوعها في العالم العربي التي تعمل من خلالها القيادات والمؤسَّسات الدينية، الإسلامية والمسيحية، ونشطاء الحوار في المنطقة، بالتعاون لتعزيز ثقافة الحوار والعيش المشترك، وبناء التماسك الاجتماعي في المنطقة، انطلاقاً من أسس المواطنة المشتركة.

علينا أن ننظر إلى التراث الإسلامي باستثناء الكتاب والسنّة باعتباره عملاً تراكمياً مقدَّراً لكنّه ليس مقدساً

وشاركت دار الإفتاء المصرية مع منصة الحوار في تطوير العديد من البرامج الهادفة على أرض الواقع، لدعم مسيرة التعايش وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي السلمي والمواطنة المشتركة؛ لتندرج تحت أعمالها برامج بناء القدرات في مختلف المجالات، منها: "برنامج وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للحوار"، و"برنامج الزمالة العربية في مجال الحوار، و"شبكة الكليات والمعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية في العالم العربي"؛ لتنمية قدرات المعلمين والفاعلين في مجال تعزيز تعليم ثقافة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وإطلاق أسبوع الحوار.
‏ومنذ إطلاقها؛ تم تنفيذ عدة مشاريع ومبادرات شاركت فيها الدار مع منصة الحوار والتعاون الإقليمية بين القيادات والمؤسسات الدينية في العالم العربي، لصياغة وتنفيذ حزمة من المشاريع والبرامج، الهادفة إلى: تعزيز التواصل بين القيادات والمؤسسات الدينية والفاعلين في الحوار، وتنسيق الجهود للتصدي للتحديات التي تواجه المجتمعات العربية، وتمتين العلاقة بين الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية وصانعي السياسات، على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية؛ من أجل تحقيق الأهداف الإنسانية الواردة في هذه الوثيقة؛ وتطوير خطط عمل وبرامج نوعية تساهم في تعزيز التعايش السلمي، ودعم المواطنة المشتركة على الصعيدين المحلي والإقليمي؛ وتزويد القيادات الدينية ومؤسساتها والفاعلين في الحوار بما يلزم لدعم الحوار بين الشعوب وتعزيز قدراتها وأداء رسالتها.

اقرأ أيضاً: الخرباوي: التطرف لا يمكن مواجهته بتطرف علماني مماثل
كما شاركت الدار في أسبوع الحوار، الذي أقيم في عمان، بمشاركة 50 مشاركاً ومشاركة من 13 دولة مختلفة، وكان حول مفاهيم خطاب الكراهية والتماسك المجتمعي، وتعزيز الخطاب المعتدل الذي يكرس مبادئ الحوار واحترام الآخر، والتعريف بأهميته وآليات تطبيقه؛ ونشره كثقافة وأسلوب حياة يومي لحلّ المشاكل التي يعاني منها الشباب والمجتمعات على مختلف الأصعدة والمستويات.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:

سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً

2020-02-17

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


أسّس الكاتب والمفكر المغربي سعيد ناشيد، "الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية"، التي تضمّ مجموعة من الشخصيات السياسية والثقافية والنقابية بالمغرب.
"الجبهة ترحّب بضحايا كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية، علماً بوجود قوانين بالغة الخطورة لا يعرفها إلا القليلون، وتمّ تمريرها في صمت احتيالي غير مبرّر، وفق أسلوب الحيل الفقهية الذي يتقنونه، ونرى أنّه لا يليق بدولة المؤسسات"، يقول ناشيد في ندائه الذي استجاب له مواطنون مغاربة وشخصيات عمومية.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

وفي هذا الحوار مع "حفريات"؛ يُجيب الكاتب المغربي، سعيد ناشيد، عن أسباب تأسيسه لشبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية، ويتحدث عن أهداف هذه الشبكة؟ وهل يُمكن أن تتصدى لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟ 

حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي

لماذا قررتم تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية خلال هذه الفترة بالضبط؟
جاء قرارنا بالعمل على تأسيس الشبكة المغربية لضحايا حكومة العدالة والتنمية في سياق يتسم بتدهور الأحوال الاجتماعية للمواطنين، وارتفاع الهشاشة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، وأما على المستوى السياسي؛ فالمُلاحظ استشراء انعدام الثقة في المؤسسات، وخلط الأوراق بين أدوار كلّ من الحكومة والمعارضة والمجتمع المدني، فضلاً عن ضمور الفاعلية السياسية، وتدهور الأخلاق، وانسداد الأفق، وتفشّي قيم الريع والمحسوبية والصدقات بدل العمل والتضامن والإنتاج.

كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي

أمام هذا الوضع تُصرّ الحكومة على التنصل من مسؤولياتها وتفضّل التذرع بنظرية المؤامرة وثقافة المغلوبية، وبذلك النحو تُحاول دغدغة غرائز الجموع، وذلك رغم أنّ الدستور الحالي يمنح لرئيس الحكومة صلاحيات لم يمنحها أيّ دستور سابق لرئيس الحكومة.. رئيس الوزراء.
مُقابل ذلك كلّه تُعاني المعارضة من عجز وظيفي، وعوز في الوسائل التي أهملتها بفعل تواكلها على الخطاب الحداثي للدولة، وبذلك النحو فوتت على نفسها فرصة امتلاك أدوات الضغط الضرورية، من قبيل العمل النقابي والجمعوي والإعلامي، رغم أنّ المنتظر كان وجود معارضة حداثية قوية لحكومة تنهل من الإسلام السياسي.
فوق ذلك نرى النقابات بدورها شبه مشلولة، رغم أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الأكثر تطبيقاً لتعاليم البنك العالمي وصندوق النقد الدولي، وهي التعاليم التي أجهزت على كثير من المكتسبات.
أين تكمن المعضلة في نظركم؟
عموماً، تكمن معضلة بعض قوى الحداثة التي حاولت التصدي للمشروع الأصولي في ثلاثة اختلالات أساسية:
أولاً: عدم استقلالها عن السلطة، بل لقد دفعها التعويل على الخطاب الحداثي للدولة في المستوى الرسمي إلى الكسل والتواكل، ما سمح باختلال في موازين القوى لصالح القوى الأصولية، وهو الاختلال الذي يهدّد بالإجهاز على ممكنات الانتقال الديمقراطي الحداثي في المغرب، والانقلاب على روح ما سمّي بـ "العهد الجديد".

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة بين المغرب وتركيا بسبب ليبيا وقمة كوالالمبور
ثانياً:
ثقافة الريع في بعض الأحيان، وهو المرض الذي أصاب كثيراً من القوى وانتهى إلى شلّ فاعليتها، من بينها أحزاب ونقابات ونخب جامعية.
ثالثاً: إغفال الأدوات الفكرية والثقافية، وتهميش النخب التي تشتغل على الإصلاح الديني، رغم أنّ المغرب يعتلي طليعة حقيقية في هذا المجال؛ حيث ظنّ الكثيرون أنّ المعركة ضدّ الفكر الأصولي يُمكن اختزالها في البعد السياسوي عبر الانتخابات أو الخطاب الحزبي أو ثقافة التفاهة أحياناً.

ما هي أهداف شبكة ضحايا حكومة حزب العدالة والتنمية؟
حين نتحدث عن الضحايا، فالمطلوب، بلا شكّ، هو الإنصاف، ويكون الإنصاف هذه المرة عبر مُراجعة كلّ القوانين التي أصدرتها حكومة العدالة والتنمية، سواء خلال فترة عبد الإله بن كيران، أو إبان فترة سعد الدين العثماني.
في هذا الإطار، بوسعنا أن نعتبر أنّ نضالات التنسيقية الوطنية للأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد تندرج ضمن سياق فاعلية ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وهي دليل إضافي على حاجة المغرب اليوم إلى فاعليات مُستقلة بالفعل، بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.

اقرأ أيضاً: هل تتحمّل حكومة الإسلاميين بالمغرب فشل التعليم؟
كما أنّنا نعتقد بوجود فاعليات أخرى تندرج ضمن هذا الإطار، من قبيل مركز الشهيد آيت الجيد مثلاً، والذي يُكافح من أجل الحقيقة والإنصاف في قضية مقتل الطالب اليساري، آيت الجيد، قبل أعوام مضت، وضمن المتهمين هناك أحد قادة حزب العدالة والتنمية، والملف ما يزال معروضاً أمام القضاء.

حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات

الزعيم السابق لحزب العدالة والتنمية، عبد الإله بن كيران، كان قد صرّح عدة مرات، بأنّ هناك جهات تقف عائقاً أمام أداء حزبه لمهامه، ما رأيك في ذلك؟

يتعلق الأمر بلعبة بالغة الخطورة والضرر، حذرنا منها مراراً، وقد تفنن بن كيران في لعبها، فقد كان بوسعه أن يتخذ أسوأ القرارات، ثم يلتف عليها بأسلوب مزدوج؛ حيث يظهر أمام الدولة كأنّه "ملكي أكثر من الملك"، فلا يطبق سوى ما يريده "سيدنا"، مدعياً بعد ذلك أنّه يستشيره على الدوام، ولا يفعل إلا ما يرضيه، ثم سرعان ما يلقي بالمسؤولية على كاهل "الدول العميقة" أمام قواعد حزبه وكتائبه الإلكترونية، سواء بدعوى أنّ "الدولة العميقة" تفرض عليه بعض الأمور، أو أنّها تمنعه من إتمام بعض الأمور، وكلّ هذا دون أن يرغمه أحد على توضيح ما هي تلك الأمور.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
إنّه اللعب على الغموض الذي يمنحه القدرة على إحراج الجميع دون أن يحاسبه أيّ أحد، لا سيما أنّه لا يتورع عن توظيف الخطاب الفقهي التقليدي، والذي هو حجة من لا حجة له.
لماذا تنحون باللائمة على حزب العدالة والتنمية، وتحمّلونه مسؤولية ما يعيشه المغرب من مشاكل على كافة الأصعدة، بينما هناك أحزاب أخرى تشكل الحكومة؟

حين ننتقد حكومة العدالة والتنمية اليوم فنحن لا نمنح شهادة حسن السيرة لأيّة حكومة سابقة أو حزب آخر، بما فيها حكومة عبد الرحمن اليوسفي، التي نرى أنّها، انطلاقاً من وجهة نظر التاريخ المقارن، بمثابة التجربة الأفضل ضمن الحكومات السابقة منذ استقلال المغرب، بل ننتقد الأسوأ، وهذا كلّ ما في الأمر.

اقرأ أيضاً: هل يسعى إخوان المغرب فعلاً لفصل الدين عن السياسية؟
لقد صدرت قوانين وقرارات سيئة عن حكومات سابقة، لا شكّ في ذلك، غير أنّ حكومة العدالة والتنمية هي الحكومة التي أصدرت أسوأ القوانين والقرارات، وأشدها إيلاماً للمُواطنين والموظفين والمتقاعدين.
عندما دشّن عبد الإله بن كيران عهده بخطاب "عفا الله عما سلف" فقد كان واضحاً بأنّ هناك من عليه أن يدفع ثمن "المال المسلوب".
في الفترة الأخيرة، تبنت القيادية في حزب العدالة والتنمية، أمينة ماء العينين، خطاباً حداثياً، وأضحت تدافع عن الحريات الفردية، هل هذا مؤشر على أنّ الحزب بدأ يعيد النظر في خطاباته ويجددها؟
ننظر إلى المراجعات بعين التقدير، غير أنّها ما تزال تُمثل حالات فردية محصورة، والمأمول أن تنتقل إلى حالة عامة، لأجل ذلك يحتاج حزب العدالة والتنمية، ومعه عموم الإسلام السياسي، إلى ثورة ثقافية.

