ما الإسلام السياسي؟: صراع التأويلات وسياق النشأة (٢-٢)

ما الإسلام السياسي؟: صراع التأويلات وسياق النشأة (٢-٢)

مشاهدة

18/02/2019

إصلاح دينيّ سابق

شهد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين موجةً مما سيُطلق عليها لاحقاً بالإصلاح الإسلامي في العالم العربيّ. ترافقت هذه الموجة الحادّة من الإصلاح مع التغلغل الاستعماري الكبير للقوى الاستعمارية في مصر، الأمر الذي رافقته مواجهة شرسة بين ما عدّه الإصلاحيّون علمانيّة غربيّة مع قيم الإسلام.

اقرأ أيضاً: ما الإسلام السياسي؟: صراع التأويلات وسياق النشأة (١-٢)

يمكن، بكثيرٍ من التبسيط، الافتراض بأنّ الشخصيات المحوريّة في هذا الإصلاح السابق على نشوء الإسلامويّة -أي حركة الإخوان المسلمين في مصر، التي ستُعدّ الجماعة/التنظيم الأكثر تأثيراً في العالم كلّه-، هي جمال الدين الأفغانيّ ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا. في الواقع، مثّل الأخير حلقةً مهمّة، لا سيّما علاقة الشيخ حسن البنا به، وقربه وتعلّمه منه.

الحركة الإصلاحيّة من عبده للأفغاني ورضا كانت تحاول العودة للإسلام "الحقيقي" الذي مُلئ، بحسبهم، بالبدع وعدم القيام بمهمّة الاجتهاد

في كتابه بالإنجليزيّة "الحركات الإسلامويّة الحديثة: التاريخ، والدين، والسياسة"، يفصّل عالم الأديان جون أرماجاني الطبيعة الإصلاحيّة التي يمكن القول إنّها عبّدت السبيل لنشوء الإسلام السياسيّ في مصر الذي، بطبيعة الحال، هو مختلف عنها في نواح كثيرة. يُشير أرماجاني إلى العلاقة التي قلّما تُدرَس بين البنا ورشيد رضا، حينما كان البنا يتوجّه إلى الأخير طالباً المشورة في العلم والدعوة(1)  قبل نشوء الحركة الإسلامويّة الإخوانيّة ١٩٢٨م. رشيد رضا، بالنسبة إلى البنا، كان رجل علم، وقد تلقّى تعليمه على الشيخ محمد عبده الذي كان واعياً بالمأزق الإسلاميّ الذي وصل إليه المسلمون ولا بدّ من حلّ.

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟

بالنسبة إلى الإصلاحيين الثلاثة السابقين، كان هناك كولونياليّة غربيّة و"قيم علمانيّة" تغزو العالم الإسلاميّ ولا بدّ من تفعيل القيم الإسلاميّة لمواجهة هذا التيار الجارف، مع إيمانهم العميق بالتواصل والقدرة على الاستجابة الإسلاميّة لمسألة الحداثة، التي غالباً ما فهموها على شكل تطوير وتحديث، بعيداً عن الرؤى الميتافيزيقيّة للحداثة. وكان السؤال المتعلّق بقدرة الإسلام على قبول التحدي أمام الحداثة في أعلى مراحله؛ وهنا يمكننا تسييق مناظرة الأفغانيّ مع المستشرق رينان، حينما اتهم الأخير الإسلام بـ"دونيّته" عن المسيحيّة واليهوديّة، يدافع الأفغانيّ عن تفوق الإسلام.

اقرأ أيضاً: دولة جماعات الإسلام السياسي المستحيلة

كما أشرتُ في المقال السابق، كانت كلمة أو مصطلح "إسلاميّ" قد اكتسبت الغموض الكامل في هذه الأحيان، من التناقش والتجادل بين المثقفين العرب الإصلاحيين والمستشرقين الذين فرضوا، كلاهما، أداة مصطلحيّة (ترمنولوجيا) جديدة للحديث عن الإسلام. والعجيب، أنّ في هذا الشرط الجديد من الصراع، يغدو المدافع عن الإسلام والمناوئ له في مرتبة خطابيّة واحدة. في هذا السّياق، يمكن لنا العودة لمحاورة الأفغاني ورينان أيضاً. إنّها محاورة الأصلانيّ في مواجهة المستشرق الكولونياليّ، حيث يظن الأفغاني أنّه على النقيض من رينان، في حين أنّ الخطابين مشروطان بشروط خطابية واحدة. ويوضح إدوارد سعيد في كتابه المهم ‘"الثقافة والإمبريالية" كيف أنّ لهجة الأفغاني "لطيفة"؛ فالأفغاني مثله مثل محامين سابقين في الهند الكولونيالية كان من الناس الذين يكافحون من أجل إيجاد مكان لهم في الإطار الثقافي الذي يشاركون الغرب فيه. فعندما يتحدث رينان عن "دونية" الإسلام عن المسيحية واليهودية، يتحدث الأفغانيّ عن "أفضلية" الإسلام وكيف أنّ الغرب قد اقتبس في نهضته منه. إنّه الخطاب نفسه المتبادل، ولكن في صورة تناقضية؛ حيث يسعى الأصلانيّ إلى إظهار دينه باعتباره جزءاً من سيرورة الحضارة (الغربية بكل تأكيد).

اقرأ أيضاً: في غياب السؤال النظري لدى الإسلام السياسي

وكان الحل الإصلاحيّ هو العودة إلى قيم الإسلام الحقيقيّة، أو الإسلام "الحقيقي"، من أجل مواجهة العلمانيّة والاستعمار الغربيين. هذه الفرضيّة؛ أي البحث عن الإسلام "الحقيقي"، هي التي سيلتهمها حسن البنا من الإصلاح السابق عليه، مع التأكيد على اختلاف رؤاه عن رؤى المنظرين الإصلاحيين من قبله.

البحث عن الإسلام "الأصيل"

بالنسبة إلى الشيخ حسن البنا، الذي عاش، كما أشرنا في المقال السابق، في خضمّ مجتمع متجّه نحو التغرّب والنمط الأوروبيّ من السلوكات التي عُدَّت علمانيّة، فإنّ ظروف الاستعمار وعصور الانحدار قد أدّت إلى ما يمكن تسميته بـ"تدين منحرف" عن مرامي الإسلام الحقيقيّة، ولا بدّ من أجل وحدة الأمّة المسلمة أن يقوم نظام سياسيّ يحمل أيديولوجيا إسلاميّة للعودة إلى الإسلام "الحقيقي". في الحقيقة، فإنّ العودة إلى الإسلام "الحقيقي" و"الأصيل" لا يتميّز بها طرحُ البنا وحده؛ بل إنّه طرحٌ شمل معظم التيارات الأيديولوجيّة على الساحة حينها. فالسلفيّة، من جهتها، متمثّلة في محمد رشيد رضا وغيره كانت آنذاك، كما يشير هنري لوزيير(2) ، سلفيّة "نقاويّة" تبحث عن الإسلام النقيّ، الخالي من الشوائب. وأيضاً، فإنّ الحركة الإصلاحيّة من محمد عبده إلى الأفغاني ورشيد رضا الأول (الإصلاحيّ، أمّا رشيد رضا الثاني فهو أقرب للسلفيّة الطهرانيّة) كانت هي أيضاً تحاول العودة إلى الإسلام "الحقيقي" الذي مُلئ بحسبهم بالبدع والتقاعس وعدم القيام بمهمّة الاجتهاد.

خرجَ البنا على التقليد الإصلاحيّ السابق له الذي لم يسعَ لخلْق تنظيم سياسيّ يغيّر هيكلة المجتمع

إذاً، كان الصراعُ على الإسلام في الداخل الإسلاميّ متمثلاً في إعادة تعريف الإسلام هذه المرّة، ولكنّه الإسلام "الحقيقي". ورغم تشابه المسعى للبحث عن هذا الإسلام النقيّ بين التيارات الأيديولوجيّة المتباينة آنذاك، إلّا أنّ لكلّ تيار فهمَه لما يعنيه الإسلام "الحقيقي". بالنسبة إلى محمد عبده والإصلاحيين على شاكلته، تمثّل هذا الإسلام "الحقيقي" في دعوة الإسلام إلى العقل بدءاً من التوحيد(3) ، وتفعيل الجانب النقديّ في الإسلام والعقلانيّ لمحاولة الاشتباك مع مُحدثات العصر والحداثة الغربيّة الوافدة. وبالنسبة إلى السلفيّة مترامية الأطراف، تمثّل في العودة إلى فكرة السلف الصالح، قبل ما يُسمّى بـ"عصور الخِلاف".

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي التقليدي والديمقراطي وإشكالية الحريات

أمّا فكرة البنا عن الإسلام "الحقيقي" فقد كانت جديدة على التقليد الإسلاميّ. فقد كان التقليدُ الإسلاميّ مبنيّاً على فكرة أنّ الإسلام، كوحيٍ من الله تعالى، هو شريعة يُلتزَم بها سلوكيّاً وأخلاقيّاً وعِباديّاً، في الأحوال الشخصيّة كما في الأحوال العامّة. كانت الشريعة بالأحرى إطاراً أخلاقيّاً وممارسيّاً في الآن نفسه. بيد أنّ البنا سيخترع فكرة "شموليّة الإسلام" على نحوٍ لم يكن تتمّ مفهمة الإسلام من قبل به. فبالنسبة إليه، شموليّة الإسلام تعني أنّ الإسلام دين ودولة، أونظام حكم. وهو الاختلاق المفاهيميّ المُستحدَث إسلامويّاً بخصوص فكرة "الدولة" في الإسلام التي لم تكن بحالٍ هي الدولة الناشئة والتي حاول البنّا تخيّلها.

اقرأ أيضاً: كارثة الإسلام السياسي ومظلتها الغربية

ورغم أنّ ما اتفقت عليه التيارات الأيديولوجيّة حينها هو ضرورة البحث عن الإسلام "الحقيقي"، إلّا أنّ ما لم يقوموا بالاتفاق عليه هو عدم تحديدهم الواضح لما يعنيه مصطلح "إسلام" و"إسلاميّ" الناجمين كفئتين تصنيفتين إبستمولوجيتيْن. يشيرُ جوزيف مسعد، بذكاء، في كتابه "الإسلام في الليبراليّة" إلى تلك المعضلة، قائلاً: "يشكّل غيابُ الإجماع على ماهيّة الإسلام إحدى الصعوبات التي تعوق تحليل ما أصبح يُعنى بالإسلام ويدلّ عليه منذ القرن التاسع عشر. فهل الإسلامُ اسمُ لدينٍ، أم لموقع جغرافيّ، هويّةٌ مجتمعيّة؟ وهل هو مفهومٌ، أم مصطلح تقنيّ، أم علامة، أم تصنيف (taxonomy)(4) ؟‘‘.

البنا وتأسيس الجماعة: التنظيم الهوياتيّ (5)

أسّس حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين عام ١٩٢٨ كما هو معلوم. كان البنا مدفوعاً برؤية إسلاميّة إصلاحيّة، كما بينت، يمكن إرجاعها إلى أفكار محمد عبده والأفغانيّ في "العروة الوثقى" ورشيد رضا في مجلته المشهورة "المنار". خلقت أزمة انهيار الخلافة مأزقاً متعلّقاً بالشرعيّة الإسلاميّة، وبالحاكم، وطرحت السؤال عن الدولة. البدايات، شأنها دائماً أن تكون مرتبكة، وهي كذلك بالفعل في بدايات هذه الجماعة التنظيميّة التي ستؤثّر ليس فحسب على المشهد المصريّ، بل الإقليميّ، وستمتدّ إلى العالميّ.

رغم الصلابة الأيديولوجيّة لأفكار البنا التي قامت عليها الجماعة إلّا أنّ هناك جانباً من المرونة السياسيّة يمكن وسمها بالبراغماتيّة

الشرعيّة الإسلاميّة السياسيّة على مدار قرون أُنيطت بفكرة الخلافة، التي رأى البنا أنّه لا بدّ من استعادتها ولو على شكلٍ إقليميّ. ومن هنا، سيكون المسار الإصلاحيّ للبنا مترافقاً في توصيف المأزق مع الإصلاحيين السبّاقين والسابقين، لكنه سيخرجُ عن المألوف الإصلاحيّ لهم بخلق تنظيم. لم يكن لعبده أو الأفغانيّ أو رشيد رضا أيّ تنظيم أو جماعة بالمعنى الذي سيفكّر فيه البنا، والذي سيتطور مع الوقت ليغدو تنظيماً عقائديّاً صلباً يُنافس سلطة الدولة.

"أيّها الإخوان"، يقول البنا، "أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزباً سياسيّاً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد. ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن". بهذه الكلمات الغامضة، تحدّث البنا إلى إخوانه في الجماعة.

اقرأ أيضاً: هكذا فكّك فؤاد زكريا فكر الإسلام السياسي

يُحدّد الباحث الإيرانيّ، بهروز تبريزي، في كتابه "الإسلامويّة والسعي إلى الحداثات البديلة"، بعد اقتباسه الطويل من خطبة البنا هذه إلى إخوانه، ما أسماه بـ"القاعدة الإرشاديّة للعضويّة "(6). ويمكن تمثيل هذه القواعد بثلاث نقاط أساسيّة:

أولاً؛ عارض البنّا فكرة أنّ الجماعة مجرد حزب سياسيّ، إذ إنّه مشروع يشمل جميع جوانب الحياة.

ثانياً؛ لا يمكن الفصل بين الإسلام والدولة، فالإسلام دين ودولة بالنسبة إلى البنا، وهو اختلاق إسلامويّ بينته في المقالة السابقة.

ثالثاً؛ إنّه لا يجب الوصول إلى الدولة عن طريق الثورة، وإنما بالإصلاح والتغلغل في المجتمع.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي.. وتمثيلات خطاب الهوية

حاول البنا أدلجة الإسلام، واختراع فكرة أنّ الإسلام دين ودولة، و"مصحف وسيف"، حسب تعبيره. خرجَ البنا على التقليد الإصلاحيّ السابق له الذي لم يسع إلى خلْق تنظيم سياسيّ يغيّر هيكلة المجتمع، ويجعل الإسلام مشروعاً للهندسة الاجتماعيّة للمصريين. لقد أضفى البنا على الإسلام سمةً شموليّة يبدو أنّه لا مفرّ للإسلامويّة من تبنّيها، وهذه السمة ليست الدعوة بالمفهوم التقليديّ، وإنّما تخلّل كافة أنحاء المجتمع، والعمل على أسلمة كلّ نواحي الحياة.

ورغم الصلابة الأيديولوجيّة لأفكار البنا التي قامت عليها الجماعة، إلّا أنّ هناك جانباً من المرونة السياسيّة التي يمكن وسمها بالبراغماتيّة، جعلت من الحركة تتماهى مع كلّ مرحلةٍ سياسيّة تمرّ بها البلاد. فقد وقفت الجماعة إلى جانب الملك فاروق، ولما قامت الثورة حاولوا، بتردد، الوقوف بجانبها، وهكذا على مدار الظروف السياسيّة التي ستلي.

اقرأ أيضاً: الشعبوية ويمين الإسلام السياسي

إنّ التصور الأيديولوجيّ لدى البنا أنتج تنظيماً هوياتيّاً، رامياً إلى إعادة هندسة "مجتمع ما بعد الخلافة" إسلاميّاً. والأيديولوجيا لدى البنا ليست أيديولوجيّة سياسيّة، فهو يرفض قصْر الجماعة على مجرد كونها حزباً. إنّها دعوة بتعبيره. فهي أيديولوجيا دينيّة-سياسيّة، سيكون هو عمادها، وستتطور باتجاهات مختلفةٍ على مرّ الزمن حتى يومنا هذا "الما بعد إسلامويّ".


هوامش:

1- See: Jon Armajani - Modern Islamist Movements_ History, Religion, and Politics, John Wiley & Sons, p 48.
2- انظر: هنري لوزيير، صناعة السلفيّة: الإصلاح الإسلاميّ في القرن العشرين، ت. عمرو بسيوني وأسامة عباس، دار الروافد. وهو واحد من أهمّ الكتب الصادرة مؤخراً لمعالجة مفاهيم الإصلاح والسلفيّة في القرن العشرين.
3- ولا غرو أنّ الشيخ محمد عبده قد كتب رسالة التوحيد، محاولاً الاقتراب من النزعة الاعتزاليّة لتقديم المقصد الأهمّ للإسلام.
4- انظر: جوزيف مسعد، الإسلام في الليبراليّة، ت. جوزيف ومسعد وأبو العباس ابراهم، دار جداول.
5- أستعير مصطلح "التنظيم الهوياتيّ" من شريف يونس، في كتابه الذي أحلتُ عليه في المقال السابق بعنوان "البحث عن خلاص".
6-انظر، بهروز تبريزي، الإسلامويّة والسعي إلى الحداثات البديلة، ت. أحمد محمود، المركز القوميّ للترجمة، ص ٤٥.


آخر الأخبار

الصفحة الرئيسية