الصلاة والأدعية في الإسلام وكيفية إدراج الإنسان في سياق قدسي

في ظلّ التنوّع الديني واختلاف مصادره، إلا أنّ هناك مجموعة من القيم المعرفية والسلوكية، والتصورات الإيمانية، عبرت عنها الأديان في شرائعها بصور مختلفة. ومن بين تلك الأمور، التي تقاسمتها المرجعيات الدينية، وجعلتها بوابة العبور للإيمان، واكتساب هوية الجماعة الجديدة التي ستلتحق بزمرتها، تحديد منظومة طقوسية واحدة تقريباً ألزمت بها أتباعها، عبر الانخراط في مجموعة من الشعائر التي تتميز بها؛ مثل الصلاة والصوم والحج.

اقرأ أيضاً: لماذا تثير إمامة المرأة في الصلاة الجدل؟

وتؤدي المنظومة الطقوسية في الدين، أي دين، دوراً مؤثراً على عدة مستويات؛ فهي تحافظ على الدين من الاندثار وتربط الدنيوي بالمقدس، حيث "تنقل الإنسان من وضع قلق ومشوش إلي وضع مطمئن، من خلال إدراجه في سياق قدسي، خارج الإطار الدنيوي الذي يعيش فيه"، كما يوضح الباحث التونسي، عبدالرحيم بوهاها، المدرس بالجامعة التونسية، في كتابه: "طقوس العبور في الإسلام".

ولطالما كان الإنسان البدائي، يعتقد في الأرواح العليا، وبعض الموجودات التي يقدسها من الطبيعة أو خارجها؛ فيردد أسماءها للاستعانة بها، كلما اشتدت عليه النوائب والمصائب، بهدف العون والمؤازرة، ما أدى إلى تعدد وتراكم صيغ وأشكال الصلوات، في فضاء الإنسان المؤمن، الذي ظلّ يتهالك على تأديتها وممارستها، بأشكال متفاوتة، سواء لتمجيد الآلهة أو إرضائها.

 

الأدعية والصلوات

وتوثق ذلك بعض النصوص الدينية القديمة، كما يرد في "يسنا" من دين زرادشت، الذي يضم مجموعة من الأدعية والصلوات، مثل: "وبواسطة صلاتي هذه يامزدا، أرجو منك أن تطرد الأرواح الشريرة والخبائث".

اقرأ أيضاً: صلاة استسقاء بعموم السعودية.. وجدل حول ارتباط قلة المطر بالذنوب

الصلاة احتلت، وفق ذلك، ركناً أساسياً، وموقعا مركزياً في الأديان كافة، حتى البدائية، مهما تفاوتت تعبيراتها، وتنوّعت أشكالها، باختلاف الشعوب والأديان؛ فثمة أديان تمارس صلواتها بالغناء والموسيقى، وأخرى بالصمت والتأمل، لكنها، في كل الأحوال، تظل أحد مظاهر تعلق الإنسان بإلهه، واستدعاء المقدس في حياته، للدعاء والمناجاة وقضاء مصالحه ورغباته.

كانت صلاة الاستسقاء تقام عند انحباس المطر، حيث كان الرسول يدعو الله في صلاته أن ينزل الغيث على عباده

الصلاة في اللغة، تعني الدعاء والرحمة والاستغفار، وهي كلمة آرامية بالأساس، ومشتقة من المصدر "صلى"، ومعناها ركع وانحنى، كما يوضح لسان العرب لـ"ابن منظور"، بينما انتقلت إلى اللغة العربية قبل الإسلام، عن طريق أهل الكتاب، وتحديداً اليهودية، فأصبحت لفظة آرامية عبرانية، حيث وردت في التوراة، التي استعملت هذه اللفظة "صلوته"، قبل أن يستعيرها القرآن الكريم بالمعنى الديني المعروف، وتتحول في ظل الدعوة الإسلامية إلى أحد أركان الإيمان، وطقس خاص، له شكل وأداء محددان.

وبخلاف الصلوات الخمس التي يؤديها المسلمون في مواقيتها، هناك صلوات أخرى يمكن أن نعرج على تفاصيل وملابسات نشوئها، والإحاطة بها من الناحيتين التاريخية والدينية، ومعرفة الحادثة أو الواقعة، التي خلفت معها مبرر ظهور هذه الصلاة وضرورتها، بالإضافة إلى ما رافقها من اختلاف بعد ذلك بين الفقهاء، في ما يتصل بالقيام بها وممارسة شعائرها، بعد زوال سببها مثل؛ صلاة الغائب، وصلاة الخوف، وصلاة الكسوف والخسوف، وصلاة الاستسقاء.

 

 

 

 

عندما بلغ الرسولَ خبر وفاة النجاشي

وبحسب المفكر العراقي، جواد علي، فإنّ الرسول، عليه السلام، عندما بلغه خبر وفاة النجاشي، أحد ملوك الحبشة، والتي هاجر إليها بعض الصحابة، رضي الله عنهم، مرتين، في السنة الخامسة من الدعوة، وتشير بعض المصادر إلى أنه دخل الإسلام، دعا الصحابة للصلاة عليه صلاته على الميت، وكانت تلك الواقعة الأولى لما عرف بـ"صلاة الغائب"؛ حيث لم يصلِّ عليه أحد؛ بسبب عدم وجود مسلمين في الأرض التي مات فيها.

أفتى الأزهر الشريف بجواز صلاة الخوف لرجال الشرطة والجيش وسائر رجال الأمن والحراسات والتناوب في أداء الصلاة

يختلف بعض الفقهاء في أمر صلاة الغائب، ويعتبرون الغرض قد سقط منها، طالما صلى المسلمون على الميت عند وفاته، حتى لو مات خارج وطنه، وبعيداً عن أهله وجماعته.

كانت صلاة الاستسقاء تقام عند انحباس المطر؛ حيث كان الرسول، عليه السلام، يدعو الله تعالى، في صلاته أن ينزل الغيث على عباده، كما تشير المصنفات التاريخية، وتوضح في أخبارها أنّ الرسول، عليه السلام، لم يكن يتقيد بموضع معين في استسقائه، حيث اكتفى بالدعاء، مرة، من دون صلاة، لكنه إذا صلى "كان يتجه في صلاة الاستسقاء نحو القبلة، متواضعاً، متخشعاً، متوسلاً، متضرعاً، ويرفع يديه بالدعاء، وقد بالغ في الرفع حتى بدا بياض إبطيه".

تقام صلاة الاستسقاء عند انحباس المطر فكان النبي يدعو الله في صلاته أن ينزل الغيث

وبحسب "المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، يكشف جواد علي، عن وجود صلاة الاستسقاء، في التاريخ السابق على الإسلام؛ في المسيحية واليهودية، وكذلك لدى اليونان والرومان؛ حيث كانوا يصلون صلاة الاستسقاء، وفي حال عدم نزول الغيث كانوا يعمدون إلى السحر.

الجاهليون ونزول المطر

كما صلى الجاهليون من أجل نزول المطر، وكانت لهم طقوسهم الخاصة، حيث كانوا يجمعون البقر، ويعقدون في أذنابها وعراقيبها السلع، ثم يصعدون بها نحو الجبل الوعر، ويشعلون فيها النار، وكانوا يسمونها بـ "نار الاستمطار"، وتؤدي لنزول الغيث.

يختلف بعض الفقهاء في أمر صلاة الغائب ويعتبرون الغرض قد سقط منها طالما صلى المسلمون على الميت عند وفاته

ومما ورد في كتاب: "إمتاع الأسماع" لدى المقريزي، فإنّ الرسول، عليه السلام، صلى صلاة الخسوف بين السنة الخامسة أو السادسة هجرياً؛ حيث خرج إلى المسجد "مسرعاً فزعاً يجر رداءه، وكان كسوفها في أول النهار.. فتقدم، فصلى ركعتين".

وبالرغم من وجود اختلافات بين الروايات في عدد الركعات التي أداها الرسول، عليه السلام، في صلاتي الخسوف والكسوف، لكن الثابت بين كل المرويات، هو صلاته لهما في مسجده بالمدينة، وليس في مكان آخر أو بالعراء.

ويضاف إلى ذلك، أنّ الرسول، عليه السلام، خطب بعد صلاته الأولى لخسوف الشمس، الذي صادف حدوثه يوم وفاة ابنه إبراهيم، فاجتمع بالناس وقال لهم: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله أكبر، وكبروا وتصدقوا..".

صلى النبي صلاة الخسوف حيث صادف يومها وفاة ابنه إبراهيم

صلاة الخسوف

في تموز (يوليو) العام الحالي، الذي صادف حدوث ظاهرة الخسوف الكلي للقمر، دعت دار الإفتاء المصرية، إلى أداء صلاة الخسوف، واعتبرت صلاتي الكسوف والخسوف بمثابة "سنّة مؤكدة"؛ حيث تصلى ركعتين، ثم يخطب بعدها الإمام، ويحث على التوبة والدعاء والذكر والصدقات.

اقرأ أيضاً: فرنسا: احتجاج على صلاة المسلمين في الشوارع

وأوضحت دار الإفتاء المصرية: "إن صلاتي الكسوف والخسوف تصليان جماعة، وينادى لهما بـ"الصلاة جامعة"، ولا ينادى لها بالأذان؛ فإن الأذان للصلوات المكتوبة فقط".

صلاة الخوف

أما صلاة الخوف فتتفاوت الروايات حولها، وحول الواقعة المتصلة بها، ومن ثم، العام الذي شهد أمر حدوثها، فضلاً عن عدد الركعات والسجود فيها؛ فهي بين السنة الخامسة والسادسة، بحسب ترجيحات الرواة، كالواقدي وابن إسحاق؛ فالأخير، يرى أنّ صلاة الخوف إنما كانت في غزوة ذات الرقاع، بعد غزوة بني النضير، ويرجح المقريزي نزول الأمر بصلاة الخوف في غزوة عسقان.

وفي تفسير ابن كثير، فإنّ صلاة الخوف وردت في سورة النساء، وجاء النص بها في المدينة، وبينما تتباين الآراء حول المعركة والسنة التي رافقت نزولها، وركعاتها التي تتراوح بين واحدة أو اثنتين، إلا أنّ قصر الصلاة تزامن معها في نفس اليوم، كما يشير الطبري.

أفتى الأزهر بجواز صلاة الخوف لرجال الشرطة والجيش المصري

قبل أربعة أعوام، وفي ظل الحوادث الإرهابية التي استهدفت الجيش والشرطة في مصر، بالإضافة إلى الكنائس وبعض الشخصيات العامة، أفتى الأزهر الشريف، بجواز صلاة الخوف لرجال الشرطة والجيش وسائر رجال الأمن والحراسات.

اقرأ أيضاً: دين المسلمين وأيديولوجيا الإسلاميين

وجاءت الفتوى، بالتزامن مع الهجوم الذي أسفر عن مقتل ستة من أفراد الشرطة العسكرية، في حي مسطرد؛ حيث أكد الأزهر جواز صلاة الخوف، والتناوب في أداء الصلاة، بحيث يصلي فريق ويقوم الفريق الآخر بالحراسة، "نظراً لما يتعرضون له من الاعتداء والغدر في نقاط الحراسة أثناء أداء واجبهم، من أناس لا يتقون الله في دينهم ولا وطنهم، فاستهدفوا الراكعين الساجدين ممن يسهرون على أمن الوطن وسلامته".

الأقسام: