هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟

3686
عدد القراءات

2019-05-12

ما تزال غالبية الأوساط الدينية في منطقتنا تتحسّس أسلحتها المادية والمعنوية عندما يقترب أحد من مسألة ظهور الإسلام وتطوره عبر الصراع، كتعبير تاريخي لحركة اجتماعية؛ إذ يرون أنّ منهجية البحث تلك تقترب من التفسير الماركسي للدين.
ومع أنّ الدين الإسلامي لا يعارض ذلك التفسير؛ بل استبطنته الآية الكريمة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾، وهو المعنى الذي حلّق حوله فلاسفة الروح الغربيين، من أمثال هيجل، الذين رأوا أنّ حركة الصراع التاريخي المجتمعي، هي التي تفرز في النهاية طبقات حضارية أكثر رقياً من سابقتها.

اقرأ أيضاً: ما الذي يريده المخربون من قبر ماركس؟
في كتابه "التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام"، يساهم مصطفى التواتي في وضع النقاش حول المسألة الدينية في إطارها الملائم، بعيداً عن تبادل الشتائم والتهم بالكفر والزندقة أو بالتخلف والظلامية.
كتاب "التعبير الديني عن الصراع الاجتماعي في الإسلام"

ماركس والإسلام
في البداية؛ يذهب التواتي للبحث عن موقف ماركس وإنجلس، من الدين عموماً، ومن الإسلام خصوصاً؛ فيرى أنّ اهتمامهما يأتي في إطار تحليل المجتمعات الأوروبية، خاصة في أوروبا الغربية، ولذلك ركّزا في دراستهما للمسألة الدينية على الديانة المسيحية، وعلى المذهب الكاثوليكي بالخصوص.

هناك إشارات واضحة إلى انتشار الملكية الخاصة في الشرق الإسلامي قبل الإسلام وبعده وكان الغالب عليها نمط الإنتاج الإقطاعي

بيد أنّ كتاباتهما لم تخلُ من التعرض للإسلام في مقالاتهما الصحفية ورسائلهما، وهذه الآراء لا تمثل دراسات وتحاليل بكل معنى الكلمة، وإنما هي أفكار أتت عرضاً، خلال اهتمامهما بما يعرف آنذاك في السياسة بـ "المسألة الشرقية"، في إطار صراع البلدان الاستعمارية:(فرنسا، وإنجلترا، وهولندا، ...إلخ)، حول بلدان شمال إفريقيا والمشرق العربي والإسلامي والهند، وجاءت هذه الآراء ضمن مقالات صحفية كتباها لبعض الصحف الأمريكية والإنجليزية، وقد تركزت، خاصّة، حول قضية الجزائر والصراع البطولي الذي خاضه الأمير عبد القادر ضدّ قوات الاحتلال الفرنسي.
يقول التواتي: "إلا أنّ مجموع ما كتباه حول هذه المسألة يؤكد أنهما لم يكونا على اطلاع كافٍ على تاريخ المنطقة العربية الإسلامية، أو على التحولات الاجتماعية بمختلف التركيبات التي كانت عليها".
مصطفى التواتي

صور نمطية
صورة شمال إفريقيا في نظر إنجلس تطغى عليها صورة القراصنة الذين كانوا يقطعون على السفن الأوروبية الطريق، ويأسرون راكبيها لبيعهم في أسواق العبيد. كذلك كانت تطغىى عليه أخبار الرحالة حول هؤلاء البدو الذين يعيشون على الغارات والنهب والتقاتل فيما بينهم، ومن هنا كان موقفه السلبي من ثورة عبدالقادر في الجزائر، رغم تنويهه بشجاعته وبطولته في مقاومته للفرنسين، وكذلك كان موقفه من ثورة عرابي في مصر ضدّ الانكليز، فقد كان يرى في الاستعمار عاملاً حضارياً، حتى أنّه، رغم تنديده بوحشية الجيش الفرنسي، رحّب باحتلال الجزائر، وبالقضاء على تمرّد عبدالقادر، معتبراً أنّ ذلك هو الحلّ الوحيد لتأمين طريق أوروبا البحرية، كما رأى أنّ الاحتلال الأوروبي لمثل هذه البلدان المتخلفة، من شأنه أن يسارع بحركة تطوّرها الحضاري.

اقرأ أيضاً: قطار الوعي القادم في آخر النفق: النجاة على طريقة ماركس ونيتشه وفرويد
يؤكد التواتي؛ أنّ ماركس وإنجلس لم يهتما كما ينبغي بحركة التحرر الوطني، ولا بالمسألة الوطنية عموماً، في مواجهة الاستعمار، وهو ما تلافاه المفكرون الماركسيون اللاحقون في هذا النقص، خاصة لينين؛ إذ طوّر النظرية الماركسية في هذا الاتجاه (أي اتجاه حركات التحرر الوطني التي خصص لها جانباً مهمّاً من إنتاجه النظري ومن ممارساته النضالية).
لكنّنا، في الواقع، نشكّك في هذا الاهتمام لدى لينين؛ إذ إنّ الجانب السياسي لديه كان قد طغى على الجانب الأيديولوجي، فباتت المستعمرات الغربية لديه محل اهتمام واستهداف للجذب الأيديولوجي والسياسي الحركي.
لكنّ التواتي لا يرى ذلك؛ إذ إنّه يرجع موقف ماركس وإنجلس إلى أن معلوماتهما كانت ضئيلة، ولم تكن معرفة مباشرة؛ بل كانت مأخوذة مما كتبه الرحالة الأوروبيون، من أمثال بارنيه، وما كان يروَّج في الصحافة الاستعمارية، ورغم ذكر إنجلس للمؤرخ العربي التنويري وللقرآن، فإنه لا يوجد ما يدل حقاً على أنّه قرأهما مباشرة، مع العلم أنّ إنجلس حاول تعلم العربية، ثم سرعان ما عدل عن ذلك؛ بسبب اتساعها وصعوبة كتابتها، وتوجه إلى تعلم الفارسية.
تبريرات عاطفية
يفيض التواتي في التبرير لماركس وإنجلس في موقفهما من استعمار شعوب العالم الثالث، فيقول: "حتى إقامة ماركس بالجزائر، عام 1882، لم يستفد منها كثيراً؛ لأنّه كان مضطراً لملازمة غرفته في النزل بسبب المرض، وكل معلوماته كان يرويها له أحد أصدقائه وهو قاض، ويعترف ماركس نفسه بقلة اطلاعه على ما يُعرف بالمسألة الشرقية".

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!
ولا يتسق هذا مع موقف ماركس الذي أفنى عمره في المطالبة باتحاد طبقة العمال الكادحة في مواجهة الرأسمالية المتغولة، حتى آمن بأنّها ستبصح قدراً يتحقق تلقائياً بفعل "الديالكتيك"، حتى لو لم تتوافر إرداة فعله عبر الثورة المسلحة.
يقدم التواتي فيما سبق لملاحظات ماركس وإنجلس عن الإسلام، الذي لم يكونا يعرفانه وأهله جيداً"، فيقول: "في 2 حزيران (يونيو) 1855، كتب ماركس رسالة إلى إنجلس، قال فيها: "في عصر محمّد علي كان الطريق التجاري بين أوروبا وآسيا قد تبدّل تبدّلاً كبيراً، وكانت مدن جزيرة العرب، التي شغلت قبل ذلك قسطاً كبيراً من التجارة مع الهند وغيرها، كانت في حالة من الانحطاط التجاري، الأمر الذي أعطى، بلا شكّ، دفعاً كبيراً...".
يفيض التواتي في التبرير لماركس وإنجلس في موقفهما من استعمار شعوب العالم الثالث

طبيعة الملكية الفردية
وأما بخصوص الدين؛ فإنّ المسألة تتلخص في هذا السؤال، الذي من السهل الإجابة عنه: "لماذا يبدو تاريخ الشرق وكأنه تاريخ أديان؟"، والجواب: لأنّه لم تكن توجد ملكية خاصة للأرض، وها هنا المفتاح الحقيقي حتى لسماء الشرق...".
ويردّ إنجلس على هذه الرسالة متوسعاً في الملاحظات، قائلاً: "عدم وجود ملكية الأرض هو في الحقيقة مفتاح كلّ أوضاع الشرق، في هذا يكمن تاريخه السياسي والديني، ولكن كيف جرى أنّ الشرقيين لم يصلوا إلى ملكية الأرض، حتى في شكلها الإقطاعي، أعتقد أنّ ذلك مردّه، بصورة رئيسة، إلى المناخ، مأخوذاً في صلته مع طبيعة التربة، خاصة مع المساحات الصحراوية الكبرى التي تمتد من الصحراء الأفريقية عبر جزيرة العرب وفارس والهند وبلاد التتر إلى الهضبة الآسيوية العليا".

التواتي ينصح الباحثين الماركسيين العرب بأن يتخلصوا من ترديد المقولات الجاهزة حتى ولو كان قائلها ماركس أو إنجلس

ويضيف: "خراب تجارة الجنوب العربي (اليمن)، قبل (النبي) محمد، هو العامل الذي رأيته بحق واحداً من العوامل الرئيسة في الثورة المحمدية"، معتبراً أنّ طرد الأحباش من بلاد العرب، قبل أربعين عاماً فقط من ميلاد محمد، يدل على بداية استيقاظ الوعي القومي لدى العرب.
يذكر التواتي؛ أنّ إنجلس يعترف بنقص اطّلاعه على التاريخ التجاري لتلك الفترة.
يقول إنجلس: "إنّني لا أعرف التاريخ التجاري للقرون الميلادية الستة الأولى بصورة كافية"، لتفسير هذا التحوّل في الطرق التجارية من الجنوب، ومن اليمن عبر البحر الأحمر، إلى الشمال، أي من فارس إلى البحر الأسود، أو من الخليج الفارسي إلى سوريا وآسيا الصغرى.
ينقد التواتي الافتراضية التي بنا عليها ماركس نظرته السابقة للجزيرة العربية فيقول: الحقيقة أنّ تعميم القول بانعدام الملكية الخاصة للأرض على المنطقة العربية الإسلامية، لا يمكن الركون إليه بتسليم، خاصة أنّ سبب المناخ وطبيعة الأرض الذي ذكره إنجلس لا يشمل كامل المنطقة؛ إذ كانت توجد أيضاً سهول خصبة ومياه باطنية أو سطحية غزيرة، سواء في اليمن أو في العراق والشام وفلسطين وحوض النيل، وقد كانت هذه المناطق تخضع، في جزءٍ كبير منها، للسلطة البيزنطية، ولا شكّ في أنّها عرفت نمط الإنتاج السائد في بيزنطة، ومن الأكيد اليوم؛ أنّ مصر، مثلاً، عرفت الملكية الإقطاعية للأرض.

اقرأ أيضاً: إخوان الصفا سبقوا ماركس في الانتصار للعمال والمهمشين
يكمل التواتي: "يقول أحد الرحالة المؤرخين القدامى، موضحاً أسباب تسمية سكان اليمن بــ "العرب السعداء": "يسمّون هكذا؛ لأنّهم أغنياء بالزراعات والقطعان، بالنخيل والعطور من كلّ نوع؛ إذ إنّ جزءاً كبيراً من بلادهم بقع من اليمين على البحر الأحمر ومن اليسار على البحر الفارسي، وبذلك يتمتعون بثروات العنصرين، ويوجد هناك كثير من المرافئ والموانئ الآمنة وأماكن تجارية كثيرة، المتصلة ببعضها، كما كانت توجد عدة قصور ملكية رائعة ومترفة، ولهذا الشعب عدد كبير من المدن، الداخلية منها والساحلية، كما توجد الكثير من السهول في الأودية والحقول الخصبة، ...إلخ".
وفي وادي القرى، في الحجاز، تركّزت تجمعات مهمّة من المزارعين، اليهود خاصة، وقد عرفت الطائف، مثلاً، ببساتينها وإنتاجها من العنب والخمور، وتربية الماشية، وتجارة الجلود. كما عرفت خيبر بزراعتها وتمورها.
يستشهد التواتي بابن خلدون بأنّ الصحابة أيام عثمان اقتنوا الضياع والمال

أبحاث غير مكتملة
يقسم الكاتب ملكية الأرض في المرحلة الإسلامية إلى تصوّرين قد عرفتهما: التصور الأول شرع فيه الخليفة الأول، أبو بكر، وعزّزه الخليفة الثالث، عثمان بن عفان؛ ويتمثل في تسليم الأراضي الزراعية المفتوحة، بمن عليها، لتكون إقطاعات للصحابة والقواد والمقربين. وأمّا التصور الثاني؛ فقد نظر له عمر بن الخطاب، وهو الذي أُخذ به غالباً في العصور اللاحقة، ويتمثل في الإبقاء على ملكية الأراضي المفتوحة عنوة، والتي لم يسلم أهلها إلا بعد الهزيمة، لأصحابها يزرعونها على أن يعطوا للدولة مقداراً معلوماً، نقداً أو عيناً، يختلف باختلاف المساحة ودرجة الخصوبة ونوع المنتج، ويسمى "الخِراج".

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب
يستشهد التواتي بابن خلدون، الذي ينقل عن المسعودي، في "مروج الذهب"؛ أنّ الصحابة أيام عثمان اقتنوا الضياع والمال، فكانت قيمة ضياع عثمان بن عفان يوم قتل، بوادي القرى وحنين وغيرهما، مئتي ألف دينار، وكانت غلة طلحة من العراق ألف دينار كلّ يوم، ومن ناحية السراة أكثر من ذلك، وخلف زيد بن ثابت من الضياع ما قيمته ألف دينار.
يرى التواتي أنّ في ذلك إشارات واضحة إلى انتشار الملكية الخاصة في الشرق الإسلامي، قبل ظهور الإسلام وبعده، وكان الغالب على هذه الملكية نمط الإنتاج الإقطاعي، إلى جانب تواجد أقل أهمية للنمط العبودي.
ويرى أنّ العرب الفاتحين حافظوا في البلدان التي فتحوها على علاقات الإنتاج الزراعية السابقة نفسها، وذلك لعدم قدرتهم على تغييرها، خاصة أنّ سياسة الخلفاء، وعمر بن الخطاب منهم، كانت لا تشجعهم على الاستقرار في الزراعة؛ لأنّه يعوّل عليهم في الجندية، وهي الخطة التي ظلت محصورة في العرب، حتى أواخر حكم بني أمية، وكان التنظيم العسكري يعتمد، إلى حدٍّ بعيد، على النظام القَبَلي، ولعلّ هذا السبب، مضافاً إلى ضعف الاستقرار في الزراعة بين صفوف العرب الفاتحين، قد عرقل عملية تفتت الروابط القبلية التي بدأت قبيل الإسلام، وتواصلت بشكل أهم عندما عوضت العصبية الدينية العصبية القبلية، سواء في حياة النبي ﷺ، أو عند توحيد الجزيرة العربية تحت راية الدين الجديد، في فترة خلافة كلّ من أبي بكر وعمر، إثر ما عُرف بـ "حروف الرِّدّة".

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع
ومع أنّ التواتي يصف نفسه، في مقدمة كتابه، بـ "الماركسي"، إلا أنّه ينصح الباحثين الماركسيين العرب بأن يتخلصوا من ترديد المقولات الجاهزة، حتى ولو كان قائلها ماركس أو إنجلس، وإعادة النظر في التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للمنطقة في العصر الوسيط، ولذا؛ هو يرى أنّ بحثه هذا ما يزال في حاجة أكيدة إلى الدراسة والتحليل.
فيقول: "حتى لو سلّمنا بانعدام الملكية الخاصة للأرض لدى الشرقيين، فإنّه يبقى غير واضح هذا الترابط بين هذه الظاهرة وما يبدو من أنّ تاريخ الشرق هو تاريخ أديان، مما يؤكد أنّ ماركس وإنجلس لم يتوصلا في الحقيقة إلى صياغة نظرية متكاملة في هذا الشأن، وإنما كان ما كتباه مجرد خواطر للفهم، لم يُكتب لها التعمّق".

اقرأ المزيد...

الوسوم: