علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها
4772
عدد القراءات

2019-06-02

أجرى الحوار: سامر مختار


قال الشاعر والروائي المصري علاء خالد إنّ هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى مبشرةً بتغيير جوهري، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثورة "يناير" 2011 جاءت في لحظة مفاجئة، "لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية،.. والتشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
وأكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض، " كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال".

وهنا نص الحوار:

تراكمات المجتمع

أكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات
في روايتك الجديدة "بيت الحرير" ركّزت على فكرة "الفقاعة" التي من الممكن أن يعيش الإنسان داخلها، هل كان الدافع بالنسبة لك أثناء الكتابة هو تلك الغربة التي كانت فاصلة بين الجيلين قبل العام 2011؟

فكرة الجيلين طبعاً، بما تحملها من رمزية، هناك لحظة استثنائية، قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى، ويكون هناك قبول لتلك العلاقات؛ لأنّ الجسر لم ينفتح من الشخص نفسه؛ بل انفتح من اللاوعي الجمعي، وخرج.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
ففكرة الجيلين التي اخترتها من الممكن أن يكون لها جزء رمزي، وفي نفس الوقت جزء درامي نوعاً ما. بمعنى أنّ هذا الخلاف مثلما هو مسموح فيه، مثلما يحمل أيضاً تناقضاً ما، وهذا التناقض كي يلتئم، أو لا يلتئم، يجب أن تحصل صراعات. هذه المساحة، وكأنك في البداية اخترت نقيضك كي ترى في النهاية، هل أنت قادر على التعامل مع هذا النقيض أم لا؛ فالاختيار نفسه كفكرة روائية سمح لمساحة كبيرة من التأويل أن تحدث.
حرصت في روايتك على جمع  النقيضين في الشخصيات، هل وجود مثل هذه النقائض هو اختبار  للمجتمع؟
هذا جزء منه طبعاً، وليس فقط اختباراً للمجتمع؛ بل اختبار إنساني أيضاً؛ اختبار أنّ كل شخص في هذه اللحظة ممثل لشيء أكبر منه. شخصية "دولت" ممثلة لشيء أكبر منها، وشخصية "محسن الحكيم" ممثلة لشيء أكبر منها أيضاً، هناك مساحة ما هي جزء من تناقضات المجتمع بالتلاقي وعدم التلاقي، وأعتقد تحديداً "عدم التلاقي"، ، وجزء من رمزياته غير القادرة على الالتئام.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
ومن الممكن أن تكون قصة حب لطيفة جداً، لكن لِمَ لمْ تتحول إلى قصة حب لطيفة؟ ولِمَ كانت الفكرة "المكبوتة" موجودة؟ ولِمَ تفجّرت داخلها الفكرة الفرويدية؟ هذه الرمزيات كانت تعمل على كشف هذا الاحتكاك، الذي يكشف بدوره مساحة أخرى موجودة في اللاوعي.
هذا يكشف عن مساحة نفسية داخل تلك اللحظة، أتصور أنّه في الأحوال العادية كانت العلاقات تتم وراء السواتر، في لحظة الثورة، كانت هناك منطقة مكشوفة إلى حد ما، قادرة على كشف اللاوعي الجمعي. هذان الاثنان ممثلان للاوعي الجمعي، لكن هذا لا يمنع أنّهما أفراد؛ أي ليسا رمزين كاملين، بل هذا الجزء يخصهما كآدميين.

شعرنا أنّ سياق العلاقات الاجتماعية والعاطفية داخل الرواية يستبطن نقداً لسياق ما في الثورة، أهو افتقاد احتواء اجتماعي للعلاقات بوعي أكبر؟
الثورة جاءت في لحظة مفاجئة، وفي الوقت ذاته كان التراكم موجوداً قبلها، لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية، أو مساحات لفكرة "الأنانية"؛ أي لم تكن هناك بنى ذاتية للذات، والتي هي أيضاً في القاع، بمعنى أنّ العلاقة المهمة جداً لدور الفرد، المفروض أن تحققه كفرد ضمن منتج جماعي؛ أي إنّ التشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض.
ثورية المرأة

غلاف كتاب "مسار الأزرق الحزين"
من خلال الرواية، كيف طرحت نظرة المرأة إلى التغيير؟

التغيير كان بالنسبة للمرأة خلاصاً فردياً، ومن الأسفل، من داخل المجتمع. بعكس الرجل الذي كان ينظر إلى التغيير بوصفه تغييراً سياسياً من فوق؛ لأن المرأة كانت محتكة أكثر.
حتى الشارع كان يثبت ذلك.. حتى فكرة تمثيل النساء في التغيير كانت واضحة؛ التغيير الجوهري حصل للنساء أكثر؛ أي التغيير الجوهري من ناحية التحول من فكرة لفكرة، النزول إلى الشارع والمشاركة، بالطبع كان حضور المرأة واضحاً.

اقرأ أيضاً: رمضان الشعراء في تونس: فرح صغير وليمون حلو
وفي نفس الوقت الذكورة أو فكرة الذكر، تتمثل بالمكان السلطوي، وهو يعاني من تناقض داخلي، مثل شخصية "مصعب" في الرواية، كان لديه تناقض داخلي؛ فأنت تريد أن تتجاوز تناقضك كي تبقى في مكان متساوٍ، وكي تبدأ فكرة الثورة؛ كان التناقض الداخلي مسألة حتمية.
المرأة أيضاً لديها تناقض داخلي، لكن عنفه لم يكن مؤثراً داخل التحولات التي تشكلها.
أي كان العنف لديها داخلياً؟
نعم، كما يظهر في شخصية "دولت"؛ كانت دائماً تواجه العنف ما بينها وبين نفسها، المرأة عندها حسّ من يعطي من نفسه أكثر؛ لأنها استسلمت لقناعاتها الداخلية، وبواعثها الداخلية لفكرة التغيير والتحول.

اقرأ أيضاً: الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته
بينما الرجل إلى حد ما لديه حسابات، حتى الحسابات الثورية المجنونة بداخلها نوع من الخيال المدرسي، لكن المرأة لم يكن لديها هذا الخيال المدرسي، فهي من الممكن أن تتزوج أو تقع في الحب، أو من الممكن أن تحدث علاقة ما، وكل هذا يمكن اعتباره تحولات. هناك كائن يقدم أشياء من وجوده، ووجوده هو الذي يحركه؛ أي هو أكثر عضوية، وعضوية "دولت" كانت موجودة أكثر في الثورة. لكن في جيل آخر، وليس كله، ما تمثله شخصية "مصعب"، على سبيل المثال، كان يعيش تناقضاً عنيفاً جداً، لم يقدر أن يتجاوز ذكورته، وكان لا بدّ أن يتجاوزها، قبل فكرة الثورة حتى؛ الثورة لن تضعه في المكان الجديد، وزمنها القصير أيضاً؛ ساعد بعدم حدوث تغيير كبير، كان من الممكن أن يتغير "مصعب" ويكون في مكان أفضل.
أو أن يتغير للأسوأ؟
ممكن، المقصود أنّ مساحة الاختبار هنا، ضيقة جداً، لا توجد تحولات، لا يوجد آخر يضعك في المكان النقيض لتتغير؛ الثورة وتحولاتها كانت تشعرك أنّها بلا "آخر"؛ أي إنّها تفاعل ذاتي، وأحياناً "الآخر" يظهر لك باعتباره جولة ضمن سياق التغيير، أو باعتباره "إخواناً مسلمين" ...إلخ.
كل ذلك لا يأتي بـ"الذات" كي تتغير، كل ذلك كان بمثابة تحولات سياسية، غير قادرة على أن تتحول لفكرة وجودية، متى يحدث تغيير؟ عندما تأخذ المسألة وقتاً أطول، وعندما يكون هناك صراع بين قوى.

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة
هنا الصراع كان يشعرك أنّه محسوم، بينما أنت في الشارع كنت تعمل أن تمدَّ أمداً لشيء وفي مكان آخر الموضوع يجري حسمه؛ فصراعك وهمي؛ لأنّ جزءاً منه ناقص، لكن على قدر استطاعتك أشعلت النار حولك كي يستوي عليها التغيير الذي يعنيك، وتشعر بلهيب هذا التحول، وهذا لم يستمر لفترة طويلة، ونتيجة لذلك، كان الأكثر تغييراً، هو الشخص الذي بداخله تماس وجودي أكثر، والمرأة أو الفتاة بهذا المعنى كانت أكثر تغييراً.

كل تجربة نمر بها هي طويلة الأجل؛ فالحب طويل الأجل، وتأثيره يظل كذلك

تشعر أنّ تحولات تلك اللحظة، كان فيها نوع من الفراغات، كأن تمشي على سطر، وتترك سطراً آخر؛ هناك أكثر من منطقة فارغة، وهذه اللحظة تحدث وسط سياق اجتماعي عالٍ، أقصد أنّها لم تكن منفصلة؛ أي تشعر أنّك لست موجوداً على جبهة، لا يوجد جبهات؛ فكرة الحشد كانت أقوى، وليست المواجهة.. ما أريد قوله هو أنّ استفزاز الذات تجاه آخر أنت ترغب في الانقضاض عليه، كان يتحقق في لحظات بسيطة جداً، ومقلّة، لكن بالشكل العام، كانت الفكرة الجماعية هي فكرة "الحشد"، وتجمّع الناس بجانب بعضها البعض كان من أبرز التفاصيل التي حدثت من فكرة الثورة.
الدفء أو الحميمية كانت أقوى من أي تناقض، من الممكن أن تقع فيه أي ذات، الثورة بالنسبة لهذه الذات أو مثل شخصية "دولت"، كانت مجموعة من العلاقات الدافئة، وليس أنّ هناك فكرة أخرى تجاه التغيير أو التحول العميق.
بين الشعر والسرد

غلاف رواية "بيت الحرير"
أحياناً دافع الكتابة يتغير من فترة لفترة، اسمك برز أولاً كشاعر قصيدة النثر، ما الذي جعلك تتحول إلى "سارد"؟

فكرة الشاعر بالنسبة لي، كانت مرتبطة بلحظة تحول عنيفة عشتها في فترة التسعينيات؛ كنت شخصاً يُقدم على تغيير حياته وقتها.. كنت أعمل، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية.
أقصد كان هناك تصور للحياة بشكلها الطبيعي والتقليدي والمتعارف عليه، وبلحظة ما تحصل تراكمات كثيرة، وتشعر أنّك في منطقة مزيفة جداً، فيبدأ وعيك الداخلي ينقلك إلى مكان جديد.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
لحظة التحول هذه، كان الشعر هو الذي سندها، ومثلما كنا نتكلم عن شخصية "دولت"، كنت أمر وقتها بتحول وجودي. في لحظة ما تشعر أنّ نظرتك للحياة ولمن حولك تتغير، وتبدأ بخلق مسافة بينك وبين كل التفاصيل والناس من حولك، لا ترغب بالعمل، تترك العمل، تتخلى عن أشياء كثيرة، فكنت أحاول أن أعتمد على الجزء الذي يعنيني من الداخل، وليس الجزء المتعلق بالشكل الاجتماعي؛ أي أن أستند على الوجود الشخصي، أو تصفيته، من غير وجود التباسات حوله، وأرى بعدها إن كان قادراً على العيش أم لا.

هل تقصد أنّ الشعر كان بالنسبة لك بمثابة تشكيل صورة ذاتية جديدة؟
إلى حد ما، أو تثبيت صورة أو البحث في هذه الصورة، في تلك اللحظة كنت أبحث، كنت أسترد فكرة الطفولة وفكرة العائلة، وفكرة العلاقات الاجتماعية، وكيف نشأ هذا الحيز من الوجود، وكيف تغرَّب؟
كنت تبحث على الأشياء الأصيلة داخلك؟
طبعاً؛ كيف تغرّب هذا الوجود، وكيف هناك أشياء بالمقابل غير قابلة للتغريب، مثل؛ فكرة الحب والعلاقات، وما الفرق بين السلطة الأبوية والأب بوصفه أخاً لك، الاثنان تداخلا مع بعضهما البعض، قراءة السلطة بتمثلاتها داخل حياتك، وفي نفس الوقت يجري استخلاص الأشياء التي من خارج الفكرة السلطوية.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
هذه اللحظة التي كانت بين هذه المتناقضات، كان الشعر هو الحامل لها، أولاً لأنها تحفر في وجود ذاتي، مثل الطفولة، وتسترجع الزمن وفي نفس الوقت يجري هذا الاسترجاع من خلال رفض المالك للزمن.
لذلك الشعر هو الذي كان واقفاً في تلك اللحظة، لكن مع الوقت، حتى القصيدة، في البدايات، كان لها حس سردي قليلاً، كان هناك مشهد طويل تقوم بحكيه، لم تكن الشعرية مجرد نقطة مجردة في التكوين الشخصي، أو نقطة ناتجة من تفاعل خيال مع حدث خارجي، إنما من واقعة كانت موجودة لحد ما.
الباب الخلفي

غلاف رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر"
القارئ لقصائد ديوانك "لوس انجلوس" يشعر أنّ هناك عملية توحيد ما بين الصورة الحاضرة في ماضي ذاكرتك، والصورة في اللحظة التي تعيشها؟

هناك قصيدة في هذا الديوان، لا أدري إن كانت موجودة في هذه الطبعة التي معك هنا، أحكي فيها عن وجود باب خلفي دائماً، أظن أنّ اسمها "الباب الخلفي". في حياتنا كطبقة متوسطة، كان في بيوتنا دائماً باب خلفي للهروب. بمعنى آخر، هو أنّ الحياة دائماً تحمل ثنائية داخلها، ثنائية قابلة للهرب، وقابلة للمواجهة. هذا هو تفسيري، كلمة "الباب الخلفي" بالنسبة لي، والتي وصفتها أنت بالصورة، والصورة الثانية، أشعر بها بوصفها مواجهة غير كاملة، مواجهة الحياة، بمعنى أنّ هناك لحظة ما، من ورائك، من الباب الخلفي تتسرب منها الطاقة.
هل يرمز "الباب الخلفي" إلى انسحاب ونوع من الاستسلام، وأنّ نرضى بهزيمة ولو مؤقتة؟
بالفعل، هناك دائماً مساحة معينة، وُجدت كي تعطي للشخص فرصة بأن يتغير، الاستسلام الذي تتكلم عنه أنت من جهة، ومن جهة أخرى "الباب الخلفي" هو شكل من أشكال الوجود. هذه الثنائيات سابقة لوجودنا في الحياة، مثلها مثل كل شيء وجد أو خلق، ونحن دخلنا عليها، البيت الذي كنا نسكنه، كان أشبه بـ"فيلا"، هناك باب بسلّم داخلي، كان هذا هو "الباب الخلفي"، كمساحة للهرب، للراحة، وللاستقلال، أقصد أنّ الأمر لا يقتصر على فكرة "التنازل".
بداياتك الأدبية كانت في مرحلة التسعينيات، كان الشعر هو الحاضر، كيف بدأت تلك المرحلة وكيف تطورت؟
بدايتي الشعرية، كانت في العام 1990 عندما صدر لي ديوان "جسد عالق بمشيئة حبر"، أتصور أنّ هذا الديوان له خصوصية إلى حد ما، وكان له حضور ضمن سياق فكرة الكتابة النثرية في ذلك الوقت، كان يعبّر عن الدوامات التي تجري حوله، من نقاشات عن فكرة الشعرية، والتفاصيل، والذي تنزع عن حسّ شمولي قليلاً، مثل التفصيلة اليومية التي تدخل أحياناً للنص، وأحياناً أخرى فكرة الوجود الفردي، أو الشارع الذي يتحول أحياناً إلى حدث داخل النص، وليس فقط الفكرة المتخيلة، التي ليس عليها رقابة لتزيّدها أو امتدادها، كأن تعمل على نوع من الخيالات أكثر من الاستناد إلى حقائق، ففجأة تتحول القصيدة لنوع من المزايدات اللغوية أو مزيدات فكرية أو صوفية.

هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل المجتمع نفسه

الكتابة في تلك اللحظة كانت بالنسبة لي، وكأنك ترجع للمكان اليومي في الحياة، وهذا ما كان، طبعاً هذه الفكرة الجذرية التي تحمل الكتابة من الداخل، لكن كان هناك نوع من الالتقاطات، كالتقاط السلطة في الحياة اليومية، سواء سلطة السلطة، أو سلطة الحب أو سلطة العلاقات.
لدي ديوان بعنوان "حياة مبيتة"، وأنا أعتقد أنّ هذا الديوان مهم؛ لأنّه جمع تلك التناقضات عند الشاعر؛ ما بين فكرة السلطة وفكرة الحب، وكأنّه قد وضع سلطة داخل عقله، وفي نفس الوقت هناك سلطة الحب، والتي هي موجودة من خلال علاقته بالمرأة، أو بالأم ..إلخ. بمعنى أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض. ما أريد قوله هو أنّ فكرة الحب وفكرة التمرد قريبتان جداً من بعضهما؛ فالتمرد له قانونه، المتمثل بالفردية غير القابلة باقتسامها مع أحد.
تقصد الحب ضد الفردانية؟
طبعاً، وفي نفس الوقت الحب يشعل فكرة التمرد؛ فالاثنان موجودان في مكان ضد بعضهما، لكن في لحظة ما يجب أن يكون بينهما علاقة. الأم مثلاً، في لحظة ما تشعر أنّها تمارس سلطة عليك، لكثرة حبك وتعلقك بها، وفي نفس الوقت خلاصك الحقيقي، هو أن تخلق مسافة معها؛ أي إنّ كل شيء بداخله نقيضه. تلك الأفكار التي كنت مشغولاً بها حتى العام 1995.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
كانت هذه الذات حائرة، داخل تلك التناقضات، وتحديداً تناقضات الأفكار أكثر، حتى ما هي تناقضات داخل المجتمع، كانت مساحة المجتمع بالنسبة لي هي الأم والصديقة، والأب الذي كان قد توفي مؤخراً آنذاك، والأصدقاء بما يشكلونه من محبة وسلطة. كل هذا كان، بوصفه مجتمعاً صغيراً بالنسبة لي.
في لحظة ما شعرت أنّ هذا المجتمع يجب عليه أن يكبر، بعد أن بات بالنسبة لي ضيّقاً جداً؛ أي ليس من الممكن أن تقاس هذه الأفكار داخل هذا الشكل من المجتمع، برغم دقته، وأهميته، وما يمثله من فكرة عميقة، لكن في النهاية كان هذا المجتمع بالنسبة لي رمزياً نوعاً ما.
وكان من الضروري أن يكبر هذا المجتمع، لأنّني شعرت، أنّ هناك تفاصيل أقع فيها، أو كأنني تعطلت، في تلك اللحظة، وبعد وفاة والدي، كتبت كتاباً بعنوان "خطوط الضعف"، وكان عبارة عن رحلة إلى مدينة وواحة سيوة في الصحراء الغربية.. هنا، كانت بداية التحول، وبدأت أرى كيف من الممكن رؤية الوجه الآخر للسلطة، سلطة الأب، سلطة الحب، أو الصديقة.. وبالفعل بدأ يخرج تاريخ الأشخاص الذين في داخلي، عبر الكتابة بشكل واضح.
هذا الكتاب كان سرداً وليس شعراً؟
نعم، سرد، لكن سرد كان بداخله حس شعري أيضاً، هو عبارة عن فقرات طويلة لكنك تشعر أثناء قراءتها أنّها "مُشعرَنَة"؛ لأنها خارجة من المكان الذي فتحته بتجربتي قبل ذلك؛ إذ إنّ أسلوبك في الكتابة يكتسب خصوصيتك، وتحولاتك، وفي حال كانت بداية تجربتك شعرية، فهذه الأخيرة ستظل مرادفة لك، لم تكن اللغة الشعرية في الكتابة السردية، تزوداً لغوياً، ولا تزوداً خيالياً؛ إذ إنها تحولت لخاصية روائية.

فخ شعرية الرواية

الفردانية ابتلاع أو إشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولّد لك الإحساس بالتميز قليلاً
لكنْ هناك كثير من الكتاب يقع في هذا الفخ، عند انتقالهم من كتابة الشعر إلى كتابة السرد؟

صحيح، فيكتبون رواية "شعرية"، في الكتابة السردية عندي لا يوجد ذلك، الكتابة روائية، لكن الحساسية الشعرية موجودة داخل اللغة.
وفي تلك الفترة؛ أي مرحلة كتابة "خطوط الضعف"، أحسست أنني بدأت أنقد نفسي في السنوات التي مضت، وكنت في لحظة مراجعة، ولا أظن أنّ الشعر كان سيستوعب تلك المراجعة؛ لأن استيعابها، كان يحتاج لنوع من الفضفضة. ابتدأ عبر هذا النموذج من الكتابة، بأن تنقد نفسك، ولم يكن هذا النموذج بهذا الوضوح من الخارج، ولا هو واضح من الداخل بمعناه الغامض هذا، في تلك الفترة بدأت أمتلك حياة خاصة بي، قادراً على التعامل معها، ولدي رصيد ما قادر على التفريط به.
وأنت في تلك المرحلة بدأت تتحرك؟
بالطبع؛ شعرت أنّه بات من الضروري أن أرتبط، أو أتزوج. كنت قد تعرفت على زوجتي سلوى رشاد العام 1990. وتزوجنا ما بين 95 و96. في الخمسة أعوام قبل الزواج، كنا صديقين، ومن العناصر الأساسية التي كانت قريبة أيضاً؛ هي فكرة الثبات في مكان أنت تريد أن تقيم فيه، وارتباطك بالشخص الذي يستوعب تناقضك.
في تلك الفترة التي كنت تكتب فيها الشعر، هل كنت تبحث عن لغة ترسخ من خلالها لتجربتك في الكتابة؟
كنت أقرأ بشكل جيد جداً، ومن جانب آخر كانت المساحات التي تفتحت في اللاوعي والتجربة، قد بدأت تكبر وتتسع. عندما تحدث تلك المواجهات داخل الذات، تشعر أنّك ما عدت تلاحق أو تستوعب الانهيار الذي يحدث.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
أتصور في لحظة ما، كان هناك نوع من الانهيار، بمعنى كيف يمكن أن تكون هناك لغة تستوعب هذا الانهيار، هناك شيء يجري هدمه، وشيء يجري بناؤه، اللغة تتشكل في لحظة انهيارها، أو لحظة انهيار الذات نفسها، فكتاب "خطوط الضعف"، كان أكثر كتاب أشعر أثناء كتابته، بسعادة شديدة، وبعدها مباشرة أشعر بخسوف نفسي، وكأنك تصل لمناطق معينة داخل ذاتك، تلمسها، وفي نفس الوقت تشعر أنّ الذات كأنّها ترغب في بناء مكان ما يخفي الجرح الذي فتحته، فكان هناك شيء يتكون، وكانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي تعرضت فيها نفسياً لتعب شديد. لكن ما أنقذني من هذه الحالة، كان السفر، سافرت إلى سيوة، وبعدها سافرت إلى مناطق في الصعيد، وكأني وزعت تعبي هذا على المسافات.
دلالات المكان

خالد: من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي
أسّست لمجلة فصلية بعنوان "أمكنة" مهتمة بفكرة المكان، ما هو المكان الذي يحرضك دائماً أن تنظر إليه نظرة جديدة؟ 

من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي، هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد، مدينة الأموات، كنت بين الحين والآخر أزور هذا المكان، إنّه مكان في غاية الغرابة، حتى الصحراء هناك مختلفة، كل التفاصيل هناك، تشعر أنّ رموزها قليلة، وغيبية نوعاً ما، تشعر أنّها محسوسة.
هذا الفضاء بمساحته الواسعة، وهو بالأساس مساحة "بعث"، تشعر- كما تحدثنا من قبل- وكأنه العالم الآخر، متمثل ومتلبس في الحياة، كالصحراء، البر الغربي، وكأماكن سافرت إليها باليونان، كالجزر الغريبة التي تقبع وسط المحيط، كمكان معزول، هذه الأمكنة تشكل نموذجاً للفضاء الممتلئ بالنسبة لي.
تشعر أنّها أماكن ماتت فيها الأيديولوجيا على سبيل المثال؟
ممكن.. لكن هذه عبارتك، أقصد أنّها بالفعل أعجبتني، ولذلك لا أرغب في أن أنسبها لنفسي.
ومن الممكن أن تكون شيئاً من هذا القبيل، لكن بمعنى آخر، أشعر أنّ السفر لم يكن سوى محاولة لمدّ خيط لفرديتك، وكأنك تذهب إلى مكان ما للقاء ناس ينتمون إلى عالم الداخل الفردي، وليس لمكان من أجل التعاون من أجل عمل شيء، بمعنى أن ترغب بملء وجودك الإنساني، أكثر من ملء وجودك العملي. واحتمال أنّ هذه العملية نقيضة لفكرة الأيديولوجيا، بمعنى العمل المنظم، أما هنا فالموضوع قائم على سياحة في الحياة، فيها القليل من الرفاهية، بوصفك سائحاً أبدياً في الحياة.
ومن الممكن المنحى أو السلوك الذي أمارسه في هذه العملية، منتفٍ من النفعية قليلاً، بينما هو محاولة لفتح مساحة داخلية، لعلاقتك بالآخرين ووجودك بجانبهم، أو نوع من حضور الآخرين أثناء غيابهم، وهذا ما يحدث أثناء الرحلة.
ألا تعتقد أنّ المكان الذي لا يوجد فيه صراع ما بينك وبين المجتمع، أو صراع أيديولوجي، تكون فيه الأعباء أخفّ نوعاً ما، وتكون هناك مساحة أكبر للشعور بالفردانية؟
هذا صحيح؛ وأحياناً أفكر أنّ هذا التصور ينتمي لجيلي، الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيّسة، والأجيال التي أتت بعدنا كانت أيضاً كذلك، أما نحن فلا، كأن تسمع عن أحد ما أنّه "اشتراكي ثوري"، على سبيل المثال، كنت أستغرب أنّ هذا المناخ موجود في الجامعات، والذين كانوا قبلنا كانوا مسيّسين بكونهم "يساريين" مثلاً.

الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيسة والأجيال التي أتت بعدنا كذلك أما نحن فافتقدنا ذلك

أما فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت تخلو من أحداث، كان هناك شيء من الخيبة نوعاً ما، ولم نكن مسيّسين، لم يكن هذا بمزاجنا.
في تلك الفترة كانت الدولة هي من تسيطر على الجامعة، وتفرض وجودها، ولا يوجد أي حدث يحصل؛ فالأيديولوجيا هنا لم تكن تصلنا من ناحيتين؛ من اهتمام الفرد بفردانيته، وقراءته للفكر الوجودي أكثر، وفي ناحية أخرى كان هناك عقم في اللحظة التي عشناها، وعدم الاهتمام هذا غير نابع من فكرة الفرادة، لكنّ جزءاً منه "خامل" نوعاً ما، وبمعنى آخر لا يوجد ميل لهذا النوع من التفاعلات في ذلك الوقت.

معضلات الفردانية

ثورة يناير لم تأتِ من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية أو مساحات لفكرة الأنانية
ألا تعتقد أنّ الفردانية بمجرد اصطدامها بأي فعل أو عمل بيروقراطي ستقع؟

طبعاً، لو اصطدمت بأي مؤسسة ستقع، حتى مؤسسة الزواج! أي مؤسسة لها أي قوة بالمجتمع، هي أقوى من هذه الفردانية التي كانت؛ لأنها بالفعل كانت قائمة على هشاشة غير طبيعية، ولا يوجد إنتاج لصراع حقيقي، الصراع كان غائباً، جميعنا ننتج صراعاتنا الشخصية حتى نقوّي أنفسنا.
هل من الممكن أن نقول إنّ هذه الفردانية كانت الهامش/ المتنفس للفرد؟
نعم، هي نوع من الابتلاع أو الإشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولد لك الإحساس بالتميز قليلاً. رغم أنّ هذا التميز إشكالي أيضاً، كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال؛ أي إنّ المساحات التي بينك وبين المجتمع، كلها مليئة بالألغام. أنت لا تدري أين تضع قدمك، هل تذهب لتجلس مع أمك وأبيك وتحاول أن تكون لطيفاً معهما؟ أو تلتحق بوظيفة ما؟ لا يوجد مكان يعطي لك تلك المساحة التي فيها شيء من تصورك عن نفسك.

تجربتك مع المرض وإقامتك بالمستشفى لفترة انعكست على  كتابك "المسار الأزرق الحزين"، هل تخلّيت عن مشاريع كنت بصددها بعد ذلك؟
لم يكن الأمر بهذه الحدّية، لكن وكأنّ هناك فكرة عدمية بدأت تتسلل إلى علاقتي بالحياة والكتابة أكثر؛ هناك حسّ عدمي دخل إلى حياتي، بمعنى أنّه خيط ربما، وشيء آخر كان على مستوى "الكيف" وليس "الكمّ"، مع رغبة أكثر في الكتابة. واحتمال أن يكون الحس العدمي دخل على مستوى الكيفي. قبل ذلك كنت أضع نفسي بمنطقة المقاتل المتفائل، مثل الفترة التي كتبت فيها رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر" (2009)، الذي يسرد الحياة وكأنّها ستمتد للأبد، وكأنّ الحياة لن تنتهي. أما بعد ذلك، تغيّر الوضع، كأنّ الحياة تقول لك: لا، هناك نهاية.
النهاية بدأت تتسرب في الأعمال التي جاءت بعد العملية، إلى جانب الرغبة في الكتابة.
هل الموضوع بالنسبة لك نفسي/ داخلي، أكثر مما هو شكلي أو خارجي؟
نعم؛ لأن موضوع الإحساس بالموت، والدخول في هذه التجربة، من قبل كان هناك تصور أنّ الإنسان بعد أن يتعرض لهذه التجربة ويخرج منها، وكأنّه سيعود للحياة كصفحة بيضاء أو إنسان جديد، لا يوجد إنسان جديد، هي تجربة مؤلمة، ستضاف إلى سلسلة من التجارب المؤلمة، لكن بشكل مختلف.
هي فكرة ثقافية، مثلها مثل فكرة العنقاء، التي تدور حول فكرة التحول، هناك أساطير كثيرة تتحدث عن التحول، نُقلت لنا عن طريق الديانات، كفكرة النبي الذي ينتقل من مكان إلى مكان آخر جديد، هذه صورة معينة جميعنا نختزلها، ويتم إسقاطها على تحولاتنا العنيفة، على أنّها ستغيرنا، لكن بالفعل كل تجربة نمر فيها هي طويلة الأجل؛ أي تحوّل يحدث هو كذلك، الحب طويل الأجل، وتأثيره يبقى طويلاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد علال: رصدت مسيرة الحاكم القوي العاجز عن قراءة استقالته

2020-01-23

أجرى الحوار: محمود أبو بكر


أصدر الكاتب والصحفي محمد علال كتاباً بعنوان "بوتفليقة والزنزانة رقم 5"، يحكي قصة الحراك الشعبي، والعهدة الرئاسية الأخيرة للرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة
افتُتح في الجزائر.

اقرأ أيضاً: لماذا فشل لوبي أردوغان في "توجيه" القرار السياسي الجزائري؟
الكتاب يسرد، كيف انتهت مسيرة ذلك الرجل عاجزاً عن قراءة رسالة استقالته، وكيف أصبح بعدها أثراً بعد عين؛ حيث انشغل الجزائريون في مهمة استرداد الوطن من بقايا نظامه، أو من أضحوا يلقّبون بـ "العصابة".
"حفريات" التقت، مؤلف الكتاب، الصحفي محمد علال، وأجرت معه الحوار التالي:

كتاب "بوتفليقة والزنزانة رقم 5"

الكتابة عن فترة نظام الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، يعدّ أمراً في غاية التعقيد في هذه المرحلة، فلماذا اخترت أن تكتب في هذه الفترة؟

الكتاب عبارة عن تلخيص لنهاية رجل حكم الجزائر عشرين عاماً، كان بالأمس يوصف بأنّه الرجل القوي، فصيح اللسان، الذي استطاع أن يزيح من طريقه أعتى جنرالات الجزائر، قبل ذلك شغل مناصب مهمّة، منها أصغر وزير في تاريخ الجزائر المستقلة، (كوزير للشباب)، ثم وزير للخارجية، في العهد الذهبي للدبلوماسية الجزائرية، ثم أصبح رئيساً للجمهورية، لعقدين كاملين، لكنّه في نهاية المطاف، خرج بخفي حنين، بعدما ثار شعبه ضدّه، الذي رفض أن يمنحه تأشيرة المرور إلى العهدة الخامسة.

محمد علال: الحراك، بسلميته المشهودة أذهل العالم، وفنّد كلّ الصور النمطية المضللة والمروجة عن نزوع الجزائريين للعنف

في هذا الكتاب؛ أحكي كيف سقط هذا الرجل في فخّ أطماع السلطة، وكيف راح ضحية أخيه السعيد، كيف تحوّلت أحلام العهدة الخامسة إلى لعنة، جرّت كلّ رموز نظامه إلى السجن، منهم شقيقه السعيد. الكتاب يسرد، كيف انتهت مسيرة ذلك الرجل عاجزاً عن قراءة رسالة استقالته، وكيف أصبح بعدها أثراً بعد عين؛ حيث انشغل الجزائريون في مهمة استرداد الوطن من بقايا نظامه، أو من أضحوا يلقّبون بـ "العصابة".
الكتاب أيضاً "شهادة توثيق" للحراك الشعبي في الجزائر.

هذا الحراك الشعبي ما يزال قائماً، ولم تتضح بعد ملامح نجاحه أو فشله، ألا تخشى أن يعدّ إصدارك بمثابة كتابة متعجلة لظاهرة ما تزال متفاعلة؟
أتفق معك، لو أنّ الكتاب عبارة عن تحليل ودراسة تاريخية، لكن ما قدّمته ليس كذلك، بل هو محاولة لسرد "حكاية الحراك" كما عشتها، فالرهان هنا ليس على عامل الزمن، بل على توثيق المشاهد والتفاصيل اللحظية للحراك، وبالتالي حتى لو كتبت المادة بعد مئة عام، سأكتبها على النحو ذاته؛ لأنّها محاولة لرواية ما عشناه في الشارع، بصرف النظر عن مآلات هذه الأحداث لاحقاً.  

اقرأ أيضاً: الجزائر: إرسال أردوغان للمرتزقة السوريين فاقم أزمة ليبيا
في هذا الإصدار؛ سيجد القارئ ستة أشهر من توثيق الأحداث والمشاهدات؛ حيث حاولت تدوين المشاهد الأكثر تأثيراً، من وجهة نظري، وأتصوّر أن يمثّل الكتاب "وثيقة لوقائع الحراك"، وإصدار لحفظ الذاكرة، دون تزييف أو تصنّع.
وفي النهاية؛ لم يكن من الممكن كتابته إلا بعد رحيل بوتفليقة، وهذا يكفي، في تقديري، لسرد المشاعر والحكايات.

 

أين يمكن تصنيف الإصدار؟ هل هو يوميات الحراك، أم قراءة لعهدة انتهت باستقالة الرئيس، أم هو محاولة لتحرير شهادة ما؟
أترك الإجابة للقرّاء، ليشكّلوا تصنيفاً يناسبهم، لكن -كما ذكرت سابقاً- بالنسبة إلي، هو عبارة عن "سردية اللحظة التاريخية التي عاشتها الجزائر"، بعيداً عن أيّة تصنيفات؛ فهو أشبه ما يكون بالظاهرة التي عاشتها الجزائر، لا هي "ثورة مكتملة"، ولا هي "ربيع عربي"، ولا هي "مجرد مسيرات"، هي "ظاهرة" متجاوزة للتصنيف، سميت "الحراك"، وظلت مستمرة بشكل غير منقطع، وبمنتهى السلمية! 

يلاحَظ أنّك اشتغلت صحفياً على المتابعة الميدانية لوقائع الحراك، لكن في الوقت ذاته، تعمّدت، كما يبدو، استحضار قصائد نزار قباني ومقولات أدباء ومفكّرين بين فصول الكتاب؛ هل كنت تحاول إضفاء صبغة أدبية على الإصدار؟
لم أرد أن يكون الكتاب عبارة عن سرد روتيني مملّ، أو كتابة أكاديمية تفترض شروطاً معرفيّة معينة، فبحكم أنّني مولع بالأدب والثقافة والسينما، فقد حاولت أن يبدو الكتاب كأنّه حكاية أو سيناريو فيلم.
في الواقع؛ تصوّرت نفسي كأنّني أحكي ما حدث بعد أعوام طويلة لأحفادي، أو أهديهم تذكرة للسفر إلى زمن جميل مليء بالآمال والتطلعات، والنضال المشترك لملايين الجزائريين.

هل يمكن توقّع إصدارات أدبية وسينمائية تجسّد قصة الحراك الشعبي؟
بلا شكّ، أتمنى حدوث ذلك، لأنّ قصصاً وحكايات رائعة رافقت الحراك، قصصاً إنسانية يمكن أن تتحول إلى مشاريع أفلام، وكتاب "بوتفليقة والزنزانة رقم 5" يتضمّن عدداً مقدَّراً من القصص، وهي الآن متاحة لأيّ سيناريست أو مخرج، كي يحوّلها إلى عمل سينمائي، وهذا حلمي.

اقرأ أيضاً: هل زرت وادي ميزاب في الجزائر من قبل؟.. شاهد أبرز معالمه
السينما تعشق القصص الإنسانية شديدة العمق، عفوية التعاطي، إنسانية النزوع، وهذا الحراك أبهر العالم بسلميته، ولم تقع خلاله أعمال تخريب، ولا ضحايا، كما حدث في العديد من الدول، لم يقع شهيد واحد، حتى نتيجة التدافع، في حراك يقوده الملايين من الناس! ألا يستدعي ذلك الذهول والتأمّل بالكتابة والعمل السينمائي؟

 هناك انتصارات تحققت، من قبيل؛ إسقاط بوتفليقة، وحبس رموز نظامه، وتحرير الصحافة نسبياً

لوحظ حضورك المكثف في القنوات الفضائية، للحديث عن الأحداث السياسية؛ هل حوّل الحراك محمد علال من ناقد سينمائي وصحفي ثقافي إلى محلل سياسي؟
صحيح أنّني أعمل في القسم الثقافي، وبشكل أساسي أكتب عن السينما، لكنّ الكتابة في الشأن السياسي ليست أمراً جديداً عليّ، فقد قمت بتغطية ثورات الربيع العربي وكتبت عشرات المقالات حولها، في مصر وتونس وليبيا وسوريا، وهي مقالات ميدانية، لهذا لم أشعر أنني غريب على المناخ السياسي يوماً، خاصة ما يتعلق منها بحركة الشعوب.

اقرأ أيضاً: رئيس الجزائر يشارك بمؤتمر برلين حول ليبيا في أول زيارة خارجية
ورهان الصحفي، في تصوري، يتمثل في مدى اطلاعه ومتابعته، ومدى التزامه بعاملَي الموضوعية والحياد في النقل.
وبالتالي؛ أقبل دعوة القنوات الفضائية التي تضع الثقة فيّ وفيما أنقله، وذلك في إطار ما أراه مساهمة في النقاش العام مع غيري، حول هذه الفترة التاريخية التي تمرّ بها بلادنا.
كمتابع لوقائع الحراك كيف تتوقع مآلاته؟
لقد حقّق الحراك الكثير، وأعظم شيء حقّقه؛ الثبات على خيار السلمية، وهو ما يعكس حالة الوعي المتّقد لدى الجزائريين، على عكس الصور النمطية الخادعة والمضللة، التي ظلت مرتبطة زوراً بالشباب الجزائري، ولم يكن من المصادفة أنّ النظام السابق كان من أكبر مروجيها؛ حيث سبق لرئيس الوزراء السابق، أحمد أويحيى، أن كرّر مراراً فرية "أنّ حدوث أيّة مظاهرات ستحوّل الجزائر إلى ساحة حرب وخراب"، باعتبار أنّ نسبة كبيرة من الشباب تميل للعنف، بحسب تصوّره!

تصوّرت أنّني أحكي ما حدث بعد أعوام طويلة لأحفادي، أو أهديهم تذكرة للسفر إلى زمن جميل مليء بالآمال والتطلعات

وهذا ما كذبه الحراك عملياً، بل أصبح أمثولة في السلمية عالمياً، ألا يستدعي هذا الكثير من الفخر، ويمنح الوفير من الأمل لتحقيق ما تبقى من المطالب.  
إنّ استمرار الحراك لكلّ هذه الفترة وحفاظه على ديناميكيته ومطالبه، يعدّ إنجازاً في حدّ ذاته، وجزءاً من البناء الديمقراطي المأمول، فالشعب كسر حاجز الخوف تماماً، وكسر معه كلّ القوانين المقيدة لحقّ التظاهر، وبالتالي لن يتراجع عن تحقيق كلّ مطالبه في بناء جمهورية ديمقراطية. 
على المستوى الآخر؛ هناك انتصارات تحققت، من قبيل؛ إسقاط بوتفليقة، وحبس رموز نظامه، وتحرير الصحافة نسبياً، وغيرها من الإنجازات، ولا أعتقد أنّ الشعب سيتراجع عن أيّ مطلب من المطالب.

للمشاركة:

سناء هاشم: لماذا فشلت السينما المصرية بكشف حقيقة الإسلاميين؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-01-15

أجرت الحوار: منى يسري


قالت أستاذ السيناريو بالمعهد العالي للسينما في القاهرة، الدكتورة سناء هاشم، إنّه بالرغم من التاريخ الطويل للسينما المصرية، إلّا أنّها منذ بداية السبعينيات قد أخفقت في دورها التنويري، واكتفت بمناقشة قضايا اجتماعية، و"تشويه صورة النظام الناصري، بعد أن منحها السادات الضوء الأخضر".

السينما في جوهرها خطاب للمجتمع وليس لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين تحت شعار السينما النظيفة

وأكدّت هاشم، في حوارها مع "حفريات"، أنّ السينما في مرحلة لاحقة منذ الثمانينيات والتسعينيات ناقشت قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع و"لكن بسذاجة وسطحية، وجعلت من أبناء التيارات الإسلامية ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويه صورتهم، وهو ما وصل لأذهان البسطاء من المصريين".
وذهبت إلى أنّ "السينما بدلاً من أن تصبح حائط صد ووقاية من الفكر المتطرف، ساهمت في زيادته"، مؤكدةً أنّ الإخوان المسلمين لم يحركوا ساكناً أمام الموجة التكفيرية في التسعينيات، بل "استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين".
ولفتت هاشم إلى أنّ ما تشهده الساحة السينمائية في مصر، منذ مطلع الألفية من انتشار أفلام الكوميديا "غير الهادفة" على حد وصفها، "ليس سوى نوع من أنواع الملهاة وغض للطرف عن الهزيمة التي تلاحق المصريين منذ نكسة 1967".
وهنا نص الحوار:

بداية تراجع السينما

تعد السبعينيات فترة حاسمة في تاريخ مصر والمنطقة، برأيك ما هو الدور التنويري الذي قدّمته سينما السبعينيات وما بعدها؟
الحقيقة أنّ السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية، ودعيني في البداية أفك الارتباط الحاصل بين السينما والسياسة؛ لأنّهما كما أرى وجهان لعملة واحدة، وكلاهما ينعكس على الآخر، وسأبدأ منذ الخمسينيات في الفترة التي بدأ فيها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر جعل صناعة السينما جزءاً من مهام الدولة، فتأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات، والتي أخذت على عاتقها الاهتمام بالصناعة، وترسيخ قضايا بعينها في نفوس الشعب، وامتزجت فيها السينما بالأدب، فصنعت العديد من الأفلام المأخوذة عن روايات مصرية مثل؛ روايات توفيق الحكيم وعبدالحميد جودة السحار وطه حسين ونجيب محفوظ ويوسف السباعي والكثير.

اقرأ أيضاً: السينما النسوية السعودية تضع المجتمع أمام عيوبه
آنذاك أخذت الأفلام تؤكد على القضايا الوطنية الراهنة، مثل؛ ترسيخ قيمة العمل لبناء الدولة الحديثة، كما رأينا في أفلام مثل؛ اللص والكلاب، مراتي مدير عام، وأصبحت تتطرق لقضايا الصراع الطبقي كما رأينا في فيلم الأيدي الناعمة، ورُدّ قلبي، إلّا أنّ الانهيار جاء سريعاً وتحديداً منذ منتصف العام 1971، حين أعلن السادات دعوته للانفتاح الاقتصادي، ثم تلاها بالقضاء على الهيئة العامة للسينما صاحبة الفضل في معظم تراثنا السينمائي.

توظيف سياسي للفن

تأسست الهيئة العامة للسينما المصرية في الستينيات
إذن، لماذا فعل السادات ذلك رغم ولعه المعروف بالسينما ولماذا لم يستخدمها لدعم قضيته كما فعل عبدالناصر؟

هذا لأنّ السادات لم يكن يحمل قضيّة متماسكة يمكنه البناء عليها، فمرحلة السبعينيات عالمياً حملت الكثير من التحولات بعد انتهاء ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأصبح الاستعمار عن طريق الانفتاح الاقتصادي، الذي قطع أوصال الدولة وارتباطها بمواطنيها، فكان على السادات أن يتخلى عن السينما، ويتركها مساحة مفتوحة لكل من يريد ارتيادها دون قيود، فبدأت مرحلة جديدة من السينما التي انقسمت إلى شقين: إمّا أنّها تطعن نظام عبدالناصر مثل؛ فيلم الكرنك، وعودة الابن الضال، أو مجرد هزل خالٍ من الطرح الفني.

اقرأ أيضاً: سينما "عامر" تنقل البهجة لأهالي غزة بعد توقف ربع قرن
لم يكن في تلك الحقبة شيء يذكر عن التحولات التي تجرى داخل المجتمع المصري من انتشار التيارات الإسلامية التي أطلق سراحها السادات في 1977 أعقاب انتفاضة الخبز، ليجد دروع أمنه تحميه من انتفاضة اليسار المصري، وبذلك كما يقولون "ضرب عصفورين بحجر واحد"، قضى على الشيوعيين، وروجّ لانفتاحه بقناع ديني، مرتدياً عباءة "الرئيس المؤمن"، كما أطلق على نفسه.

على ضوء ما أوضحت من فقدان القضية الاجتماعية، ماذا قدّمت سينما السبعينيات إذن لذاكرة المصريين؟

اتسمت سينما السبعينيات بالطابع السياسي، وكانت متفرغة لذم النظام السابق، فقد أطلق السادات العنان وقتها للناقمين على عبدالناصر وصلاح نصر، فرأينا فيلم الكرنك، زائر الفجر الذي سحب من دور العرض بعد بضعة أيام من عرضه نظراً لحساسية الفترة، حيث عرض في بداية كانون الثاني (يناير) 1973 قبل الحرب مع إسرائيل.

السينما المصرية في السبعينيات لم تتطرق إلى أي قضايا تنويرية وتفرغت لذمّ النظام السابق بتشجيع من السادات

كان المصريون ما زالوا مترنحين من وقع الهزيمة، ولم تُشفَ جراحهم من نكسة 1967، ولم نرَ أي تأثير لخطاب الإسلام السياسي إذ لم يكن ذا أهمية أو ثقل، فكان نطاقه محصوراً في جماعات صغيرة داخل القرى والمدن البعيدة عن المركز، حتى بدأت الحركة الطلابية الإسلامية في الإنتعاش داخل جامعة القاهرة، وأعلنت عن نفسها وأفكارها، ولم يكن هنا سوى إرهاصة واحدة بتغيرات المصريين ظهرت في فيلم "الحب قبل الخبز أحياناً"، العام 1977 للمخرج سعد عرفة، حين وجدنا الفتاة المتحررة التي تنخدع في حبها الأول، ثم تعود لرحاب شقيقتها المتدينة، التي تضع حجاباً على رأسها في نهاية الفيلم ليكون هذا الفيلم جرس الإنذار المقبل بالقادم الذي احتدم ظهوره في سينما التسعينيات.
السينما والإسلاميين
لماذا التسعينيات؟ ألم تشارك سينما الثمانينيات في رصد ما يحدث داخل المجتمع؟

بالطبع شاركت، ولكن إلى هنا لا تزال المشاركة محدودة، خاصة بعد ظهور موجة الواقعيين الجدد، في مقدمتهم عاطف الطيب ومحمد خان، الذين ركزوا على تفاصيل الإنسان المصري، واهتموا بمعاناته، فشاهدنا أعمالاً مثل البريء، وزوجة رجل مهم، وكذلك مساهمات محمد خان في الاهتمام بسينما المرأة وتصدير بطلات نساء.
كل هذا أضفى طابعاً مميزاً على سينما الثمانينيات، ولم يبدأ طرح قضايا الإرهاب الفكري الذي تعيشه مصر في السينما إلا في التسعينيات، وكان وحيد حامد وشريف عرفة ونادر جلال حاملي تلك الراية، من أفلام عزّزت من تواجد الإسلاميين، وجلبت تعاطف المجتمع لهم أكثر منها سينما تنويرية.

المخرج المصري محمد خان

ماذا كان السبب الرئيسي لتلك الموجة السينمائية في مرحلة التسعينيات التي تناقش قضايا الإرهاب التي تم التغافل عنها لعقود؟
إنّه نظام مبارك الذي فشل في إدارة العملية السياسية أكثر مما فشل السادات، فشاهدنا في بداية التسعينيات العنف الصريح ضد النخبة الثقافية بدأت باغتيال المفكر فرج فودة، ثم محاولة الاغتيال الفاشلة للأديب الكبير نجيب محفوظ، تبعها حادث الأقصر الذي كشف الستار عن العنف الممنهج الذي يمارسه الإسلامويين ضد المجتمع، ثُم باغتونا بحرق مقرات نوادي الفيديو في القاهرة والإسكندرية وقتل البعض من أصحاب تلك المحلات، فأعلنوا بذلك موقفهم الصريح من السينما والفن برمته.

اقرأ أيضاً: كيف حطمت سينما الواقعية الجديدة المحظورات في مصر؟
بالتوازي مع هذا فقد انسلخ تواجد الدولة بشكل كلي عن المجتمع، فتركته نهباً مباحاً أمام قوى الظلامية، ودعيني أقول إنّ السبب الرئيسي كان برنامج الإصلاح والتكيف الهيكلي الذي قدمّه صندوق النقد وبدأ تطبيقه في العام 1991، تبعه المزيد من الإفقار والتجهيل للمصريين؛ فالدولة أصبحت بحاجة لملهاة الناس للانصراف عنها، وعدم خروجهم للمطالبة بحقوقهم، ووفّر لها تيار الإسلام السياسي ذلك الدرع الواقي من غضب الناس، فاستطاع مبارك استخدامهم بحرفية أكبر من استخدام السادات لهم.

ألا  يمكن مراجعة موقف الإسلاميين من السينما مع أدبيات الإخوان المسلمين ورسائل حسن البنا التي لم تنكر السينما ولكن وضعت لها شروطاً؟
صحيح ما ذكرت، ولكن دعيني أوضح أنّ الفن لا يخضع لشروط، والإبداع لا يحتاج سوى للحرية كي يتدفق، ولكي نكون منصفين، فإنّ موقف الإخوان "المعلن" من السينما كان يبدو إصلاحياً بشكل كبير ولم يرفضها في المطلق، ولكن ماذا عن الجماعة الإسلامية التي ولدت من رحم الإخوان، أليست هي من حملت راية التكفير، وإباحة الدماء في تلك الفترة؟ إنها وبلا منازع من قتل المصريين والأجانب، وكفّر كل مَن لم يشبهها.

أفلام الثمانينيات والتسعينيات ناقشت بسذاجة وسطحية قضايا الفكر المتطرف الذي سيطر على المجتمع

لم يحرك أفراد جماعة الإخوان ساكناً أمام تلك الموجة التكفيرية، بل استخدموها للمقايضة، ليعلم النظام والنخب المجتمعية، أنّهم البديل الأمثل عن التكفيريين، لا سيمّا بعد استمالتهم للشرائح الأكثر فقراً وتهميشاً بإقامتهم لمشاريع خيرية، فأصبحت المجمعات الطبية، والتعليمية كلها تحت إشراف الإخوان ومريديهم، وأقيمت منافذ بيع سلع مخفضة لتخفيف العبء عن الأسر المتضررة، وخاصة في الريف والنجوع الصعيدية، الضحية الأولى لسياسات التهميش والدافع الأكبر لكلفة الصراع الطبقي في مصر. فلا يمكننا أن نلوم تلك الطبقات التي دانت بالولاء للجماعة، وهرعت إلى صناديق الاقتراع بعد ثورة يناير لانتخابهم في مجلس النواب، ظناً منهم أنّهم سيجنون ثمرة انتهاء فترة القمع والفقر الذي شهدوه.

انفصال عن الواقع
هل كان هذا إيذاناً بفشل سينما التسعينيات وما بعدها، بعد كل الموجة الهجومية التي قدّمتها السينما على مدار عقدين؟

بالطبع، هو كان نتيجة عكسية لمبتغى الفنانين، والسبب الرئيسي هو التسطيح والمبالغة والطرح المباشر بفجاجة في الأفلام، بدءاً من تقديم الإسلاميين بملابس بهلوانية لا وجود لها على أرض الواقع، إلى جانب طريقة حوارهم الفظة والتي تبدو من عصور أخرى، هذا لم يكن واقع الإسلاميين كما قدّمته السينما، ولكن كانت تصورات خيالية لصانعي تلك الأعمال، وهذا يعكس مدى انفصال المبدعين عن المجتمع، فلم يصبح الفن مرآة للمجتمع ولا شرائحه المتباينة، وإنّما مجرد أفكار سردية من خيال المبدع.
ويمكننا رؤية هذا من فيلم الإرهابي وطيور الظلام والإرهاب والكباب، كلها برأيي جعلت الناس مفتقدين للثقة في أي طرح سينمائي مقدّم، بل وصل إلى حد أنّ البسطاء اقتنعوا أنّ الدولة تحارب الدين والمتدينين، وتشوه صورتهم، ما جعل التعاطف معهم يتزايد، وبالطبع نجحت السينما في هذا الدور، حين اعتلى مقاعد البرلمان مع اقتتاحية الألفية مقاعد البرلمان المصري لأول مرة، ورأينا صور حملاتهم الانتخابية تحت شعارهم الشهير "الإٍسلام هو الحل"، في كل أركان البلاد، وشاهدنا احتفاء الناس بهم، كان على تلك النتائج أن تكون صيحة نذير للسينمائيين لتغيير خطتهم وما يقدمونه من محتوى.

السينما فن وصناعة لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره

لكن يرى بعض النقاد أنّ أفلام مطلع الألفية قدّمت صورة أكثر واقعية للإرهاب، ألا تتفقين مع هذا الرأي؟
قد تكون أقل سذاجة من نظيرتها في التسعينيات، وأحسنها كان ما قدّمه المخرج محمد ياسين في دم الغزال العام 2006، لأنّه تطرق لدوافع الإرهاب القادم من الأحياء المهمشة، والإفقار والرفض الإجتماعي، ولم يكن هناك ترهل في الحوار أو الطرح كما أفلام وحيد حامد ونادر جلال.

معظم الأفلام التي عالجت الإرهاب صورت الإسلاميين ضحايا للنظام السياسي الذي يحاول بشتى الطرق تشويههم

بخلاف ذلك لم نملك تجربة ناضجة لسينما تنويرية حقيقية، تكشف ألاعيب الإسلام السياسي، حتى الطرح الذي قدّمه يوسف شاهين في أفلام مثل المصير، والآخر، كان أشبه بطرح سيريالي، لم يفهمه الناس، ولم يصل إلى الشريحة المشتبكة مع الإسلام السياسي، التي بوصولها إلى حقبة الألفينات، هجرت دور السينما، بل لم تعد تبالي بأي شيء سوى قوت يومها، الذي قدّمته لهم الجماعة الإسلامية.
ومع تزايد عنف نظام مبارك، والمجاهرة بمشروع التوريث، كانت السينما قد أفلست، وقدمت تجربة جديدة في فيلم عمارة يعقوبيان عن التطرف الإسلامي، الذي جسده الفيلم كرد فعل على قمع النظام، ولكن مُنع من العرض بعدها مباشرة، بسبب تسليط الضوء على وحشية الداخلية في التعامل مع المتأسلمين، ولدينا أيضاً تجربة عاطف حتاتة في فيلم الأبواب المغلقة، الذي جمع كل الأسباب من الفقر والتهميش وفشل الدولة، والحروب الإقليمية التي دفع كلفتها الأكثر فقراً فعززت بذور التطرف في نفوس النشء وجعلتهم فريسة سهلة للقيادات الإسلامية.

طرح أصحاب التوجه الإسلامي، خاصة بعد ثورة يناير، تقديم سينما نظيفة، مستشهدين بما تفعله السينما الإيرانية، هل هذا ممكن التحقق في مصر؟
لا مجال للمقارنة بين السينما المصرية والإيرانية، فالإيرانيون تحت سطوة قيود معقدة، يحاولون الفكاك منها، فينشغلون بتقنيات أخرى غير ما يصنع في مصر، ومصطلح "السينما النظيفة" مضلل للغاية، ولا شيء يسمى هكذا، السينما فن وصناعة، لا يمكن أن تخضع لأطروحات البنا أو غيره، وأي محاولة للعمل بهذا الشيء، فالناتج سيكون مسخاً وليس فناً؛ لأنّ السينما في جوهرها خطاب للمجتمع، وليس خطاباً لمجتمع متخيل في أذهان المحافظين.

للمشاركة:

الزغول: إيران عاجزة عن إنتاج أنموذج وشعبها تعب من الإسلام السياسي

2020-01-14

أجرى الحوار: عاصف الخالدي
قال الباحث الأردني محمد الزغول إنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين، وأنّ مَكْمَن قوتها يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة، وأشار في حواره مع "حفريات" إلى ضرورة إعادة تعريف الدور القطري تجاه العالم العربي بعد المتغيرات الأخيرة منذ "الربيع العربي" وظهور محور اعتدال عربي يحاول استعادة منظومة الدولة العربية.
وأكد رئيس وحدة الدراسات الإيرانية في مركز الإمارات للسياسات، أنّ معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، "مع ذلك ثمة أطراف وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني".

لم تنجح محاولات فرض الاعتدال والديمقراطية داخل إيران لأن أزمة النظام بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم

يذكر أن الزغول مهتم بالشؤون الإيرانية والإقليمية، وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب المقارن من جامعة طهران عام 2004، يكتب باللغتين العربية والفارسية. وله عدد من المصنفات والترجمات العربية والفارسية، وعدد كبير من المقالات والدراسات والأبحاث في الأدب السياسية والشؤون الثقافية في إيران والعالم العربي، وعمل خبيراً في الشؤون الإيرانية مع عدة مؤسسات عربية ودولية.
وهنا نص الحوار:

في ظل الأزمة الخليجية الحالية، كيف ترى الجهود العربية اليوم  خاصة الخليجية لمواجهة الخطر الإيراني؟
تشهد منطقة الخليج العربي اليوم أزمتين كُبرَيَيْن، من المُرجَّح أنْ ترسم نتائجُهما ملامحَ مستقبل المنطقة جيوسياسياً؛ التصعيد الأمريكي-الإيراني، والأزمة القطرية. وتتفاعل هاتان الأزمتان بطبيعة الحال مع باقي أزمات الشرق الأوسط وصراعاته التي يُغذي كل منها الآخر، أو يؤثر فيه.
ويتمثّل التحدي الأبرز في الأزمة القطرية بمسألة "إعادة تعريف الدور القطري" وفق المتغيرات الخليجية، والإقليمية، والدولية الجديدة، وهي مسألة معقّدة، تتطلب إحداث تغييرات جذرية في ديناميّات صناعة القرار القطري، وإعادة هيكلة المؤسسات القطرية التي تشكَّلت في أعقاب احتلال الكويت 1990، وساهمت في دخول الدوحة لاحقاً تحت مظلة الحماية الأمريكية المباشرة، واضطلاعها بدورها الحالي.

صفقة القرن مزعومة ولا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب

أما أزمة النظام الإيراني، فهي داخلية أكثر من كونها إحدى إفرازات النظامَيْن الإقليمي والدولي، أو الاختلالات الكبرى في خريطة توازنات القوة العالمية؛ فقد ثبت بعد أربعة عقود تقريباً على "الثورة الإسلامية في إيران" أنها غير قادرة على تقديم أنموذج سياسي أو اقتصادي قابل للاستمرار، لا في محيطها الإقليمي المباشر، ولا في الفضاء العالمي الأوسع.
إن الرّغبة الإيرانية في التوّسع والنفوذ على مستوى الإقليم، ليست ناتجة عن فائض قوة اقتصادية وعسكرية لم يعد الداخل الإيراني يتّسع لها، بل عن إدراك صُنّاع القرار في طهران لوجود هشاشة في المحيط الإقليمي، وخاصة العربي، تسمح لهم بالتوسع، وتحقيق مكاسبهم ، أو تتطلّب منهم التدخُّل لحماية مصالحهم من تدخلات قوى أخرى.
وكل ذلك على الرغم من تفاقُم نقاط الضعف الذاتية في الداخل الإيراني. وبعبارة أخرى فإنّ نجاحات إيران في المنطقة، ليست ناتجة بالأساس عن عوامل القوة الذاتية، بل هي حاصل استثمارها في أخطاء الآخرين. وبالتالي فمَكْمَن القوة الإيرانية يتمثل في انتهازيّتها لا في جاهزيتها للهيمنة.
لكنّ الإقليم يشهد منذ ثلاث سنوات تغيُّرات في هذه المعطيات، فهناك محور اعتدال عربي (سعودي-إماراتي-أردني-مصري-بحريني-كويتي) تشكّل، وهو يعمل على استعادة "الدولة" العربية، وترميم "المنظومة" العربية.

رغم أزماته إلا أن النظام الإيراني سيصمد لوجود إرادة هائلة للقمع وتطوير قدرته على ممارسته

واليوم، يستشعر النظام الإيراني كذلك خطراً وجودياً بعدما قامت الولايات المتحدة بإعادة تعريف علاقتها معه وفقاً لمعادلة صراع واضحة، ولعلها المرة الأولى التي تعلن فيها الولايات المتحدة الأمريكية عن استراتيجية واضحة المعالم تجاه المسألة الإيرانية منذ العام 1979.

وبالنظر إلى المعادلات الإقليمية الناشئة عن تفاعُل الأزمتين؛ القطرية والإيرانية، في سياق المشهد الإقليمي والدولي، فإنّه من المرجح أن تتواصل الضغوط الأمريكية على مختلف أطراف الأزمة للوصول إلى حلول وسط، دون أن تصل هذه الضغوط إلى حدّ التأثير على استمرار العلاقات الأمريكية بهذه الأطراف.
لكنّ حقيقة أن الأزمة هي في قطر، وليست مع قطر، تفرض نسقاً معيناً من المسارات المستقبلية التي تتطلب درجة عالية من المرونة، ولذلك تعتمد خيارات طرف الأزمة الرئيس (قطر) على مدى الواقعية والعقلانية التي تتمتع بها القيادة السياسية، في الوقت الذي تعتمد فيه "واقعيةُ استجابات هذه القيادة" على حجم المحفزات والتسهيلات التي يقدمها باقي الأطراف (الدول المقاطعة)، بموازاة الضغوط السياسية والاقتصادية.

تؤثر الأزمة الخليجية ودور قطر فيها على التوافق العربي

إيران واستثمار الأزمة الخليجية

هل لمست أي محاولاتٍ إيرانية واضحة لاستغلال الأزمة الخليجية أو دعم طرفٍ من أطرافها؟
جاء استثمار إيران في الأزمة القطرية انطلاقاً من كون الأزمة وفرت فرصة مجانية لتحقيق أهداف إيرانية غير مرتبطة مباشرة بجوهر الأزمة، لكنها متعلقة بصراع الهيمنة الإقليمي. فقد وجدت طهران فرصة لإضعاف المنظومة الخليجية المتمثلة في "مجلس التعاون لدول الخليج العربية"، ولذلك تركزت جهودها على إطالة أمد الصراع.
وبطبيعة الحال،حاولت إرباك المملكة العربية السعودية، وإشغالها بأزمات مُتعددة تُضعِف قدرتها على عرقلة الجهود الإيرانية للهيمنة الإقليمية، واتسعت خريطة الأهداف الإيرانية لتشمل أيضاً الحصول على التمويل القطري، خاصة في ظل النقص الحادّ في التمويل الذي تعاني منه إيران، والسعي لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية متعلقة بزيادة التبادل التجاري، والخدمات اللوجستية بين قطر وإيران، هذا علاوة على الرغبة في تحقيق مكاسب سياسية في الملف السوري، أبرزها التقارب مع تركيا، وإضعاف الدور السعودي في الملف السوري.

يخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية

ففي بداية الأزمة، حاولت طهران استكشاف فرص تحقيق مكاسب استراتيجية مثل الحصول على موطئ قدم داخل المنظومة الخليجية، لكنّ هذه المحاولة أخفقت، فقد فرضت الولايات المتحدة قيوداً صارمة على وتيرة التقارب الإيراني-القطري، وأُلزمت قطر بإبقاء العلاقات مع إيران في حدود احتياجات قطر اللوجستية للجانب الإيراني.
وبالنظر إلى خريطة الأهداف السابقة، يتضح أنّ طهران لم تحقق مكاسب سياسية أو اقتصادية مهمة نتيجة الوقوف إلى جانب قطر في الأزمة؛ إذْ فرضت الولايات المتحدة حدوداً ضيقة على التقارب القطري-الإيراني، ومنعت خروج قطر من "مجلس التعاون"، فاستأثرت تركيا بالحضور العسكري، واستأثرت عُمان بمعظم المكاسب الاقتصادية الناتجة عن تغيُّر حركة الملاحة والنقل بعد قرار المقاطعة.

اقرأ أيضاً: أنس القصاص: الأزمة السورية مغلقة حتى إشعار آخر

وما قيل ويقال عن ارتفاع التبادل التجاري الإيراني مع قطر بنسبة 60 بالمئة هو مجرّد تضخيم للواقع، ويتحوّل إلى أرقام صغيرة عند النظر إلى ميزان التبادل التجاري المتواضع جداً بين الطرفين قبل الأزمة. أما الموانئ الإيرانية التي خُصصت لنقل البضائع إلى قطر فهي هزيلة، وتعاني من ضعف القدرة الاستيعابية حتى قبل الأزمة، و"ميناء تشابهار" لا يزال تحت الإنشاء، وغير جاهز للاستخدام. وقد أظهر السوق القطري اهتماماً أكبر بالمنتجات التركية، وخاصة المحمولة جواً؛ ما جعل إيران مجرّد طريق عبور محدود الأهمية.
كيف تنجح إيران بتكريس سردية "محور المقاومة" في المنطقة على الرغم من تدخلها العنيف والصريح في مختلف الصراعات الإقليمية؟
دشَّنت ثورة 1979 حقبة من الصراعات الطائفية الحادة والاضطرابات في المنطقة. وفي حين ظهرَ أن معظم الشعب الإيراني تعب من الإسلام السياسي على النمط الخميني الذي لم يتمكن من تجسيد قدرات وطموحات الإيرانيين، مع ذلك، نلحظ اليوم أن هناك أطرافاً وفئات عربيّة لا تزال -للأسف- تراهن على المشروع الإيراني.
وأزعم أنّ الرهان على ما يسمى "النهضة الخمينية" في المنطقة العربية ينطلق من عُقدتين متجذّرتين في بعض الأوساط العربية؛ الأولى متعلقة بالكرامة، والأخرى متعلقة بالبقاء.

اقرأ أيضاً: إميل أمين: أمريكا لن تتوقف عن اللعب بورقة التطرف
إن شيوع شعور بالامتهان والإذلال نتيجة حقبة الاستعمار والإخفاقات العربية الكبرى طوال القرن الماضي جعل أعداداً كبيرة من الناس مستعدين لمناصرة كل من يحمل شعار استرداد الكرامة المفقودة. ولعل في ذلك تفسيراً لانجراف نسبٍ مرتفعة من المجتمعات العربية لتأييد أنظمة مستبدّة وتنظيمات متطرفة، وذلك قبل اتّضاح المآلات المفجعة لمثل هذا التأييد، التي عمّقت الخسارات العربية. وهناك أيضاً "عقدة أقلويّة" تطورت عند بعض الأفراد والجماعات من أتباع الأقليات الدينية والعرقية وبعض القوى السياسية في المنطقة، نتيجة إخفاقات بناء الدولة الوطنية، وبروز مخاطر الإسلام السياسي، وتنامي انتشار التنظيمات المتطرفة والإرهابية.

تحاول إيران استثمار عدم الاستقرار في بلدان "الربيع العربي"

إيران وحلفاؤها الواهمون

لكن، لماذا لا يمنع هذا قوى سياسية عربية (يسارية مثلاً) ترى في أذرع إيران كحزب الله، حليفاً ضمن ما يسمى محور المقاومة، كيف يمكن تفكيك هذه الرواية؟
لقد صعّدت إيران من الخطاب الطائفي في المنطقة بعد أحداث "الربيع العربي" بهدف الاستثمار في هاتين العقدتين في الشارع العربي، وقدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة. وعلى سبيل المثال، لم يجد النفوذ الإيراني قبولاً في المناطق ذات الأغلبية السّنية نتيجة لصبغته الطائفية، سواء في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، على الرغم من إصرار طهران على التدخل المباشر في هذه المناطق، واستخدامها أوراقاً قبليّة وعرقيّة متفاوتة فيها.

اقرأ أيضاً: خزعل الماجدي: المطلوب وقف الإسلام السياسي الذي يتلاعب بحياتنا ومستقبلنا
من جانب آخر، استفاد النظام الإيراني من انغلاقه، وصدّر أزماته بصورة معقدةٍ تجاه مراكز التفكير في العالم، وتجاه الدول التي تتقاطع بمصالحها وأمنها مع إيران؛ وعليه تمكّن النظام من ترويج قراءاته بالنسبة للمشهد السياسي الداخلي، وكذلك لأزمات منطقة الشرق الأوسط خاصة بعد العام ٢٠٠١. ويمكن الاستشهاد بمثالين: قراءة اللوبي الإيراني في الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية عن الإرهاب، وكذلك قراءته حول خيارات التعاطي مع الملف النووي؛ ما أفضى إلى توقيع الاتفاقية النووية بين إيران و مجموعة "5 + 1".

قدمت طهران نفسها كـ"مركزية شيعية" متحالفة وحامية للأقليات في المنطقة

ولعلّ حقيقة أن إيران دولة بلا أصدقاء في المنطقة والعالم، تُثبت بشكل قاطع أنها ليست مستعدة، أو أنّها ترفض، اتّباع نهجٍ مقبول دولياً في علاقاتها الخارجية. ولا يمكن النظر إلى علاقات إيران بوكلائها في المنطقة على أنّها علاقات صداقة، لأنّها ببساطة قائمة على الاستتباع. ويُخطئ من يُفسّر تنسيق إيران مؤخراً مع تركيا وروسيا في المنطقة كإعادة نظر في سياستها الخارجية؛ إذْ هو ليس إلّا مجرّد تحالف ضرورات لا يلبث أن يضمحلّ بنفس السّرعة التي تشكّل بها.

هل تعاني إيران انقساماتٍ داخلية حادة بعد التحركات الأمريكية الأخيرة ضدها بخصوص الاتفاق النووي؟

تشير الاحتجاجات الأخيرة، وتلك التي سبقتْها في الأعوام 1991 و1995 و1999 و2009، إلى تآكلِ شرعية النظام الإيراني، وتفاقمِ الأزمات الهيكلية الداخلية، السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تدللُ على إخفاق "النموذج الإيراني".
وتعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: أزمة الهوية، وأزمة بناء الأمة-الدولة، وأزمة نموذج بناء القوة. ولا يمكن التوصل إلى فهم دقيق لإيران دون تفكيك هذه الأزمات البنيوية التي تحكم نظرة النظام إلى نفسه وإلى العالم.
ولعلّ أحد مظاهر الأزمة الهيكلية في إيران، حالةُ التصارع بين مراكز القوة المتعددة في النظام، والتضارب في المصالح بين أركانه؛ ومن ذلك التنافس بين مؤسسات الثورة، ومؤسسات الدولة؛ فمؤسسة رئاسة الجمهورية، ممثلةً بحكومة حسن روحاني، تعبّر عن توجهات تكنوقراطية حداثية، وتسعى إلى إعادة انخراط إيران في العالم، وهو ما يتناقض مع توجهات "الحرس الثوري".

تعاني إيران من ثلاث أزمات مركبة ومتداخلة: الهوية وأزمة بناء الأمة-الدولة وأزمة نموذج بناء القوة

وتنعكس أزمة النظام الداخلية، وحالة الصراع بين تياري الدولة والثورة، على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد؛ ففي السنوات الأخيرة تراجع دور وزارة الخارجية في صنع هذه السياسة، ودخل "الحرس الثوري" كطرف فاعل فيها، وهيمن على ملفات إقليمية (كالعراق وسوريا ولبنان واليمن)، ومن تداعيات هذه الازدواجية في مراكز اتخاذ القرار بين مؤسسات الثورة والدولة غياب ثقة الدول بالحوارات والتفاهمات والاتفاقيات مع الحكومة الإيرانية.
لقد مثّلت الاحتجاجات الأخيرة تجلياً لمركب الأزمات في إيران، وبيّنت خطأ كل الرهانات على أنّ حل أزمة الملف النووي ستتبعه بالضرورة حلول لأزمات إيران الداخلية، وأنّها ستساهم بإعادة رسم المشهد الداخلي نحو الاعتدال والانخراط البناء مع النظام الدولي، وبرأيي أن كل تلك الافتراضات كانت مُسيّسة وموجهة، وبعيدة عن واقع المشهد داخل إيران؛ لأنّ أزمة النظام الإيراني أزمة بنيوية تكمن في منظوره لنفسه وللعالم.

عنف إيران ليس إلا تضخماً لأزمة داخلية

كيف تنعكس أزمات النظام الإيراني الداخلية على سياسته الخارجية؟ وهل يتأثر الداخل الإيراني بالصراعات الطائفية التي يخوضها النظام إقليمياً؟

هناك علاقة تبادليّة بين سلوك إيران الخارجي وأزمتها الداخلية، فكما يجب النظر إلى سلوك إيران الخارجي على أنه انعكاس لـ"أزمة الهوية والنموذج"، ليس من شك في أن صراعات الإقليمية، وبخاصة الصراعات ذات الصبغة الطائفية منها، كان لها انعكاساتها الداخلية سياسياً واقتصادياً واجتماعياً بما يعمق هذه الأزمة؛ وصحيحٌ أن اقتصاد إيران لم يدخل مرحلةً حرجةً بعدُ بسبب مواردها الغنية، لكنّ كُلفة الصراعات الإقليمية تمنع رخاءها الاقتصادي، وتُضعِف قُدرتَها على إرضاء الغاضبين والمهمّشين في الداخل، وهم كثيرون.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة
وبالنتيجة يمكن القول إنّ سياسات إيران الخارجية لا تخدم بالضرورة الاستقرار الداخلي الذي تقول قيادتها السياسية إنّه يتعرّض للتهديد، وإنّها تريد أن تدافع عنه، ولا شكّ أنّ الاستقرار شرط أساسي لتحقُّق الازدهار الاقتصادي سواء في إيران أو غيرها.
في المقابل، على الرغم من كل الأزمات التي يمرّ بها النظام الإيراني والاحتجاجات المتتالية التي شهدها، إلّا أنّه يملك قدرة على البقاء والتحايل على تلك الأزمات، لأسباب موضوعية عدة، أهمها وجود إرادة هائلة لدى النظام للقمع، وتطوير قدرته على ممارسة هذا القمع، وعدم وجود انشقاقات جذرية داخل طبقة الحكم، فضلاً عن غياب الدعم الخارجي لأيّ تغيير داخلي.
ويزدادُ التحالف الحاكم المكوّن من مؤسسة "بيت القائد"، ومؤسسة "الحرس الثوري" سطوةً، مع سيطرته على كل مفاصل البلاد العسكرية والاقتصادية والمالية والإعلامية، فضلاً عن حالة التمدُّد الإقليمي للنظام، ومع ذلك فهذا لا يعني أن إيران أضحت أكثر قوة أو منعة.. لقد أثبت التاريخ أنّ هذا النوع من الأنظمة لديه قابلية للانهيار بشكل دراماتيكي ومفاجئ جداً في أحيان كثيرة.

لو ابتعدنا عن إيران قليلاً، لا تنفك وسائل إعلام مختلفة وسياسيون من بعض الدول يلوحون بـِ"صفقة القرن" ويربطون دولاً عربية بها، ما رأيك؟
لا شكّ بأن هناك إرادة أمريكية صلبة، وموافقة ضمنية من القوى الدولية الكبرى، على حفظ التفوُّق (الإسرائيلي) في الإقليم، وأيُّ طرف إقليمي يسعى إلى تغيير هذا الوضع، سيحتاجُ إلى كسر هذا الإجماع أولاً، وهو ما لم يتحقق لغاية الآن. ولا توجد مؤشرات على إمكانية تحقُّقه في المدى القريب. هناك من يذهب إلى الاعتقاد أنّ المنظومة العربية التي عرفناها بعد الحرب العالمية الثانية في طور التلاشي والزوال، وأنّ هناك "شرق أوسط جديداً" بدأ يتشكل وفق مفاهيم جديدة؛ ولذلك فإنّ أيّ حلول في ظل هذا الاختلال الكبير في موازين القوة لن تكون "عادلة بما يكفي" لاستدامتها، كما أنّ الأطراف التي يُعتقد أنّها معنية بتوقيع هذه الصفقة المزعومة تفتقر إلى الكفاءة أو الجاهزية للوصول إلى مثل هذه الصفقة.

تنعكس أزمة النظام الإيراني الداخلية على السياسة الخارجية التي تتسم بالتناقض والتعقيد

أزعم أنّه لا يمكن التوصل إلى حل شامل للقضية الفلسطينية في عهد إدارة ترامب لأسباب عدة؛ أهمها الأزمات الداخلية التي يعاني منها أطراف الصفقة المفترضة؛ فالإدارة الأمريكية الحالية مأزومة في الداخل الأمريكي، وغير قادرة على فرض حلول قاسية على إسرائيل، كما أنّ نتنياهو يواجه أزمته الداخلية هو الآخر، وكذلك الأطراف العربية، فهي في وضع هشّ، لا يسمح لها بتاتاً بتقديم تنازلات بحجم "صفقة قرن" أو إلزام الشارع العربي بها.

كيف تقرأ الواقع العربي حالياً؟ وهل ثمة حلول ممكنة في المدى المنظور بخصوص الأزمتين السورية واليمنية؟
هناك متغيرات مهمة في الإقليم؛ لاعبون دوليون جدد في المنطقة، فروسيا أصبحت لاعباً ذا أهمية كبيرة في الشرق الأوسط، ولم تعد الولايات المتحدة ساذجة فيما يخص إيران بعد ذهاب إدارة باراك أوباما.. اليوم أمريكا أكثر دهاء، وفاعلية، وجرأة في المنطقة، وأيضاً أكثر انحيازاً للقراءة (الإسرائيلية) للمشهد. وإيران باتت في حالة ضعف مقارنةً بما كانت تشعر به من قوة على المسرح العالمي، بصرف النظر عن تشنجات زعمائها وتصريحاتهم النارية. (إسرائيل) أيضاً لديها مشكلاتها وإن كانت تبدو في وضع أفضل، لعل أحد أهم إشكالات المنطقة تتعلق بالافتقار إلى "نموذج" جاذب للعيش، أو قابل للاستمرار. المشاريع الإقليمية المتناحرة كلها مأزومة داخلياً فضلاً عن أن تكون قابلة للتصدير خارجياً.

على قطر أن تعيد تعريف دورها في المنطقة والعالم العربي حتى لا تقف في وجه التضامن العربي

ووفقاً للمحددات التي أشرت إليها في إجاباتي السابقة، يمكن القول إنّ مستقبل علاقات التعاون والتنافس، أو الصراع بين الأطراف الإقليمية، تحكمه نتائج "طموحات غير واقعية" لبعض القوى الإقليمية، وبالتالي فإن الطرف الذي يمتلك واقعية وبراغماتية أكثر، وغروراً وأيديولوجيا أقلّ، هو الذي سوف يستمرّ في المنطقة، دون إغفال أهمية عناصر القوة والضعف الذاتية. ويمكن القول إنّه أمام دول "محور الاعتدال العربي" فرصة تاريخية حقيقية للتوسُّع في بناء القوة واستدامتها، وبالتالي منافسة المشاريع الإقليمية الأخرى بقدر أكبر من القوة والفاعلية.

اقرأ أيضاً: الإدريسي: لن تهدأ المنطقة إلا بإسقاط المشروع الإخواني الأردوغاني

للمشاركة:



وثائق سرية تكشف علاقة أردوغان بتنظيم القاعدة في ليبيا.. هذا ما ورد فيها

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشفت وثائق استخباراتية جديدة، نشرها موقع "نورديك مونيتور" السويدي، وجود علاقة أنقرة بتنظيم القاعدة الإرهابي.

وأوضحت الوثائق السرية، مشاركة مجموعة بن علي الجهادية، بقيادة الليبي المتشدد المقرّب من تنظيم القاعدة، عبد العظيم علي موسى بن علي، في نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة من ليبيا إلى سوريا عبر تركيا، حسبما نقلت صحيفة "العرب" اللندنية.

وعمل قائد مجموعة بن علي مع فداء المجذوب، الذي كان على اتصال مع مستشاري أردوغان السابقين، إبراهيم كالين (المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الآن)، وسفر طوران (كبير المستشارين الرئاسيين الآن)، أثناء تنظيم سفر المقاتلين الأجانب وتزويدهم بالأسلحة.

وكان مدير موقع "نورديك مونيتور"، عبد الله بوزكورت، قد تحدث، في نيسان (أبريل) الماضي، خلال جلسة عقدها البرلمان الهولندي في لاهاي، عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة وداعش في سوريا والعراق وعدد من دول البحر المتوسط، من خلال تزويدها بالأسلحة والأموال، وتقديم الدعم اللوجستي لها.

وقال بوزكورت: "أردوغان اتبع سياسة خبيثة تقوم على التحذير من التهديد الإرهابي، حيث استخدم المخاوف كورقة ضغط ومساومة في أيّة مفاوضات دولية عن أنقرة وحلفائها وشركائها"، وتابع: "سيكتشف أولئك الذين يتابعون العمليات الإرهابية الكبرى التي يشنها تنظيم داعش في أوروبا وآسيا؛ أنّ معظم المهاجمين والمفجرين الانتحاريين قضوا بعض الوقت في تركيا".

تقرير استخباراتي جديد يكشف علاقة تركيا ببعض القيادات الإرهابية المقربة من تنظيم القاعدة

وبحسب ما جاء في التقرير، الذي نشره "نورديك مونيتور"، بتاريخ 20 كانون الثاني (يناير) 2020، تولّت مجموعة بن علي استقبال المقاتلين الأجانب القادمين من ليبيا، ونقلهم إلى مقاطعة هاتاي التركية الواقعة على الحدود مع سوريا، والاتصال بعائلاتهم إن لزم الأمر.

كما تضمن تقرير الشرطة وثائق سرية من جهاز المخابرات الوطني التركي، فيها معلومات عن علاقات تنظيم القاعدة في ليبيا بتركيا، والتي ترجع إلى تموز (يوليو) 2012.

ووفق التقرير؛ كان بن علي يعمل بمساعدة جهادي ليبي آخر يدعى المهدي الحاراتي.

 ويذكر أنّ الحاراتي كان من بين المتطوعين الذين كانوا على متن سفينة مساعدات إنسانية تركية، كانت متوجهة إلى غزة قبل أن تتعرض إلى هجوم إسرائيلي، عام 2010. ونُقل إلى أحد المستشفيات التركية، وقد زاره أردوغان، وتوثّق صورة متداولة على شبكة الإنترنت هذا اللقاء، ويظهر فيها الحاراتي وهو يقبّل جبهة أردوغان.

بحسب التقرير، كان بن علي يعمل مع فداء المجذوب الذي تعاون مع عدد من مساعدي أردوغان، لتنسيق أنشطته غير القانونية مع حسين أوروك، الذي يترأس مجموعة خيرية تركية مثيرة للجدل (هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات)، ومنسق عمليات شرق الأناضول وجنوبه التابعة لهيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات صلاح الدين أوزر، وقائد الجيش السوري الحر، مالك الكردي.

وتُعرف هيئة الإغاثة الإنسانية وحقوق الإنسان والحريات كأداة يوظفها جهاز المخابرات التركي، وساهمت الهيئة في نقل مقاتلي الدولة الإسلامية والقاعدة المصابين بسيارات إسعاف من سوريا إلى تركيا.

بوزكورت تحدث عن دعم أنقرة للجماعات الإرهابية المتطرفة بما في ذلك تنظيم القاعدة في سوريا والعراق وليبيا

ويذكر التقرير؛ أنّ روسيا قدمت تقريراً استخباراتياً يؤكّد ضلوع تركيا في دعم الجهاديين، إلى الأمم المتحدة، في 10 تشرين الثاني (فبراير) 2016، هذا إضافة إلى سرد العديد من الحوادث التي توضح كيفية تورط جهاز المخابرات الوطني التركي مع الجماعات الجهادية، وتولّى التقرير الروسي تفصيل أنشطة الحاراتي غير القانونية التي تمكن من تحقيقها بمساعدة جهاز المخابرات.

وجاء في التقرير: "في آذار (مارس) 2014، عمل رئيس جهاز المخابرات الوطني التركي، هاكان فيدان، على تنسيق نقل وحدة كبيرة تابعة لتنظيم داعش بقيادة الحاراتي، وهو مواطن ليبي، وجرى نقل المقاتلين من ليبيا إلى سوريا بحراً عبر المعبر الواقع على الحدود التركية السورية".

وأشار تقرير سابق نشره موقع "نورديك مونيتور"، عن علاقات تركيا بالجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، إلى اجتماع قيادتها مع قادة الجيش السوري الحر في إسطنبول، وعلى الحدود التركية السورية، عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

بالأرقام.. برلماني تركي يكشف الأعداد الحقيقية للعاطلين عن العمل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

كشف كبير مستشاري رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض، أردوغان توبراك، أنّ هيئة الإحصاء تتعمد عدم إدراج الأشخاص الذين تخلوا عن البحث عن فرصة عمل ضمن جيش العاطلين لتقديم رقم العاطلين عن العمل منخفضاً.

وزعم البرلماني عن مدينة إسطنبول، أردوغان توبراك، أنّ العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يتجاوز 6 ملايين عاطل عن العمل، وليس 4 مليون و396 ألف، مثلما توضح إحصاءات الهيئة، وأنّ نسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وليست 13.4%.

واستعرض توبراك تقريراً أعده حزب الشعب الجمهوري، وقال: "العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص، ونسبة البطالة الفعلية بلغت 20.9%، وذلك بإضافة النساء اللواتي يتم تصنيفهن من قبل الهيئة "ربات منزل"".

أردوغان توبراك: العدد الفعلي للعاطلين عن العمل يبلغ 6 ملايين و571 ألف شخص ونسبة البطالة 20.9%

وكانت هيئة الإحصاء التركية قد أعلنت؛ أنّ نسبة البطالة بلغت 13.4%، وأنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ 4 ملايين و396 ألف عاطل عن العمل، منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2019، وحتى أمس".

وذكر التقرير؛ أنّ بيانات هيئة الإحصاء التركية تشير إلى أن عدد النساء الذين تحولن إلى "ربات بيوت" كان 11 مليوناً و404 ألف شخص، في أيلول (سبتمبر) 2019، وأنّ هذا الرقم ارتفع إلى 11 مليوناً و549 ألف شخص، في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مفيداً بأنّه "خلال شهر أزيحت 145 ألف سيدة من إجمالي رقم البطالة وتمّ ضمهنّ إلى فئة "ربات منزل"".

وأضاف تقرير المعارضة: "كانت هيئة الإحصاء تصنف المستعدين للعمل والباحثين عنه لكنّهم يعجزون عن إيجاد فرصة عمل لمدة ثلاثة أشهر، ضمن العاطلين، غير أنّها خفضت هذه الفترة الزمنية إلى أربعة أسابيع، أي أنّ الممتنعين عن البحث عن فرصة عمل خلال الأربعة أسابيع الأخيرة، لن يتم إدراجهم ضمن العاطلين عن العمل"، مشيراً إلى أنّ "هذا الإجراء هو من الأساليب التي تسعى هيئة الإحصاء من خلالها لإظهار انخفاض أعداد العاطلين عن العمل".

يذكر أنّ رئيس حزب المستقبل في تركيا، أحمد داود أوغلو، قال هذا الأسبوع إنّ حكومة حزب العدالة والتنمية تتلاعب بالأرقام للتستر على الأزمة الاقتصادية، وتفرض ضرائب مؤقتة، لعلاج العجز.

 

 

للمشاركة:

سوريا.. 38 ألف نازح في 5 أيام

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

نزح أكثر من 38 ألف شخص عن منازلهم في شمال غرب سوريا، خلال خمسة أيام، بسبب الغارات الجوية التي ينفذها النظام السوري وحليفه الروسي، بحسب ما أعلنت الأمم المتحدة.

وأعربت الأمم المتحدة عن "القلق البالغ" حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا، فيما أشار المتحدث باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوشا"، دايفيد سوانسون إلى وجود "معلومات شبه يومية عن غارات جوية وقصف مدفعي في المنطقة"، وفق ما نقلت "فرانس برس".

وأوضح في بيان؛ أنّه "في الفترة بين 15 و19 كانون الثاني (يناير)، نزح أكثر من 38 ألف شخص، خاصة عن غرب حلب، باتجاه مناطق أخرى ضمن المحافظة أو باتجاه إدلب.

وما تزال محافظة إدلب، وبعض المناطق في حلب واللاذقية المجاورتين، تحت سيطرة هيئة تحرير الشام (الفرع السابق لتنظيم القاعدة في سوريا)، وثمة حضور لفصائل مقاتلة أخرى أيضاً.

الأمم المتحدة تعبر عن قلقها حيال ازدياد عمليات النزوح في شمال-غرب سوريا بسبب غارات النظام وروسيا

ومنذ بداية كانون الأول (ديسمبر) الماضي، نزح ضمن شمال غرب سوريا 358 ألف شخص، غالبيتهم من النساء والأطفال، بحسب الأمم المتحدة.

ويقول المرصد السوري إنّ عشرات المدنيين قتلوا في غرب محافظة حلب وفي إدلب، خاصة بسبب غارات تنفذها مقاتلات روسية، بحسب المرصد.

ويحدّد المرصد هوية المقاتلات استناداً إلى نوعية الطائرة ومكان القصف وخطط الطيران والذخيرة المستخدمة، غير أنّ موسكو تنفي من جهتها المشاركة في أيّة "مهمة قتالية".

وفي بيان أمس؛ قالت ميستي بوسويل، من اللجنة الدولية للصليب الأحمر؛ إنّ "التصعيد الأخير فتح الباب أمام جبهة جديدة خطيرة".

وتابعت: "المخيمات ممتلئة والخدمات الصحية مستنزفة وغالبية النازحين يعيشون في خيم هشّة ومكتظة، تغمرها مياه الأمطار".

وتُكرر دمشق نيتها استعادة كامل منطقة إدلب ومحيطها، رغم اتفاقات هدنة عدة تم التوصل إليها على مرّ الأعوام الماضية.

وخلّف النزاع، الذي تشهده سوريا منذ آذار(مارس) 2011، أكثر من 380 ألف قتيل، بينهم أكثر من 115 ألف مدني.

 

للمشاركة:



من يتحرك لمحاكمة أردوغان والسراج بعد تجنيد المرتزقة؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

محمد طعيمة

قانونيا وأخلاقيا.. وسياقا عالميا، شبكة اصطياد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس حكومة الوفاق (كراغلة ليبيا)، فائز السراج، جاهزة لمحاكمتهما بتهمة تجنيد مرتزقة، في انتظار من يملك إرادة تحريك الأدوات.

الأساس القانوني للأدوات رسخته قواعد القانون الدولي عبر أكثر من قرن، أولاها اتفاقية لاهاي الخامسة لعام 1907، المتعلقة بحقوق وواجبات الدول المحايدة والأشخاص المحايدين في حالة الحرب، حيث نصت مادتها الرابعة على أنه «لا تشكل هيئات مقاتلين ولا تفتح مكاتب لتوطينهم على أرض دولة محايدة لمساعدة المتحاربين». ورغم تجاهل اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 للجريمة، إلا أنها تداركت فجوتها القانونية في ملحقها الأول عام 1977.

وكان الاتحاد الأفريقي، الذي تخضع ليبيا لولايته الجغرافية، الأسبق في إقرار اتفاقية خاصة بمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، عام 1977 لتدخل حيز النفاذ عام 1985. وبعد أربع سنوات أقرت الأمم المتحدة اتفاقية مماثلة تغطي العالم كله. وضمن الأدوات.. القانون الدولي الإنساني، كنظام الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر وأقرانه.

وتنص المادة الثانية من الاتفاقية الدولية، الأشمل، على أن “كل شخص يقوم بتجنيد أو استخدام أو تمويل أو تدريب المرتزقة، وفقا لتعريف المادة (1)، يرتكب جريمة في حكم هذه الاتفاقية”. وسبقتها الديباجة مشددة على “أن أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم”، وعلى إلزامية “تعزيز التعاون الدولي في ما بين الدول لمنع هذه الجرائم وملاحقتها قضائيا والمعاقبة عليها”.

والتعريفان للمادة الأولى من الاتفاقية الدولية، وكذلك الأفريقية، يتماهيان مع تعريف البروتوكول رقم 1 من الملحق الأول لاتفاقيات جنيف، الذي سبقهما إلى تعريف المُرتزق بأنه: (أ) يجند خصيصا محليّا أو في الخارج. (ب) يشارك مباشرة في الأعمال العدائية. (ج) حافزه للاشتراك في الأعمال العدائية الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبذل له فعلا من قبل طرف في النزاع أو نيابة عنه وعد بتعويض مادي يتجاوز ما يوعد به المقاتلون في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم. (د) ليس من رعايا طرف في النزاع أو متوطنا بإقليم يسيطر عليه أحد أطراف النزاع. (هـ) ليس فردا من القوات المسلحة لأحد أطراف النزاع. (و) ليس موفدا من قبل دولة ليست طرفا في النزاع بوصفه فردا في قواتها المسلحة.

وتجمع القواعد القانونية الدولية على حرمان المرتزقة من حقوق المقاتلين وأسرى الحرب، وإن أقرت لهم، وهذا طبيعي، بحق العلاج إن كانوا جرحى وضمان المحاكمة العادلة.

وتتوالى أحكام الاتفاقيات مضيفة للتجريم والعقاب الشركاء ومجرد فعل الشروع في الجريمة، وأن “تعاقب الدول الأطراف على الجرائم المنصوص عليها بعقوبات تأخذ في الاعتبار الطابع الخطير لهذه الجرائم”. وتلتزم الدول كافة بـ”اتخاذ جميع التدابير، كل في إقليمها، لمنع التحضير لارتكاب تلك الجرائم داخل أقاليمها أو خارجها، بما في ذلك التشجيع أو التحريض أو تنظيمها أو الاشتراك في ارتكابها”، سواء بريا أو بحريا أو جويا، وإبلاغ المنظمة الأممية، والاتحاد الأفريقي، إذا كان “لديها سبب يحملها على الاعتقاد بأن جريمة من الجرائم المنصوص عليها قد ارتكبت أو ترتكب أو سترتكب”.

ويصل التشديد القانوني الدولي إلى حد إلزام الدول بـ”إقامة ولايتها القضائية على الجرائم المنصوص عليها (..) في حالة وجود الشخص المنسوب إليه ارتكابها في إقليمها”.. “سواء ارتكبت الجريمة أو لم ترتكب في إقليمها”، وأن تحل الاتفاقية محل اتفاقيات تبادل المجرمين، حال عدم وجودها، فيما يتعلق بجرائم المرتزقة، وأن تختص محكمة العدل الدولية، توازيها المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، بالفصل في أي نزاع ينشأ بين دولتين أو أكثر حول تفسير أو تطبيق الاتفاقية.

من حيث الوقائع المادية، وقبل ليبيا، لتركيا تسع سنوات على الأقل عملت خلالها على توظيف المرتزقة في سوريا والعراق، وإن برعاية غربية، وعربية جزئية.

لم يتجاوز عدد الأجانب في أفغانستان، طوال 14 عاما، خمسة آلاف، حسب مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، (مايو 2014). لكن نظرة بسيطة على منافذ اختراق حدود “الهلال الخصيب” تكشف أن أنقرة، مررت ما بين 20 ألفا وفق بي.بي.سي (2 أغسطس 2015)، و30 ألفا حسب دراسة للكونغرس (29 سبتمبر 2015)، أو “أكبر حشد للمقاتلين الإسلاميين الأجانب في التاريخ”، كما قال توماس هيجهامر، المدير بمؤسسة أبحاث الدفاع النرويجية. ووثائق تسليح أردوغان لداعش مسجلة بالصوت والصورة، وبحمايته له ولقرنائه، حتى الآن في إدلب.

في ليبيا، لم يعد اتهام تجنيد تركيا للمرتزقة، هذه المرة بمشاركة فريقها من الكراغلة، يحتاج إلى إثبات، لتواتر التقارير الإعلامية والاستخبارية. وتتناغم الأدلة التي نشرتها الغارديان والمرصد السوري لحقوق الإنسان، لإثبات أركان الجريمة وفق تعريف القانون الدولي. مرتزقة أجانب مقابل مغانم مالية ووعد بالجنسية التركية. والوقائع المرصودة تصل بالعدد إلى ستة آلاف يفترض أن ينضموا إلى ميليشيات الوفاق، وصل 2400 منها حتى 17 يناير الجاري، وتحت التجهيز 1700 في معسكرات جنوب تركيا.

وتتولى شركة صادات للاستشارات الدفاعية الدولية، التي يديرها العميد المتقاعد عدنان تانري فردي، القيادي في حزب العدالة والتنمية التركي، اختيار وتدريب وتوريد المرتزقة لحساب حكومة فائز السراج، وفق عقود، قالت الغارديان والمرصد السوري، إنها مكتوبة! وبدأت نشاطها آخر فبراير 2012، مع بواكير تدويل الحرب على سوريا.

صحيح أن اتهامات تجنيد المرتزقة تطول كافة نزاعات الشرق الأوسط، لكن الاتهام الأساسي للجيش الوطني الليبي، وفق المزاعم القطرية والتركية بالاستعانة بمرتزقة سودانيين من “قوات الدعم السريع”، هدمته الأمم المتحدة بإعلان لجنة خبرائها، في 20 يناير 2020، غياب أي أدلّة موثوقة تثبت صحة الاتهام، والأهم اعتراف الطرف الآخر، أردوغان والسراج، مرارا، بتجنيدهما للمرتزقة.

جريمة أردوغان لن تقف، حسب ما صرح به هو نفسه، عند ليبيا ومحيطها. فبعد تهديده في مقال نشرته مجلة بوليتيكو، (18 يناير 2020)، لأوروبا بأن المنظمات “الإرهابية” (التي جندها وأرسلها!) ستجد طريقها للقارة العجوز إذا سقطت حكومة الكراغلة، كشف المرصد السوري، في 20 يناير الجاري، أن 17 مقاتلا سوريا وصلوا إيطاليا بدلا من ليبيا وتواصلوا مع أقارب لهم هناك، وأن آخرين وصلوا الجزائر ولم تتحدد وجهتهم.. أوروبا أم ليبيا.

بالتوازي، تباهى أحمد كرمو الشهابي، القيادي في “الجيش الوطني السوري” العميل لأنقرة، على قناة Akit tv التركية، في 19 يناير 2020، قائلا “سنقدم أرواحنا فداء للخلافة العثمانية، مستعدون للجهاد في أي مكان، لن نتوقف”. وردا على سؤال المذيع “هل سترسلون مقاتلين إلى ليبيا؟” أجاب “إن شاء الله، وحين نتخلص من ظلم الأسد، سنتوجه لمحاربة الظلم أينما وجد، وكما سنتخلص من قمع الأسد، سنخلّص أخوتنا في تركستان من القمع”.

من العراق وسوريا إلى ليبيا ومحيطها، إلى أوروبا والصين! جنون متوهم الخلافة العثمانية تجاوز كل الأسقف. وأركان الجريمة ثابتة وعلنية، فمن يشد خيوط شبكة اصطياده لمحاكمته دوليا

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

يقظة أمنية ووعي شعبي.. فشل دعوات الإخوان للفوضى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-25

رشا عمار

فشلت آلة التخريب الإخوانية في مصر في تحقيق مآربها بنشر دعاوى الفوضى والتخريب في ربوع البلاد، بفضل يقظة الأجهزة الأمنية ووعي الشعب المصري.

وعلى مدار ست سنوات لم تتوقف خلالها محاولات التنظيم الإرهابي لبث الفوضى بالداخل المصري، واستغلال الأحداث لإعادة الجماعة المطرودة بأمر الشعب إلى المشهد السياسي. 

وبالتزامن مع ذكرى أحداث الخامس والعشرين من يناير، سعت الجماعة الإرهابية بكل قوة لاستعادة أجواء الفوضى لخدمة مصالحها والضغط على المصريين، أملا في العودة.

ويقول مصدر أمني مصري إن بلاده رصدت تحركات لعناصر إخوانية موجودة بالخارج تحاول تقويض حالة الاستقرار التي تشهدها مصر حاليا.

وأوضح المصدر الذي تحدث لـ"العين الإخبارية"، شريطة عدم ذكر اسمه، أن الجماعة حاولت خلال الفترة الماضية تغيير مخططاتها، بالاعتماد على تسييس المطالب الاقتصادية لبعض الفئات، وتحويلها إلى أزمات من خلال نشر الشائعات وقلب الحقائق باستخدام عشرات اللجان من عناصر "الذباب الإلكتروني".

وتابع المصدر أن الجماعة دشنت صفحات عدة لاستقطاب الشباب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" تحمل أسماء ليس لها أي صلة بالتنظيم مثل صفحتي "الجوكر، الحركة الشعبية، الثورة المصرية، الحراك الثوري".

وكلفت الجماعة الإرهابية، حسب المصدر، شباب التنظيم باستقطاب أكبر عدد من الشباب خاصة ممن يعانون من أوضاع اقتصادية غير مستقرة، ودعوتهم للمشاركة في المظاهرات.

وكشفت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، مخطط الجماعة لإثارة الفوضى بالبلاد بالتزامن مع ذكرى 25 يناير، يدار من تركيا.

وأكد البيان أن العناصر مهمتها استقطاب وفرز العناصر المتأثرة بتلك الدعوات يعقبها ضمهم لمجموعات سرية مغلقة على تطبيق "تليجرام" تتولى كل منها أدوارا محددة تستهدف تنظيم المظاهرات وإثارة الشغب وقطع الطرق وتعطيل حركة المواصلات العامة والقيام بعمليات تخريبية ضد منشآت الدولة".

وأقر الإرهابي سامي جمال جاد الرب، أحد عناصر الخلية، بأنه تلقى تعليمات هو ومجموعته من قيادات الإخوان الموجودة في تركيا، بالتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي، استعدادا للنزول في مظاهرات يوم 25 يناير المقبل، وبدأت بالفعل استقطاب الشباب من خلال صفحة الحركة الشعبية على "فيسبوك".

وأضاف، خلال اعترافاته أمام النيابة المصرية، أن الصفحة الشعبية هي من صنع الإخوان، ويدخل عليها الشباب والمهتمون، وتم تكليفنا بالدخول عليها واختيار الشباب الذين يتأثرون بالكلام السلبي الذي يتم ترويجه عن أوضاع البلد ونبدأ في ضمهم إلى مجموعات أخرى على موقع "تليجرام".

ويواصل في اعترافاته: "نقوم بتقسيمهم إلى مجموعات ونحدد هدف ودور كل شخص فيهم في حالة نزولنا للشارع في يناير، فهناك مجموعة تكون مسؤولة عن قذف الحجارة، ومجموعة تقوم بقطع الطرق، ومجموعة تقوم بأعمال الشغب، وأخرى تقوم باستعمال أسلحة الخرطوش".

وأكد الإرهابي الإخواني أن دور جماعته في حالة النجاح يتم النزول للشارع والمشاركة وتوزيع الأموال والسيطرة على هذه المجموعات، وفي حالة الفشل وإلقاء القبض على أي منهم تضمن الجماعة عدم وقوع عناصرها في قبضة الأمن.

وشهدت مصر خلال السنوات الست الماضية موجة من أشرس موجات الإرهاب الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، حتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وخلال السنوات الماضية فشلت جميع دعوات التنظيم الإرهابي في دعوة المصريين للتظاهر.

ويرى المفكر الإسلامي المنشق عن التنظيم ثروت الخرباوي أن الجماعة تعيش حالة من الإفلاس الكبير، وهي غير قادرة على الحشد لثلاثة أسباب، الأول أنها فقدت السيطرة المركزية على قواعدها بعد أن تكشفت قيادات التنظيم أمام الشباب بعد وقائع الاختلاس والفساد المالي المتكررة، وعصيان الشباب لأي قرارات أو تعليمات تصدر عن الإدارة المركزية، وانشقاق المئات منهم خلال الفترة الماضية.

والسبب الثاني، بحسب حديث الخرباوي لـ"العين الإخبارية"، هو حالة الارتباك والانهيار التي يعيشها التنظيم الدولي بعد تساقط أوراقه في مصر وتونس، وفشل المشروع التركي "الأردوغاني" في تحقيق أهدافه، وتراجع شعبيته بشكل غير مسبوق في تركيا.

ويرى أن السبب الثالث في فشل قدرة تنظيم الإخوان على الحشد هو قدرة الأمن المصري على إحباط مخططات التنظيم الإرهابي كافة وتوجيه الضربات الاستباقية له، ووأد أي محاولة لإثارة الفتنة أو إشعال الأزمات.

ووصف الخرباوي دعوات الجماعة للتظاهر بأنها ضجيج خارجي ليس له أي تأثير على الأرض أو في الداخل المصري، وأن التنظيم يعاني من هشاشة كبيرة وفقدان تام لقدرته على توجيه قواعده وهو ما دفعه للدعوة للتظاهر من خلال وسائل الإعلام بشكل علني وهو ما يختلف مع قواعد العمل التنظيمي القائم على توجيه الأفراد عبر قنوات داخلية سرية.

ويرى المفكر الإسلامي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتا إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقا أمام استمرارية الجماعة أصلا".

ويقول الخرباوي: "جماعة الإخوان الإرهابية فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلا ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها دول عدة، وليس أمامها خيار بديل".

واعتبر الخرباوي أن خطاب الجماعة الإعلامي موجه بشكل كبير لنساء التنظيم، لاستغلالهن بالعاطفة لتصدر مشهد المظاهرات، لأنهن ورقة رابحة للمتاجرة أمام المجتمع الدولي، كما أن الشباب والرجال أعلنوا العصيان على القيادة التاريخية للجماعة الإرهابية ولن يستجيبوا لدعوات الجماعة.

وأضاف "أما المصريون، فيعلمون ألاعيب الجماعة جيدا ولم يستجيبوا لأي دعوات سابقة ولن يحدث ذلك أبدا، لأنه من غير المعقول أن يتعاون المصريون مع من حمل السلاح في وجههم".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تجارة تهريب البشر في أفريقيا.. أرباح خيالية ومعاناة لا تنتهي

2020-01-25

ترجمة: علي نوار


تنشط شبكات التهريب التي تعمل في مجال الهجرة بشمال أفريقيا منذ عدة عقود. لكن تسارع وتيرة موجات الهجرة فضلاً عن عسكرة إقليم الساحل الأفريقي تجعل مسارات الهجرة عملاً أكثر إدراراً للربح، وخطورة في الوقت ذاته أيضاً.

حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين

إنّ حركات الهجرة الكبرى من إقليم الساحل إلى شمال القارة الأفريقية هي نمط متكرّر منذ منتصف القرن العشرين. ويسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا مثل؛ الجزائر وليبيا ومصر أو حتى يقرّروا عبور البحر المتوسط من أجل الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل، والفرار من النزاعات أو الفقر أو التغيّر المناخي. وحتى وقت وجيز مضى كان المهاجرون يتّجهون نحو الشمال على متن شاحنات مقابل أثمان منخفضة إلى حد ما مع دفع رشاوى في بعض المنافذ الحدودية. وكانت هذه الهجرة غير قانونية ولا تخضع لأيّ رقابة، لكنّها لم تكن رغم ذلك غير شرعية أو سرية. وفي العام 2000 قرّرت أوروبا البدء في تطبيق استراتيجية إعادة تعيين الحدود بشمال أفريقيا في خطوة أولى نحو وقف تدفّق المهاجرين.

يسافر آلاف الأشخاص إلى دول شمال أفريقيا

ومنذ ذلك الوقت باتت هذه المسارات أصعب ما أدّى بالتالي إلى ظهور شبكة كاملة وسرية من الأشخاص الذين يؤمّنون الجوانب اللوجستية لهذه المسارات والمهاجرين، وهو الأمر الذي عنى تحقيقهم لمكاسب خيالية فاقت حتى في بعض الأحيان الأرباح التي يدرّها تهريب الأسلحة والمخدّرات. بل إنّ أرباح عصابات تهريب المهاجرين تقُدّر بين 255 مليوناً و300 مليون دولار في ليبيا وحدها عام 2015. ولقد أضحت هذه العصابات فاعلاً رئيساً في فهم حركة الهجرة عبر أفريقيا: فـ80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر.

اقرأ أيضاً: الهند وخطر"قانون الهجرة"

وبالوصول إلى هذه النقطة يصبح من الضروري التمييز بين الأنواع المختلفة من هذه المنظمات. حيث يُطلق عليها أحياناً عصابات وفي مواضع أخرى شبكات متخصصة في إدخال المهاجرين بشكل غير قانوني إلى دول أخرى وبصورة طوعية مع عصابات حقيقية لتهريب الأشخاص. ورغم أنّ المسمّيات تتباين كثيراً على مدار الرحلة، فإنّنا هنا بصدد التركيز على النوع الأول: الشبكات السرية لتهريب المهاجرين التي تدبّر رحلة السفر. ورغم أنّ كل مسار مختلف في حد ذاته، إلّا أنّ هناك أسلوباً مُعمّماً ومشتركاً بين جميع هذه الشبكات التي لا تتّسم بالترتيب الهرمي في بنيتها أو المركزية لكنّها تقوم في الحقيقة على مجموعة من الاتفاقات الغامضة بين الأطراف المتداخلة في مسار الهجرة، والتي تتغيّر وتشهد تعديلات بشكل مطّرد. بالتالي تكون النتيجة هي أنّ مسارات الهجرة تتغيّر بدورها بحيث يكون الثابت الوحيد في كل هذه العملية هو نقطة الانطلاق والوجهة التي يرغب المهاجر في الذهاب إليها.

اقرأ أيضاً: ظاهرة هجرة الأوروبيين من بلادهم تنتشر في الدول الآتية.. لماذا؟

وتكون نقطة الانطلاق عادة هي المتعهّد الذي تتمحور مهمّته حول تنظيم المراحل المختلفة والوسطاء أو الميسّرين الذين يتولّون كل مرحلة. وفي أغلب الأحوال يكون هذا المتعهّد من نفس جنسية باقي المهاجرين، ويكون هؤلاء المتعهّدون في بعض الأحيان هم الذين يحصلون على المبلغ المالي المُستحق نظير الرحلة بكاملها على أن يدفعوا للوسطاء. وتتشابه فكرة المتعهّد هذه ربما مع شركات السفر التي تقدّم المساعدة طوال الرحلة وتضمن وصول جزء لا بأس به من عملائها إلى أوروبا، وهو شيء يُقابل بالاستحسان في المجتمعات المُصدّرة للهجرة. بينما تتّسع قائمة الوسطاء لتشمل كلاً من الوصلات بين مراحل الطريق وحتى سائقي الشاحنات مروراً بأصحاب الـ"التجمّعات" ومراكز استقبال المهاجرين في دول المعبر.

وترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا قد يصل عدد الوسطاء إلى سبعة على سبيل المثال. كما أنّ جنسية المهاجر لها دور أيضاً في تحديد سعر الرحلة، حيث يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم. بالمثل، أصبحت الرحلة مكلّفة بسبب وقائع الاعتداء والرشاوى والاختطاف التي تدفع المهاجرين لبذل المزيد من الموارد المالية؛ لأنّه في حال امتنعوا عن الدفع فقد ينتهي بهم الأمر إلى العمل بالسخرة أو الاستغلال الجنسي في حالة النساء. وقد شهدت الأعوام الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الرحلات على خلفية الحرب في سوريا ونزوح السوريين بأعداد كبيرة لا سيما وأنّ قوتهم الشرائية أعلى بكثير. ويُقدّر أنّ السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار، وأنّ نفس الرحلة قفز سعرها بعدها بعام واحد فقط ليصبح 20 ألف دولار.

وصحيح أنّ المسارات متنوّعة وتشهد تعديلات مستمرّة، إلّا أنّ هناك تقليدياً طريقين رئيسين: أولهما ذلك الذي يبدأ من دول غرب أفريقيا ليعبر النيجر أو مالي، وثانيهما هو طريق الشرق الذي ينطلق من القرن الأفريقي. ويستهدف المساران في الوقت الحالي على الأغلب بلوغ الأراضي الليبية رغم أنّ المهاجرين لا يقرّرون مغادرتها والعبور إلى أوروبا كما هو الاعتقاد الشائع. فدول مثل؛ المغرب والجزائر ومصر أصبحت وجهات مُختارة من قبل المهاجرين الوافدين من جنوب الصحراء والذين يرتحلون إلى تلك البلدان سنوياً لامتهان أعمال موسمية في قطاع الزراعة.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء وهو الأمر الذي يعتمد على دولة المهاجر

طريق غرب أفريقيا

نظرياً يُعد هذا الطريق أيسر؛ لأنّه يخلو من كثير من التعقيدات الروتينية بفضل مروره عبر أراضي الدول الأعضاء في التجمع الاقتصادي لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي أنشأت منطقة حركة حرة فيما بينها عام 1979. ويسمح هذا الأمر مبدئياً بالسفر دون الحاجة لاستصدار تأشيرات ويُكتفى فقط بوثيقة سفر وشهادة صحية لأغلب محطّات الطريق، باستثناء ليبيا التي هي الوجهة النهائية لهذا المسار. بيد أنّ الواقع مختلف كلّية؛ ففي بعض الأحيان قد تصل كلفة استخراج وثيقة سفر لأسعار باهظة للغاية، كما قد يضطّر المسافرون لدفع رسوم غير رسمية عند عبور الحدود، ما يضطرّ المهاجرين لتجنّب المرور من المنافذ الحدودية الرسمية.

80% تقريباً من الهجرة غير الشرعية من أفريقيا إلى أوروبا تحدث عبر إحدى شبكات تهريب البشر

ويلتزم جميع المهاجرين القادمين من هذه المنطقة بالمرور عبر الأراضي المالية أو النيجرية؛ أي بؤرة نشاط عصابات الجريمة المنظمة. ومن هناك يتم اتّخاذ الطريق الأوسط نحو الجزائر ثم إلى ليبيا أو حتى المغرب. وتنشط في هذه المنطقة شبكات تهريب البشر التي بدأت العمل منذ عام 1995 بالتزامن مع ثورة الطوارق التي اندلعت في النيجر ودول الجوار الأخرى مع بداية حقبة التسعينيات. وتحوّل قدامى المحاربين المتقاعدين بعد انتهاء الصراع إلى سائقين ومرشدين للمهاجرين بفضل معرفتهم الجيّدة بالصحراء، وشرعوا في إنشاء وكالات مهمّتها التكفّل ببنود الإقامة ومختلف وسائل النقل حسب المبلغ الذي يدفعه المهاجر. وقد أصبحت مدينة أجاديس في النيجر نقطة أساسية في الطريق الغربي قبل الدخول إلى الصحراء وهي واحدة من أخطر مراحل الرحلة والتي يصبح اللجوء إلى الوسطاء فيها أمراً محتوماً خاصة مع غياب وسائل النقل التقليدية.

كان هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات في النيجر حتى أربعة أعوام مضت تقريباً، وبالتالي تأثّر اقتصاد المدينة. لكن وفي 2016 صدر قانون في البلاد بتمويل من صندوق التنمية الأوروبي ليضع إطاراً قانونياً للاعتقال في المنطقة بحيث أُلقي القبض على 282 ميسّراً ومصادرة 350 شاحنة، الأمر الذي نتج عنه تراجع بنسبة 75% في حركة تهريب المهاجرين بأجاديس عام 2017 ومعاناة الاقتصاد المحلّي. إلّا أنّه وبعيداً عن مواجهة تهريب المهاجرين، فقد دفعهم هذا المنع للبحث عن مسارات أخرى أخطر حيث يعانون مزيداً من الانتهاكات لحقوق الإنسان والرشاوى والاكتظاظ داخل المخيمات وبالتالي ارتفاع معدّل الوفيات. كما أنّ تكلفة الرحلة ارتفعت كثيراً، فإذا كانت الرحلة في 2013 من أجاديس إلى سبها الواقعة في قلب الصحراء الليبية تكلّف 100 دولار، فقد قفزت بحلول 2017 ليصبح سعرها 600 دولار.

طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي بسبب الإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة

أما الفاعلون الأساسيون المكلفون بعملية تهريب المهاجرين في الطرق الجديدة السرية فهم عادة التجمّعات البدوية بالمنطقة مثل؛ الطوارق والتبو والأوباري. وبفضل معرفة هذه القبائل الجيدة بالصحراء على جانبي الحدود، فقد نجحت في السيطرة على جزء من الأراضي الليبية بعد سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011. وتتّسم العلاقات بين هذه القبائل بالتوتّر نظراً لتنافسها فيما بينها للاستئثار بسوق المهاجرين. وتتواجد قبائل التبو والزغاوة بشكل رئيس بين تشاد وليبيا، بينما تتولّى قبيلة أولاد سليمان العربية أمر المهاجرين منذ دخولهم مدينة سبها الليبية، ويهيمن الطوارق على جزء كبير من تجارة المهاجرين في الجزائر. لكن العلاقات بين هذه القبائل والجماعات المحلّية الأخرى مُبهمة: فمن جانب تتآزر في تهريب المهاجرين، لكنّها تقدّم نفسها أيضاً كأطراف فاعلة قادرة على ضبط الحدود وبالتالي الحصول على أموال أوروبية. ووصل الأمر لدرجة التأكيد بأنّ فرنسا دفعت إلى الميليشيات والقبائل لوقف دخول المهاجرين.

وكما هو الحال في مسارات أخرى، لا يكون الطريق مباشراً على الدوام، وفي كثير من الأحيان يقضي المهاجرون فترات طويلة من الوقت بإحدى المدن محاولين جمع المال اللازم لمواصلة المراحل المقبلة من الرحلة. ويُعتقد أنّ المهاجرين يضطرون للبقاء في أجاديس لفترة تتراوح بين سبعة أشهر وعام كامل. وفي تشاد، الدولة التي تُعدّ ملتقى المسارين الغربي والشرقي، توجد مناجم الذهب في شمال شرقي البلاد، لذا يتّجه الكثيرون للعمل في التعدين لفترة ما قبل الاستمرار. وفي أسوأ الأحوال ينتهي بهم الأمر مُختطفين أو مُجبرين على العمل بالسخرة.

هذا النمط من الهجرة يسير بوتيرة مستمرّة بل وتحت سمع وبصر السلطات

طريق القرن الأفريقي

يبدأ الطريق الشرقي بأفريقيا من منطقة القرن الأفريقي من دول مثل؛ الصومال وأثيوبيا وإريتريا، مروراً عبر السودان والصحراء الليبية، حتى يلتقي مع الطريق الغربي عند سواحل ليبيا. وتخصّ طلبات اللجوء سواء في ليبيا أو مصر غالباً مواطنين وافدين من دول القرن الأفريقي. لكن طريق مصر إلى أوروبا لا يحظى بشعبية كبيرة مقارنة بالطريق الليبي، على خلفية الاعتقالات والإجراءات الصارمة التي تتبنّاها القاهرة ضد هؤلاء الذين يحاولون عبور البحر المتوسط والتي نتج عنها الحدّ وبشكل كبير من تدفّق المهاجرين عبر الأراضي المصرية اعتباراً من العام 2017.

ترتفع كلفة الرحلة حال زاد عدد الوسطاء والأمر يعتمد على دولة المهاجر، فبين جامبيا وليبيا يصل عدد الوسطاء لسبعة

وترى منظمة الهجرة العالمية أنّ طريق القرن الأفريقي هو الأكبر من حيث حركة تهريب المهاجرين. وبالفعل تسيطر على الطريق عصابات محلّية صغيرة، باستثناء بعضها التي تتكوّن من شبكات أكثر تعقيداً. وبحسب تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فإنّ عبور الجانب الأكبر من المنافذ الحدودية بين إرتريا وإثيوبيا والسودان يستلزم تدخّل المهرّبين والوسطاء، وبالكاد توجد فئة محدودة للغاية من المهاجرين تجرؤ على سلوك الطريق بمفردها.

وتبدأ العقبات في وجه المهاجرين بصعوبة الحصول على التأشيرات. وإذا كان بوسع الأثيوبيين دخول الأراضي السودانية بشكل قانوني عن طريق تأشيرة مؤقّتة، لكن الموقف ليس عينه بالنسبة للإريتريين والصوماليين الذين يمنحهم المهرّبون جوازات سفر إثيوبية زائفة. وبعد تجاوز التعقيدات الروتينية، تظهر الجوانب اللوجستية وهي مُعضلة بالنسبة للمهاجرين وموضع استفادة شبكات التهريب. ويمكن للإريتريين دخول السودان سيراً على الأقدام أو داخل شاحنات، ويتكلّف سعر هذه المرحلة بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف يورو، وهو مبلغ قد يعادل قيمة الرحلة بالكامل.

اقرأ أيضاً: إيطاليا: محاكمة 7 سماسرة هجرة

ومن أجل عبور السودان بلا مشكلات، يعمل المهرّبون على إلباس المهاجرين داخل الحافلات ملابس تقليدية سودانية، بعد تجاوز مدينة ميتيما الإثيوبية وهي نقطة ذات أهمية استراتيجية على الحدود مع السودان. ولدى الاقتراب من الحدود الليبية يظهر وسطاء جدد يكونون غالباً من القبائل في الصحراء، والذين يسهمون في عملية المرور عبر شاحنات. وفيما يخصّ الشرق السوداني، تسيطر قبائل الرشايدة التي تنشط في مجال رعي الجمال، على شبكات تهريب المهاجرين، رغم أنّ هناك مجموعات أخرى تسعى بقوّة للحصول على جزء من هذا العمل على الحدود مع تشاد.

بالمثل، يبعد طريق القرن الأفريقي تماماً عن فكرة كونه مساراً يتّسم بالسهولة، وتتكرّر فيه بكثرة حالات وفاة المهاجرين لأسباب عديدة تتنوّع بين الجفاف والسقوط من أعلى العربات المكتظّة أو تعطّل الشاحنات في وسط الصحراء. وذلك دون احتساب هؤلاء الذين يتعرّضون للاختطاف بغرض طلب فدية أو الاتجار بهم كعبيد أو هؤلاء الذين يعانون الاستغلال الجنسي.

الوصول للساحل الأفريقي على المتوسط

فور عبور الصحراء الأفريقية بأي من هذه الطرق، تصبح ليبيا هي الوجهة الرئيسة حيث تبدأ شبكات التهريب في اكتساب درجة أكبر من التعقيد والتنظيم. وقد صار البلد العربي الواقع على البحر المتوسط نقطة مركزية تعمل منها العصابات المتخصّصة في تنظيم الرحلات على متن القوارب إلى أوروبا أو حتى اختطاف أشخاص وطلب فدية مقابل إطلاق سراحهم. كما تفرض شبكات التهريب سيطرتها أيضاً على عدد كبير من مراكز إيواء اللاجئين حيث يجرى احتجازهم انتظاراً لدورهم في استقلال قارب نحو أوروبا. وأكبر المدن التي توجد بها مثل هذه المراكز هي طرابلس وبني وليد، فضلاً عن وجود مراكز في مدن أخرى مثل طبرق أو سرت.

يعاني الوافدون من دول جنوب الصحراء الأفريقية من العنصرية على هيئة تحصيل أثمان أعلى فقط بسبب لون بشرتهم

ويحوّل النظام الساري على مراكز احتجاز اللاجئين هذه الأماكن إلى منجم تستفيد منه الميليشيات المسلّحة وشبكات التهريب التي ظهرت في إطار غياب الاستقرار في ليبيا الغارقة في مستنقع الفوضى منذ 2011. وقد توصّلت الوكالة الأوروبية لضبط الحدود (فرونتكس) إلى أنّ الجيش الليبي نفسه ربما يكون متورّطاً في إدارة مراكز المهاجرين. هناك معلومة مهمّة كذلك وهي أنّ 20% من المراكز تحمل صفة رسمية؛ أما البقية فتتبع شبكات التهريب. ومثل كل تجارة وعمل، تقدّم العصابات خدمات خاصة لهؤلاء الذين يستطيعون دفع المزيد، مثل تقليص وقت الانتظار لأقل حدّ ممكن. كما أنّه من الشائع طلب رشاوى أو فديات من أجل الخروج. وبعد المرور عبر هذه المراكز، تتقاضى العصابات ألفاً و800 يورو تقريباً نظير الرحلة على متن قارب إلى صقلية. وتوجد حالة من المنافسة بين العصابات على أولوية انطلاق القوارب التابعة لها، ويصل الأمر في حالات نادرة إلى إبلاغ ذوي المهاجرين الذين يلقون مصرعهم غرقاً ودفع تعويضات مالية لهم بهدف الحفاظ على سمعتها في سوق الهجرة.

السفرية الأعلى ثمناً عام 2013 كانت بالكاد تبلغ ستة آلاف دولار

ورغم عدم وجود شبكات على نفس الدرجة من التنظيم على أراضيها، إلّا أنّ بعض دول شمال أفريقيا باتت كذلك قاعدة لأسواق مختلفة. ففي الجزائر، ترتبط أغلب عمليات مهرّبي البشر وإسهاماتهم في إدخال المهاجرين إلى المغرب أو ليبيا، بتزوير الوثائق الرسمية. فجواز السفر الجزائري يتكلّف 50 يورو، بينما يبلغ سعر وثائق المفوضية الأممية للاجئين التي تمنح صفة اللاجئ في الجزائر 10 يورو. كما تقرّ السلطات المغربية بوجود شبكات التهريب بطول حدودها الشرقية منذ مطلع الألفية، وتتكرّر وبشكل متزايد حالات اختطاف المهاجرين من أجل طلب فدية أو إجبارهم على العمل بالسخرة سواء في الجزائر أو المغرب.

لكن تجارة الهجرة من الجنوب إلى الشمال التي تدرّ أرباحاً هائلة لا تتوقّف عند السواحل الجنوبية للبحر المتوسط. فقد تمكّنت شبكات التهريب من الامتداد ولا تزال تزاول نشاطها على الجانب الآخر من البحر عن طريق مسار أوروبي جديد. وفي إيطاليا، على سبيل المثال، تعمل العصابات التقليدية على انتزاع موطئ قدم لها في هذا السوق الجديد عن طريق بسط نفوذها إلى مخيمات اللاجئين في البلد الأوروبي. وهناك توجد أنماط مختلفة من التنظيم وجنسيات أخرى وأسعار متباينة، وفي نهاية المطاف يبدو أنّ هذه التجارة هي ذاتها، ما يشير بجلاء إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على القارة السمراء.


مصدر الترجمة عن الإسبانية:

https://bit.ly/36jGe8P

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية