لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟

5352
عدد القراءات

2018-11-05

في الربع الأول من القرن العشرين، كان الفكر التقليدي يهيمن هيمنة شبه كليّة على المجتمع المصري ويعتبر نفسه المعبّر الأمين عن تجربته التاريخية؛ لذا كان على أي محاولةٍ للتغيير أن تسلك طريقاً من اثنتين: الصدام مع الوعي الجمعي ذي الصبغة الدينية، أو إدخال الأفكار الجديدة تحت ثوب الفكر القديم؛ تجنّباً للسخط العام وضماناً لرسوخ التأثير.

وعلى هذا الأساس جرت المحاولة الكبرى للشيخ علي عبدالرازق (1888 - 1966) في تمرير العلمانية تحت غطاء الإسلام عبر كتابه الإسلام وأصول الحكم 1925 الذي أعاد فيه قراءة جوانب من تاريخ الممارسة السياسيّة الإسلاميّة بعدسات علمانيّة ولغة سلفيّة وعلى ضوء الصراع الدائر حول علاقة الديني بالسياسي.

اقرأ أيضاً: خطايا الإسلام السياسي المتولدة عن "الصحوة الإسلامية"

ولأنّ طبيعة السلطة السياسية العربية لم تُحسم، والدولة متأرجحة بين الخضوع للديني وبين إخضاعه وتوظيفه، فإنّ علاقة الديني بالسياسي ستظلّ محلاً لجدلٍ سياسي وفكري عاصف. ومركزية المسألة السياسية داخل الثقافة العربية، التي لم تتحرر يوماً من ضغط السياسي، هي التي جعلت من مسألة العلمانيّة أكثر المسائل جدلاً في التاريخ العربي الحديث، فمنذ أواخر القرن التاسع عشر انطلقت معالجات عربية لموضوع العلمانيّة، وينتمي نص الشيخ إليها بصورة مباشرة، كنص تجاوب مع واقعة سياسية محددة هي لحظة إسقاط الخلافة العثمانيّة في تركيا والجدل الدائر بشأن ذلك في مصر.

غلاف كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لـ علي عبدالرزاق

الإلهام التركي

تأثر علي عبدالرازق بالمناخ السياسي المشحون والمنقسم حول العلمانيّة، وكان الحدث الأكثر أهميّة في هذا السياق هو إلغاء مصطفى كمال أتاتورك الخلافة الإسلاميّة والجدل المثير الذي رافق موقفه الراديكالي؛ حيث ألغى الخلافة كليّةً وأقام جمهوريّة علمانيّة بالكامل على أنقاضها؛ فالنخبة المثقفة المصرية انقسمت تلقائيّاً حول الحدث وفقاً لمواقعها الفكريّة والسياسيّة.

اتهم المفكر عبدالله العروي الشيخ علي عبد الرازق بـ"الانتهازيّة" وبأنه مهّد الطريق لحركة الإخوان المسلمين

ولم يكن إلغاء الخلافة حدثاً عابراً أفرزته الظروف السياسيّة التي مرت بها تركيا، بل كان إجراء حاسماً ضمن مجموعة من الإجراءات الإستراتيجيّة التي تشكل في مجملها روح الثورة الكماليّة؛ فقد ألغى أتاتورك السلطنة عام 1922، وفي 1923 أعلن الجمهورية، وعام 1924 ألغى الخلافة ومنصب شيخ الإسلام ووزارة الشريعة والمدارس الدينيّة، وفي عام 1926 أصدر قانوناً جديداً للأحوال الشخصية مؤسساً على القانون السويسري، وأخيراً استبدل الحرف اللاتيني بالعربي.

وأحدثت الإجراءات الثورية التي أقدم عليها أتاتورك هزة عنيفة في أعماق الوعي المسلم، وفي الوقت الذي أعرب فيه المثقفون العلمانيون عن ترحيبهم بإزالة هذا الركام التاريخي الجاثم على صدر الأمة والذي شكّل عقبةً في وجه تطورها السياسي، ظهرت عدة جمعيات في مصر عام 1924 تدعو إلى مؤتمر للخلافة وأبرزها جمعية "الخلافة" التي رشحت الملك فؤاد لمنصب خليفة المسلمين.

اقرأ أيضاً: "الإخوان" وأحلام حكم العالم باسم "الخلافة"

فيما دافع قطبا العلمانيّة المصريّة أحمد لطفي السيّد وسلامة موسى عن الخيار الكمالي بحماسة، وأعربا عن إعجابهما بالانقطاع التاريخي الذي أحدثه أتاتورك، وتغنى موسى بعصرية أتاتورك وتحضرّه وبثوريته التي لم يسبق لها مثيل في سرعتها وإنجازها تغييراً محوريّاً في نظامي الحكومة والمجتمع.

 

 

أما الشيخ علي فقد اتخذ الموقف السياسي لحزبه (الأحرار الدستوريين) وهو حزب نخبوي طّور منظوراً علمانيّاً للسياسة، والذي رأى في إسقاط الخلافة فرصة ذهبية لتجاوز أبعادها الرجعية، على رمزيتها، في السياسة المصرية.

بغطاءٍ إسلاميّ

يمكن تأطير نص الشيخ الإسلام وأصول الحكم كتنظير سياسي (توسل المنهج السلفي) للثورة المنجزة في تركيا، فقد برهن عبدالرازق تاريخيّاً على أنَّ ممارسة السلطة فعل بشري محكومٌ بجدليّة الخطأ والصواب، ومعرّض للتجديد والتغيير والتطوير، وانتهى إلى أنَّ "الخلافة ليست من الخطط الدينيّة، ولا القضاء كذلك، ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما كلها خطط سياسيّة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرّفها ولم ينكرها، وإنما تركها للرجوع إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة".

اقرأ أيضاً: تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم

ونصه يستلهم الروح العامة للكماليّة ويعكس، في الآن نفسه، سعيّاً نظريّاً لدعم الاختبار العلماني المطروح على جدول أعمال الصراع السياسي آنذاك، ولما يزل.

لغة عبدالرازق الدينية نفسها هي التي أشعرت الأصوليين بالخطر الداهم كونها تنازعهم على ساحاتهم الفكرية

وتكمن المفارقة التي أُنتج بها نصٌ من هذا النوع كما يشير كمال عبداللطيف في كتابه التأويل والمفارقة: نحو تأصيل الحداثة السياسيّة في أنَّ ظرفيّتة الإسلام وأصول الحكم التي تفيد في التأريخ له لا تمنعه من تجاوز معطيات ظرفه السياسي ليصل إلى مستوى التنظير السياسي للخلافة الإسلاميّة من زاوية الدفاع عن العلمانيّة؛ أي الدفاع عن دنيويّة الممارسة السياسيّة في الإسلام.