القطيعة مع فقه الغزوات وبأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال

إذ يجب أن يقطع الحزب نهائياً مع أيديولوجية حسن البنا وسيد قطب ويوسف القرضاوي، ليس فقط في مستوى الخطاب السياسي وإعلان النوايا، وإنما في مستوى البنية الثقافية والنفسية لأنصار العدالة والتنمية، حين نسمع خطابات في أجواء الغضب تتبجح بأنّ أنصار العدالة والتنمية هم أشبال ابن تيمية، على سبيل المثال، أو نحو ذلك مما تفوّه به بن كيران في أحد خطاباته الغاضبة، نفهم أنّ القطيعة مع فقه الغزوات ما تزال عملاً شاقاً وبعيد المنال.
مطلوب أيضاً القطيعة مع مفاهيم فقه التوسعات الإمبراطورية، من قبيل مفاهيم التدافع والاحتراب والجماعة واللواء وتقسيم العالم إلى مسلمين وكفار، وما إلى ذلك من مفاهيم تنتمي إلى العصر الوسيط.

استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي

مع اقتراب ذكرى 20 شباط (فبراير)؛ هل استفاد حزب العدالة والتنمية من احتجاجات عام 2011 بالمغرب ليترأس الحكومة؟
سيرورة صعود حزب العدالة والتنمية كانت جارية منذ عقود مضت، وذلك منذ استفاد المؤسسون من أجواء الصراع بين الدولة واليسار خلال سبعينيات القرن الماضي، وأثناء ذلك استفاد بن كيران، كما هو معروف، من دعم وزير الداخلية الأسبق، إدريس البصري، من أجل تفادي ثورة على النمط البولشيفي، أو ثورة على النمط الإيراني، غير أنّ أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي شكلت فرصته السانحة لغاية التغول والتغلغل داخل دواليب الإدارة، لقد استفاد حزب العدالة والتنمية من أجواء ما كان يسمى بالربيع العربي، وأثناء ذلك أنتج خطاباً متعدّد الأبعاد؛ فقد قدم نفسه للدولة باعتباره الأقدر على حمايتها من الهزات، وذلك جراء قدرته على إنتاج خطاب شعبوي وغوغائي قادر على التلاعب بالطاقة الغضبية للناس، بيد أنّه، في المقابل، قدّم نفسه لقواعده ولعموم الناس باعتباره الأقدر على حماية "المستضعفين" ممن كان بن كيران يصطلح عليهم بالأشباح والتماسيح، وقدم نفسه للقوى الديمقراطية باعتباره الأقدر على مواجهة ما كان يسميه بن كيران "التحكّم"، وبهذا النحو من الأقنعة المتعددة تميزت تجربة العدالة والتنمية.
كيف ستتصدى شبكة ضحايا حكومة العدالة والتنمية لمشروع الإسلام السياسي بالمغرب؟
أهم ما يُمكن أن تفعله الشبكة؛ هو محاولة العمل على تجميع كلّ الفاعليات التي ينشئها ضحايا حكومة العدالة والتنمية، وذلك وفق ثلاث غايات أساسية:
أولاً: تفويت الفرصة على حكومة العدالة والتنمية في التنصل من مسؤوليتها فيما آل إليه الوضع جراء قراراتها المجحفة.
ثانياً: النضال بكلّ الوسائل المتاحة والمشروعة من أجل مراجعة كلّ القوانين والقرارات المجحفة التي صدرت عن هذه الحكومة.
اقرأ أيضاً: ما موقف الإسلاميين في المغرب من الأمازيغية؟
ثالثاً:
المحاسبة القانونية والقضائية لكلّ المتورطين في قضايا إرهاب أو عنف أو تطرف، والذين استفادوا من الاختلال في النسق السياسي العام قصد الإفلات من المساءلة أو العقاب.

كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي بالمغرب؟

بعبارة واضحة؛ كلّ تحالفات الإسلام السياسي، سواء مع السلطة أو الجيش أو أمريكا أو اليسار، أو غير ذلك من التحالفات، قد انتهت جميعها إلى اصطدام دراماتيكي بين الطرفين، كلّ التجارب تُؤكد ذلك.
إذا نجح المغرب في جعل النهاية أقلّ دراماتيكية، فسيكون قد صنع الاستثناء بالفعل.
هل سينجح في ذلك؟
لا نملك أيّ توقع بهذا الخصوص، غير أنّنا قررنا عدم الوقوف موقف المتفرج.

للمشاركة:

منير أديب: الإمارات الأكثر نجاحاً في مواجهة الإرهاب وتلك هي الأسباب

2020-02-12

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال الباحث المصري منير أديب إنّ داعش وغيرها من التنظيمات التكفيرية لا تمتلك مستقبلاً حقيقياً يضمن لها الاستمرار بالمنطقة برغم امتلاكها للعتاد العسكري، وشبكة تمويل ضخمة، وعدداً كبيراً من المقاتلين، لافتاً في حواره مع "حفريات" إلى أنّه "لا يجوز التعامل بشكل قانوني أو سياسي مع التنظيمات غير القانونية والتكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون في السودان: مستقبل مظلم وموت محتمل
وأكد الخبير في شؤون الحركات الإسلامية المتطرفة والإرهاب الدولي أنّ المواجهة الفكرية مع الإرهاب تظل هي الحل الناجز، مشيداً بتجربة دولة الإمارات "التي تمثّل نموذجاً ناجحاً وفريداً في مواجهة التطرف عبر اعتمادها استراتيجية متكاملة تربط بين الفكري والأمني والعسكري".

هناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة

وأضاف أديب أنّ عودة الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف تواجد تلك التنظيمات تلقائياً ويعمل على اضمحلالها، داعياً رجال المؤسسة الدينية الرسمية إلى "نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بهذه المهمة".
يذكر أنّ منير أديب كاتب صحفي مصري، له عدة كتب في مجال الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، مثل: "خريطة الإرهاب المسلح"، و"الدولة الإسلامية فكرة زائفة أم حقيقة غائبة"، وكتاب "كلمات خلف القضبان، سهام الجهاديين أم روضة الزنازين؟"، وله كتاب تحت الطبع بعنوان "الإخوان المسلمون والعنف: قراءة في الأدبيات المجهولة للعمل المسلح".
وهنا نص الحوار:
مستقبل داعش والإرهاب

كيف ترى مستقبل تنظيم داعش، وما مدى قدرته على الانتشار في مناطق جديدة؟
أرى أنّ تنظيم داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لا يمتلك مستقبلاً حقيقياً؛ ربما سينجح في الاستيلاء على مناطق معينة لفترة، ولكنه سرعان ما ينهزم وينسحق، وداعش خير دليل على ما أقول بما سيطرت عليه من مناطق شاسعة بين العراق وسوريا في 29 حزيران (يونيو) 2014، إذ انهارت "دولته" بعد مرور خمسة أعوام، وبالتالي التنظيم ليس له مستقبل حقيقي لإقامة دولة وإن سيطر على الأرض، ولكن هذا ليس معناه انهيار التنظيم ما يجعلنا نتهاون في مواجهة تلك التنظيمات.

اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف

أعتقد أنّ هناك تحديات عديدة أمام العالم والإقليم والدول المعنية بهذا الشأن، وهو أن تسعى لمواجهة حقيقية وفعالة ضد هذا الخطر المحدق؛ فللأسف هناك دول إقليمية تدعم تلك التنظيمات مثل تركيا.
وهناك اختلافات وتناقضات في السياسات الدولية سمحت بظهور التنظيمات المتطرفة، وتؤكد عدد من التقارير الاستخباراتية العودة الشرسة لتنظيم داعش؛ فوفقاً لتقديرات استخباراتية فإنّ التنظيم يمتلك شبكة مالية واسعة تقدر بـ100 مليون دولار، ويمتلك أسلحة خفيفة وثقيلة، كما أنّه يسعى لامتلاك طائرات مسيّرة، وما يزال يضم عدداً من المقاتلين يتراوح عددهم بين (18 و30) ألف مقاتل كخلايا نائمة، والتنظيم للأسف نجح في الانتشار في بيئات حاضنة تنسجم مع أفكاره وخطابه التكفيري مثل غرب أفريقيا وشمال شرق آسيا وأفغانستان وليبيا، ودول كثيرة كمناطق بديلة للموصل والرقة.

أثار التدخل التركي في الشأن الليبي تساؤلات عديدة حول خلفياته، فما هي الأسباب الحقيقية وراءه؟
هناك أسباب مباشرة لهذا التدخل منها دعم الجماعات المتطرفة التي تحالفت معها حكومة الوفاق في طرابلس، خاصة أنّ المنظمات المتطرفة والنظام التركي خرجا من مشكاة واحدة لها نفس الأيدولوجيا والرؤية والتفكير والسياسات.
وبالتالي الدعم التركي طبيعي ومنطقي، والنظام التركي يعيد تلك الجماعات للمشهد من خلال حمايتها وتجنيد مقاتلين وإرسالهم إلى ليبيا ويدعم كل من يعملون على عودة الخلافة العثمانية، وتمكين جماعة الإخوان المسلمين في الحكم، وتنصيب أردوغان سلطاناً للخلافة، ويضع يده في يد قطر، ويتوافق مع حزب النهضة في تونس، ويدعم الإخوان المسلمين المصريين وخاصة بعد ثورة 2013، ويستضيفهم على أراضيه كورقة لابتزاز النظام المصري سياسياً.

مواجهة الإرهاب

كيف ترى آليات مواجهة تلك التيارات المتشددة التي تنسب نفسها إلى الإسلام؟
هناك جوانب عديدة لمواجهة تلك التيارات المتشددة أمنياً وعسكرياً وفكرياً، الجانب الأمني يتعلق بمهاجمة الخلايا وتفكيكها، والجانب العسكري المتعلق بتوفير معلومات استخباراتية وتقديمها للأجهزة الأمنية لتفكيك الخلايا وإحباط مخططاتها، والجانب الفكري شديد الأهمية الذي يحتوي تجديد الفكر الديني ودعم الثقافة المستنيرة وإعداد مناهج تعليمية وبرامج ثقافية لتغيير أنماط الفكر المتطرف وزرع التسامح وقبول الآخر.

