محمد أبو عزيز: خصوصية الخط العربي أدخلته عالم الفنون من أوسع أبوابه

5356
عدد القراءات

2018-10-17

قال الفنان التشكيلي الأردني محمد أبو عزيز، إنّ للخط العربي قيمه الحضارية والدينية والجمالية التي لا تموت، وأنّه رغم خصومته مع التكنولوجيا التي لا تتمكن من إبراز جماليات الحرف العربي وليونته حتى اللحظة، إلا أنه يستمر بإبهار العالم كلما ظهر في المعارض واللوحات الفنية ومسابقات الخط العربي العالمية.

الخط العربي شكّل لفترات تاريخية طويلة المعنى الحقيقي لوجودنا وجمال عربيّتنا

وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّ ما يتميز به الخط العربي عن باقي خطوط العالم ليونته وموسيقاه، إضافةً إلى نسب رسمه الخاصة به، وله فلسفته التي تمكنه من أن يدخل عالمي الغرافيك والنقش من أوسع أبوابهما، مستدركاً أنّ معظم من ينسبون أنفسهم إلى مهنة الخط اليوم لا يفقهون عموماً حتى أبسط جمالياته وتراكيبه، وتختلط عليهم العديد من أسراره.

يذكر أنّ أبو عزيز، خريج معهد الفنون الجميلة بجامعة اليرموك، وهو عضو رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين وجمعية الخطاطين الأردنيين، وأقام عدة معارض شخصية وجماعية داخل الأردن وخارجه.

وهنا نص الحوار:

ما سر عناية الحضارة الإسلامية بفن الخط العربي وإبداعها فيه؟

كون العرب كانوا أصحاب مكانةٍ في الفكر واللسان، كان لا بد لشيء موازٍ كي يستطيع أن يرفع هذه المكانة، ويمكّنهم من ترسيخ معارفهم ودينهم وفكرهم؛ أي بمعنى أنه ثمة لغة يتحقق حضورها شفوياً وتحتاج للترسيخ، ومع دخول الأعاجم في الإسلام، أصبح العرب بحاجة لمنهاج وتوثيق ومحافظة، على ما جاء به الإسلام، وأن تتم الكتابة أو التدوين بلغة قريش، التي فيها ألسن عربية، ومن الباب الأوسع؛ كان طبيعياً كذلك للمنتصر أن يؤرخ للمرحلة القادمة، مما جعل العرب يبدعون في الخط العربي والإسلامي، من أجل التدوين.

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان

وفي هذا السياق لا يسعني سوى القول إنّ الخط العربي يعتبر أهم أعمدة الحضارة العربية والإسلامية، ونحن كعرب يحق لنا أن نتباهى به أمام الشعوب كافة؛ فهو شكل لفتراتٍ تاريخية طويلة المعنى الحقيقي لوجودنا وجمال عربيّتنا، كما إنه لسان اليد؛ المعبر عن الخواطر، ورسول الفكر الناقل لمآثر الأوائل.

من الأعمال الحروفية للفنان أبو عزيز

كيف ترى أهمية الخط العربي فضلاً عن تدوين القرآن الكريم والضرورة الدينية التي بدأ مشواره يتوسع من خلالها؟

أرى أنّ الدين الإسلامي هو الذي ارتبط بالخط العربي، ولا أحد ينكر أنّ من رسّخ الخط العربي ليومنا هذا هو القرآن الكريم، فمن تدوينه زمن الخليفة عثمان، رضي الله عنه؛ حيث كُتب بخطوط قاسية ودونما تشكيل، مروراً بليونة الخط بفضل الخطاط "قطبة المحرر" الذي له الفضل الكبير بتليين الحروف في زمن الأمويين، وليس انتهاء بفضل بعض الخطاطين العثمانيين، الذين أبدعوا خط النسخ الذي يحمل اسمه من مهمته الأساسية، والمتعلقة بنسخ القرآن الكريم، ويعد هذا الخط صعباً، فهو سهلٌ ممتنع من حيث التقنية، لكنه مقروء وواضح المعالم ورشيق، ويعد من الكتابات اللينة، وبالطبع، تم تشكيله بدقة، خوفاً من الوقوع في أي لبسٍ في قراءة كلماته أو معانيها.

يعد الحرف العربي من أجمل حروف الدنيا وربما يرجع ذلك إلى ضبطه ضمن مفاهيم علم التشريح والقياس

أيضاً، كان لهذا النوع من الخطوط مكانة أخرى في حياتنا العلمية والعملية، فقد بقينا ندوّن به كل معاملاتنا الرسمية، وظل هذا موجوداً حتى منتصف القرن الماضي؛ أي كان خط النسخ يدخل في كل شيء. ومع التطور التكنولوجي وزمن السرعة والفضائيات، أصبح لدينا حاجة ماسة لتطوير "الاستعمال والضرورة" للخطوط، واستخدامها بما يواكب هذا التطور الكوني.

إلا أنّ الخط العربي دخل كذلك في أعمال حداثية ومعاصرة للعديد من الفنانين التشكيليين العرب. ولذا، فهو لا يزال يحقق هوية حضاريّة وعربيّة، وبعيداً عما إذا ما كان الخط العربي بمميزاته وخصوصياته، يمثل تميزاً إبستمولوجياً (معرفياً) على الصعيد العربي أو العالمي، كما يعتبره البعض، فإنّ له في جميع الحالات، أهميته البصرية والتاريخية والجمالية، ولا يزال.

الخط الكوفي القديم وأسراره، يقع ضمن أعمال أبو عزيز

نشهد صراعاً أو سجالاً بين السلعة والتكنولوجيا من جهة والخط كفن يدوي من جهةٍ أخرى، أين أصبح هذا الفن اليوم؟

لا شك أنّ للخط العربي وظيفتين؛ الأولى: جمالية، فأينما ظهر أبهر كما يقال، فإنّ الخط العربي الواضح يزيد الحق وضوحاً، أما الوظيفة الثانية: وظيفية؛ أي بمعنى أنه دخل في تزيين القطع الخزفية ودخل في الكتابة على المعادن ولا ننسى المسكوكات والبرديات قديماً، وكذلك في المعاملات... إلخ.

للخط فلسفته التي تمكنه من أن يدخل عالمي الجرافيك والنقش من أوسع أبوابهما

أما حالياً، فمعظم من ينسبون أنفسهم إلى مهنة الخط لا يفقهون عموماً حتى أبسط جمالياته وتراكيبه، وتختلط عليهم العديد من أسراره، لذا يلجأون إلى الحاسوب معتبرينه الآلة التي ستساعدهم على تجاوز تعقيدات هذا الفن العريق لأنها بصمة صعبة وعميقة، مما سيسهل عليهم عملهم ويقصي أهمية الخط للأسف.

وفي هذا الشأن أقول: الخط العربي أكثر الخطوط مخاصمة للتكنولوجيا، ويعزى ذلك إلى عدم استطاعة نقاط الشاشة (نقاط رقمية) استيعاب أسرار هذا الحرف الرشيق واللين، بينما ينجح الحاسوب في إعادة تمثيل حروف الكتابات الهندسية بصرياً في أغلب الأحيان.

وكوننا حالياً في عصر السرعة والتكنولوجيا، فإنّ التقنيات أصبحت في سباق مستمر مع الإبداعات الفنية، وربما لا أعارض ذلك إذا كان مجدياً من الناحية التجارية، لكن هذا لا يخدم فنياً الوراقين والكتّاب والخطاطين، ومع أنّنا في الوقت الراهن نرى التنوع واستخدام خطوط اليد تطبع من خلال الشاشة الحريرية على خامات عديدة ومتنوعة. وتوصل رسالتها، وإن كانت مصبوغة بصبغة تجارية. غير أنّ قيمة الخط العربي، بانسيابيته وليونته، كأن خطوطه تتناسب والموسيقى الآتية من مخارج الحروف، وهو ما يجعله خطاً بديعاً ومتميزاً عن كافة خطوط العالم، وهذا يصعب تحصيله تكنولوجياً.

يتميز الخط العربي عن باقي خطوط العالم بليونته وموسيقاه إضافة إلى نسب رسمه الخاصة به

ويبقى الخط محافظاً على مكانته، حتى تلك الرسمية، بفضل بعض البلدان العربية التي تهتم بهذا الفن العربي، ولا أنسى هنا دور تركيا التي لها الفضل بعمل مسابقة "الأرسيكا" للخط العربي، ويشارك فيها معظم الخطاطين من مختلف أنحاء العالم، مستخدمين مهارات كتابة الخط الكلاسيكية والمتوارثة، ومستخدمين الأحبار العربية والورق "المقهر" الخاص بالتخطيط.

ما هي أهم التغييرات التي لحقت بالخط العربي خاصة مع دخوله مجال الفنون التشكيلية؟

مر الخط العربي بمراحل متعددة، ويرجع الفضل في ترسيخ قواعده خلال أواخر مراحله الكلاسيكية إلى الخطاط "حمد الله الأماسي" الذي يطلق عليه لقب  (قبلة الخطاطين)، فله إضافة فريدة تتمثل في وضع أنماط لرسم الخط العربي من خلال قواعد تعتمد على الأسس التشريحية لجسم الإنسان (بحسب مقاييس الرسم التشريحي).

اقرأ أيضاً: خلف كل لوحة قصة.. ماذا تفعل هذه المرأة المنقبة على الدراجة النارية؟

وقد حظي الحرف العربي باهتمام الفنانين الغربيين أيضاً، مثل "بول كلي" الذي أدرك جماليّته، ومع نهاية الأربعينيات من القرن الماضي بدأت ملامح "الحروفية" العربية على أيدي نخبة من الفنانين العرب أمثال: جميل حمودي وشاكر آل سعيد ومديحة عمر ووجيه نحلة... وتعني الحروفية عموماً استخدام الحرف العربي في الفنون التشكيلية وفق أساليب معاصرة، وليس فقط في التخطيط والكتابة.

من خلال النحت والحرف، يحاول الفنان إظهار حرية المعنى والأفكار في أعماله

لك مساهمات مع الخط العربي كفن، وقمت فيها بمحاكاة الواقع الاجتماعي والسياسي القائم اليوم، كيف تصف هذه التجربة؟

أنا دائم التجريب والبحث والتقصي عن جمالياتٍ وأفكارٍ جديدة، فمنذ مطلع التسعينيات واكبت وعملت في أكثر من تجربة، وقمت تحديداً بتوثيق بعض الأحداث من خلال محاكاة للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني، كما قمت بعمل "بوستر" لقرية "نحالين" الفلسطينية إثر مجزرة وقعت فيها من قبل قوات الاحتلال الصهيوني.  وكذلك رسم كاريكاتوري لـ غزة، والكثير من الأحداث...

يوجد اهتمام عربي كبير من دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأعوام العشرة الماضية بالخط العربي

أما من ناحية توظيف الحرف العربي، بداية كنت أرى بأنه لا يعني لي أي شيء، إذا أضفت حرفاً على سطح عملي التصويري أو لوحتي، لكن قناعتي بإمكانية الخط التعبيرية عن الهوية، أدت بي إلى ما مفاده أنّ للخط فلسفته التي تمكنه من أن يدخل عالمي الغرافيك والنقش من أوسع أبوابهما، وفعلاً، قمت بأعمالٍ غرافيكية وظفت فيها الحرف العربي مستخدماً أشعاراً صوفية، أما من ناحية النحت، فقد عملت بالخشب، ومن ثم استعنت بمادة الرخام، وركزت على حرف "الحاء" في النحت، كونه حرفاً يحمل العديد من الدلالات، وهنا؛ أذكر زميلي الفنان التشكيلي "عبد الرؤوف شمعون" عندما سلّم علي، وأنا أقف داخل مجسم لحرف الحاء قمت بنحته، وقال لي: هذه "حرية الحركة". الحاء حرف الحرية، وكذلك حرف الحركة.

ما زلت أخوض وأغوص في ماهيّة الحرف كي أخرج برؤية حداثية أعمق، تليق كمضمون بما نتعايش معه في زمن السرعة والرقميات.

الإتقان والحرفية تميزان الخط العربي المرسوم بيد الفنان

مثلت "تقاسم الملح" تجربة فريدة بمزاوجة الخط والتشكيل، هلاّ حدثتنا عنها؟

اخترت الحرف العربي لأنني أود أن أدخل إلى الفن من أوسع أبواب فصاحة هذا الحرف، لفظاً وكتابة وفكراً، لذا فإن تجربة "تقاسم الملح" هي مجموعة نصوصٍ مكتوبة على حصائر من الملح، حيث تمت التجربة في البحر الميت، أخفض بقعة في العالم، واخترنا نصوصاً لكبار الفلاسفة والشعراء والمفكرين، والتي ارتبطت ارتباطاً كلياً بالموضوع، وبدلالة الملح وما يحمله من رسائل إنسانية وكونيّة، فمن النص المقدس آخذ "أنتم ملح الأرض فإن فسد الملح بماذا يملّح" ومن الشاعر "آرتورو رامبو": الأزلية هي البحر ذاهباً مع الشمس"، مروراً بعبارة لي: "لنترك ظلنا ونحلم. فالحلم مرآته ملح"، وأصبحت فكرة تقاسم الرؤى الفلسفية فوق الملح، تجربةً عميقة مع شريكي في المشروع المصور الفرنسي "جان لو دو سوفرزاك".

عملنا في جو حارٍ للغاية، إلا أننا تركنا معظم معالم تجربتنا هناك ولم توثق جيداً مع الأسف!! لكنها حظيت باهتمامٍ كبير في فرنسا آنذاك، من خلال الكاتب "آلان غريش" مدير تحرير صحيفة "اللوموند" حينها، كما إنها عرضت في معهد العالم العربي بباريس، إلا أنها في بلدي، لم تحظ بأي اهتمام !!.

كيف ترى مستقبل الخط العربي وموقعه ضمن خريطة الفنون العالميةً؟

لا شك أنّ الحرف العربي يعد من أجمل حروف الدنيا وربما يرجع ذلك إلى ضبطه ضمن مفاهيم علم التشريح والقياس، لذا يتمتع بالنسبة الذهبية التي تميزه عن غيره، كما أنه يحمل في طياته اللفظ والمعنى، وعلى سبيل المثال: حرف "ع"، له دلالة صوتية وذهنية، تحيل إلى العين (البشرية)، وعندما نخطّه بخطيّ النسخ والثلث، أو خط التعليق، نبدأ برسمه من خلال شكلٍ يشبه حاجب العين (على شكل قوس تماماً كما هو الحاجب في الحقيقة).

وتوجد إشكاليات وجدل بين اللغويين والفلاسفة بشأن الخط وقواعده ودلالاته، فمنهم من يقول بأن ثمة علاقة بين الدال والمدلول؛ أي بين شكل الخط وقواعد رسمه، وكذلك دلالاته، وآخرون يقولون إنّ هذه الحالة اعتباطية ولا أساس لها من الصحة.

اقرأ أيضاً: فنان أردني يعلم مكفوفين الرسم عبر حاسة الشم: المخيلة ترى

وبغض النظر، أرى أن الحرف والصوت والمعنى والمفهوم، لها جميعاً وقع داخل النفس البشرية إذا تعرض لها الإنسان من بداية حياته،  ويوفر الحرف العربي كل هذه الأشياء معاً، ولا شك أيضاً أن ذلك ربما لا ينطبق على لغات أخرى، لذا أقول إنّ العلاقة بين هذه الأشياء، وبين الخط والفهم الإنساني له، هي علاقة نسبية.

ففي لغتنا العربية إيقاع كذلك، فلو استمعت لمقرئ يجوّد لغة القرآن الكريم أو مؤذن للصلاة على سبيل المثال، فثمة موسيقى مميزة تمس الروح، وخاصة عندما يقول حيّ على الصلاة مثلاً، هنا تظهر قدرة الحروف القوية على ملامسة الروح والجسد، بمعناها، وبليونتها. إنّ الخط وحروفه، يعبران عن معنى في الروح، وعن مبنى في الفكر والجسد، وهذا يمنح الخط العربي كفنٍ وتراث، ديمومته، مهما بدا متلاشياً من الحياة العامة في بعض الأحيان.

اقرأ أيضاً: كيف حوّل الفنان المسلم محاذير الفقهاء إلى إبداع يسرّ الناظرين؟

ويمكن إدراك، أن موضوع عالمية الخط العربي، كبير وشائك نوعاً ما، وثمة مثال طالما أضعه بين أيدي طلابي الذي يرغبون بتعلم الخط العربي، إنني أسألهم: لماذا سُمي القلم باسمه هذا؟، ثم أجيبهم بالقول: سمي بالقلم لأنه كان يُقلم؛ أي يقطع، ونقول: تقليم الظفر وتقليم أغصان الأشجار، "القلم لا يكون قلماً إلا إذا بُري وأصلح وإلا فهو كالأسطوانة أو أنبوبة" كما جاء عند بعضهم. إن مهمة الخط العربي بحروفه، هي مهمةٌ فنية، ثقافية، وكذلك تحتاج إلى نوعٍ من تقليم المعنى، والأفكار، وهي مهمةٌ تعبر عنها الحروف التي تعمل بحرفيةٍ عالية، من أجل تمثيل المعنى بصرياً، بعد أن كان لغوياً او شفوياً فقط.

اقرأ أيضاً: "المسيح ميتاً".. قصة لوحة سحقت دوستويفسكي

وأرى أنه لهذه الأسباب ولغيرها، فإن الاهتمام بالخط العربي لا يموت، بدليل ما أبدته دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الأعوام العشرة الماضية في هذا المجال، بعد إيعاز من حاكم الشارقة للاهتمام بهذا الفن العريق، فنشطت كل من الشارقة ودبي بمعارض الخط العربي والمسابقات، وكذلك دولة الكويت ممثلة بمركز الكويت للفنون والزخرفة الإسلامية، وأيضاً؛ مسابقة قطر في نسخ المصحف الشريف.. الخ. ولا ننسى العراق فهو سبّاق في هذا المجال، وكل هذا، أدى إلى حركة نشطة بهذا المجال مما استدعى العالم بأسره الانتباه لما يحصل من ازدهار أخذ يواكب فنون العالم محققاً حضور وجمالية عالية برأيي، وما يزال.

اقرأ المزيد...

الوسوم: