لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟

لماذا لا توجد برامج لإعادة تأهيل الإرهابيين في أمريكا؟

مشاهدة

16/09/2018

خلّفت الحقبة، التي تلت هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، القيامّية (Apocalyptic) الكثير من التغيرات؛ في "بنية" و"سلوك" الدول، في مختلف قارات العالم، وعلى رأس هذه التغيرات "الحرب الطويلة"؛ التي لم تنته على الإرهاب العالمي، التي رفعت منذ بدايتها، عقب 11 أيلول (سبتمبر)، راية الغزو العسكري، واستخدام "القوة الخشنة"، والعمليات الاستخبارية المعقدة، واستخدام احدث تقنيات مكافحة الإرهاب والقضاء على الإرهابيين؛ من خلال التوسّع باستخدام آليات العولمة التكنولوجية، خاصة استخدام الذكاء الصناعي، والطائرات بدون طيار، وتسطُّح المجّمع الاستخباري العالمي؛ حتى أصبحت أجهزة مخابرات العالم، وكأنّها جهاز مركزي واحد، للمرة الأولى في التاريخ، من خلال تشارك وتقاسم المعلومات الاستخبارية السرية.

اقرأ أيضاً: صناعة الإرهاب المتوحش.. رحلة في عقل تكفيري

في المقابل؛ أصبحت الأطراف الفاعلة من غير الدول "الجماعات والمنظمات الإرهابية"، بفضل استخدامها آليات العولمة التكنولوجية، أكثر خطراً وفتكاً، وأخذت تهدّد الأمن والسلم العالمي والاقتصاد العالمي وبرامج التنمية الشاملة.

وكان من أهم النتائج الفورية التي أعقبت تلك الهجمات؛ التوسّع في برامج "مكافحة التطرف العنيف"، و"إعادة التأهيل والإدماج والرعاية اللاحقة" للإرهابيين، التي بدأت في الانتشار في الكثير من الدول التي عانت من خطر الإرهاب، وما تزال تعاني من آثار الجماعات الإرهابية، وترزح تحت تهديد خطر هذه الجماعات، خاصة الجماعات الإسلاموية، بشقيها؛ السنّي والشيعي، التي سيطرت على المشهد العالمي منذ أواخر السبعينيات، وانفلات موجة التطرف الديني العنيف، عقب ثورة الخميني، في إيران بعد 1979، حتى أصبح مفهوم الإرهاب العالمي اليوم مرتبطاً بالجماعات والمنظمات الإرهابية الإسلاموية.

مثلث الأخطار العالمية

يواجه المجتمع العالمي، في الحقبة الحالية من العولمة، مثلثاً من الأخطار والتحديات، يتكون من ثلاثة أضلاع هي: التطرف العنيف، والأيديولوجيا الإقصائية التي تنفي الآخر، والإرهاب العالمي.

خلّفت الحقبة التي تلت هجمات 11 أيلول الكثير من التغيرات في بنية وسلوك الدول

هذه الأضلاع المترابطة ومتبادلة التأثير، تشكّل تحديات أمنية للأطراف الفاعلة من الدول، وخطراً يهدد الاستقرار الاجتماعي والأمن العالمي؛ لذلك فإن فشل المجتمع الدولي والمؤسسات الحكومية في مواجهة مثلت الأخطار هذا، ستكون النتائج كارثية ومتخطية للحدود القومية للدول، ومثال ذلك؛ خطر المقاتلين الإرهابيين الأجانب في سوريا والعراق؛ الذين بلغ عددهم، عام 2018، قرابة (41000)، انسلّوا من 121 دولة في العالم.

سينتشر التطرف العنيف والإرهاب أكثر، إذا لم يتم التعامل معهما بشكل مناسب وحصيف، ولا يكفي أن تقوم الحكومات بتعزيز قدراتها الهجومية "الخشنة" على الإرهاب؛ بل لا بدّ من مزجها بالأساليب "الناعمة"، من خلال مبادرات لبرامج مكافحة التطرف وإعادة تأهيل الإرهابيين؛ لأنّ كلّ إرهابي، سواء كان داخل السجن أو خارجه، يمكن أن يكون أداة لتجنيد إرهابيين جدد، وحتى الإرهابيين الموتى؛ يمكن أن يكونوا أداة تجنيد ودعاية  للإرهابيين الجدد، ومثال ذلك: أسامة بن لادن، وأبو مصعب الزرقاوي؛ اللّذين تحوّلا إلى" شهداء" في نظر أفراد الجماعات الإرهابية؛ لذلك يتخذونهم مثالاً، فيحذون حذوهم.

في المقابل؛ فإنّ المتطرفين والإرهابيين المعاد تأهيلهم، يمكن أن يكونوا مفيدين جداً في معركة العلاقات العامة في مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف.

اقرأ أيضاً: كيف ينتهي الإرهاب؟

بالطبع؛ فإنّه ليس هناك حلّ سهل لتحديات مكافحة الراديكالية، وإعادة التأهيل، ومن هنا تبرز ضرورة "بناء إستراتيجية شاملة لمواجهة التطرف العنيف (CVE)" على أن تتكون من ثلاثة برامج مترابطة:

الأول: منع الراديكالية، والثاني: إعادة التأهيل، والثالث: وقائي يقوم على التدخل المبكر، للحيلولة دون انخراط الأفراد والمجتمعات في التطرف العنيف.

التجربة الأمريكية

يتحدث خبير الإرهاب الأمريكي المشهور، والمستشار في معهد بروكينغز، براين مايكل جنكينز(Brian Michael Jenkins) ،2018 ، عن أصل معضلة الإرهاب ومكافحة الإرهاب المعاصر، مستحضراً التجربة الأمريكية مع مكافحة التطرف العنيف، خاصة اليمين المتطرف، وهي تجربة أعمق وأقدم في التاريخ الأمريكي الحديث من تجربة الإرهاب العالمي، ومكافحة الإرهاب التي بدأت فصولها التراجيدية عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، وهي: أنّ جزءاً بسيطاً من المتطرفين، بشكل عام، يصبحون إرهابيين، وليس من الممكن أن تطلق النار على كلّ الإرهابيين مرة واحدة، وفي الوقت نفسه؛ فإنّ السجون والمعتقلات للإرهابيين ليست هي الحلّ الوحيد؛ بل حلٌ مؤقّت، وليس حلاً جذرياً.

يمكن للمتطرفين المعاد تأهيلهم أن يكونوا مفيدين في معركة العلاقات العامة في مكافحة الإرهاب

ولذلك؛ فإنه من المهم البحث عن أساليب ووسائل لكسر حلقة الإرهاب (الجهادية)؛ التي تبدأ عادة بالميول الراديكالية للأفراد (مع ملاحظة أنّ (Jenkins) يستخدم كلمة "جهاديين" وليس إرهابيين).

ويؤكّد (Jenkins)، وأوافقه الرأي؛ أنّ إعادة التأهيل عملية معقدة ومختلفة المقاربات؛ لذلك هي ليست موعظة دينية لإمام يتحدث فيها عن السلوك الصحيح للأفراد فقط. ومكافحة "الراديكالية" عملية سلوكية معقدة، وتساهم فيها مقاربات كثيرة من مختلف الحقول والتخصصات في العلوم الإنسانية والعلوم البحتة.

يمثّل (Jenkins)، بكل وضوح المدرسة، أو المقاربة، الأمريكية في التعامل مع ظاهرة الإرهاب العالمي، وكلّ ما يتعلق بهذه الظاهرة؛ ابتداء بمكافحة الإرهاب، إلى النظرة في ملف إعادة التأهيل والإدماج، وهو -كغيره من منظري الظاهرة الأمريكيين- لا يخرجون عن مقاربات المدرسة "الواقعية" في السياسة والعلاقات الدولية، والدراسات الأمنية؛ التي ترى في الدولة "وحدة التحليل" الأهم في دراسة السياسة الدولية، والطرف الفاعل الوحيد والمسيطر في السياسة الدولية. وبالتالي؛ تقلل من شأن "الأطراف الفاعلة من غير الدول"، وأهمها الجماعات الإرهابية، مثل القاعدة وداعش وبوكو حرام، وغيرها من جماعات تاريخية قومية ويسارية، معظمها ترك السلاح وانخرط في العملية السياسية، أو انتهى تحت ضغط الحرب العسكرية الشاملة. وبالطبع؛ فإنّ هذه المدرسة تشكّك في قدرة الجماعات الإرهابية على تغيير بنية وسلوك الدولة.

اقرأ أيضاً: استحداث قسم خاص لمكافحة التطرف في ألمانيا.. ما هي مهامه؟

ولذلك يشير (Jenkins) إلى سهولة ملاحظة غياب برامج إعادة تأهيل الإرهابيين في السجون الأمريكية، وهذا واضح ومفهوم؛ لأنّ المقاربة الأمريكية في مكافحة الإرهاب تفضل المقاربة التقليدية والقانون التقليدي، وتقوم أساساً على الحرب الوقائية، ولا ترى في الإرهاب إلّا نوعاً من "الجرائم العنيفة". وبالتالي؛ فإنّ عقوبة الإرهابي هي؛ إما القتل في عمليات مكافحة الإرهاب، أو خلال تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الاعتقال طويل الأجل، دون تخفيض العقوبة، ودون برامج إعادة تأهيل.
ويؤكد أنّه، حتى عام 2017؛ يُعتقد أنّ هناك (35%) من الإرهابيين (الجهاديّين)؛ الذين أُفرج عنهم من معتقل غوانتنامو؛ الذي لا توجد فيه أية برامج لإعادة التأهيل، أو جهود "لمنع الراديكالية"، عادوا ليصبحوا قياديين نشطاء في الجماعات الإرهابية (الجهادية).

خلاصة حديث (Jenkins): إنّه، نظراً إلى قلة عدد الإرهابيين (الجهاديّين)، في أمريكا، وقلة عدد العمليات الإرهابية التي يرتكبها هؤلاء فيها، مقارنة بدول أخرى في العالم؛ فإنّهم لا يشكّلون مشكلة تستحق الاهتمام ببرامج إعادة التأهيل والدمج والرعاية اللاحقة، والتعامل معهم، قانونياً وسياسياً وأمنياً، لا يختلف عن التعامل مع الجرائم العنيفة الأخرى في أمريكا.

يُعتقد أنّ 35% من الإرهابيين الذين أُفرج عنهم من معتقل غوانتنامو عادوا ليصبحوا قيادين لجماعات إرهابية

إنّ إستراتيجية مكافحة التطرف العنيف (CVE)؛ التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي السابق، بارك أوباما، خلال الفترة بين 2009-2017، كانت تستهدف التفاعل والمشاركة (engage) مع المجتمعات الإسلامية، في محاولة لمنع الراديكالية والتطرف العنيف، لكنّ أوباما، ويا للسخرية، لم يفِ بوعده بإغلاق معتقل غوانتانامو، وعلاوة على ذلك؛ لم تطبَّق فيه أية برامج لإعادة التأهيل والإدماج!

ومعلوم؛ أنّ تلك الإستراتيجية جاءت أصلاً رداً على إستراتيجية "الحرب العالمية على الإرهاب"، المثيرة للجدل، التي أعلنها الرئيس الأمريكي الأسبق، جورج بوش الابن، عقب هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001؛ التي عاد الرئيس الأمريكي الحالي، دونالد ترامب، عام 2017، إلى تبنّيها؛ من خلال العودة إلى استخدام المقاربة الخشنة في مكافحة الإرهاب، بحجة أنّ تلك المقاربة لم تكن فعّالة.

اقرأ أيضاً: لماذا تخرق إيران حظر السلاح وتدعم الإرهابيين في الصومال؟

إنّ مسيرة الإدارات الأمريكية في إدارة ملف مكافحة الإرهاب والحرب على الإرهاب؛ من الحرب ضدّ طالبان إلى غزو العراق، والأخطاء المتراكمة التي دفعت، في النهاية، إلى زيادة خطر الإرهاب العالمي الإسلاموي، وظهور تنظيم داعش الذي استقطب مقاتلين من (121) دولة في العالم، الذين يشكّلون خطراً محتملاً في المستقبل القريب على دولهم، في حال عودتهم، إضافة إلى خطر ظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة.

أعتقد بأنّ هذا هو ما دفع البعض، عشية الذكرى السابعة عشرة لهجمات 11 سبتمبر، إلى التصريح بأنّ تنظيم القاعدة هو الذي انتصر في النهاية في الحرب العالمية على الإرهاب العالمي؛ بسبب ضيق العقل الأمريكي.

الصفحة الرئيسية