مؤشرات لا تبشر بانحسار الإرهاب في العام 2019

مؤشرات لا تبشر بانحسار الإرهاب في العام 2019

مشاهدة

30/12/2018

مع طيّ العام 2018 صفحاته الأخيرة، يبدو أنّ الإرهاب يأبى أن يختفي؛ بل شهد أساليب مستحدثة، وأهدافاً متنوعة، بإصرار واضح على الانتشار والتغلغل الإلكتروني والتجنيد الشبكي للتنظيمات، ما يؤكد أنّ عمليات العنف ستستمر خلال العام 2019، رغم تراجعها الواضح في مناطق محدودة كمصر خلال العام الماضي، بما ينبئ أنها ستظل مصدر تهديد رئيسي للدول، خاصة في منطقة الشرق الأوسط، وأنّ كل ما يقال عن انحسار الإرهاب يعد تفاؤلاً مبكراً.
استمرار اللاعبين الرئيسيين

تنظيم داعش حتى اللحظة لم يختفِ وعناصره مستمرون في القتال في مناطق عدة

كان من الواضح، خلال العام الماضي، أنّ لاعبي العنف الرئيسين المتربعين على كرسي الإرهاب؛ هم تنظيم داعش، ويليه طالبان والقاعدة، ثم مجموعة من التنظيمات الشيعية، في البحرين والعراق ولبنان واليمن، والمجموعات الحليفة والمنبثقة عن جماعة الإخوان كمنظمة "حسم"، وأنّ هذا الوضع لن يتغير سوى بترتيب المواقع والكراسي في ممارسة الإرهاب، وأن بعض التنظيمات أصرت على استمرار المعدل نفسه من عملياتها.
ووفق دراسة أصدرها المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب، مؤخراً، فقد كشفت التحقيقات وشهادات الاستخبارات الأوروبية؛ أنّ تنظيم داعش بدأ يميل نحو استمرار العمليات النوعية نفسها، في عدة دول محاولة منه لتخفيف الضغوطات عن معاقله، وكسب "عولمة الجهاد".

تنظيم داعش بدأ يميل نحو استمرار العمليات النوعية نفسها

اعتماد "الهيكل المتكيف"

فما يتعلق بتنظيم داعش؛ فإنّه حتى اللحظة لم يختفِ، وعناصره مستمرون في القتال في مناطق عدة؛ ما بين دير الزور ومنطقة الحسينية بالحدود العراقية، عن طريق ما يسمى حروب الخلايا، للإيقاع بأكبر عدد من الضحايا خاصة الأقليات، كما جرى في منطقة السويداء، وكان من السابق لأوانه الحكم باختفاء التنظيم، فالأمر يتعلق بظاهرة وفكرة أبعد منه، وبحكم كونه تشكل من جنسيات متعددة، فإنه كان قابلاً للحراك والانتقال إلى أماكن جديدة، ومنها الفلبين ووسط إفريقيا، ووسط آسيا وأفغانستان، ومصر.

تحوّل داعش بالفعل من "إمساك الأرض" إلى "الانتشار" عائداً إلى سيرته الأولى ما قبل العام 2010

تحوّل داعش بالفعل؛ من "إمساك الأرض" إلى "الانتشار"، عائداً إلى سيرته الأولى، ما قبل العام 2010، حين كان يعتمد على الخلايا و"الذئاب المنفردة"، وما يُطلق عليه "الهيكل المتكيف" للتنظيمات، أو التراتبية التنظيمية، التي تتكيف مع كلّ الظروف والأحوال، وتتنقل ما بين العمل السريّ والعلني، بحسب الظروف والأحوال.
لكنّ الجديد هنا، هو التفكير بجدية لنقل القيادات الحركية للقارة السمراء؛ ففي دراسة مطولة، للقيادي أبو عزام الأنصاري، نشرها منتدى منبر الإعلام الجهادي، أكد أنّ المناخ في الشمال والجنوب الإفريقي، مناسب لاستغلاله لإعادة الانطلاق من أفريقيا مرة أخرى، إلى أماكن أخرى في العالم.
من بين الأسباب التي ذكرها الأنصاري في دراسته؛ خروج عدد كبير من قيادات تنظيم القاعدة، من دول إفريقيا الشمالية، وانتشار المدّ الجهادي في بعض الدول مثل: مصر، الجزائر، السودان، موريتانيا، المغرب، ليبيا، الصومال، إريتريا، تشاد، إضافة إلى الأوضاع السياسيّة والعسكريّة التي تعانيها معظم بلدان هذه القارة، وحالات الاقتتال القبلي في مختلف هذه البلدان.

اقرأ أيضاً: 2019: توقعات مثيرة للمنجّمين بخصوص العرب وترامب وصعود تنظيم إرهابي جديد
تحدث أبو عزام عن مناطق أخرى في القارة السمراء يجب استغلالها؛ لأنّها غير موضوعة في اهتمام العالم، مثل دولة سيراليون ومدغشقر، مشيراً إلى أنها أماكن جيدة للسكن، والانتقالات.
قدّمت أفريقيا فرصاً لا تحصى للقيادات التنظيمية في التنقّل بسهولة بين بلدان هذه القارة، وسهّلت أمور التخفّي والتحرك، فأصبحت في كثير من الأحيان لا تحتاج إلا إلى الأموال لتنفيذها، كما سهّلت الحروب الحصول على الأسلحة، ما سهّل المدّ الداعشي والقاعدي؛ كإعادة التموضع الجديد للقاعدة؛ عندما توحّدت فصائل التنظيم في مالي وشمال إفريقيا.

خروج عدد كبير من قيادات تنظيم القاعدة، من دول إفريقيا الشمالية

التمدّد بالهوامش

حاولت التنظيمات الإرهابية، خلال العام 2018، اعتماد إستراتيجية "استرضاء المجتمع"، عبر ما يسمى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من قيادات القاعدة الآن؛ بل وتؤمن بها فصائل مثل (أحرار الشام)، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح القاعدة المعولم، ومشايخ التنظيم، خاصة في مدينة إدلب السورية.

قدّمت إفريقيا فرصاً للقيادات الإرهابية في التنقّل بسهولة بين بلدان هذه القارة وسهّلت أمور التخفّي والتحرك

التصارع حول الأيديولوجيا والانتقالات التي تمت خلال العام 2018 إلى وسط آسيا وإفريقيا، خاصة الجبهة الأفغانية، أدى إلى حالة من التصارع على مواطن النفوذ، والاقتتال بين هذه الفصائل، مثل تنظيم طالبان، الذي شهد العام الماضي أكبر عملياته ضدّ صفوف القوات الحكومية.
كما سيطر تنظم داعش على 30% من مساحة الدولة الأفغانية، ما حدا بإيران إلى تقديم الدعم لطالبان لمواجهة الخطر الداعشي، الذي وصل إليها، كما في عملية التفجير أثناء احتفالات الحرس الثوري الإيراني، يوم 22‏ أيلول (سبتمبر) 2018.
وهذا ما أكده وزير الاستخبارات الإيرانية، محمود علاوي، بتصريحات صحافية، بأنّ داعش ما يزال يشكل تهديداً؛ لأنّ بحوزته كميات كبيرة من السلاح، مضيفاً أنه بعد أن فقد التنظيم موقعه في سوريا والعراق، يمكن أن يتوجه إلى دول مثل باكستان أو أفغانستان، مستغلاً ضعفها للسيطرة عليها، أو على الأقل أن يؤسس لنفسه موطئ قدم فيها، وأن ما يزيد الأمر تعقيداً؛ التغير النوعي في أهداف وأساليب التنظيم وتركيزه الواضح على إيقاع أكبر عدد من الخسائر المادية والبشرية.
تصدير الخوف
تنبئ المؤشرات أنّ الخرائط الإعلامية والفكرية للتنظيمات الإرهابية ستختلف في العام 2019، فوفق الباحث الروسي في مركز "كارنيجي"، أليكسي مالاشينكو؛ فإنّ هذه الجماعات "تشبه كرة مطاطية، ما إن تقذف بها في أيّ جدار، لا تلبث أن ترتد إليك مرة أخرى، وكلما دفعتها بقوة إلى الحائط، ارتدت إليك بقوة أيضاً"، منبهاً أنّ التعامل مع تنظيم سرطاني إرهابي يجري وفق إجراءات يغلب عليها الطابع النظري والتنظيري، إلى جانب التواطؤ من أطراف بعينها، والذي يظهر بأشكال وبحجج متنوعة ومثيرة للدهشة والسخرية.

اقرأ أيضاً: بانوراما 2018: مصر تنجح بخفض مؤشر الإرهاب
ويزيد من صحة التوقعات تلك المتعلقة بعودة ظهور تنظيمات، مثل عقبة بن نافع، والملفات المتعلقة بالجناح السري لحركة النهضة بتونس، وازدياد النشاط الإرهابي للمجموعات التابعة لأبي مصعب عبد الودود، جنوب الجزائر، وجنوب الصحراء، وتوسع دائرة التنظيمات الإرهابيّة في وسط إفريقيا والصومال، وبقائها في جنوب ليبيا رغم الانتصار الملحوظ لقوات الجيش الليبي خلال العام الماضي بدرنة وسرت، والقبض على مرعي زغبية وهشام عشماوي.

الإرهاب الحوثي

صحوة قاعدية جديدة

من المتوقع أن تنهض القاعدة من جديد، بعد ظهور حمزة بن لادن، خلال العام الماضي، والدفع بقيادات شابة، وبروز إياد غالي وجماعة أنصار الدين، وطرح رؤية جديدة تستغل عدم انتهاء الأزمة بسوريا، والحشد الطائفي الإيراني بالمنطقة، والإرهاب الحوثي، وتلك القرارات المتعلقة بشأن القدس في شحذ الجاذبية والحراك للتنظيم.

عبر ما يُسمى "الجهاد المستقل" من المتوقع توجيه الإرهاب ضربات ذات أثر نفسيّ أكثر من الأثر المادي

يقول الباحث علي بكر، في تصريحات لـ"حفريات": "رغم أنّ تنظيم القاعدة تراجع على نحو أكثر في محافظات اليمن، خاصة في المناطق التي يسيطر عليها التحالف العربي، وتحديداً في المكلا وحضرموت والبيضاء وأبين، إلا أنّه ما يزال يتمتع بحرية العمل والتحرك في أماكن أخرى، ويتوسع جغرافياً بأذرع جديدة، مع تقوية الأذرع القديمة، خاصة شمال إفريقيا، وقد أعلن حمزة ذلك صراحة في التسجيل الصوتي الذي تمّ بثّه عقب قرار ترامب حول القدس".
تنظيمات موازية
نتيجة لكل هذه التطورات؛ من المحتمل أن تظهر تنظيمات إرهابية جديدة على غرار مجموعة البخاري، أو يتم تحريك خلايا نائمة تحمل أسماء مستجدة، لتعمل بشكل موازٍ مع تلك التنظيمات القديمة.
يقول الباحث د. محمد جمعة، في دراسة نشرها مركز الأهرام للدراسات السياسية: "العاملان الرئيسيان اللذان دفعا التنظيم السابق عليه "دولة العراق الإسلامية" إلى إحياء التنظيم من جديد، والتحول إلى تهديد عالمي حقيقي، هما الصراع السوري والاستقطاب السياسي والتوترات الطائفية في العراق، ما يزالان قائمان، وسيلعبان دوراً رئيساً في رسم ما هو آت".


من خلال "العائدين"، أو الخلايا الكامنة، أو المتحولة، بفعل ظروف متعددة، من المتوقع إنشاء شبكات جهادية جديدة، في الغالب في المناطق المهمشة، فبحسب ما نشرته وكالة الأنباء الفرنسية، في تقرير عن الجهاز المركزي للاستخبارات الفرنسية، بعنوان "انغلاق المجتمعات في الأحياء الشعبية"؛ فقد تمّ رصد تجاوزات ومظاهر "تشدّد إسلامي"، في عدد من النوادي الرياضية لكرة القدم، داخل بعض الضواحي الفرنسية، ولعلّ العملية الأخيرة التي حدثت في مدينة ستراسبورغ، يوم 11 كانون الأول (ديسمبر) 2018، تشير إلى ذلك.

من خلال "العائدين" أو الخلايا الكامنة أو المتحولة بفعل ظروف متعددة من المتوقع إنشاء شبكات جهادية جديدة

التقرير الفرنسي تحدث عن أنّ الإرهابيين الجدد كلهم تلقوا تعليماً علمانياً، ومعظمهم حصل على مستوى تعليمي جيد، وينتمي معظمهم إلى الطبقات الوسطى.
وتحدث الباحث، سكوت أتران، في التقرير نفسه، عن "داعش" موازية، يمكن البحث عنها على ضفاف المساحة التي أعلنتها، وهي تلك البؤر التي جعلت الكثير يهاجرون مع عائلاتهم ومجتمعاتهم ودولهم، تاركين أهالي وعائلاتٍ ومنازل وأحياء أخرى، ومنهم صلاح عبد السلام أحد منفذي هجمات باريس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، الذي كان ماجناً ومدمناً لشرب الخمور، ويمثل نموذجاً لهؤلاء المستهدفين بالتجنيد الذين يمكن عبرهم الاقتراب من بعض بسيكولوجيا التنظيم؛ إذ لم تمضِ إلا أشهر قليلة على التزامه الديني، ليقرر عمل مجموعة إرهابية للانتقام من المجتمع الأوروبي الذي تلقى تعليمه فيه.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في روسيا.. حصيلة عام 2018
أما الكاتب بيتر برغن؛ فقد ذكر، في مقال له في "الشرق الأوسط"، بتاريخ 11 كانون الأول (ديسمبر) 2018؛ أنّ هناك مشكلات عميقة، ومنها حروب المنطقة العربية، يمكن أن تتسبب في ظهور تنظيمات جديدة، وازدياد الوضع تعقيداً، بسبب استمرار ضعف اقتصادات عربية، وصعود أحزاب أوروبية قومية متطرفة، كانت مهمشة في وقت مضى على الساحة السياسية الأوروبية؛ لكنها أصبحت قوى سياسية مهمة اليوم، ولها شعبية غير قليلة نتيجة مواقفها القوية المعادية للهجرة، ومن المحتمل أن يخلق هذا المزيج من العوامل موجة إرهابية جهادية جديدة، ربما لا تكون في قوة داعش؛ لكنها سوف تظل مشكلة بأوروبا على امتداد المستقبل المنظور.
استهداف المفاصل الضعيفة
عن طريق ما يُسمى "الجهاد المستقل"، من المتوقع أن يتمّ توجيه ضربات ذات أثر نفسيّ، أكثر من الأثر المادي، وتشجيع عمليات الذئاب المنفردة، ونقل جماعات إرهابية مقاتلة، عقب هزائم داعش في الموصل والرقة، إلى مناطق جديدة، واجتذاب شباب الجماعات المنهارة، وترك مساحة من الحرية لهذه العناصر لتحديد تفاصيل العمليات الإرهابية.

اقرأ أيضاً: الإرهاب في فرنسا.. معلومات جديدة يكشفها وزير الداخلية
يقول مدير المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب بألمانيا، الباحث جاسم محمد، في تصريحه لـ"حفريات": "من المتوقع استمرار العمليات الإرهابية، ليس في دول الشرق الأوسط؛ بل أوروبا وأمريكا، لعدة أسباب أهمها؛ استمرار عمليات الغسيل الدماغي عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أو عبر منابر التطرف، والسياسات الناقصة في المواجهة، وتراجع سياسة بعض الدول في التكامل الاجتماعي والاندماج"، مضيفاً إلى ذلك عامل اللغة والتحصيل العلمي ومعدلات الدخل، ثم "تسرب التطرف من بلدان الجاليات الأصلية، مسقط الرأس، على سبيل المثال دول شمال إفريقيا، وذلك عن طريق استقدام مشايخ التطرف إلى أوروبا من دول مسقط الرأس، وعدم التعاون مع المؤسسات الدينية الرسمية في دول المنطقة، وتدفق الشباب من مناطق نزاعات، مثل العراق وسوريا واليمن، وعدم فصل الحكومات الأوربية ما بين ممارسة الشعائر الدينية، والميل نحو التطرف والالتحاق بالتنظيمات المتطرفة".

الصفحة الرئيسية