اقرأ أيضاً: حزب الإصلاح يحوّل اتفاق الرياض حصان طروادة لتصدير الإخوان إلى عدن
وبالتالي هناك عدة آليات أخطرها على الإطلاق الآليات الفكرية؛ لأنها مسؤولة عن تفكيك فكر الإرهاب ومواجهة الأفكار وتجفيف منابعها، وهناك فرق بين مواجهة الإرهابي ومواجهة الإرهاب؛ أي مواجهة الأفكار؛ لأن ذلك كالحرث في البحر، وهذا ما يحدث في كثير من العواصم العربية.
أشرت في أكثر من مقابلة ومقال إلى نجاح النموذج الإماراتي في مواجهة التطرف، فكيف ترى سمات هذا النموذج وأسباب نجاجه؟
اتسم النموذج الإماراتي بامتلاك رؤية عامة لاستراتيجية متكاملة لمواجهة الإرهاب والتطرف، ولعلها العاصمة العربية الوحيدة التي نجحت في تفكيك أفكار التنظيم على أراضيه، وتخلت عناصره طوعاً وبمحض إرادتهم عن أفكارهم المتطرفة.

لا يمكن مواجهة التنظيمات الإرهابية دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية

يمكن تلخيص تلك الاستراتيجية في عدة أدوات تتعلق بمواجهة أفكار التطرف: عبر إقامة مؤسسات معنية بنشر ثقافة التسامح ونبذ الكراهية مثل وزارة التسامح، بالإضافة إلى إشاعة الروح العلمية والنقدية في المناهج التعليمية؛ فهي صمام أمان للشباب ضد ما قد يتسرب لهم من الفضاء الإلكتروني من أفكار متطرفة، واللجوء لمواجهة الإرهاب خارج أراضيها الذي سينتقل إليها حتماً، فسخّرت إمكانياتها لمواجهة الإرهاب المعولم.
وأخيراً قراءة التنظيمات المتطرفة قراءة علمية واعية عبر المراكز السياسية المتخصصة والتعاون مع خبراء متخصصين في مجال مواجهة الإرهاب؛ فلا يمكن مواجهة تلك التنظيمات دون قراءة تلك الظاهرة قراءة علمية واعية وهذا ما يغيب عن العديدين في مواجهة هذه الظاهرة.
أخطاء التعامل الإسلام السياسي

كثيراً ما أكدت أنّ التعامل القانوني مع جماعة الإخوان المسلمين ظل غائباً في فترات الحكم السابقة، فما السبب وراء ذلك؟
أعتقد أنّ تفكيك الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات مثل توظيف فكرة "المظلومية الإخوانية" في استقطاب جمهور واسع من الشباب وغيرها من الأفكار المؤسسة لخطاب التطرف يجب أن تكون من أولويات المواجهة الفكرية ضد تلك الحركات الظلامية، ولا يجوز في رأي الشخصي أن نتعامل بشكل قانوني مع التنظيمات غير القانونية أو أن نتعامل بشكل سياسي مع التنظيمات التكفيرية التي تحارب الدولة، وتسعى لهدمها وانهيارها وتظل المواجهة الفكرية مع الإرهاب هي الحل الناجز، وإذا فككنا الأفكار المؤسسة لتلك التنظيمات انتهت هذه الجماعات لا محالة.

ألا ترى أنّ الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي تدهورت في العهود السابقة ساهمت بصعود الجماعة؟
بكل تأكيد؛ الإخوان المسلمون ومثل هذه التنظيمات قدمت نفسها بديلاً للدولة عبر النشاطات الخيرية، كما قدمت نفسها دعوياً عندما اعتلى خطباؤها المنابر، وأعطوا الدروس الدينية في المساجد مستغلين غياب المؤسسة الدينية.

اقرأ أيضاً: مجلة فرنسية تحذر من خطر "أحفاد الإخوان" على أوروبا
كما أنّهم اخترقوا التعليم بتأسيسهم لمدارس تحت شعارات "إسلامية" لتفريخ أجيال جديدة تحمل مشروعهم السياسي، ولكن من المؤكد أنّه عندما تعود الدولة عبر المؤسسات الدينية والتعليمية يضعف ويضمحل تواجد تلك التنظيمات تلقائياً. والقاعدة تقول إنّ تلك الجماعات عندما تنتشر فهذا معناه غياب الدولة عن القيام بدورها السياسي والتعليمي والثقافي وعندما تحضر الدولة تغيب تلك التنظيمات.

لطالما شددت على ضرورة نقد التراث الديني التقليدي ودور المؤسسات الدينية الرسمية في الفهم الصحيح للدين، كيف تقيم هذا الدور في مواجهة خطاب التطرف؟
هناك دور كبير للمؤسسات الإسلامية الرسمية لمواجهة خطاب التكفير؛ فإذا غاب دورهم فقُل على الدنيا السلام، وهناك دور أعمق يجب أن تقوم به في مواجهة خطاب التكفير المنتشر بين الشباب، ومصر بها مؤسسات إسلامية عريقة وذات مكانة عليها أن تجتمع لتقديم رؤية متماسكة للرد على الخطاب التكفيري وتفكيكه، وستنتهي تلك التنظيمات بالرد عليهم ودحض انحرافاتهم وفهمهم المعيب والخاطئ للتراث.

على رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن

التراث من وجهة نظري ليس مقدساً؛ فما لا يناسب الواقع والمستقبل لا نأخذ به، وعلينا نقد التراث، ولا شيء مقدس بخلاف النص القرآني، وعلى رجال المؤسسة الدينية الرسمية نقد التراث وتنقيته من أفكار وآراء وفتاوى تجاوزها الزمن، والمؤسسة الدينية هي وحدها المخولة بنقد التراث.
انتقد كثيرون مؤسسة الأزهر لرفضها تكفير داعش؛ أنا أرى أنّ أهم ما يميز الأزهر على مدار تاريخه هو أنّه مؤسسة وسطية ومعتدلة ميّزت نفسها برفض التكفير، وهي ترفض مبدأ التكفير ذاته وليس تكفير داعش لأنّها داعش، والانزلاق في فخ تكفير الجماعات المتطرفة يفتح الباب لتكفير كل مخالف في الرأي والاعتقاد؛ وبالتالي تطبيق حد القتل بحق من ستكفّره تلك الجماعة وتلك، ويجعل الأزهر بمكانته العلمية الرفيعة يتشابه في النهاية مع الجماعات التكفيرية.

بدأ المتابعون يكتشفون حقيقة القنوات الإخوانية، فما هي الآليات التي تستخدمها تلك القنوات في مخاطبة مشاهديها؟
هناك أزمة حقيقة لدى الإعلام المسيّس الذي يذكر نصف الحقيقة فقط، ويستغلها كقميص عثمان في معاركه السياسية التي تستفيد منها الدول التي تستضيف تلك القنوات الفضائية لابتزاز الدولة المصرية.
وأغلب تلك القنوات تتعمد إرسال رسائل خادعة لجمهورها، وهي منصات وأذرع إعلامية لتنظيمات كجماعة الإخوان المسلمين وهي تدافع عنها بشراسة.
ومن أشكال تلاعبهم المبالغة في نسبة المشاهدة وخلط الحقائق بالأكاذيب، وهناك معلومات أدلى بها بعض العاملين في تلك القنوات تفيد بأنها ترفع شعارات غير حقيقية ليس لها علاقة بالواقع وتمارس عكسها، وهذا يجسد الفشل المهني والإعلامي، وهذه المنصات تهدد الأمن الفكري والاجتماعي نظراً لما يبث بها من أكاذيب تهدد الاستقرار الاجتماعي، وتحضّ على العصيان لمصلحة قوى سياسية معروفة الأهداف مثل الإخوان المسلمين.

للمشاركة:



لماذا غيّر الصدر مواقفه؟.. "رويترز" تكشف الحقيقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

كشفت وكالة "رويترز" عن اجتماعات عقدت في مدينة قم الإيرانية، بعد مقتل قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، توصلت إثره الميليشيات العراقية إلى اتفاق مع رجل الدين، مقتدى الصدر، يتركز على إعطائه دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة، ودوراً قيادياً دينياً أكبر بين الميليشيات الموالية لإيران في العراق.

وأضافت الوكالة: "مقابل هذه الصلاحيات الواسعة، فإنّ الصدر سيلعب دوراً عبر الموالين له لإضعاف الثورة الشعبية العراقية، وإعادة توجيهها نحو مطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، وذلك بحسب مسؤولين عراقيين بارزين، وعناصر من الميليشيات نقلت عنهم "رويترز".

"رويترز": إيران وميليشياتها منحت الصدر دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة

الاتفاق الذي عقد في قم، رعته إيران و"حزب الله" وسعى إلى الحفاظ على قوة القبضة الإيرانية في العراق، من خلال رصّ صفوف الفصائل التي تدعمها إيران مع تلك التي يقودها الصدر.

وذكرت الوكالة أنّ الميليشيات شهدت حالة من الفوضى بعد الغارة التي أسفرت عن مقتل سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني (يناير) في بغداد.

وبحسب الوكالة؛ فقد كان الصدر مشوشاً أيضاً، لأنّه تزعم التظاهرات المناهضة للحكومة في الأعوام الاخيرة، لكنه لم يتمكن فعلياً من فرض نفسه على الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت في تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة والتدخل الإيراني في العراق.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع، أشارت "رويترز" إلى التحول في مواقف الصدر، الذي وصفته بالانتهازي؛ حيث بدأ بقلب مواقفه من جهة إلى أخرى؛ إذ حارب الولايات المتحدة في أوقات مختلفة، وندّد بالتدخل الإيراني، ودعم التظاهرات الرافضة للطبقة الحاكمة، وفي الوقت نفسه لعب دوراً كبيراً في اختيار الوزراء لحكومة محمد توفيق علاوي، التي من المقرر أن تأخذ ثقة مجلس النواب الخميس المقبل.

المطلوب من مقتدى الصدرإضعاف الثورة الشعبية العراقية عبر الموالين له وإعادة توجيهها

وكشفت "رويترز"؛ أنّه بعد مقتل سليماني، أمر مسؤولون إيرانيون وقادة حزب الله الميليشيات الموالية لإيران بترك الخلافات مع الصدر جانباً، بعد أن اختلفوا معه، العام الماضي، على المناصب الحكومية في صراع على السلطة.

وقال أحد مساعدي الصدر، الذي سافر إلى قم ورفض ذكر اسمه: إنّ "إيران ترى في الصدر الحلّ الوحيد لمنع انهيار قوتها تحت ضغط الاحتجاج وضعف الميليشيات التي تدعمها".

ونقلت الوكالة، عن مصدريين شبه عسكريين؛ أنّ الصدر طالب بوزارتين في حكومة علاوي، في المقابل قالت مصادر أخرى؛ إنّ "الميليشيات قبلت باعتبار أنّ الصدر قد يلعب دوراً مهماً في تعزيز موقفها الرافض للوجود الأمريكي في العراق".

ويقول مسؤولون حكوميون وبرلمانيون؛ إنّ الصدر سيكون له تأثير كبير على تشكيلة الحكومة التي اقترحها علاوي، والتي قال رئيس الوزراء إنّها ستتألف من مرشحين مستقلين.

وأشارت الوكالة إلى أنّ "حكومة علاوي، إذا نالت الثقة، فستعمل بشكل شبه كامل لصالح الصدر".

 

للمشاركة:

تركيا تصعّد في شمال سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 9 عناصر من قوات النظام، في شمال غرب سوريا، بقصف تركي، أربعة عناصر قُتلوا قرب بلدة النيرب، فيما قُتل خمسةٌ آخرون قرب مدينة سراقب.

وقال المرصد السوري: إنّ الفصائل سيطرت على النيرب بريف إدلب بدعم تركي مدفعي، لافتاً إلى أنّ "القوات التركية والفصائل الموالية لها بدأت هجوماً برياً جديداً شرق إدلب، تزامنا مع قصف صاروخي تركي مكثف"، مشيراً إلى سقوط 48 قتيلاً من قوات الأسد والفصائل.

المرصد السوري لحقوق الإنسان يؤكد مقتل 9 عناصر من قوات النظام في شمال غرب سوريا بقصف تركي

وقال المرصد السوري: "الفصائل المسلحة أطلقت عدة صواريخ أرض-أرض على مواقع في ريف اللاذقية ومحيط مطار حميميم"، لافتاً إلى دخول رتل عسكري تركي جديد إلى الأراضي السورية، عبر معبر كفرلوسين الحدودي، يضمّ أكثر من مئة دبابة وآلية نقل للجنود الأتراك، توجهت جميعها نحو النقاط التركية المنتشرة في ريف إدلب.

إلى ذلك؛ وصفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، الوضع الإنساني في إدلب بـ "المقزز"، مطالبة روسيا وإيران وتركيا بحماية المدنيين، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّه "لا يوجد حلّ عسكري للأزمة السورية."

وقالت أورتاغوس، في لقاء خاص مع "العربية": "نعم، إنه أمر مثير للاشمئزاز، ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والاتراك، ليس هناك ما يدعو للاشمئزاز في هذا الكوكب أكثر من هذا الذي يحدث الآن في إدلب، نحن نواصل العمل من خلال الأمم المتحدة، فقد كان السفير جيفري في تركيا. تركيا عادت للقتال من جديد، والروس كذلك مستمرون، ما يحدث وصمة عار ونقطة مظلمة".

أورتاغوس: ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والأتراك في شمال غرب سوريا أمر مثير للاشمئزاز

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أنّ القتال في شمالَ غربِ سوريا يقترب بشكل خطير من أماكنَ تُؤوي نحوَ مليون نازح، ما يشكل خطراً من حدوث حمامِ دمٍ حقيقي.

وأعلن نائب المنسق الأممي للشؤون الإقليمية في سوريا، مارك كاتس، أنّ الأمم المتحدة تحاول مضاعفة شحنات المساعدات عبر الحدود من تركيا من خمسين إلى مئةِ شاحنة يوميا، لافتاً إلى أنّ عمال الإغاثة يتحملون عبئاً ثقيلاً، وأنّ عدداً من المخازن تعرضت للنهب.

وتسبّب النزاع السوري، الذي يوشك على إتمام عامه التاسع، بمقتل أكثر من 380 ألف شخصاً، وتدمير البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد، عدا عن نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

صدمة جديدة في ألمانيا.. ما الدوافع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أُصيب 30 شخصاً، بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية بمهرجان في بلدة فولكمارسن، غرب ألمانيا.

وألقت الشرطة القبض على شخص ألماني، عمره 29 عاماً، بتهمة الشروع في القتل، بينما صرّح مسؤولون بأنّ "الدافع ما يزال غير واضح حتى الآن"، وفق ما اوردت "بي بي سي".

وقال المتحدث بأسم الشرطة: "هناك عشرات الجرح بعضهم مصاب بجروح خطيرة"، مؤكدة أنّ السائق، البالغ من العمر 29 عاماً، تعّد دهس التجمعين في المسيرة بسيارته،  لكن لا توجد دلائل على أنّه ارتكب جريمته بدافع سياسي"، مؤكداً "الشرطة لا تعتقد أنّ الهجوم كان إرهابياً بينما نعتقد أنّه كان متعمداً".

وذكرت مجلة "دير شبيغل"؛ أنّ السائق كان "في حالة سكر شديد" عند حصول الوقائع. وصرحت دوائر أمنية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، مساء أمس؛ بأنّ الشواهد الأولية تفيد بأنّ منفذ الجريمة لم يكن معروفا كمتطرف، وأنّه كان معروفاً للشرطة بجرائم توجيه إهانات والتعدي على حرمات المنازل وجرائم الإكراه.

بدوره، أكّد رئيس شرطة فرانكفورت، غيرهارد بيريسفيل، أنّه تمّ إلقاء القبض على شخص ثانٍ في إطار التحقيقات الجارية بشأن جريمة الدهس.

إصابة ٣٠ شخصاً بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية

وألغت السلطات في ولاية هيسه، حيث توجد بلدة فولكمارسن، جميع المسيرات الاستعراضية بالمهرجان، وذلك في "إجراء وقائي" في أعقاب الحادث.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام محلية أنّ سيارة مرسيدس فضية اللون اقتحمت حواجز بلاستيكية أقيمت لحماية المسيرة الاستعراضية، وصدمت مجموعة من الناس.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن شهود عيان قولهم إنّ سائق السيارة زاد من سرعته، وهو يتجه نحو الحشد، وبدا كأنه يستهدف الأطفال.

وأعلن مكتب المدعي العام في فرانكفورت، في بيان؛ أنّ المشتبه به تلقى علاجاً من إصابات لحقت به في الحادث، وأنه سيمثل لاحقاً أمام قاضي التحقيق.

وقال حاكم ولاية هيسه فولكر بوفير: "شعرت بصدمة إزاء هذا العمل الرهيب، الذي أدى إلى إصابة العديد من الأبرياء بجروح خطيرة".

من جهتها، شكرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الشرطة والطاقم الطبي لتعاملهم مع الحادث، وأعربت عن تعاطفها مع المصابين وأقاربهم.

ويأتي الحادث بعد أربعة أيام من هجوم مسلح قتل فيه 9 أشخاص في مدينة هاناو، غرب ألمانيا، ونفذه يميني متطرف يبلغ من العمر 43 عاماً، يملك رخصة أسلحة نارية، وهو عضو في نادي السلاح، وقد انتحر بعد ساعات من الحادثة.

 

للمشاركة:



ارتدادات قمة كوالالمبور تطيح مهاتير محمد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عزت مصادر دبلوماسية عربية استقالة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، إلى ارتدادات قمة كوالالمبور التي عمل من خلالها مهاتير على الزج ببلاده في صراع الأجندات الخارجية، وتحويل القمة إلى منصة لإعطاء دفع لممثلي الإسلام السياسي على حساب منظمة التعاون الإسلامي التي تضم دولا إسلامية كثيرة بقيادة السعودية ذات التأثير الديني والسياسي والاقتصادي المحوري في قيادة العالم الإسلامي.

وراهن مهاتير محمد على لعب دور ريادي من بوابة القمة وتحويل ماليزيا إلى قبلة سياسية ومالية بما يساعده على زيادة شعبيته، لكن الخلاف بشأن القمة، وخاصة اكتشاف الماليزيين أنها كانت جزءا من لعبة تركية وإيرانية لتطويق الدور السعودي، قد انتهى إلى أزمة سياسية داخلية زادت من حجم الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومته.

وقاد الموقف من السعودية، ومحاولة جذب أموال جماعات الإسلام السياسي إلى ماليزيا، ما يهدد بتحويلها إلى ملاذ لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى ردة فعل داخلية ضد مهاتير محمد، وأضعف التحالف الحاكم الذي كان يقوده، ما دفع إلى استقالة الحكومة.

واعتبرت المصادر الدبلوماسية في تصريح لـ”العرب” أن مهاتير محمد كان سيضع بلاده في طريق صعب بتحويلها إلى قبلة جديدة للجماعات المتشددة بعدما نجحت دول جنوب شرق آسيا في الحد من نفوذ هذه التنظيمات في معارك استمرت لسنوات، ما قد يضع البلاد في تصادم مع الدول التي تقود الحرب على الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه مثل الولايات المتحدة، فضلا عن السعودية التي تعمل على بناء تحالف إسلامي سياسي وأمني ضد جماعات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، من الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش.

وسلطت قمة كوالالمبور، المدعومة من دول مثل تركيا وإيران وقطر، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، الضوء على الصراع على عجلة قيادة العالم الإسلامي وعلى علاقات ماليزيا المتوترة مع دول الخليج الكبرى.

وأثار مهاتير محمد غضب دول ودوائر إسلامية مختلفة حين دعا إلى القمة، التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي، جماعات مثل حركة حماس في فلسطين، وهي حركة إخوانية، فضلا عن كتّاب وشخصيات حركية تابعة لفروع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة بان وكأن هدفها إعادة تبييض الجماعة في الوقت الذي يتم فيه تصنيفها تنظيما إرهابيا في السعودية والإمارات ومصر، وتوضع فيه أنشطتها المختلفة وتمويلاتها تحت مراقبة شديدة في الغرب.

وخلافا لما جرى، لم يكن رئيس الوزراء الماليزي هو من وضع قائمة المنظمات والجمعيات، التي حضرت القمة تحت عناوين مضللة بهدف إكسابها شرعية، ولكن الدور الرئيسي كان لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فتح أبواب بلاده أمام هذه الجماعات وأنشطتها السرية والعلنية.

وبسبب هذه الأجندة السرية لأنقرة توترت العلاقة بينها وبين الرباط بعد استدعاء جماعة محظورة في المغرب إلى القمة.

وكانت “العرب” قد نشرت في عدد سابق، استنادا إلى مصادر خاصة، أن المغرب عبّر لماليزيا عن انزعاجه، لكن الحكومة الماليزية أشارت إلى أن تركيا تقدمت بقائمة الأحزاب والشخصيات الإسلامية المشاركة، وأن القائمة شملت حركة “العدل والإحسان” المغربية المحظورة، وأن المغرب الرسمي نأى بنفسه عن أيّ نوع من التمثيل في القمة بسبب هذا التجاوز التركي، فضلا عن غموض أجندة القمة.

وشملت قائمة الدعوات أيضا حركة “التوحيد والإصلاح”، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية، تشكل الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية” متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب.

ونجحت تركيا في استخدام الإسلام السياسي العربي لخدمة أجنداتها، وسعت لتوسيع نفوذها إلى الإسلام السياسي في دول جنوب شرق آسيا حيث يجري الحديث عن إمكانيات كبرى خاصة مالية؛ كون هذه الدول تحولت إلى ملاذات دافئة لأموال التنظيم الدولي للإخوان التي تم تهريبها من دول أوروبا الغربية والأميركتين الشمالية واللاتينية، تحسبا لتجميدها بعدما أظهرت دول غربية كبرى حزما في مواجهة الاستثمارات المشبوهة والأموال السوداء.

ويقول متابعون للشأن الماليزي إن الخلافات داخل التحالف الحاكم ناجمة بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة، حيث رفض مهاتير محمد التنحي لفائدة أنور إبراهيم، لكنهم أشاروا إلى وجود خلافات بشأن ارتدادات قمة كوالالمبور، ووجود رفض واسع لخيار إدارة الظهر للسعودية ذات النفوذ القوي في جنوب شرق آسيا.

ونفوذ السعودية لا يتمثل فقط في وجودها على رأس منظمة التعاون الإسلامي، فهي تقيم أيضا علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع دول مثل أندونيسيا وباكستان التي لا يمكن أن تغامر بخسارة الاستثمارات السعودية الكبرى لإرضاء أجندات غامضة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية