هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟

هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟
5926
عدد القراءات

2019-05-12

ما تزال غالبية الأوساط الدينية في منطقتنا تتحسّس أسلحتها المادية والمعنوية عندما يقترب أحد من مسألة ظهور الإسلام وتطوره عبر الصراع، كتعبير تاريخي لحركة اجتماعية؛ إذ يرون أنّ منهجية البحث تلك تقترب من التفسير الماركسي للدين.
ومع أنّ الدين الإسلامي لا يعارض ذلك التفسير؛ بل استبطنته الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وهو المعنى الذي حلّق حوله فلاسفة الروح الغربيين، من أمثال هيجل، الذين رأوا أنّ حركة الصراع التاريخي المجتمعي، هي التي تفرز في النهاية طبقات حضارية أكثر رقياً من سابقتها.

اقرأ أيضاً: ما الذي يريده المخربون من قبر ماركس؟
في كتابه "التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام"، يساهم مصطفى التواتي في وضع النقاش حول المسألة الدينية في إطارها الملائم، بعيداً عن تبادل الشتائم والتهم بالكفر والزندقة أو بالتخلف والظلامية.
كتاب "التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام"

ماركس والإسلام
في البداية؛ يذهب التواتي للبحث عن موقف ماركس وإنجلس، من الدين عموماً، ومن الإسلام خصوصاً؛ فيرى أنّ اهتمامهما يأتي في إطار تحليل المجتمعات الأوروبية، خاصة في أوروبا الغربية، ولذلك ركّزا في دراستهما للمسألة الدينية على الديانة المسيحية، وعلى المذهب الكاثوليكي بالخصوص.

هناك إشارات واضحة إلى انتشار الملكية الخاصة في الشرق الإسلامي قبل الإسلام وبعده وكان الغالب عليها نمط الإنتاج الإقطاعي

بيد أنّ كتاباتهما لم تخلُ من التعرض للإسلام في مقالاتهما الصحفية ورسائلهما، وهذه الآراء لا تمثل دراسات وتحاليل بكل معنى الكلمة، وإنما هي أفكار أتت عرضاً، خلال اهتمامهما بما يعرف آنذاك في السياسة بـ "المسألة الشرقية"، في إطار صراع البلدان الاستعمارية:(فرنسا، وإنجلترا، وهولندا، ...إلخ)، حول بلدان شمال إفريقيا والمشرق العربي والإسلامي والهند، وجاءت هذه الآراء ضمن مقالات صحفية كتباها لبعض الصحف الأمريكية والإنجليزية، وقد تركزت، خاصّة، حول قضية الجزائر والصراع البطولي الذي خاضه الأمير عبد القادر ضدّ قوات الاحتلال الفرنسي.
يقول التواتي: "إلا أنّ مجموع ما كتباه حول هذه المسألة يؤكد أنهما لم يكونا على اطلاع كافٍ على تاريخ المنطقة العربية الإسلامية، أو على التحولات الاجتماعية بمختلف التركيبات التي كانت عليها".
مصطفى التواتي

صور نمطية
صورة شمال إفريقيا في نظر إنجلس تطغى عليها صورة القراصنة الذين كانوا يقطعون على السفن الأوروبية الطريق، ويأسرون راكبيها لبيعهم في أسواق العبيد. كذلك كانت تطغىى عليه أخبار الرحالة حول هؤلاء البدو الذين يعيشون على الغارات والنهب والتقاتل فيما بينهم، ومن هنا كان موقفه السلبي من ثورة عبدالقادر في الجزائر، رغم تنويهه بشجاعته وبطولته في مقاومته للفرنسين، وكذلك كان موقفه من ثورة عرابي في مصر ضدّ الانكليز، فقد كان يرى في الاستعمار عاملاً حضارياً، حتى أنّه، رغم تنديده بوحشية الجيش الفرنسي، رحّب باحتلال الجزائر، وبالقضاء على تمرّد عبدالقادر، معتبراً أنّ ذلك هو الحلّ الوحيد لتأمين طريق أوروبا البحرية، كما رأى أنّ الاحتلال الأوروبي لمثل هذه البلدان المتخلفة، من شأنه أن يسارع بحركة تطوّرها الحضاري.

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد
يؤكد التواتي؛ أنّ ماركس وإنجلس لم يهتما كما ينبغي بحركة التحرر الوطني، ولا بالمسألة الوطنية عموماً، في مواجهة الاستعمار، وهو ما تلافاه المفكرون الماركسيون اللاحقون في هذا النقص، خاصة لينين؛ إذ طوّر النظرية الماركسية في هذا الاتجاه (أي اتجاه حركات التحرر الوطني التي خصص لها جانباً مهمّاً من إنتاجه النظري ومن ممارساته النضالية).
لكنّنا، في الواقع، نشكّك في هذا الاهتمام لدى لينين؛ إذ إنّ الجانب السياسي لديه كان قد طغى على الجانب الأيديولوجي، فباتت المستعمرات الغربية لديه محل اهتمام واستهداف للجذب الأيديولوجي والسياسي الحركي.
لكنّ التواتي لا يرى ذلك؛ إذ إنّه يرجع موقف ماركس وإنجلس إلى أن معلوماتهما كانت ضئيلة، ولم تكن معرفة مباشرة؛ بل كانت مأخوذة مما كتبه الرحالة الأوروبيون، من أمثال بارنيه، وما كان يروَّج في الصحافة الاستعمارية، ورغم ذكر إنجلس للمؤرخ العربي التنويري وللقرآن، فإنه لا يوجد ما يدل حقاً على أنّه قرأهما مباشرة، مع العلم أنّ إنجلس حاول تعلم العربية، ثم سرعان ما عدل عن ذلك؛ بسبب اتساعها وصعوبة كتابتها، وتوجه إلى تعلم الفارسية.
تبريرات عاطفية
يفيض التواتي في التبرير لماركس وإنجلس في موقفهما من استعمار شعوب العالم الثالث، فيقول: "حتى إقامة ماركس بالجزائر، عام 1882، لم يستفد منها كثيراً؛ لأنّه كان مضطراً لملازمة غرفته في النزل بسبب المرض، وكل معلوماته كان يرويها له أحد أصدقائه وهو قاض، ويعترف ماركس نفسه بقلة اطلاعه على ما يُعرف بالمسألة الشرقية".

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
ولا يتسق هذا مع موقف ماركس الذي أفنى عمره في المطالبة باتحاد طبقة العمال الكادحة في مواجهة الرأسمالية المتغولة، حتى آمن بأنّها ستبصح قدراً يتحقق تلقائياً بفعل "الديالكتيك"، حتى لو لم تتوافر إرداة فعله عبر الثورة المسلحة.
يقدم التواتي فيما سبق لملاحظات ماركس وإنجلس عن الإسلام، الذي لم يكونا يعرفانه وأهله جيداً"، فيقول: "في 2 حزيران (يونيو) 1855، كتب ماركس رسالة إلى إنجلس، قال فيها: "في عصر محمّد علي كان الطريق التجاري بين أوروبا وآسيا قد تبدّل تبدّلاً كبيراً، وكانت مدن جزيرة العرب، التي شغلت قبل ذلك قسطاً كبيراً من التجارة مع الهند وغيرها، كانت في حالة من الانحطاط التجاري، الأمر الذي أعطى، بلا شكّ، دفعاً كبيراً...".
يفيض التواتي في التبرير لماركس وإنجلس في موقفهما من استعمار شعوب العالم الثالث

طبيعة الملكية الفردية
وأما بخصوص الدين؛ فإنّ المسألة تتلخص في هذا السؤال، الذي من السهل الإجابة عنه: "لماذا يبدو تاريخ الشرق وكأنه تاريخ أديان؟"، والجواب: لأنّه لم تكن توجد ملكية خاصة للأرض، وها هنا المفتاح الحقيقي حتى لسماء الشرق...".
ويردّ إنجلس على هذه الرسالة متوسعاً في الملاحظات، قائلاً: "عدم وجود ملكية الأرض هو في الحقيقة مفتاح كلّ أوضاع الشرق، في هذا يكمن تاريخه السياسي والديني، ولكن كيف جرى أنّ الشرقيين لم يصلوا إلى ملكية الأرض، حتى في شكلها الإقطاعي، أعتقد أنّ ذلك مردّه، بصورة رئيسة، إلى المناخ، مأخوذاً في صلته مع طبيعة التربة، خاصة مع المساحات الصحراوية الكبرى التي تمتد من الصحراء الأفريقية عبر جزيرة العرب وفارس والهند وبلاد التتر إلى الهضبة الآسيوية العليا".

التواتي ينصح الباحثين الماركسيين العرب بأن يتخلصوا من ترديد المقولات الجاهزة حتى ولو كان قائلها ماركس أو إنجلس

ويضيف: "خراب تجارة الجنوب العربي (اليمن)، قبل (النبي) محمد، هو العامل الذي رأيته بحق واحداً من العوامل الرئيسة في الثورة المحمدية"، معتبراً أنّ طرد الأحباش من بلاد العرب، قبل أربعين عاماً فقط من ميلاد محمد، يدل على بداية استيقاظ الوعي القومي لدى العرب.
يذكر التواتي؛ أنّ إنجلس يعترف بنقص اطّلاعه على التاريخ التجاري لتلك الفترة.
يقول إنجلس: "إنّني لا أعرف التاريخ التجاري للقرون الميلادية الستة الأولى بصورة كافية"، لتفسير هذا التحوّل في الطرق التجارية من الجنوب، ومن اليمن عبر البحر الأحمر، إلى الشمال، أي من فارس إلى البحر الأسود، أو من الخليج الفارسي إلى سوريا وآسيا الصغرى.
ينقد التواتي الافتراضية التي بنا عليها ماركس نظرته السابقة للجزيرة العربية فيقول: الحقيقة أنّ تعميم القول بانعدام الملكية الخاصة للأرض على المنطقة العربية الإسلامية، لا يمكن الركون إليه بتسليم، خاصة أنّ سبب المناخ وطبيعة الأرض الذي ذكره إنجلس لا يشمل كامل المنطقة؛ إذ كانت توجد أيضاً سهول خصبة ومياه باطنية أو سطحية غزيرة، سواء في اليمن أو في العراق والشام وفلسطين وحوض النيل، وقد كانت هذه المناطق تخضع، في جزءٍ كبير منها، للسلطة البيزنطية، ولا شكّ في أنّها عرفت نمط الإنتاج السائد في بيزنطة، ومن الأكيد اليوم؛ أنّ مصر، مثلاً، عرفت الملكية الإقطاعية للأرض.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
يكمل التواتي: "يقول أحد الرحالة المؤرخين القدامى، موضحاً أسباب تسمية سكان اليمن بــ "العرب السعداء": "يسمّون هكذا؛ لأنّهم أغنياء بالزراعات والقطعان، بالنخيل والعطور من كلّ نوع؛ إذ إنّ جزءاً كبيراً من بلادهم بقع من اليمين على البحر الأحمر ومن اليسار على البحر الفارسي، وبذلك يتمتعون بثروات العنصرين، ويوجد هناك كثير من المرافئ والموانئ الآمنة وأماكن تجارية كثيرة، المتصلة ببعضها، كما كانت توجد عدة قصور ملكية رائعة ومترفة، ولهذا الشعب عدد كبير من المدن، الداخلية منها والساحلية، كما توجد الكثير من السهول في الأودية والحقول الخصبة، ...إلخ".
وفي وادي القرى، في الحجاز، تركّزت تجمعات مهمّة من المزارعين، اليهود خاصة، وقد عرفت الطائف، مثلاً، ببساتينها وإنتاجها من العنب والخمور، وتربية الماشية، وتجارة الجلود. كما عرفت خيبر بزراعتها وتمورها.
يستشهد التواتي بابن خلدون بأنّ الصحابة أيام عثمان اقتنوا الضياع والمال

أبحاث غير مكتملة
يقسم الكاتب ملكية الأرض في المرحلة الإسلامية إلى تصوّرين قد عرفتهما: التصور الأول شرع فيه الخليفة الأول، أبو بكر، وعزّزه الخليفة الثالث، عثمان بن عفان؛ ويتمثل في تسليم الأراضي الزراعية المفتوحة، بمن عليها، لتكون إقطاعات للصحابة والقواد والمقربين. وأمّا التصور الثاني؛ فقد نظر له عمر بن الخطاب، وهو الذي أُخذ به غالباً في العصور اللاحقة، ويتمثل في الإبقاء على ملكية الأراضي المفتوحة عنوة، والتي لم يسلم أهلها إلا بعد الهزيمة، لأصحابها يزرعونها على أن يعطوا للدولة مقداراً معلوماً، نقداً أو عيناً، يختلف باختلاف المساحة ودرجة الخصوبة ونوع المنتج، ويسمى "الخِراج".

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
يستشهد التواتي بابن خلدون، الذي ينقل عن المسعودي، في "مروج الذهب"؛ أنّ الصحابة أيام عثمان اقتنوا الضياع والمال، فكانت قيمة ضياع عثمان بن عفان يوم قتل، بوادي القرى وحنين وغيرهما، مئتي ألف دينار، وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كلّ يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك، وخلف زيد بن ثابت من الضياع ما قيمته ألف دينار.
يرى التواتي أنّ في ذلك إشارات واضحة إلى انتشار الملكية الخاصة في الشرق الإسلامي، قبل ظهور الإسلام وبعده، وكان الغالب على هذه الملكية نمط الإنتاج الإقطاعي، إلى جانب تواجد أقل أهمية للنمط العبودي.
ويرى أنّ العرب الفاتحين حافظوا في البلدان التي فتحوها على علاقات الإنتاج الزراعية السابقة نفسها، وذلك لعدم قدرتهم على تغييرها، خاصة أنّ سياسة الخلفاء، وعمر بن الخطاب منهم، كانت لا تشجعهم على الاستقرار في الزراعة؛ لأنّه يعوّل عليهم في الجندية، وهي الخطة التي ظلت محصورة في العرب، حتى أواخر حكم بني أمية، وكان التنظيم العسكري يعتمد، إلى حدٍّ بعيد، على النظام القَبَلي، ولعلّ هذا السبب، مضافاً إلى ضعف الاستقرار في الزراعة بين صفوف العرب الفاتحين، قد عرقل عملية تفتت الروابط القبلية التي بدأت قبيل الإسلام، وتواصلت بشكل أهم عندما عوضت العصبية الدينية العصبية القبلية، سواء في حياة النبي ﷺ، أو عند توحيد الجزيرة العربية تحت راية الدين الجديد، في فترة خلافة كلّ من أبي بكر وعمر، إثر ما عُرف بـ "حروف الرِّدّة".

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع
ومع أنّ التواتي يصف نفسه، في مقدمة كتابه، بـ "الماركسي"، إلا أنّه ينصح الباحثين الماركسيين العرب بأن يتخلصوا من ترديد المقولات الجاهزة، حتى ولو كان قائلها ماركس أو إنجلس، وإعادة النظر في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة في العصر الوسيط، ولذا؛ هو يرى أنّ بحثه هذا ما يزال في حاجة أكيدة إلى الدراسة والتحليل.
فيقول: "حتى لو سلّمنا بانعدام الملكية الخاصة للأرض لدى الشرقيين، فإنّه يبقى غير واضح هذا الترابط بين هذه الظاهرة وما يبدو من أنّ تاريخ الشرق هو تاريخ أديان، مما يؤكد أنّ ماركس وإنجلس لم يتوصلا في الحقيقة إلى صياغة نظرية متكاملة في هذا الشأن، وإنما كان ما كتباه مجرد خواطر للفهم، لم يُكتب لها التعمّق".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

للمشاركة:



لماذا غيّر الصدر مواقفه؟.. "رويترز" تكشف الحقيقة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

كشفت وكالة "رويترز" عن اجتماعات عقدت في مدينة قم الإيرانية، بعد مقتل قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، توصلت إثره الميليشيات العراقية إلى اتفاق مع رجل الدين، مقتدى الصدر، يتركز على إعطائه دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة، ودوراً قيادياً دينياً أكبر بين الميليشيات الموالية لإيران في العراق.

وأضافت الوكالة: "مقابل هذه الصلاحيات الواسعة، فإنّ الصدر سيلعب دوراً عبر الموالين له لإضعاف الثورة الشعبية العراقية، وإعادة توجيهها نحو مطالب بسحب القوات الأمريكية من العراق، وذلك بحسب مسؤولين عراقيين بارزين، وعناصر من الميليشيات نقلت عنهم "رويترز".

"رويترز": إيران وميليشياتها منحت الصدر دوراً أكبر في تأليف الحكومة العراقية الجديدة

الاتفاق الذي عقد في قم، رعته إيران و"حزب الله" وسعى إلى الحفاظ على قوة القبضة الإيرانية في العراق، من خلال رصّ صفوف الفصائل التي تدعمها إيران مع تلك التي يقودها الصدر.

وذكرت الوكالة أنّ الميليشيات شهدت حالة من الفوضى بعد الغارة التي أسفرت عن مقتل سليماني ونائب قائد الحشد الشعبي، أبو مهدي المهندس، في 3 كانون الثاني (يناير) في بغداد.

وبحسب الوكالة؛ فقد كان الصدر مشوشاً أيضاً، لأنّه تزعم التظاهرات المناهضة للحكومة في الأعوام الاخيرة، لكنه لم يتمكن فعلياً من فرض نفسه على الاحتجاجات الأخيرة، التي بدأت في تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي، ضدّ الطبقة السياسية الحاكمة والتدخل الإيراني في العراق.

وبعد انتهاء هذا الاجتماع، أشارت "رويترز" إلى التحول في مواقف الصدر، الذي وصفته بالانتهازي؛ حيث بدأ بقلب مواقفه من جهة إلى أخرى؛ إذ حارب الولايات المتحدة في أوقات مختلفة، وندّد بالتدخل الإيراني، ودعم التظاهرات الرافضة للطبقة الحاكمة، وفي الوقت نفسه لعب دوراً كبيراً في اختيار الوزراء لحكومة محمد توفيق علاوي، التي من المقرر أن تأخذ ثقة مجلس النواب الخميس المقبل.

المطلوب من مقتدى الصدرإضعاف الثورة الشعبية العراقية عبر الموالين له وإعادة توجيهها

وكشفت "رويترز"؛ أنّه بعد مقتل سليماني، أمر مسؤولون إيرانيون وقادة حزب الله الميليشيات الموالية لإيران بترك الخلافات مع الصدر جانباً، بعد أن اختلفوا معه، العام الماضي، على المناصب الحكومية في صراع على السلطة.

وقال أحد مساعدي الصدر، الذي سافر إلى قم ورفض ذكر اسمه: إنّ "إيران ترى في الصدر الحلّ الوحيد لمنع انهيار قوتها تحت ضغط الاحتجاج وضعف الميليشيات التي تدعمها".

ونقلت الوكالة، عن مصدريين شبه عسكريين؛ أنّ الصدر طالب بوزارتين في حكومة علاوي، في المقابل قالت مصادر أخرى؛ إنّ "الميليشيات قبلت باعتبار أنّ الصدر قد يلعب دوراً مهماً في تعزيز موقفها الرافض للوجود الأمريكي في العراق".

ويقول مسؤولون حكوميون وبرلمانيون؛ إنّ الصدر سيكون له تأثير كبير على تشكيلة الحكومة التي اقترحها علاوي، والتي قال رئيس الوزراء إنّها ستتألف من مرشحين مستقلين.

وأشارت الوكالة إلى أنّ "حكومة علاوي، إذا نالت الثقة، فستعمل بشكل شبه كامل لصالح الصدر".

 

للمشاركة:

تركيا تصعّد في شمال سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أكّد المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 9 عناصر من قوات النظام، في شمال غرب سوريا، بقصف تركي، أربعة عناصر قُتلوا قرب بلدة النيرب، فيما قُتل خمسةٌ آخرون قرب مدينة سراقب.

وقال المرصد السوري: إنّ الفصائل سيطرت على النيرب بريف إدلب بدعم تركي مدفعي، لافتاً إلى أنّ "القوات التركية والفصائل الموالية لها بدأت هجوماً برياً جديداً شرق إدلب، تزامنا مع قصف صاروخي تركي مكثف"، مشيراً إلى سقوط 48 قتيلاً من قوات الأسد والفصائل.

المرصد السوري لحقوق الإنسان يؤكد مقتل 9 عناصر من قوات النظام في شمال غرب سوريا بقصف تركي

وقال المرصد السوري: "الفصائل المسلحة أطلقت عدة صواريخ أرض-أرض على مواقع في ريف اللاذقية ومحيط مطار حميميم"، لافتاً إلى دخول رتل عسكري تركي جديد إلى الأراضي السورية، عبر معبر كفرلوسين الحدودي، يضمّ أكثر من مئة دبابة وآلية نقل للجنود الأتراك، توجهت جميعها نحو النقاط التركية المنتشرة في ريف إدلب.

إلى ذلك؛ وصفت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، مورغان أورتاغوس، الوضع الإنساني في إدلب بـ "المقزز"، مطالبة روسيا وإيران وتركيا بحماية المدنيين، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنّه "لا يوجد حلّ عسكري للأزمة السورية."

وقالت أورتاغوس، في لقاء خاص مع "العربية": "نعم، إنه أمر مثير للاشمئزاز، ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والاتراك، ليس هناك ما يدعو للاشمئزاز في هذا الكوكب أكثر من هذا الذي يحدث الآن في إدلب، نحن نواصل العمل من خلال الأمم المتحدة، فقد كان السفير جيفري في تركيا. تركيا عادت للقتال من جديد، والروس كذلك مستمرون، ما يحدث وصمة عار ونقطة مظلمة".

أورتاغوس: ما يفعله الروس والإيرانيون ونظام الأسد والأتراك في شمال غرب سوريا أمر مثير للاشمئزاز

وكانت الأمم المتحدة قد حذّرت من أنّ القتال في شمالَ غربِ سوريا يقترب بشكل خطير من أماكنَ تُؤوي نحوَ مليون نازح، ما يشكل خطراً من حدوث حمامِ دمٍ حقيقي.

وأعلن نائب المنسق الأممي للشؤون الإقليمية في سوريا، مارك كاتس، أنّ الأمم المتحدة تحاول مضاعفة شحنات المساعدات عبر الحدود من تركيا من خمسين إلى مئةِ شاحنة يوميا، لافتاً إلى أنّ عمال الإغاثة يتحملون عبئاً ثقيلاً، وأنّ عدداً من المخازن تعرضت للنهب.

وتسبّب النزاع السوري، الذي يوشك على إتمام عامه التاسع، بمقتل أكثر من 380 ألف شخصاً، وتدمير البنى التحتية واستنزاف الاقتصاد، عدا عن نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان داخل البلاد وخارجها.

 
 
 
 
 

 

للمشاركة:

صدمة جديدة في ألمانيا.. ما الدوافع؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

أُصيب 30 شخصاً، بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية بمهرجان في بلدة فولكمارسن، غرب ألمانيا.

وألقت الشرطة القبض على شخص ألماني، عمره 29 عاماً، بتهمة الشروع في القتل، بينما صرّح مسؤولون بأنّ "الدافع ما يزال غير واضح حتى الآن"، وفق ما اوردت "بي بي سي".

وقال المتحدث بأسم الشرطة: "هناك عشرات الجرح بعضهم مصاب بجروح خطيرة"، مؤكدة أنّ السائق، البالغ من العمر 29 عاماً، تعّد دهس التجمعين في المسيرة بسيارته،  لكن لا توجد دلائل على أنّه ارتكب جريمته بدافع سياسي"، مؤكداً "الشرطة لا تعتقد أنّ الهجوم كان إرهابياً بينما نعتقد أنّه كان متعمداً".

وذكرت مجلة "دير شبيغل"؛ أنّ السائق كان "في حالة سكر شديد" عند حصول الوقائع. وصرحت دوائر أمنية لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ)، مساء أمس؛ بأنّ الشواهد الأولية تفيد بأنّ منفذ الجريمة لم يكن معروفا كمتطرف، وأنّه كان معروفاً للشرطة بجرائم توجيه إهانات والتعدي على حرمات المنازل وجرائم الإكراه.

بدوره، أكّد رئيس شرطة فرانكفورت، غيرهارد بيريسفيل، أنّه تمّ إلقاء القبض على شخص ثانٍ في إطار التحقيقات الجارية بشأن جريمة الدهس.

إصابة ٣٠ شخصاً بينهم 10 أطفال، أمس، في حادثة دهس استهدفت مسيرة استعراضية

وألغت السلطات في ولاية هيسه، حيث توجد بلدة فولكمارسن، جميع المسيرات الاستعراضية بالمهرجان، وذلك في "إجراء وقائي" في أعقاب الحادث.

من جانبها، ذكرت وسائل إعلام محلية أنّ سيارة مرسيدس فضية اللون اقتحمت حواجز بلاستيكية أقيمت لحماية المسيرة الاستعراضية، وصدمت مجموعة من الناس.

ونقلت تقارير إعلامية محلية عن شهود عيان قولهم إنّ سائق السيارة زاد من سرعته، وهو يتجه نحو الحشد، وبدا كأنه يستهدف الأطفال.

وأعلن مكتب المدعي العام في فرانكفورت، في بيان؛ أنّ المشتبه به تلقى علاجاً من إصابات لحقت به في الحادث، وأنه سيمثل لاحقاً أمام قاضي التحقيق.

وقال حاكم ولاية هيسه فولكر بوفير: "شعرت بصدمة إزاء هذا العمل الرهيب، الذي أدى إلى إصابة العديد من الأبرياء بجروح خطيرة".

من جهتها، شكرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، الشرطة والطاقم الطبي لتعاملهم مع الحادث، وأعربت عن تعاطفها مع المصابين وأقاربهم.

ويأتي الحادث بعد أربعة أيام من هجوم مسلح قتل فيه 9 أشخاص في مدينة هاناو، غرب ألمانيا، ونفذه يميني متطرف يبلغ من العمر 43 عاماً، يملك رخصة أسلحة نارية، وهو عضو في نادي السلاح، وقد انتحر بعد ساعات من الحادثة.

 

للمشاركة:



ارتدادات قمة كوالالمبور تطيح مهاتير محمد

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عزت مصادر دبلوماسية عربية استقالة مهاتير محمد، رئيس وزراء ماليزيا، إلى ارتدادات قمة كوالالمبور التي عمل من خلالها مهاتير على الزج ببلاده في صراع الأجندات الخارجية، وتحويل القمة إلى منصة لإعطاء دفع لممثلي الإسلام السياسي على حساب منظمة التعاون الإسلامي التي تضم دولا إسلامية كثيرة بقيادة السعودية ذات التأثير الديني والسياسي والاقتصادي المحوري في قيادة العالم الإسلامي.

وراهن مهاتير محمد على لعب دور ريادي من بوابة القمة وتحويل ماليزيا إلى قبلة سياسية ومالية بما يساعده على زيادة شعبيته، لكن الخلاف بشأن القمة، وخاصة اكتشاف الماليزيين أنها كانت جزءا من لعبة تركية وإيرانية لتطويق الدور السعودي، قد انتهى إلى أزمة سياسية داخلية زادت من حجم الضغوط السياسية والاجتماعية على حكومته.

وقاد الموقف من السعودية، ومحاولة جذب أموال جماعات الإسلام السياسي إلى ماليزيا، ما يهدد بتحويلها إلى ملاذ لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب، إلى ردة فعل داخلية ضد مهاتير محمد، وأضعف التحالف الحاكم الذي كان يقوده، ما دفع إلى استقالة الحكومة.

واعتبرت المصادر الدبلوماسية في تصريح لـ”العرب” أن مهاتير محمد كان سيضع بلاده في طريق صعب بتحويلها إلى قبلة جديدة للجماعات المتشددة بعدما نجحت دول جنوب شرق آسيا في الحد من نفوذ هذه التنظيمات في معارك استمرت لسنوات، ما قد يضع البلاد في تصادم مع الدول التي تقود الحرب على الإرهاب وتعمل على تجفيف منابعه مثل الولايات المتحدة، فضلا عن السعودية التي تعمل على بناء تحالف إسلامي سياسي وأمني ضد جماعات الإسلام السياسي بمختلف مسمياتها ومرجعياتها، من الإخوان المسلمين إلى تنظيم القاعدة وصولا إلى تنظيم داعش.

وسلطت قمة كوالالمبور، المدعومة من دول مثل تركيا وإيران وقطر، بالإضافة إلى الجماعات الإسلامية مثل جماعة الإخوان المسلمين، الضوء على الصراع على عجلة قيادة العالم الإسلامي وعلى علاقات ماليزيا المتوترة مع دول الخليج الكبرى.

وأثار مهاتير محمد غضب دول ودوائر إسلامية مختلفة حين دعا إلى القمة، التي عقدت في شهر ديسمبر الماضي، جماعات مثل حركة حماس في فلسطين، وهي حركة إخوانية، فضلا عن كتّاب وشخصيات حركية تابعة لفروع جماعة الإخوان المسلمين، في خطوة بان وكأن هدفها إعادة تبييض الجماعة في الوقت الذي يتم فيه تصنيفها تنظيما إرهابيا في السعودية والإمارات ومصر، وتوضع فيه أنشطتها المختلفة وتمويلاتها تحت مراقبة شديدة في الغرب.

وخلافا لما جرى، لم يكن رئيس الوزراء الماليزي هو من وضع قائمة المنظمات والجمعيات، التي حضرت القمة تحت عناوين مضللة بهدف إكسابها شرعية، ولكن الدور الرئيسي كان لتركيا والرئيس رجب طيب أردوغان، الذي فتح أبواب بلاده أمام هذه الجماعات وأنشطتها السرية والعلنية.

وبسبب هذه الأجندة السرية لأنقرة توترت العلاقة بينها وبين الرباط بعد استدعاء جماعة محظورة في المغرب إلى القمة.

وكانت “العرب” قد نشرت في عدد سابق، استنادا إلى مصادر خاصة، أن المغرب عبّر لماليزيا عن انزعاجه، لكن الحكومة الماليزية أشارت إلى أن تركيا تقدمت بقائمة الأحزاب والشخصيات الإسلامية المشاركة، وأن القائمة شملت حركة “العدل والإحسان” المغربية المحظورة، وأن المغرب الرسمي نأى بنفسه عن أيّ نوع من التمثيل في القمة بسبب هذا التجاوز التركي، فضلا عن غموض أجندة القمة.

وشملت قائمة الدعوات أيضا حركة “التوحيد والإصلاح”، وهي حركة ذات مرجعية إسلامية، تشكل الذراع الدعوية لحزب “العدالة والتنمية” متزعم الائتلاف الحكومي في المغرب.

ونجحت تركيا في استخدام الإسلام السياسي العربي لخدمة أجنداتها، وسعت لتوسيع نفوذها إلى الإسلام السياسي في دول جنوب شرق آسيا حيث يجري الحديث عن إمكانيات كبرى خاصة مالية؛ كون هذه الدول تحولت إلى ملاذات دافئة لأموال التنظيم الدولي للإخوان التي تم تهريبها من دول أوروبا الغربية والأميركتين الشمالية واللاتينية، تحسبا لتجميدها بعدما أظهرت دول غربية كبرى حزما في مواجهة الاستثمارات المشبوهة والأموال السوداء.

ويقول متابعون للشأن الماليزي إن الخلافات داخل التحالف الحاكم ناجمة بالدرجة الأولى عن الصراع على السلطة، حيث رفض مهاتير محمد التنحي لفائدة أنور إبراهيم، لكنهم أشاروا إلى وجود خلافات بشأن ارتدادات قمة كوالالمبور، ووجود رفض واسع لخيار إدارة الظهر للسعودية ذات النفوذ القوي في جنوب شرق آسيا.

ونفوذ السعودية لا يتمثل فقط في وجودها على رأس منظمة التعاون الإسلامي، فهي تقيم أيضا علاقات اقتصادية وتجارية وثيقة مع دول مثل أندونيسيا وباكستان التي لا يمكن أن تغامر بخسارة الاستثمارات السعودية الكبرى لإرضاء أجندات غامضة.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كيف يفكر المتعصب للتاريخ العثماني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-24

وليد فكري

قديمًا قيل "آفة الرأي الهوى".. و"الهوى" في اللغة هو "المَيل"، وهو آفة الرأي لأنه يحيد بصاحبه عن رؤية المعطيات الواقعية التي ينبغي أن يتخذها أساسا لوجهة نظره، فهو لا يجمع تلك المعطيات ثم ينظر فيها فيستخرج منها نظريته، وإنما يبني النظرية بشكل مسبق وينتقي ما يؤيدها ليقدمه دليلا على ما يميل إليه بغض النظر عما تقتضيه الموضوعية العلمية.

والمتعصب للتاريخ العثماني يقع في تلك الآفة، فهو يعتنق وجهة نظر مسبقة أن الدولة العثمانية كانت "دولة الخلافة العلية العظيمة" وينتقي من التاريخ ما يدعم وجهة نظره ويتجاهل ما سواه أو يتعامى عنه كيلا يصطدم بما قد يغير رأيه.

وهو بعد مرحلة "القراءة الانتقائية للتاريخ" يعمل على تحصين رأيه بآليات غير علمية مثل قيامه باتهام من يخالفه بالحقد على الإسلام والمسلمين أو بأنه ذو مصلحة مادية في مكايدة العثمانيين أو غيرها من الأساليب الرخيصة التي تنم عن تهافته وجهله وتعصبه.

اختصار التاريخ الإسلامي في العثمانيين

في التاريخ الإسلامي الثري يمكننا أن نحصي نحو 186 أسرة حاكمة (والأسرة هنا لا تعني بالضرورة العائلة وإنما النظام الحاكم) حكمت من الصين إلى المحيط الأطلنطي ومن جنوب أوروبا إلى وسط أفريقيا.. وقامت به إمبراطوريات ضخمة كالخلافات الراشدة والأموية والعباسية والفاطمية والدول السلجوقية والأيوبية والمملوكية والمغولية والعثمانية، جمعت عشرات-بل مئات-الأعراق والأجناس واللغات والثقافات، وازدحمت كتب التاريخ الإنساني بإسهاماتها في مختلف ميادين السياسة والثقافة والعلوم والفنون وغيرها من مظاهر الحضارة.

حتى أنني كمتخصص في التاريخ أستطيع أن أقول بكل ثقة علمية إن تاريخ الإنسانية لم يشهد حضارة أثرى ولا أعمق ولا أعظم إسهامًا في محتواه من الحضارة الإسلامية.

ولكن المتعصب للعثمانيين يعمي عينيه ويصم أذنيه عن كل هذا ويختصر عظمة المسلمين في دولة العثمانيين، فهو لا يلقي بالًا بالقامات الإسلامية العالية بينما يعظم الأسماء العثمانية الأقل شأنًا.. فهو قد لا يعرف شيئًا عن موسى بن نصير بينما يقدس أرطغرل وعثمان، وهو يجهل من هو أسد الدين شيركوه بينما يدافع عن سليم الأول وسليمان القانوني، وهو يمر بعبد الرحمن الناصر مررورًا غير كريم بينما يثرثر عن عبد الحميد الثاني.

وهو يجهل الجهل الفاحش بتفاصيل أحداث جليلة كفتوح مصر وشمالي أفريقيا والشام والعراق وفارس والأندلس، وانتشار الحضارة الإسلامية في آسيا وأفريقيا بينما يرفع آيات التمجيد لفتح محمد الثاني للقسطنطينية.

وحدث ولا حرج عن عدم اكتراثه بحضارات المسلمين في غرب وجنوب آسيا، وغرب ووسط أفريقيا.. فهي بالنسبة له منطقة معتمة حتى أنه يفاجأ من حين لآخر بوجود مسلمين في الصين أو الهند أو وسط أفريقيا! ولا يتذكر ذلك إلا في نطاق التعاطف مع ما قد يتعرض له بعضهم من إساءات-لأسباب غالبًا سياسية وليست دينية- وكأنما لم يوجد للمسلمين دولة قبل دولة العثمانيين ولم يكن لهم من ذِكر قبل ميلاد أرطغرل وعثمان!

فأي ظلم هذا للتاريخ الإسلامي؟

إهمال القلم وتمجيد السيف

ولأن الدولة العثمانية كانت الأقل إسهامًا في ميادين العلوم والثقافة مقابل انهماكها في الحروب والتوسعات، فإن المتعصب لها بطبيعة الحال يتجاهل دور العلوم والفنون والآداب في عظمة الحضارة الإسلامية، فلا يلقي بالًا لقامات عظيمة كالطبري وابن رشد والغزالي وابن الهيثم وابن النفيس وابن سينا وابن خلدون والمقريزي وغيرهم ممن تضيق عن إنجازاتهم الحضارية كتب التاريخ.. ويختصر دور المسلمين في حروب العثمانيين في الشرق العربي الإسلامي أو في شرق أوروبا، فكأنما قامت الحضارة الإسلامية على السيف والمدفع وليس على القلم والورق ومجالس العلم والجامعات والمكتبات ودور الترجمة..

وإنه لمن المؤسف والموجع أن أجد أجانبًا يعرفون الكثير عن إسهامات الحضارة الإسلامية في ميادين العلم والثقافة بينما يجهل مسلم أمر هذه الإنجازات ولا يعرف سوى أخبار الحرب والعنف

صحيح أن الحرب والسياسة كانتا جزءًا لا ينفصل عن التاريخ الإسلامي، ولكنهما كانتا من "الوسائل" لحماية الدولة والحضارة ولم تكونا "غاية" في حد ذاتهما.. فالمسلم القديم كان يدرك أن الحرب هي أمر بغيض مكروه يلجأ لها مضطرًا لحماية وطنه وحضارته، أو عملًا بقانون عصره القائل بأن "من لا يغزو يُغزَى"، ويستبسل في الدفاع عنها حتى أننا نجد في تاريخنا علماء مثل العز بن عبد السلام وابن تيمية وابن خلدون يضعون القلم جانبًا ويلقون بأنفسهم في أتون الصراع شحذًا للهمم-وإن لم يحملوا السيف- مستبسلين لخدمة أوطانهم..

بلى.. كان المسلم القديم يدرك حقيقة الحرب كضرورة وحقيقة من حقائق الحياة ووسيلة لحماية الحضارة ولكنه لم يكن ينظر لها باعتبار أنها هي الحضارة..

أما التعصب للتاريخ العثماني فقد أنتج لنا أناسًا لا يرون في الحرب سوى غاية، ويختصرون الحضارة في الغزو والقتال، ويمجدون "السلطان الغازي" على حساب "العالم الجليل"..

بالتالي فإن هذا المتعصب لا ينظر للآخر باعتباره "إنسانا يمكن أن نتلاقى معه حضاريًا طالما لم يبدأنا بحرب أو عدوان" وإنما باعتباره "عدوًا حاقدًا" ينبغي سحقه ووطء رقبته وإذلاله..

أعتقد أن هذا يفسر نقطة التلاقي بين التعصب للعثمانيين من ناحية، والتطرف الديني المؤدي غالبًا للعنف والإرهاب من ناحية أخرى.

قد يقول البعض: كان العثمانيون محاطون بالأعداء والمتآمرين فلم يكن لديهم فسحة من الوقت للاهتمام بالثقافة والعلوم والمظاهر السلمية للحضارة.

ولكن هذا القول مردود عليه بأن الحضارة الإسلامية كانت دائمًا محاطة بالأعداء، منذ نشأتها الأولى، من فُرس أو روم أو فرنجة أو مغول أو غيرهم، وكان الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون والفاطميون والسلاطين السلاجقة والزنكيون والأيوبيون والمماليك وحُكام الأندلس يحاربون على أكثر من جبهة في ذات الوقت، ولكنهم لم يهملوا بناء الحضارة، فكان السيف يُحمَل بيد والقلم بأخرى.

بل كانت الحضارة ذاتها سلاحًا ماضيًا يحوّل عدو الأمس لصديق اليوم، حتى أن من أوجه عظمة حضارة المسلمين أنها تجاوزت نواتها العربية فضمت أعراقًا وثقافات فارسية ورومية ومغولية وأوروبية وصهرتها في مزيج حضاري عبقري فقدمت للإنسانية أرقى نماذج التعايش الإنساني..

لماذا الإصرار على تبني النموذج العثماني؟

والسؤال هنا: لماذا يصر هؤلاء-رغم ما سبق-على تبني النموذج العثماني الأحط حضاريًا؟

توجد عدة تفسيرات-يكمل بعضها بعضًا-لذلك

فمن ناحية أولى، فإن العقل الخامل للمتعصب عثمانيًا يستصعب تبني نموذج يقوم على التعب والكد وطلب العلم وتطويره وإخراج محتوى ثري منه، فيميل استسهالًا لنموذج لا يتطلب منه سوى كراهية وشيطنة الآخر ومحاربته وإطلاق صيحات الحرب ضده-حتى وإن كان هذا الآخر ابن وطنه ودينه وأمته-فهو لا يستطيع مثلًا أن يتبنى نموذجي العباسيين والأندلسيين الراعيين للعلوم والترجمة وتلاقي الثقافات وإنتاج المحتويات الثقافية والعلمية والفنية، ولا النماذج السلجوقية والزنكية والأيوبية والمملوكية التي كانت تجل "أهل القلم" نفس إجلالها "أهل السيف".. هو يرى في كل هذا "صداعًا" لرأسه الخاوي فلا يطلب سوى نموذج لا يتطلب منه سوى سلاح وصيحة تكبير.

ومن ناحية ثانية فإن النموذج العثماني يرضي "البارانويا/الشعور المرضي بالاضطهاد" عنده، فهذا المتعصب الذي يعجز عن مجاراة محيطه-الداخلي والعالمي-لا يحاول أن ينقد ذاته وأن يقف على سلبياته ليصلح من شأنه ويعالج نقاط ضعفه ويعلي من شأنه وبالتالي من شأن مجتمعه، وإنما يستمرئ الرثاء لنفسه وتبرير خيبته بأنه ضحية "الحاقدين والمتآمرين"، وهو التفسير نفسه الذي يقدمه "العثمانيون الجدد" لفشل وانحطاط دولة أسلافهم، فلا يرجعون ذلك لسلبياتها وعيوبها وإنما لـ"تآمر العالم عليها".

ومن ناحية أخرى فإن هذا التعصب هو نتاج "القراءة الماضوية للتاريخ"وهي القراءة القائمة على البكاء على الأطلال في مقابل "القرأءة المستقبلية" التي وصفها العلامة عبد الرحمن بن خلدون في مقدمة كتابه "العِبَر وديوان المبتدأ والخبر" بأنها قراءة تقوم على تأمل تاريخ الأمم الماضية لفهم قوانين الحاضر من أجل تلافي أخطاء السابقين واستقراء المستقبل والاستعداد الفعال له..

وللأسف فإن هذه القراءة الماضوية يروج لها أناس أمثال د.علي الصلابي وغيره ممن يحولون التاريخ إلى حائط مبكى يقبع عنده المرء باكيًا مجد أجداده الضائع متهمًا العالم بالتآمر لإفشاله بينما هذا العالم منشغل ببناء حضارته!

ختامًا

أيها المتعصب لنموذج منحط حضاريًا، المتهم لمن ينتقده بأنه حاقد متآمر مأجور كاذب، إن التاريخ غير مطالَب بمجاملة أحد.. وهو لا يرحم من يعابثه فينتقي منه ما يرضي مرض عقله، ولا الخامل المكتفي بالبكاء على الأطلال.. إن عمر أمتك التي تدعي الدفاع عنها أكبر من دولة العثمانيين، وحضارة هذه الأمة أثرى من سيرة سلطان غاز وصرير أقلامها على ورقها أعلى صوتًا من دوي مدافع الدولة العثمانية وصليل سيوفها..

فأفق من غفلتك وأنصف تاريخك، فعار عليك أن يكون لأسلافك تاريخ عظيم يُدَرَس في الجامعات من أدنى الأرض إلى أقصاها وأنت متمسك بذيل أسمال عباءة جثمان عثماني قابع تبكيه والعالم حولك يتحرك بسرعة أكبر من التصديق!

عن "سكاي نيوز عربية"

للمشاركة:

رهاناتُ الطاقة في شرق المتوسط تهدّد تركيا بعزلة دولية

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2020-02-24

ترجمة: مدني قصري
 


"شرق البحر الأبيض المتوسط، بحر من الغاز"، يكفي هذا الاقتباس، من مقال على موقع شركة النفط الإيطالية العملاقة "إيني"، لفهم التحديات الاقتصادية في شرق البحر المتوسط.

أصبح شرق البحر المتوسط اليوم، مسرحاً لسباق حقيقي على المواد الهيدروكربونية من جانب دول البحر المتوسط المعنية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، فإذا كان وجود تركيا أو قبرص في المعادلة مفاجئاً، فإنّ ليبيا وإيطاليا تشكلان المفاجأة الأكبر.

تشير الاستكشافات البحرية إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الإسرائيلية والفلسطينية

ويجري هذا السباق على خلفية التنافس العميق بين مختلف أبطال القضية، الذين يلجؤون إلى التحالفات، ويُظهرون قواتهم العسكرية ببراعة، بهدف الاستفادة القصوى من الوضع، وقبل كل شيء، من الموارد، موضوع الرهان، حيث أعلنت تركيا نشر طائرات مقاتلة بدون طيار في المنطقة، في حين، التزمت الرئاسة الفرنسية تجاه أثينا بإرسال سفن تابعة للبحرية الفرنسية، لدعم القوات اليونانية المتمركزة في بحر إيجه.
سيحاول هذا المقال، تشريح خصوصيات وعموميات الأزمة، من أجل توضيح حجم تحديات الطاقة في المنطقة أولاً، ثم فهم حجم التصعيد الدبلوماسي الأمني وحساسية الموضوع لمختلف الدول المعنية، بشكل أفضل ثانياً.

تقديرات احتياطي النفط والغاز في شرق البحر المتوسط

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009، مما يجعلها المنطقة الأقوى والأوسع من حيث المهام الاستكشافية، وقد قفزت احتياطيات الغاز المؤكدة بنسبة 33.6٪ منذ عام 2009، مَثّل الشرق الأوسط ما نسبته 40.4% منها، بعد أن كان يمثل 31.4٪ عام 2000.

أدت الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز والقليل من رواسب النفط

وتعتبر حالة شرق المتوسط (MEDOR)، لأسباب تقنية وعلمية، أكثر تعقيداً؛ ففي عام 2000، على سبيل المثال، قدّرت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أنّ احتياطيات الغاز يجب أن تبلغ حوالي 2715 مليار متر مكعب، وبعد مرور 10 أعوام، قامت اللجنة نفسها بمراجعة تقديراتها بالكامل، ورأت أنّ المنطقة يجب أن تحتوي على 5765 مليار متر مكعب من الغاز.
أما النفط فهو أقلّ وعوداً من الغاز في شرق البحر الأبيض المتوسط، بشكل عام، حيث مَثل إنتاجه في مياه البحر المتوسط عام 2011، أقل من 6 ٪ من الإنتاج العالمي، وقدّرت دراسة أجرتها هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية عام 2010، احتياطيات النفط في حوض المشرق بـ 1.7 مليار برميل، ما يعني أنّ احتياطيات النفط المعروفة حالياً في البحر المتوسط سترتفع بنسبة 70٪، إذا كانت هذه التقديرات صحيحة.

اقرأ أيضاً: سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة
ومع ذلك، فإنّ الغالبية العظمى من الاستكشافات البحرية، أدت إلى اكتشاف الكثير من رواسب الغاز، والقليل جداً من رواسب النفط.
اكتشافات حديثة.. أصل الاهتمام الحالي بشرق المتوسط
رغم ما مثلّه الخليج من أهمية حيوية في الإنتاج العالمي من الهيدروكربونات، منذ خمسينيات القرن العشرين، إلا أنّ شرق المتوسط  "ميدور" صار موضع اهتمام منذ بضعة أعوام فقط، عقب اكتشاف العديد من حقول الغاز الواعدة بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى
ويعود الاهتمام بشرق المتوسط إلى عام 1999، عندما تم اكتشاف حقل غاز نوا Noa، قبالة ساحل "إسرائيل"، وهكذا تسارعت الاستكشافات، ففي العام التالي، تم اكتشاف رواسب ماري – بي Mari-B، ثم حقلي داليت Dalit وتامار Tamar في عام 2009، وليفياثان Leviathan في عام 2010، وأخيراً أفروديت وتانين Tanin عام 2011.

تحافظ كل دولة في حوض المتوسط على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان

ويمثّل جزء من حقل ليفياثان، الواقع في المياه الإقليمية، أصل اندفاع دول البحر الأبيض المتوسط الأخرى في حوض شرق المتوسط، بسبب حجم الرواسب، فهو يحتوي على حوالي 18 تريليون متر مكعب من الغاز، واستغلاله سيكون كافياً لتزويد "إسرائيل" بالكهرباء التي تحتاجها لـ 30 عاماً قادماً؛ حيث يُعتقد أنّ هذه الرواسب تحتوي على 600 مليون برميل من النفط، وهي موضوع مهمات استكشافية.
وتماشياً مع ليفياثان Leviathan، برزت رواسب تمار أيضاً، التي تحتوي على 10 تريليونات متر مكعب من الغاز، تتم إعادة تقييمها بشكل منتظم على مدار الأعوام، وقد ضاعفت تل أبيب جهود استغلال هذا الحقل الذي، بدأ العمل فيه بعد أقل من 5 أعوام على اكتشافه، عام 2014، حيث تم تشغيل حقل تمار منذ نهاية عام 2018، وهو أمر نادر في هذا المجال الاقتصادي.

وتتعلق الاكتشافات المذكورة أعلاه، والتي تمت منذ عام 1999، بالمياه الإقليمية الإسرائيلية فقط، وتُعدّ قبرص أيضاً واحدة من أكبر الفائزين في الاستكشافات البحرية، حيث إنّ أبرز رواسب الغاز المكتشفة حتى الآن هي تلك التي اكتشفت في المياه القبرصية، والمعروفة باسم "أفروديت"، التي اكتشفتها شركة نوبل إنيرجي Noble Energy الأمريكية عام 2011، التي تعتبر أصل معظم اكتشافات الرواسب الهيدروكربونية في حوض بلاد الشام.

اقرأ أيضاً: تركيا.. أخطبوط أم تخبط؟

وتقدّر احتياطيات حقل "أفروديت" حالياً؛ بحوالي 7 تريليونات متر مكعب من الغاز، وقد بدأت شركة نوبل إنرجي في حفر بئر جديد في 12 في حزيران (يونيو) 2013، حيث تأمل الحكومة القبرصية في اكتشاف كمية كافية من الغاز تصل إلى 30 أو 40 تريليون متر مكعب من احتياطيات الغاز في المنطقة الاقتصادية الخالصة "ZEE" التابعة لقبرص.

يُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز

كما عرضت السلطات القبرصية، عدة كتل استكشافية في المنطقة الاقتصادية الخالصة التابعة لها، في المزادات العلنية، حيث مُنحت في نهاية عام 2012 للعديد من الشركات العابرة للأوطان واتحادات أخرى، فقد فازت العملاقة الإيطالية ENI، والشركة الكورية الجنوبية كوغاز (KOGAS) بالكتل 2 و 3 و 9، بينما فازت شركة توتال الفرنسية بالكتل 10 و 11.
ويُعدّ اكتشاف بئر أفروديت 2، على الجانب الإسرائيلي من الحدود البحرية مع قبرص، اكتشافاً واعداً للغاية في ميدور "شرق المتوسط"، ومن الممكن أن تكون رواسب الغاز الطبيعي الموجودة هناك منبثقة من نفس التكوين الجيولوجي لبئر أفروديت، ويمكن أن تحتوي تقنياً، وفقاً للتقديرات، على حوالي 3 مليارات متر مكعب من الغاز، فإذا تبين أنّ أفروديت 2 مرتبط بنفس البنية الجيولوجية لأفروديت، سيتعين على "إسرائيل" وقبرص التوقيع على اتفاقية استغلال مشترك للحقل.

دان الاتحاد الأوروبي الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط، مُعلناً دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا

وقد تشير الاستكشافات البحرية العديدة الجارية حالياً على الشريط الحدودي في المناطق الاقتصادية الخالصة الإسرائيلية والفلسطينية، إلى وجود رواسب هيدروكربونية غنية هناك، ويُعتقد أن المياه الواقعة قبالة غزة تحتوي على الهيدروكربونات، التي يقدر احتياطها بنحو تريليون متر مكعب من الغاز، وقيل في هذا السياق إنّ السلطة الفلسطينية وإسرائيل ناقشتا في أيلول (سبتمبر) 2012، إمكانية تطوير هذه الاستكشافات البحرية في جميع أنحاء المياه الإقليمية الفلسطينية، ومع ذلك، فلم يظهر أي اتفاق في هذا الشأن.
كما انضمت السلطات اللبنانية، في نيسان (أبريل) 2013، إلى العطاءات، لاقتناء كتل استكشافية في مياهها الإقليمية، فمن بين 52 شركة تقدمت بالعطاءات، تم قبول 46 شركة، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2013، تم منح هذه الكتل للعديد من الفائزين، مقابل إنتاج بدأ في نهاية المطاف عام 2016، وتمتلك المياه اللبنانية، بالفعل، ما تجذب به شركات قطاع الطاقة، فإذا كانت رواسب النفط تمثل مئات الملايين من البراميل، فإن الغاز مرة أخرى، هو المتميز من حيث مادته، مع ما يقترب من 25 تريليون متر مكعب من الاحتياطيات.

بالنسبة لسوريا، فإنّ استكشاف مياهها الإقليمية في حالة توقف تام في الوقت الراهن، بسبب الحرب الأهلية التي هزت البلاد منذ آذار (مارس) 2011، وكانت الحكومة السورية قد قامت ببيع مجموعات استكشافية عن طريق المزاد، ولكن أمام حركات الاحتجاج الأولى، في أوائل عام 2011، فضلت دمشق تأجيل إعلان الفائزين إلى كانون الأول (ديسمبر) من نفس العام، وفي النهاية أعلنت قرارها في تموز (يوليو) 2013 في جلسة مغلقة، فإذا كان الفائزون غير معروفين، فمن المرجح أنّ سوريا قد عقدت، في نيسان (أبريل) 2013، محادثات طويلة مع موسكو وبكين حول الاستكشاف البحري لمياهها الإقليمية، قبل بضعة أشهر من جلسة تموز (يوليو) المغلقة، وإذا كانت نتائج هذه التبادلات غير معروفة، فمن المؤكد أن الوجود البحري الروسي المهيب في الموانئ السورية، في اللاذقية وطرطوس على وجه الخصوص، لا يمكن تفسيره بحجة التزام موسكو العسكري تجاه سوريا، فقط.

إنّ ضيق شرق المتوسط بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية

أمّا البلدان التي تعتمد اعتماداً كبيراً في إنتاج الهيدروكربونات، على جيرانها الشرقيين، مثل؛ المملكة العربية السعودية أو قطر أو العراق أو الكويت، على سبيل المثال، فإنّ الحصول في سواحلها على موارد قادرة على تزويدها ببعض الاكتفاء الذاتي من الطاقة، أو الحدّ من اعتمادها على البلدان الأجنبية، مسألة تحمل بُعداً استراتيجياً للغاية.
في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث لا يزال صدى الصراع التركي اليوناني في قبرص، والذي بدأ عام 1974، يتردد بلا انقطاع، بالإضافة إلى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والاشتباكات والمواجهات في سوريا المجاورة، فإنّ اكتشاف مثل هذه الموارد الطبيعية سيؤدي حتماً إلى تأجيج بعض التوترات الإقليمية، وإثارة توترات جديدة.

سلسلة من الأزمات
لفهم أفضل لخصائص وعموميات الأزمة الجيوسياسية – والجيواقتصادية الدائرة حالياً في شرق البحر المتوسط، من الضروري وضع هذه الأخيرة في سياقها، والتأكيد، أوّلاً وقبل كل شيء، على التعقيد العميق للأزمات المتعددة التي أدت إلى الأزمة القائمة حالياً.

منذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني

بالفعل، كما رأينا في البداية، فمنذ اكتشاف إمكانات الطاقة العالية في حوض شرق المتوسط عام 1999، شرعت دول البحر الأبيض المتوسط في سباق هيدروكربوني، تحاول كل منها الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الوضع، وهو ما أدى إلى إطلاق العنان للعديد من التحالفات، والتراجع عن المعاهدات، والتصعيد الأمني،.. إلخ.
باختصار، هذا هو السياق الذي بدأت فيه الأزمة الدبلوماسية في شرق البحر المتوسط اليوم، لاحتلال موقع مركزي في "ميدور"، على أقل تقدير؛ فجزيرة قبرص مقسمة إلى جمهورية موالية لليونان، في الجنوب، وجمهورية شمال قبرص الموالية لتركيا، حيث يعود تاريخ هذا الجزء من الجزيرة إلى الغزو التركي 20 تموز (يوليو) - 18 آب (أغسطس) 1974، والذي تم تنفيذه كرد فعل لمحاولة الانقلاب التي تم تنظيمها في 15 تموز (يوليو) 1974 بواسطة "ديكتاتورية العقداء" في اليونان، ونتج عن هذا التدخل احتلال تركيا لـ 38٪ من أراضي الجزيرة وانقسامها الجغرافي والسياسي والثقافي إلى قسمين، على الرغم من الجهود المتكررة التي بذلها المجتمع الدولي لإعادة توحيد قبرص، فقد فشلت المفاوضات لتحقيق هذه الغاية بشكل منهجي.

في هذا السياق، وحتى اليوم، لا تزال التوترات بين اليونان وتركيا حادة بشكل خاص، فالحوادث في البحر متكررة، كما يتضح من محاولات خفر السواحل الأتراك ضرْب سفن الصيد اليونانية، وقد يحدث تبادل لإطلاق النار، إنّ العداء بين المتصارعين؛ اليوناني والتركي، والذي تدعمه قبرص، بشقيها الجنوبي والشمالي، يمهد الطريق لسياق جيوسياسي في شرق البحر المتوسط.

اقرأ أيضاً: لماذا خسرت تركيا ورقة إدلب؟ وكيف ضاقت خياراتها في سوريا؟

وتحاول بقية الدول الاستفادة من هذا الوضع، ومن الفرص التي تمكنت من اغتنامها، حيث إنّ ضيق شرق المتوسط، بالنظر إلى عدد البلدان التي لديها نافذة ساحلية عليه (تركيا، سوريا، لبنان، إسرائيل، الأراضي الفلسطينية، مصر، قبرص وشمال قبرص، واليونان)، يفرض على هذه البلدان امتلاك منطقة اقتصادية حصرية، تكون أحياناً ضيقة جداً في أعين قادتها، سيما بعد اكتشاف رواسب الهيدروكربون الغنية في حوض شرق المتوسط.

تشهد احتياطيات الغاز في الشرق الأوسط أسرع نمو في العالم منذ عام 2009 مما يجعلها المنطقة الأوسع من حيث المهام الاستكشافية

وبناءً على هذه المعطيات، تحافظ كل دولة في الحوض، بشكل أو بآخر، على نزاع إقليمي بحري مع جارتها، كإسرائيل ولبنان، على سبيل المثال، اللتان تتبادلان الاتهامات بالتعدي على بعضهما البعض، ولسبب وجيه، لم يوقع الطرفان اتفاقية ثنائية تحدّد الحدود البحرية المشتركة بينهما؛ لأنّ لبنان لا يعترف بدولة إسرائيل.
وكذلك الأمر بين تركيا وقبرص، ففي حين لا تعترف الأخيرة بشمال قبرص، حيث ترى أنّ لها حقاً حصرياً في المنطقة الاقتصادية الخالصة، تؤيد تركيا مُهرَها القبرصي الشمالي الذي يطالب، بدوره، بمنطقة اقتصادية خالصة، تتداخل مع منطقة قبرص، كما تطالب أنقرة بجزء كبير من المناطق الاقتصادية اليونانية الخالصة، على مستوى بحر إيجه، بسبب كوكبة الجزر اليونانية في المنطقة المجاورة للسواحل التركية، وهي الجزر التي تمنح من المناطق الاقتصادية الخالصة لليونان بقدر ما تنتزعها من تركيا.
قانون البحار والتنافس على الهوامش
ينص قانون البحار، وتحديداً؛ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الموقعة في عام 1982 في مونتيغو باي (جامايكا)، على ألا تتجاوز المنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدان ذات الانفتاح على البحر، 200 ميل بحري من خطوط الأساس (متوسط المياه عند انخفاض المد)، أو ألا تتجاوز الحافة الخارجية للجرف القاري (امتداد القارة تحت سطح المحيط)، إن كان أكثر من الـ 200 ميل المذكورة آنفاً، ومع ذلك، في حالة حوض شرق المتوسط، فإنّ تركز البلدان ضمن ضيق شرق البحر المتوسط، يجعل التحديد الدقيق للحدود البحرية مشوشاً وغامضاً، وهو ما تلعب عليه الدول لزيادة هوامشها في المناورات الدبلوماسية والاقتصادية.

اقرأ أيضاً: عمرو موسى: تدخلات إيران وتركيا تؤجج الصراعات في المنطقة
إنّ التنافس على هوامش المناورة، على خلفية الوضع القانوني المشوش والتوترات الجيوسياسية الملحوظة، يمثل في جزء كبير منه، أصلَ الأزمة الحالية في شرق البحر المتوسط.

تداعيات الأزمة

الأزمة الحالية هي امتداد لأزمة عام 2018، والتي كانت، بدورها، نتيجة سلسلة من الأزمات الصغيرة المبعثرة، والتي أضحت خطيرة؛ ففي عام 2002، اعترضت سفينة تابعة للبحرية التركية سفينة استكشاف نرويجية، كانت قبرص قد كلفتها بالحفر في المياه الإقليمية القبرصية التي تطالب بها أنقرة، وفي العام 2007، وضعت قبرص خطة كتلة استكشافية، وأطلقت مناقصة متعلقة بها، لكنّ تركيا، التي لم توقع على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ادعت أنّ إحدى الكتل التي حددتها قبرص ملك لها، مُعتبرة مناقصة نيقوسيا بشأن تلك الكتلة الاستكشافية غير شرعية، ومنذ عام 2008 إلى عام 2014، استمر التصعيد، وشارك فيه عدد متزايد من السفن الحربية التابعة للبحرية التركية، والتي كانت ترافق سفن الاستكشاف التركية في المياه القبرصية التي تطالب بها أنقرة، كما حدث في عام 2014، على سبيل المثال.
تركيا في المياه اليونانية
بدأت أزمة عام 2018 بِبيان أصدره وزير الخارجية التركي؛ ميفلوت تشافوس أوغلو، حيث أعلن في 6 شباط (فبراير)، عن عزم الحكومة التركية على بدء استكشافات بحرية جديدة في المياه اليونانية، وقبل كل شيء، في المياه القبرصية، وازداد التوتر، عندما منعت سفينة تركية في 9 شباط (فبراير)، سفينة الحفر التابعة لشركة ENI الإيطالية من استكشاف إحدى الكتل الاستكشافية التي فازت بها الأخيرة، على أساس أنّ هذه الكتلة تخص شمال قبرص، واستمرت المبارزات الدبلوماسية والأمنية في معظم الجزء المتبقي من عام 2018، مع زعيم حزب المعارضة التركي IYI؛ ميرال أكسينر، الذي دعا إلى غزو جديد لقبرص، لكن الموقف هدأ في نهاية المطاف من تلقاء نفسه، وليس من خلال حلّ حقيقي للمشاكل.
منتدى شرق البحر المتوسط للغاز لمواجهة تركيا
في 16 كانون الثاني (يناير) 2019، قررت الحكومات؛ القبرصية والمصرية واليونانية والإسرائيلية والإيطالية والأردنية والفلسطينية، مواجهة تركيا، من خلال إنشاء "منتدى شرق البحر المتوسط للغاز" EMFG، للإشراف على الحوار والتعاون، بعد ظهور سوق واعدة للغاز في المنطقة، واستبعدت الاتفاقية تركيا، رغم أنّ السلطات اليونانية قالت إنّ أي عضو جديد هو موضع ترحيب، شريطة احترام ميثاق (EMFG).

الاتحاد الأوروبي يُدين تركيا

اجتمع منتدى شرق البحر المتوسط للغاز، مرة أخرى، في تموز (يوليو) 2019، بمشاركة الولايات المتحدة هذه المرة، وبالتزامن مع ذلك، أعلن الاتحاد الأوروبي دعمه لليونان وقبرص ضد تركيا، حيث دان الأعمال التركية في شرق البحر المتوسط.
رسم حدود بحرية بين ليبيا وتركيا في مياه يونانية
رداً على هذه المبادرات وعلى هذا التحالف "المعادي للأتراك"، وقعت تركيا في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، اتفاقية مع حكومة الوفاق الوطني في ليبيا، في إطار تحالف متنامٍ بين الجيش الوطني التركي وحكومة الوفاق، قائم على دعم أنقرة العسكري لحكومة طرابلس ضد حكومة طبرق والمشير حفتر، هذا الاتفاق، ذو الخطوط العريضة الغامضة، والذي روجت له السلطات التركية إعلامياً، يضع، بشكل ما، حدوداً بحرية بين ليبيا وتركيا، استناداً إلى المياه الإقليمية التي يطالب بها البَلَدان حالياً، والتي تقع رسمياً ضمن قوانين اليونان على وجه الخصوص، حيث يهدف إنشاء هذه الحدود البحرية المشتركة، في نهاية المطاف، إلى تشجيع استغلال الموارد البحرية في المنطقة وتسهيل التجارة بين البلدين.
ويتضمن هذا الاتفاق جانباً عسكرياً أيضاً، وقد تمّت إدانته بحزم من قبل أعضاء مجموعة منتدى شرق البحر المتوسط للغاز والاتحاد الأوروبي، إلّا أنّه لا يبدو، في الوقت الحالي، أنّه قد تمت تسويته بأي شكل من الأشكال، على الجانب الاقتصادي على الأقل.
خط أنابيب الشرق الأوسط لإفشال الاتفاق التركي الليبي
رداً على الاتفاق التركي الليبي، وافقت اليونان وقبرص و"إسرائيل"، في 2 كانون الثاني (يناير) 2020، على إنشاء "خط أنابيب الشرق الأوسط"، وهو مشروع قيد النقاش والتأمل منذ عام 2013، تحت رعاية المفوضية الأوروبية، حيث يهدف إلى إنشاء خط أنابيب هيدروكربوني يخدم الاتحاد الأوروبي، عبر إيطاليا، انطلاقاً من "إسرائيل" وقبرص واليونان، دون الاعتماد على تركيا أو قبرص الشمالية أو ليبيا، ومن المتوقع أن يربط خط الأنابيب بِئْرَيْ ليفياثان وأفروديت، وهما أكبر رواسب في "إسرائيل" وقبرص.

تركيا تتحدى وتستكشف في المياه القبرصية

بدأت تركيا، التي قرّرت تحدّي خط أنابيب الشرق الأوسط، استكشافاتها الأولى في المياه الإقليمية القبرصية، عن طريق إرسال سفينة الحفر Yavyz إلى هناك، في 19 كانون الثاني (يناير) 2020، وفي اليوم التالي، أعلنت الجريدة الرسمية للرئاسة التركية عن خطتها لإدارة 5 آبار بحرية في "مياه الجمهورية التركية لشمال قبرص"، أي في المياه الإقليمية الخاضعة رسمياً لقبرص.
تركيا مهددة بعزلة دولية
خلال اجتماع في باريس، بين رئيس الوزراء اليوناني؛ كيرياكوس ميتسوتاكيس، والرئيس الفرنسي؛ إيمانويل ماكرون، في 27 كانون الثاني (يناير)، أكّد الأخير دعمه لليونان، بإرسال وشيك، للسفن البحرية الوطنية الفرنسية إلى شرق البحر الأبيض المتوسط، تحت شعار "ضامنو السلام"، مع تصاعد التوترات بين اليونان وتركيا، ومطالبة الأخيرة أثينا بتجريد  16 جزيرة في بحر إيجة من السلاح، وفي 26 كانون الثاني (يناير) 2020، أعلن وزير الدفاع اليوناني؛ نيكوس باناجيوتوبولوس، أنّ القوات المسلحة اليونانية "درست جميع السيناريوهات، بما في ذلك الالتزام العسكري".
وحتّى إن ظلت فرص حدوث نزاع مسلح حقيقي بين تركيا واليونان و/أو قبرص، فرصاً ضعيفة للغاية، فإنّ الأزمة تتحول حالياً إلى منعطف خطر، يهدد، دبلوماسياً وتاريخياً، بزيادة عزلة تركيا على المسرح الدولي.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية