حسين المرصفي.. أوّل أزهري أشار إلى العلمانية

حسين المرصفي.. أوّل أزهري أشار إلى العلمانية

مشاهدة

12/11/2018

"من أجلاء العلماء وأفاضلهم، له اليد الطولى في كلّ فنّ، وقلَّ أن يسمع شيئاً إلا وحفظه، وتصدَّر للتدريس، وقرأ بالأزهر كبار الكتب، وكان منفتحاً على مختلف الثقافات، واستطاع بقوة إرادته تعلّم الفرنسية خلال فترة وجيزة"، هذه ترجمة الرائد، علي مبارك، للشيخ حسين المرصفي، الذي سطع نجمه وسط عتمة الجمود والتقليد التي أطبقت على الأزهر، ضمن مفكّرين وشيوخ اعتادت أنفسهم وعقولهم حبّ التفكير والنقد والتجديد.

اقرأ أيضاً: ما دور الأزهر والإخوان المسلمين في حرف مصر عن العلمانية؟

لم يكن المرصفي شيخاً أزهرياً تقليدياً، كمعاصريه وأترابه من الشيوخ؛ بل كان أستاذاً في اللغة والتربية والسياسة؛ إذ إنّه بعد التحاقه بالأزهر استطاع أن يهضم علومه التقليدية، ويغلب معاصريه فيها؛ بل تطلّع إلى ثقافات أجنبية أخرى، كان الاهتمام بها في وقته يُعدّ ضرباً من الجنون؛ بل ضرباً من الكُفر، فاستطاع تعلّم الفرنسية في وقت قياسي، ليكتسب إلى جانب ثقافته العربية الثقافة الفرنسية.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي أم العلمانية.. أين يكمن الخطر الحقيقي؟

استعين بالشيخ، عام 1871، في تدريس الأدب العربي ومدارسه للمعلمين، بقاعة قصر درب الجماميز بالقاهرة، وبعدها بعام؛ كان من أوائل الشيوخ الذين كان لهم السبق في التدريس بمدرسة "دار العلوم"، فاستمرّ فيها مدرّساً نحو ثمانية عشر عاماً، حتى وافته المنية عام 1890.

شيخ الأدباء في عصره

كان المرصفي من أولئك الشيوخ الذين امتلكوا رؤية علمية وإصلاحية كبيرة، اتّسقت مع الحالة العامة للبلاد المصرية آنذاك؛ في ظلّ نموذج التحديث الذي تبنّاه الخديوي إسماعيل (1863– 1879)، الذي نال التعليم في عصره اهتماماً لم يسبق إليه؛ إذ عُمّم التعليم العام، منذ عام 1869.

لم يكن المرصفي شيخاً أزهرياً تقليدياً، كمعاصريه وأترابه من الشيوخ؛ بل كان أستاذاً في اللغة والتربية والسياسة

تلك النهضة أسّست لجيل عظيم من المجددين، انضووا جميعهم تحت لواء مجلة "روضة المدارس"، التي أنشأها الرائد الكبير، علي باشا مبارك، لتعبّر عن حالة التحديث والتطوير التي شهدتها مصر حينها، فضمَّت المجلة، إلى جانب الشيخ المرصفي؛ رفاعة الطهطاوي، ومحمود الفلكي، وعبد الله باشا فكري، وغيرهم من مفكري ذلك الزمان، وكان الشيخ المرصفي صاحب يد طولى بينهم؛ لإجادته أكثر من فنّ وتخصّص.

لكنّ الشيخ لم ينل من الشهرة ما ناله رفاعة رافع الطهطاوي، رغم أنّه لا يقلّ عنه، بل يكاد يفوقه بتأسيس عِلميْن: علم النقد الأدبي الحديث، وعلم الدلالة السياسي؛ وقد وُصف بأنه شيخ الأدباء في عصره.

كتاب "الوسيلة الأدبية" وأثره في النهضة الأدبية الحديثة

يعدّ "الوسيلة الأدبية إلى العلوم العربية" كتاباً بالغ التأثير في النقد العربي الحديث، حتى أنّ العميد طه حسين، قد أشار غير مرة، إلى أنّه من أهمّ الكتب التي تركت أثراً أدبياً كبيراً في نفسه، وقد قارنه البعض بكتاب "فنّ الشعر" (لأرسطو) الذي أثّر في نهضة أوروبا الأدبية الحديثة.

جُمع الكتاب من طائفة من محاضرات الشيخ المرصفي، التي ألقاها على طلاب مدرسة "دار العلوم"؛ وقد عرّف في جزئه الأول؛ الأدب، وفقه اللغة، واللغة ذاتها، وعلم النحو، مستهلّاً كلّ باب من أبواب الكتاب بدراسة تاريخية، تؤصّل لنشأة العلم الذي يتناوله، والتعريف بأشهر رجالاته.

اقرأ أيضاً: هل يتعارض الإسلام مع العلمانية؟

أما الجزءُ الثاني منه؛ فقد تحدّث عن علم البلاغة وفنونها الثلاثة: البيان والمعاني والبديع، وتناول بشيء من التفصيل علم العَرُوض والقوافي، وطرائق كتابة الإنشاء والتعبير الأدبي، وأنهى الجزء بمجموعة من الرسائل النثرية لبعض الكتّاب.

بلغ المرصفي في كتابه هذا مبلغاً عظيماً من بدع التذوّق الأدبي، الذي لم يُسبق إليه إطلاقاً، وسبق عصره فيه؛ حين تذوّق اللغة بعيداً عن تشاغله، كغيره، بالزخارف اللفظية والمحسّنات البديعية التي تصرف الذهن عن الاهتمام والتفكير بالمعنى، إن كان موجوداً لديهم من الأساس.

إشارات أولى لعلمانية الدولة

كان المرصفي أول أزهري؛ بل عربي، يصنّف كتاباً في علم الدلالة السياسي؛ ففي كتابه الطريف "الكلِم الثمان"، وهو، في نظري، أهمّ كتبه وأخطرها على الإطلاق؛ ضمّن تعريفات ثمانية مصطلحات سياسية، هي: "الأمّة، الوطن، الحكومة، العدل، الظلم، السياسة، الحرية، التربية"، وبرز في الكتاب إدراك الرجل لأهمية السياسة في بناء الأوطان، وحاجة الأمة إلى معرفة مصطلحاتها ودلالاتها.

كان من الشيوخ الذين امتلكوا رؤية علمية وإصلاحية اتّسقت مع الحالة العامة لمصر آنذاك

بدأ كتابه بمصطلح (الأمة)، الذي كان واعياً تماماً بأهميته، وكان يقصد الأمّة المصرية لا غير، ومما يثير العجب؛ أنّ الرجل، في تعريفه للأمة/ الدولة لم يجعل الدين مقوماً من مقوماتها، ولا جزءاً أساسياً فيها؛ فهو يحدّد الوطن بأنه "رقعة جغرافية ولغة واحدة تجمع المواطنين"، وتحاشى الخوض في موقع الدين بالنسبة إلى الدولة، الأمر الذي جعل بعض الباحثين العرب والغربيين يعدّونه أول أزهري وعربي يستخدم المفهوم العلماني لاصطلاح الأمة؛ بتجاهله التركيز على عامل الدين في بناء الدولة.

وقد انعكست في كتابه دراساته وقراءته في التراث الفرنسي عموماً، والتراث السياسي منه خصوصاً؛ فقد جعل المرصفي وظيفة الدولة قاصرة على الوظائف الأساسية المعروفة في النظرية الليبرالية، القائمة على المذهب الفردي، الذي يجعل لحرية الفرد في الحياة نصيباً عظيماً.

اقرأ أيضاً: ماكرون.. الكنيسة والعلمانية والإسلام الفرنسي

ولم يغفل في كتابه الجوانب الاجتماعية والتربوية؛ وهي جوانب لا تستغني عنها أمة من الأمم؛ فانتقد الخرافات الدينية التي يكلف بها الوعاظ وشيوخ الأزهر، كما انتقد حالة التعليم، وافتقاره إلى منهج واضح يتناسق مع أذهان الناشئة، وصرَف جزءاً من كتابه إلى التنبيه إلى سوء أحوال الفلاحين والعمال والموظفين، وغير ذلك من أمور تكشف بجلاء سعة أفق الرجل، وموسوعية اطلاعه وتجاربه العلمية والاجتماعية والتربوية.

إذاً، رغم انتمائه إلى مؤسسة دينية محافظة، إلا أنّ المرصفي كان واعياً بأهمية التجديد والتحديث، والاقتداء بالنماذج المتقدمة حضارياً، وإن كانت غربية، وهو ما نحن في حاجة إليه اليوم؛ لأنّ التجديد والحداثة ضرورتان ومطلبان لا ينبغي التفريط بهما، أو التنازل عنهما، مهما كانت التداعيات، ومهما كانت العقبات.

الصفحة الرئيسية