ويمكن قراءة الكتاب قراءة مزدوجة: أولاً، كمساهمة مبكّرة في العالم المسلم متمشيّة مع النقد ما بعد الأنواري (نسبةً إلى فلسفة الأنوار الأوروبيّة) للسلطة ذات التبرير الديني، أُنجزت ضمن إطار المخيّال الاجتماعي الحديث، بهدف تمرير مشروع العلمانيّة كسمة أساسيّة للعقلانيّة السياسيّة الحديثة التي تفرّق، وبشكل جوهري، بين الزمني والديني، ومن ثّم تُقرِّب إمكانيّة تحقق الحريات الدينيّة والحفاظ على حقوق الأقليات وضمان الوعد بالمساواة المدنيّة والسياسيّة بين المواطنين كافة.

غلاف كتاب "التأويل والمفارقة" لـ كمال عبداللطيف

وثانياً، كترسيخ لمبدأ استعمال المنهج السلفي لحل مشكلات الحاضر، وبالتحديد مشكلة السلطة المعاصرة، بهدف ضمان إنجاز إصلاح سياسي فرضه الحاضر عبر اللجوء إلى الماضي والانتقاء من معطياته التي توافق التوجه السياسي الذي يحمله الشيخ.

برهن عبدالرازق تاريخيّاً على أنَّ ممارسة السلطة فعل بشري محكومٌ بجدليّة الخطأ والصواب، ومعرّض للتجديد والتغيير والتطوير

هذه اللغة الدينية هي التي دفعت المفكر العربي عبدالله العروي أن يصف، في كتابه "العرب والفكر التاريخي"، محاولة عبدالرازق بـ"الانتهازيّة" وأنها هي التي مهّدت الطريق لحركة الإخوان المسلمين بالانتقاء من معطيات التاريخ ما يوافق توجهها السياسي؛ وموقف العروي يتعلق بنظرته إلى الذهنيّة العلميّة التي ينبغي أن تسود المجتمعات العربيّة؛ لأنَّ غيابها واستمرار اللجوء إلى التراث يمنعان من فهم إنجازات العصر الحديث، وبانعدام ذلك الفهم تنعدم إمكانيّات الإنجاز الفعلي، إلا أنّ العروي يسقط من حساباته الفكرية المسافة التي قطعها الفكر العربي خلال نصف قرن، وهي الفترة التي تفصل ما بين إنتاج نصيْ عبدالرازق والعروي.

لكنّ لغة عبدالرازق الدينية نفسها هي التي أشعرت الأصوليين بالخطر الداهم؛ كونها تنازعهم على ساحاتهم الفكرية، وهو ما دفع الأزهر إلى محاكمته ودفع التيار الأصولي إلى معاداته. ورغم بروز البريق الفخم لتيار الإسلام الحضاري في الثمانينيات، فإنّ علي عبد الرازق لم يزل على رأس المطلوب إسكاتهم، وهو ما تؤكده مقولة المفكر الإسلامي الحضاري سيف عبد الفتاح: "كان (علي عبد الرازق) يمهّد السبيل - بمعاول هدمٍ لرابطة مصر الإسلاميّة- من خلال تأصيل شرعي الشكل لنبذ الخلافة والأساس الديني لقيام الدول".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عبد الحميد بن باديس: إصلاحي ضدّ الخلافة ومولع بأتاتورك

2019-08-28

حين كان الأزهريون يحاصرون الشيخ علي عبد الرازق، ويحاكمونه على كتابه "الإسلام وأصول الحكم"، عام 1925، إلى درجة أنّ الشيخ محمد بخيت المطيعي، مفتي الديار المصرية حينها، اتهم الكتاب بأنّه يهدد، ضمنياً، نظام العقيدة الإسلامية بكامله، وذلك بمحاولته هدم أحد أسس هذا النظام؛ "عقيدة الخلافة"، انبرى المجاهد الجزائري، عبد الحميد بن باديس، للدفاع، من وجوهٍ عدة، عن طرح عبد الرازق، وإن بشكل غير مباشر؛ عبر نقد الخلافة كما طُبقت في التاريخ، ومعارضة تحويلها إلى مشروع سياسي، يجري حشد المسلمين تحت ظلاله.
سيرة فكرية
من أجل فهم كيف وقف هذا الشيخ في وجه العاصفة التي جعلت من الدفاع عن عبد الرازق من موقع "إسلامي" شبه مستحيل، (وإن كان هناك دفاع من قِبل التيار العلماني في مصر، وقد أضعف في الواقع موقف عبد الرازق كعالم ديني)؛ يجب تتبع السيرة الفكرية لابن باديس، وهي السيرة التي تتموضع داخل المدرسة الإصلاحية، كما جسدها الإمام محمد عبده، وعبّرت عنها مجلة "المنار"؛ وهي المدرسة التي يضرب عبد الرازق بسهمٍ فيها؛ وتكمن المفارقة في هجوم أحد مؤسسي الإصلاحية الكبار، الشيخ رشيد رضا، على كتاب "الإسلام وأصول الحكم"، واتهامه بأنّه "آخر محاولة يقوم بها أعداء الإسلام لإضعاف هذا الدين وتجزئته من الداخل".

 كتاب "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق
على كلٍّ، ولد ابن باديس، كما يقول كاتب سيرته الفكرية، محمد الميلي، في كانون الأول (ديسمبر) 1889، في أسرة عريقة، في قسنطينة بالجزائر، يمتد نسبها إلى عائلة مالكة؛ هي عائلة المعز الصهناجي الأمازيغية، وأتمّ حفظ القرآن الكريم في الثالثة عشرة من عمره، وتعلّم مبادئ العربية في صغره، ثم انتقل إلى جامع الزيتونة؛ حيث درس في الفترة ما بين 1908 و1912.

اقرأ أيضاً: رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب
خلال دراسته اتصل بروافد الفكر الإصلاحي الآتي من المشرق، وهو الفكر الذي ظلّ بمثابة البطانة الثقافية؛ لإسهامه السياسي في تاريخ الجزائر، وكانت جمعية "العلماء المسلمين"، التي أسسها، قائمة على فكر "المنار"؛ لذلك اضطلعت الجمعية بالهجوم على الطرق الصوفية، وإحياء "الكتاتيب" في كافة أرجاء الجزائر، ولم يكن تأسيسه لصحيفة "المنتقد" سوى صدى لأيديولوجيته الإصلاحية في مواجهة شعار الصوفية "اعتقد ولا تنتقد".
معالم إصلاحية
مثل كلّ مفكري الإصلاح (وابن باديس هو آخر نسخة من مدرسة الإصلاح) لم يهتم ابن باديس بالاستعمار كظاهرة سياسية بحتة وطارئة؛ بل ربط بينه وبين تخلّف المجتمعات الإسلامية في شتى النواحي: الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، السياسية، ورأى بين ظاهرتَي التخلف والاستعمار وشيجة قربى ينبغي فصم عراها.

اقرأ أيضاً: كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟
في سبيل ذلك؛ لم يكن هناك مفرّ من التثاقف مع الغرب، والأخذ بأسباب النهوض، وكذلك العودة إلى التاريخ، لا لاستلهام مرحلة ذهبيةٍ يمكن أن تُعاش مجدداً، كما فعل الإصلاحيون من قبله، بل من خلال القراءة النقدية لتجارب الأمة التاريخية شاملة ودون انتقائية (على عكس مفكري الإسلام الحركي)؛ وكانت هذه النظرة الشمولية بمثابة الرافعة المنهجية في هجومه على الخلافة، ونقده الحاد للتجربة التاريخية للمسلمين، أو ما يسميه "الإسلام الوراثي"؛ أي الموروث تاريخياً دون تمحيص أو نظر.

بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة بقرنهم بالأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء

وفي هذا تفوق ابن باديس على محمد عبده والأفغاني معاً، اللذين رأيا في الماضي مثلاً أعلى، من وجهٍ ما؛ إذ إنّ هذا الماضي، في نظره، ليس محلاً للتقديس والاستلهام، بقدر ما هو خبرة تاريخية يمكن الاستعانة بجوانبها الإيجابية في خوض المعركة ضدّ التخلف الذي يمثله "الإسلام الوراثي".
رأى ابن باديس؛ أنّ "الإسلام الوراثي" لا يمكن أن ينهض بالأمة؛ لأنّ الأمم لا تنهض إلا بعد تنبّه أفكارها، وتفتّح أنظارها؛ والإسلام الوراثي مبني على الجمود فيه، لا النظر، ومع ذلك امتلك إدراكاً حاداً للجوانب الإيجابية، على ضمورها في الإسلام التاريخي؛ إذ إنّه حفظ للأمة شخصيتها (وهو مشغول بالحفاظ على الشخصية الجزائرية في مواجهة المسخ الفرنسي الشامل للمجتمع الجزائري)، ولغتها، وشيئاً كثيراً من الأخلاق، ويتفق معه في هذا المفكر العربي، فهمي جدعان، في إنصافه للإسلام التاريخي في كتاب "أسس التقدّم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث"، عام 1988.
ضدّ الأوهام المقدسة
أتى عبد الرازق، على حدّ قول ألبرت حوراني في "الفكر العربي في عصر النهضة"، عام 1961، "بنظرية تاريخية جديدة حول أمور كانت النظرة التاريخية المقبولة بشأنها بمثابة عقيدة دينية"، ومع ذلك لم يكن هذا ليبرر العاصفة ضدّه على كلّ حال، ولعلّ في العنف اللفظي لدى رشيد رضا؛ الذي أتم انقلابه على الإصلاحية العربية قبل صدور الكتاب بعقد على الأقل، وفي دفاع ابن باديس (سليل الإصلاحية) عنه، ما يؤكّد أنّ المسألة لا تتعلق بأصول الدين الإسلامي، بقدر ما تتعلق بتغييرات سياسية وفكرية حطمت محاولات عبد الرازق في استئناف القول الإصلاحي، بعد أن هدم رشيد رضا معبد الإصلاحية على من فيه.

كتاب  "الفكر العربي في عصر النهضة" لألبرت حوراني
على عكس عبد الرازق؛ كان ابن باديس يتخذ موقفاً إيجابياً من الخلافة (على المستوى النظري)؛ إذ عدّها بمثابة "المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحلّ والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة بالجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع"، إلّا أنّ هذا المنصب لم يظل على ذلك، في رأيه؛ إذ أوفى بمهمته السياسية في صدر الإسلام، ثم انهارت رمزيته ومركزيته السياسية، وتعددت مراكز الحكم في الشرق والغرب، وقد أتى هذا التعدد بالهدم على معنى وصورة الخلافة.

اقرأ أيضاً: النفّري الذي اتسعت رؤيته فضاقت عبارته: الجهل عمودُ الطمأنينة
إذاً، اختلف ابن باديس مع عبد الرازق في تقييمه السلبي الشامل للخلافة؛ إذ لم ينكر مبدأ الخلافة في ذاته، كما تبين، لكنه اتفق معه في الجوهر السياسي للمسألة؛ وهو استحالة قيامها، ووجوب عدم السعي إلى إحيائها مجدداً.
وبهذا المنطق استنكر ابن باديس دعوات شيوخ الأزهر المطالبة بعودة الخلافة التي دخلت طور الامتناع، والخلافة التي ألغاها أتاتورك لم تكن إلا نظاماً حكومياً خاصاً بتركيا الإمبراطورية، وإن كان قد اكتسب رمزيةً ما عند المسلمين، دونما أساس.

كان الفارق بين عبد الحميد بن باديس وعلي بلحاج كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج

شنّ ابن باديس هجوماً شرساً على دعاة الخلافة، على اعتبار أنّهم "يفتنون الناس ويمتهنون إلهاءهم بما ليس في الإمكان تحقيقه"؛ ولأنّ "قيام الخلافة لن يتحقق، والمسلمون سينتهون يوماً ما، إن شاء الله، إلى هذا الرأي".
في كتابه "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية"، عام 1997، حاول فهمي جدعان تفسير موقف ابن باديس المعادي لدعوات إعادة الخلافة، بالإحالة إلى البيئة السياسية الجزائرية؛ إذ إنّ نقد الخلافة يعني عملياً فصل الدين عن السياسة؛ وقد كان ذلك بمثابة الضمانة الوحيدة لمنع الإدارة الفرنسية من التذرّع بتدخّل علماء الدين في السياسة وبالتالي السيطرة على المؤسسات الدينية والثقافية.
إلا أنّ هذا لا ينفي القدر الكبير من المجازفة في الوقوف في وجه التيار المُتفجع من سقوط الخلافة، الذي أحيا القول الفقهي والسياسي فيها، في ظلّ الهيمنة الاستعمارية على العالم الإسلامي المُهشّم، ولا ينفي كذلك الصعوبة الناجمة عن محاولة العودة بالمسألة السياسية إلى رحاب الإصلاحية الإسلامية التي انقلب عليها أحد كبار مؤسسيها (رشيد رضا)، حتّى بات السائر في مسارها، المحفوف بالمكارِه، ملكياً أكثر من الملك المنقلب على نفسه.
ومع ذلك، يبقى السؤال: إذا كان ابن باديس يرفض الخلافة كمشروع سياسي، الآن وهنا، فأيّ شكل للنظام يمكن أن يرتضيه؟
كتاب "الماضي في الحاضر: دراسات في تشكلات التجربة الفكرية العربية" لفهمي جدعان

في سبيل الدولة الوطنية
للإجابة عن سؤال بديل الخلافة؛ يؤكّد ابن باديس أنّ الشعب المستقل (لا الأمة برمتها)، هو صاحب القول الفصل في النظام السياسي الذي يريده، ولا يجوز أن يُستغل الدين في هذا؛ فمثل كلّ الإصلاحيين؛ لم يتناول ابن باديس الدولة كإشكالية نظرية (هذا شيء متأخر في الوعي العربي عموماً، بدأ مع المفكّر المغربي، عبد الله العروي)، لكنَّه عنيَ بتبيان علاقتها بالدين والأمة.
لذا فقد حدّد ابن باديس تصوّره للنظام السياسي الحائز للشرعية في الراهن في ثلاثة عشر أصلاً، ترتبط بجملتها بنموذج مغاير لنظام الخلافة التاريخي، ولشكل الدولة الإسلامية كما تجلّى في أدبيات الجماعات الدينية لاحقاً، وهي:
1- "لا حقّ لأحد في ولاية أمر من أمور الأمة إلا بتولية الأمة؛ فهي صاحبة الحقّ والسلطة في الولاية والعزل"، بالتالي؛ يكرّس ابن باديس لمرجعية الأمة على أساس أنّها مصدر السلطات.
2- "الذي يتولى أمراً من أمور الأمة هو أكفؤها، لا خيرها في سلوكه"، وبذلك يسحب بساط الشرعية من حكم "رجال الدين" أصحاب التفوق الأخلاقي الأبدي.
3- "لا يكون أحدٌ بمجرد ولايته أمراً من أمور الأمة خيراً من الأمة" في استهداف واضح لأكثر مبررات الاستبداد فاعلية.
4- "للأمة الحقّ في مراجعة أولي الأمر؛ لأنّها مصدر سلطتهم وصاحبة النظر في ولايتهم وعزلهم" في إقرار لمبدأ المراقبة والمحاسبة.
5- "هناك حقّ للوالي على الأمة إذا رأت استقامته؛ فهي شريكة في المسؤولية" وبالتالي ترتبط طاعة السلطة بسلامة سياساتها.
6- "حقّ الوالي على الأمة في نصحه وإرشاده" وهو مبدأ استوحاه ابن باديس من خطبة الخليفة الأول؛ الصحابي الجليل "أبي بكر الصديق".
7- "للأمة حقّ في مناقشة أولي الأمر ومحاسبتهم على أعمالهم، وحملهم على ما تراه هي لا ما يرونه"؛ وهو مبدأ يجرّد الاستبداد من أيّة مشروعية محتملة.
8- "على من يتولى أمراً من أمور الأمة أن يبين لها الخطة التي يسير عليها؛ ليكونوا على بصيرة، ويكون [الحاكم] سائراً في تلك الخطة عن رضى الأمة"، وهو ما يعرف في الفكر السياسي الحديث بالبرنامج السياسي.
9- "لا تحكم الأمة إلا بالقانون الذي رضيت به لنفسها، وما الولاة إلا منفّذون لإرادتها؛ فهي تطيع القانون لأنّه قانونها، لا لأنّ سلطة أخرى لفرد أو جماعة فرضته عليها" في تحدٍّ سابق لأوانه لكلّ نظريات الحاكمية الإلهية.
10- "الناس (وليس المسلمون وحدهم) أمام القانون سواء" وهو إقرار صريح بمبدأ المواطنة.
11- "من الواجب صون الحقوق؛ فلا يضيع حقّ الضعيف".
12- "من الواجب حفظ التوازن بين طبقات الأمة" كأثر لحساسية جديدة دشّنها المدّ الاشتراكي في العالم العربي.
13- "المسؤولية مشتركة بين الراعي والرعية".

اقرأ أيضاً: بعد ربع قرن على مناظرة أبو زيد وعمارة.. هل اختلف خطاب الإسلامويين؟
وتؤسّس الأصول الثلاثة عشر (في المجمل) لتصور عصري للسياسة ونظام الحكم، تَنَاسَل من تصور الإصلاحية التي أرسى جذورها محمد عبده؛ وفي قلب هذا التصور يكمن مبدأ مدنية السلطة، وفي منطقه؛ إنّ الأمة هي الأساس، وليس الحاكم (كما في فقه السياسة الشرعية)، أو الشريعة (كما في اللاهوت المصطنع لمنظري الإسلام السياسي).
كان مولعاً بمصطفى كمال أتاتورك

في مديح أتاتورك
بالغ ابن باديس في الهجوم على دعاة الخلافة؛ بقرنهم بـ "الأيدي الأجنبية التي تحرك شعار الخلافة في الخفاء [في إشارة إلى بريطانيا]"، وهو لا يتعجب من سعي بريطانيا إلى إحياء الخلافة من أجل خلق قيادة للشعوب الإسلامية، تسهُل السيطرة عليها، وإنما العجيب بالنسبة إليه؛ "أن يُدفع في تيارها [تلك الدعوات] المسلمون، وعلى رأسهم أمراء وعلماء".
ويشير إلى مساعي علماء الأزهر، ومن خلفهم الملك فؤاد، في إقامة خلافة في مصر، حيث يقول: "في هذا الاندفاع ما يُتحدث به في مصر، فيتردّد صداه في الصحف في الشرق والغرب، وتهتم به صحافة الإنجليز على الخصوص، يتحدثون في مصر عن الخلافة كأنّهم لا يرون المعاقل الإنجليزية الضاربة في ديارهم".

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
لكنّ المفاجأة التي تنتاب الباحث في سيرته الفكرية؛ كانت موقفه من مصطفى كمال أتاتورك "الشيطان الأكبر" عند الشيوخ الرسميين والحركيين الإسلاميين؛ إذ كتب عقب وفاة أتاتورك، عام 1938، ما صدم به الذين احتفوا بموت أتاتورك على سبيل الشماتة والتشفي: "الآن خُتمت أنفاس أعظم رجل عرفته البشرية في التاريخ الحديث، وعبقري من أعظم عباقرة الشرق الذي يطلعون على العالم في مختلف الأحقاب؛ فيحولون مجرى التاريخ، ويخلقونه خلقاً جديداً؛ ذلك هو مصطفى كمال أتاتورك، باعث تركيا من شبه الموت إلى حيث هي اليوم من الغنى والعزّ والسمو".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
أما حيثيات هذا الاحتفاء؛ فيردّها ابن باديس إلى أنّه: "لو لم يخلق الله المعجزة على يد كمال لذهبت تركيا وذهب الشرق الإسلامي معها؛ لكنّ كمالاً جمع تلك الفلول المبعثرة فالتفّ به (حوله) إخوانه من أبناء تركيا البررة، ونفخ من روحه في أرض الأناضول؛ حيث الأرومة التركية الكريمة، وحيث الشعب النبيل الذي قاوم الخليفة الأسير (يقصد تبعيته لقوات الحلفاء المحتلة) وحكومته المتداعية، وشيوخه الدجالين من الداخل، وقهر دول الغرب، وفي مقدمتها إنجلترا من الخارج؛ فأوقف الغرب عند حدّه، وكبح جماحه، وكسر غلواءه، وبعث في الشرق الإسلامي أمله، وضرب له المثل العالمي في المقاومة والتضحية؛ فنهض يكافح ويجاهد".

اقرأ أيضاً: لماذا يُتهم علي عبدالرازق بتمهيد الطريق للإخوان المسلمين؟
أما الأمثلة التي ضربها الشيوخ كدليل على عداء أتاتورك للإسلام فقد جعل منها ابن باديس دليلاً على حُسن إيمانه، وعلى رأسها ترجمة القرآن بالتركية؛ إذ يقول: "لقد تُرجم القرآن إلى التركية، ليأخذ الأتراك الإسلام من معدنه، ويستسقونه من نبعه؛ ويتمكنون من إقامة شعائره [الإسلام]؛ فكانت مظاهر الإسلام في مساجد تركيا تتزايد في الظهور عاماً بعد عام، حتى كان المظهر الإسلامي العظيم يوم دفنه والصلاة عليه".
بل يقيم ابن بايس مفاضلة بين تطبيق الشريعة وتحقيق الاستقلال السياسي لصالح الأخير، يقول: إنّ "مصطفى أتاتورك نزع عن الأتراك الأحكام الشرعية، وليس مسؤولاً في ذلك وحده (يشير إلى مسؤولية العلماء الذين تجمدوا على المدونة الفقيهة الموروثة)، وفي إمكانهم (الأتراك) أن يسترجعوها متى شاؤوا، ولكنّه أعاد لهم حريتهم واستقلالهم وسيادتهم وعظمتهم بين أمم الأرض، وذلك ما لا يسهل استرجاعه لو ضاع".
في المجمل؛ أُجهض مشروع ابن باديس الإصلاحي؛ إذ سارت الدولة الجزائرية الوليدة في درب القومية العلمانية، وسار الإسلاميون من بعده في مسار تحقيق الدولة الإسلامية، نحو التمايز عن العالم والانفصال عنه؛ فكان الفارق بينه وبين علي بلحاج، كالفارق بين محمد عبده وعبد السلام فرج، لكنّ هذا لا يمنع ضرورة العودة إلى مقدمات ونتائج المدرسة الإصلاحية، التي لا يبدو أننا تجاوزنا إشكاليتها كثيراً، رغم تبدّد شرعيتها التاريخية.

للمشاركة:

"العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2019-08-20

بعد عامين من انقلابه على رئيسة البلاد، إيزابيل بيرون، حرص الجنرال العسكري، خورخي فيديلا، على إقامة كأس العالم في الأرجنتين، لعام 1978، بعد اتهامات عالمية بالقتل، وزجّ المعارضين في السجون، وحالة من القمع السياسي، أعادت للأرجنتين مشاهد من الفاشية والنازية الأوروبية.

اقرأ أيضاً: آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر
فيديلا ليس الأول أو الأخير، بل تتعاقب الديكتاتوريات على كلّ الشعوب، ولا يفلح مع الجموع أيّ مخدِّر سوى كرة القدم، فهل تغدو أفيوناً جديداً للشعوب المكتوية بنيران الشمولية؟

 خورخي فيديلا

لتمت إيطاليا من أجل كأس العالم
الشعار المثالي لما فعله القائد الفاشي الأشهر، بينيتو موسوليني، وفق كتاب الصحفي البريطاني (Amit Katwala)، المعنوَن "حكايات كرة القدم"، يذكر فيه أنّه، وقبل أشهر قليلة من كأس العالم 1934، استدعى موسوليني، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم وقتها، جورجيو فاكارو، بعد أن كانت البلاد قيد استعدادها لإقامة البطولة على أراضيها، ليأمر الدوتشي رئيس الاتحاد: "يجب أن تفوز إيطاليا بالكأس هذا العام، سيكون هذا حقاً إنجازاً رائعاً"، وامتثالاً لأوامر الديكتاتور؛ كان على اللاعبين الفوز باللقب، وتحت قيادة مدرب عسكري، فيتوريو بوزو، الذي استدعى اللاعبين الإيطاليين من الفرق العالمية كافة، وأجبرهم على اللعب في المونديال، تحت شعار "إذا استطاعوا الموت لأجل إيطاليا سيتمكنون من الفوز من أجلها"، وبحسب الكاتب؛ فإنّ اختيار إيطاليا لإقامة البطولة كان محفوفاً بالغموض، خاصة بعد أدلة تثبت تورط رئيس الاتحاد الإيطالي السابق، جيوفاني ماورو"، وقيامه بضغوط سياسية غير رسمية على الفيفا، لإقامة البطولة على أراضيه، وتكفّل نيابة عن الحكومة الفاشية، بدفع بلاده لأيّة خسائر مالية تكبدتها المنظمة، خاصة بعد تفضيلها على منافسها الأكثر جدارة "السويد".

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!" كلمات أطلقها الكونت كينت على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"

وبينما يحاول العالم الاستشفاء من أكبر أزمة اقتصادية "أزمة الكساد العالمي 1929"، يبذل موسوليني المزيد من المال على حساب الشعب الإيطالي، من أجل إنجاز كروي، ويرجع الفضل في ذيوع صيت تلك البطولة بشكل خاص إلى أخيل ستاراس، المروّج الإعلامي للحكم الفاشي في إيطاليا، والمشهور آنذاك بلقب "الكاهن الأكبر"؛ فبعد أن صمّمت شركته "Starace" للدعاية، التحية الفاشية الشهيرة، كان عليها أن تجعل خبر كأس العالم في كلّ مكان بالبلاد، فصمّمت الإعلانات واللافتات في الشوارع بشعار جديد لكأس العالم، ونشرت أكثر من 300 ألف منشور من الملصقات والطوابع الصادرة مع صور لكأس العالم، وحتى السجائر الوطنية صممت أغلفتها من أجل الكأس تحت شعار"Campionato del Mond".

موسوليني
بحسب الصحفي الإنجليزي في جريدة "الغارديان"، جيم هارت؛ فإنّ موسوليني أراد تقديم الفاشية بصورة المستقبل الأفضل لإيطاليا، وحرص على توفير سائر الاستعدادات، مهما تكلّف الأمر، كما حرص على شراء تذكرة الافتتاح بنفسه، وبثّ جميع المباريات على الإذاعة، ودعوة المواطنين لحضور المباريات، ولكنّ الحضور ظلّ ضعيفاً حتى النهائي، الذي حضره 65 ألف متفرّج، في مباراة كانت عراكاً جسدياً بين الفريقين، حتى توِّجت إيطاليا بما أمر به الزعيم، وكانت تلك بداية لعلاقة صداقة بين اثنين من أكثر قادة العالم ديكتاتورية في القرن العشرين.

تحت راية الشمولية
بعد أربعة أيام من حصول إيطاليا على لقب بطولة كأس العالم 1934، تمّ إلغاء اللقب؛ بسبب بعض المؤامرات السياسية التي دبّرت قصة الفوز بالبطولة، ما دفع موسوليني إلى اللجوء إلى نظيره الديكتاتور الألماني، أدولف هتلر، والذي كان يستفيق لتوه من خسارته لمعركة الدعاية في أولمبياد برلين 1936.

أنطونيو غرامشي لم يجد حرجاً من وصف كرة القدم بـ "مملكة الوفاء البشري تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"

وفق فيلم وثائقي قدّمته شبكة الإذاعة البريطانية "BBC" عام 2003، بعنوان "الفاشية وكرة القدم"؛ فإنّ "العلاقة بين الفاشية وكرة القدم بدأتها إيطاليا، لتصاب الديكتاتوريات المجاورة بالعدوى ذاتها". وكما ورد في حوار أجرته عضوة الأكاديمية الوطنية للألعاب الأوليمبية في إيطاليا، أنجيلا تاج؛ فإنّ "موسوليني، كديكتاتور، حرص على الظهور إعلامياً وهو يمارس مختلف الرياضات؛ بدءاً من ركوب الخيل والتزلج على الجليد، وحتى السباحة، لكنّه وجد أنّ مفعول كرة القدم أكثر جاذبية للناس، فحرص على أن يُعدَّ الراعي الرسمي لبطولة عالمية تتوج بها حقبته الدموية"، وتؤكّد أنّ الفكرة نفسها كانت دافعاً لهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا.

الفاشية وكرة القدم

"أنت يا لاعب كرة القدم الحقير!"، كلمات أطلقها الكونت كينت، على لسان شكسبير في مسرحيته الأشهر "الملك لير"، لكنّه لم يعِش اليوم ليرى ما آلت إليه كرة القدم، وما يمثله أبطالها في عالمنا، وكيف صارت أهدافها، مسعى يلهث خلفه أباطرة العالم الجديد، كهتلر الذي لم يجد حرجاً في احتلال النمسا عام 1938، وإجبار أعضاء الفريق على اللعب لصالح ألمانيا النازية، مرتدين الشعار النازي، وكان على الفريق النمساوي بأكمله الانسحاب من البطولة؛ احتجاجاً على احتلال بلادهم، وبالألاعيب السياسية نفسها حاول هتلر الضغط على الفيفا، لجعل البطولة في ألمانيا، ولكنّها اختارت فرنسا، كبلد المنشأ للمؤسسة، وحتى لا يتكرر ما حدث مع إيطاليا، لكن تبقى قصة اللاعب النمساوي، ماتياس سينيديلار، الذي رفض أن يخضع لتهديدات الفريق الألماني، وحثّ فريقه على الفوز بمباراة صورية أمر هتلر بانعقادها، وبالفعل فاز النمساويون على الألمان؛ بسبب هدف ماتياس، الأمر الذي جعله تحت مراقبة الجيستابو، وبعد أشهر قليلة وجِد مقتولاً في شقته، مدّعين أنّ سبب الوفاة كان اختناقاً بالغاز، لكن حتى اليوم يؤمن كثيرون بأنّ النازيين اغتالوه، لما عُرف عنه من مساعدة زملائه اليهود على الهرب من جحيم النازية، وبذل أمواله في مساعدتهم.

اقرأ أيضاً: في عالم بلا قلب: لماذا أراد ماركس أن يحرمنا عزاءنا الوحيد؟

اللاعب النمساوي ماتياس سينيديلار

الثلاثي المرح يعبث بالشعوب
أهي أفيون للشعوب؟! بهذا التساؤل البسيط يطرح الكاتب الصحفي من الأوروغواي، إدواردو غاليانو، في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظلّ"، قصة كرة القدم كمرآة للشعوب، وتاريخ آخر موازٍ للتاريخ السياسي، الذي ربما يجهل البعض مدى الصلة الوطيدة بينهما، مجيباً عن تساؤله: "ما ھو وجه الشبه بين كرة القدم والإله؟ إنه الورع الذي يبديه كثيرون من المؤمنين والريبة التي يبديھا كثيرون من المثقفين"؛ فالصينيون كما بدؤوا كلّ شيء تقريباً في عالمنا، بدؤوا بلعب كرة القدم، التي انتقلت عدواها إلى أرجاء العالم أجمع، وحين امتزجت بالسياسة، انحرفت عن مسارها الذي قامت لأجله "متعة اللعب لأجل اللعب"، وفي قصة الحرب الأهلية الإسبانية، التي امتزجت بالكرة، أكبر دليل على ذلك؛ فبينما كان هتلر وموسوليني يلهثان خلف لقب المونديال، اشتعلت الحرب الأهلية في إسبانيا، عام 1936، واستمرت لعامين، منح فيها الفوهرر والدوتشي كلّ الدعم لـ "الكاوديو"، نظيرهما في إسبانيا، والذي اتخذ من نادي ريال مدريد وجهاً سياسياً له ضدّ نادي الشعب المندد بالديكتاتورية "برشلونة"، وفي مواجهة كأس إسبانيا لعام 1943، هتف جمهور برشلونة داخل الملاعب ضدّ فرانكو، ما جعل التهديدات تلاحق النادي من الإدارة العسكرية بألّا يفوز على ريال مدريد، لتأتي النتيجة التاريخية التي فاز بها الريال على برشلونة 11/1.

اقرأ أيضاً: "الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة

بين كرة القدم والوطن علاقة وطيدة الصلة، رسّخها الديكتاتوريون في التاريخ الحديث، واحتقرتها النخب المثقفة من اليسار الماركسي، الذي يرى في هذه الكرة ملهاة للشعوب والعمال عن نضالهم المستحقّ، ورغم ذلك لم يجد الماركسي الإيطالي الأشهر، أنطونيو غرامشي، حرجاً من وصفها بـ "مملكة الوفاء البشري، تلك التي نمارسها في الهواء الطلق"، بينما بقي الماركسيون يرددون؛ أنّ العمال المنوَّمين بالكرة التي تمارس عليهم سحراً خبيثاً، يصابون بضمور الوعي، ويتيحون لأعدائهم الطبقيين أن يسوقوهم كالقطيع، لكن عندما جاءت كرة القدم من قلب الموانىء، وورش سكك الحديد في الأرجنتين، التي ولد منها نادي "جونيورز"، لم يجد بعض الماركسيين غضاضة في الاستمتاع بكرة القدم، رغم وصفها بآلية برجوازية لمنع الإضرابات، والتستّر على التناقضات الاجتماعية، فهي –برأيهم- مؤامرة إمبريالية للإبقاء على الشعوب المقهورة في طور الطفولة.

اقرأ أيضاً: فيلسوف صنع مراهم الزئبق وابتكر خيوط الجراحة من أمعاء القطة
وفي عالم ما بعد الحداثة، وعولمة قلبت العالم رأساً على عقب؛ اقتحمت كرة القدم مجالات الحياة، وأصبحت سلعةً تقدم على شرفها حمى الاستهلاك النهم الذي يغزو الأرض، ورمزاً للوطنية، فليس مهمّاً أن يملك الإنسان قوت يومه، بقدر ما يهم أن يفوز منتخبه الوطني، وفي هذا تحقق لنبوءة الماركسيين، الذين رفضوها كسلعة برجوازية وملهاة لبشرية لم يكتمل نضجها بعد.

للمشاركة:

آلان روب غرييه: ثلاثة فتية شقر يسيرون بمحاذاة البحر

2019-07-29

تلقي قصة "الشاطئ" ضوءاً على عالم الكاتب والسينمائي الفرنسي آلان روب غرييه، الذي ولد في 18 آب (أغسطس) 1922 وصدرت له عشرات الكتب وستة أفلام.
ويعد غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة"، فضلاً عن كونه واحداً من "كبار" الكُتّاب، لا في فرنسا وحسب، بل في العالم، في النصف الثاني من القرن العشرين، وفق الكاتب اسكندر حبش الذي رثاه في صحيفة "السفير" لحظة رحيله في الرابع والعشرين من فبراير (شباط) العام 2008.

يُعدّ غرييه بابا "الرواية الفرنسية الجديدة" وواحداً من "كبار" الكُتّاب لا في فرنسا وحسب بل في العالم

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة" إلا أنّ ذلك لم ينفعه، إذ بقي أقلّ الكُتّاب "محبة" من قبل القراء الفرنسيين. بالتأكيد، كان يثير الإعجاب، إلا أنه سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه، كما الغيرة من شهرته. ومع ذلك، لم يستطع أحد إلا احترام حيويته الثقافية، على الرغم من عدم الاتفاق حوله، بسبب "ذكائه الماكر والشرس".
بدأ غرييه حياته الأدبية "زعيماً لتيّار أدبي" بسبب قناعاته الجمالية (الاستيتيكية) الحادة، التي كان يدافع عنها عبر هجومه على أدب عصره. من هنا اعتبر أنّ الرواية الجديدة ـ التي صاغ أفكارها ونظّر لها مطولاً ـ هي طريقة للاتحاد ولمواجهة الأدب "البالي"، السهل، الذي يروق للعدد الكبير من القراء.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ولعب تشكّل غرييه المهني والفكري؛ أي دراسته للهندسة الزراعية، الدور في هذه النظريات، إذ اعتبر أنّ الأدب مثله مثل العلم، بمعنى أنّ هذا الأخير قد أصابه التطور على مر السنين، لذلك على الأدب أن يتطور بدوره، وأن تفرض الحقائق الجديدة نفسها لتحيل القديمة جزءاً من التاريخ. واعتبر غرييه، أنّ هذا الأدب القديم (والفن بشكل عام) يملك، من دون شك، أخطاء استيتيكية لذلك امتلك تحليلات سيئة، خاطئة، تماماً كما حدث الأمر في التحليلات الرياضية، حيث جاءت نظريات جديدة لتنسف كل التحليلات القديمة. لكنه لم يتوقف عند ذلك، إذ نادى غرييه، بضرورة قيام الثورة في الأدب، حيث على الجديد أن يقتل الأدب القديم ويحل مكانه.

اكتسب غرييه شهرة كبيرة خارج بلاده، عبر نظريته "عن الرواية الجديدة"
في قصة "الشاطئ" التي ترجمها الكاتب والإعلامي الأردني عامر صمادي، ونشرها موقع "المسيرة الإلكتروني" إطلالة أخرى على عالم غرييه المدهش والفسيح والمكتظ بالتفاصيل الصغيرة:

الشاطئ
صبية ثلاثة يمشون على طول الشاطئ جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض. طولهم متقارب وأعمارهم أيضاً متقاربة في حوالي الثانية عشرة، لكن مع ذلك يبدو الذي في الوسط أقصر من الاثنين الآخرين. باستثناء هؤلاء الصبية الثلاثة فالشاطئ الطويل فارغ، يمتد فيه شريط الرمل العريض بوضوح على مد النظر، يخلو من الصخور المتناثرة، والحفر المائية وينحدر بنعومة من المنحدر الصخري عند الشاطىء نحو البحر فيبدو لا نهاية له.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد، السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة، الماء أزرق صاف بلا أي أثر لموجة كبيرة قادمة من بعيد على الرغم من مواجهة الشاطئ للبحر المفتوح والأفق البعيد.
لكن ومع ذلك تتكون في المنخفضات المنتظمة موجة سريعة بنفس الحجم دائماً على بعد عدة ياردات من الشاطئ، ترتفع فجأة ثم تتكسر على طول نفس الخط دائماً، لم يكن الماء يبدو أنه يندفع إلى الأمام ثم يعود. بل بدا الأمر وكأنّ الحركة كلها في وضع سكون. يشكل ارتفاع الماء منخفضاً ضيقاً ضحلاً على طول الشاطئ ثم تعود الموجة أدراجها بنعومة يرافقها صوت دحرجة الحصى لتتحطم وتنتشر فوق المنحدر على حافة الشاطئ وتعود لتغطية الفراغ الذي تركته.
غالباً ما ترتفع موجة أقوى هنا وهناك لترطب - للحظة - مزيداً من حبات الرمل ثم يعود كل شيء إلى السكون. البحر مسطح أزرق مساكن على مستوى رمل الشاطئ الأصفر حيث الصبية الثلاثة جنباً إلى جنب.

"المماحي" لغرييه
ثلاثتهم شقر، شقرتهم تقارب صفرة الرمل، لكن بشرتهم داكنة قليلاً وشعرهم فاتح اللون قليلاً، يرتدون ملابسهم بنفس الطريقة، سراويل قصيرة وقمصان بلا أكمام، يمشون جنباً إلى جنب وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض ويسيرون بخط مستقيم مواز للبحر وللمنحدر بمسافة تتوسط الاثنين، لكن أقرب قليلاً إلى الماء، الشمس الآن في أوج توهجها فلا تلقي ظلالاً على أقدامهم ولا يوجد أمامهم أي أثر على الرمل من المنحدر الصخري وحتى الماء، فالصبية يسيرون بهدوء مستقيم وبينهم مسافات متساوية دون أي انحراف إلى أي جهة من الجهات ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
خلفهم كان على الرمل ثلاثة خطوط لآثار أقدامهم العارية. ثلاث سلاسل منتظمة بينها مسافات متساوية، آثار غائرة في الرمل بوضوح دون أي تشابك مع بعضها، يسير الصبية إلى الأمام دون أي التفاتة إلى المنحدر الصخري على يسارهم أو إلى البحر وأمواجه الصغيرة التي تتحطم بتتابع في الاتجاه الآخر بل وحتى دون أن يلتفتوا إلى الخلف ليقدروا المسافة التي قطعوها استمروا في طريقهم بخطوات سريعة وموحدة.
أمامهم، هناك سرب من طيور البحر تسير على الشاطئ وحافة الموج، تسير بموازاة الصبية الثلاثة وبنفس الاتجاه وتسبقهم بحوالي مائة ياردة، لكن بما أنّ الطيور لا تتحرك بنفس سرعتهم فقد لحق الصبية بها، ومع أنّ البحر كان يمحو آثار سرب الطيور باستمرار إلا أنّ آثار أقدام الصبية بقيت منقوشة بوضوح في الرمل الرطب حيث ازدادت الخطوط الثلاثة من آثار الأقدام طولاً على طول، عمق آثار الأقدام تلك لا يتغير أقل من إنش بقليل، تشوهها تعرجات الحواف أو ضغط اعقاب الأقدام أو مقدماتها تبدو وكأنها قد حفرت بواسطة آلة على الشاطئ.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
هكذا تمتد خطوطهم الثلاثة، دائماً وبنفس الوقت تبدو وكأنها تضيق حتى كأنها تندمج في خط واحد يقسم الشاطئ إلى قسمين من خلال طولها الذي ينتهي بحركة ميكانيكية صغيرة تبدو من بعيد وكأنها في وضع ثبات، الارتفاع والهبوط المتعاقب لستة أقدام عارية كلما تحركت مبتعدة اقتربت من الطيور، وهي لا تنهب الأرض بسرعة لكنّ المسافة القريبة التي تفصل المجموعتين تضمحل أسرع مقارنة مع المسافة المقطوعة وسرعان ما أصبحت تفصلهم مسافة لا تتجاوز بضع خطوات لكن عندما بدا الصبية أخيراً أنهم على وشك الاصطدام بالطيور رفرفت أجنحتها وبدأت بالطيران طير واحد ثم اثنان ثم عشرة ثم السرب كله. إلا طيور بيضاء وردية تشكل منحنى فوق البحر ثم تعود الى الرمال لتبدأ المشي مسرعة مرة أخرى دائماً بنفس الاتجاه وعلى حافة الموج تبعد حوالي مائة ياردة إلى الأمام على هذا البعد أصبحت حركة الماء غير محسوسة باستثناء تغير مفاجئ باللون لكل عشر ثوانٍ في اللحظة التي تلمع فيها الرغوة المتألقة تحت أشعة الشمس والصبية غير عابئين بآثار أقدامهم التي يتركونها على الرمال غير مقتربين من الأمواج الصغيرة على يمينهم أو الى الطيور التي بدأت تحط وتمشي على أقدامها أمامهم. سار الصبية الشقر الثلاثة جنباً إلى جنب بخطوات منتظمة سريعة وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض.

سبّب الاختلاف الكبير حول أدبه
لفحت الشمس وجوههم فبدت داكنة أكثر من شعرهم، لهم نفس التعابير، جدية وعمق وتفكير وربما الهم، تقاطيع وجوههم أيضاً متشابهة على الرغم أنه من الواضح أنّ اثنين من الصبية الثلاثة هم من الذكور والثالثة فتاة، الا أنّ شعر الفتاة أطول ومتجعد قليلاً لكن ملابسها هي نفس ملابسهم، بنطال قصير وقميص بلا أكمام وكلاهما بلون أزرق داكن.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
تسير الفتاة إلى أقصى اليمين وإلى يسارها يسير الغلام الأقصر قليلاً، والغلام الآخر القريب من المنحدر الصخري هو بنفس طول الفتاة. يمتد أمامهم الرمل الممهد الذي لم تطأه قدم على مد النظر ويرتفع على يسارهم جدار من الصخر البني يكاد يكون عمودياً ولا نهاية له. على يمينهم سطح الماء الساكن ممتداً إلى الأفق تحيط به تموجات خفيفة تنتشر عبر الرغوة البيضاء ثم بعد عشر ثوانٍ تعود الموجة التي تكسرت لتشكيل مجرى ضحل مرة أخرى على جانب الشاطىء يصحبها صوت ضجة خفيفة تثيرها دحرجات الحصى، وتنتشر الموجة الصغيرة من جديد وتصعد الرغوة البيضاء رمال حافة الشاطئ المنحدرة لتغطي المسافة الباقية من الفضاء الضائع، وخلال السكون الذي يعقب ذلك يرتد من بعيد صوت قرع جرس خافت في الهدوء الساكن.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
الجرس هناك: يقول أصغرهم الذي في الوسط لكن صوت قرقعة الحصى يغطي صدى قرع الجرس الخافت وعندما تنتهي الموجة يمكن سماع بعض الأصوات التي شوهتها المسافة مرة أخرى.
إنه الجرس الأول، قال الغلام الطويل، وتنتشر موجة صغيرة على يمينهم وعندما يعود الصمت مجدداً فلا يسمعون غيره، مازال الصبية الشقر الثلاثة يسيرون بنفس الانتظام ويمسكون بأيدي بعضهم البعض.
أمامهم سرب الطيور على بعد عدة خطوات فقط تصيبها عدوى الطيران فجأة فتنتشر أجنحتها لترتفع مشكلة نفس المنحنى فوق البحر ثم تعود إلى الضوء عبر الرمل وتبدأ بالمشي من جديد، دائما بنفس الاتجاه وعلى بعد مئة ياردة إلى الأمام وعلى حافة الموج قال أحدهم: ربما لم يكن الأول ربما لم نسمع الآخر قبل..

الطقس رائع والشمس تضيء الرمل الأصفر بضوء عمودي متقد السماء صافية بلا غيوم والريح ساكنة الماء أزرق صافٍ

أجاب الغلام الأطول قليلاً: كنا سنسمعه كما سمعنا هذا. لم يغير الصبية من مشيتهم أبداً. نفس آثار الأقدام خلفهم التي استمرت بالظهور تحت الأقدام الست العارية وهم يتقدمون إلى الأمام.
قالت الفتاة لم نكن بمثل هذا القرب من قبل، وبعد برهة قال أطول الغلامين وهو الذي يمشي من جهة المنحدر الصخري: مازلنا لم نقترب بعد..
سار ثلاثتهم بصمت وهدوء.. بقوا صامتين حتى وصلوا الجرس وهو ما يزال ذا صوت خافت في هذا الجو الهادئ، عندها قال أطول الغلامين: "ذاك هو الجرس" ولم يجب الآخران.
عندما اقتربوا من الطيور رفرفت بأجنحتها وطارت مبتعدة إلى الأمام، طير واحد، ثم اثنان ثم عشرة، ثم عاد السرب كله إلى الرمل على طول الشاطىء على بعد مائة ياردة من الصبية الثلاثة. استمر البحر بطمس آثار أقدامهم، واستمر الصبية الذين يسيرون أقرب إلى المنحدر جنباً إلى جنب ويمسكون بأيدي بعضهم البعض بترك آثار أقدام عميقة بخط ثلاثي موازٍ لشاطئ البحر على طول الشاطئ الممتد الى اليمين قرب حافة الماء الساكن المسطح.
دائماً تأتي نفس الموجة إلى نفس المكان لترتفع ثم تتحطم..

للمشاركة:



"التعاون الإسلامي" يبحث التصعيد الإسرائيلي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

تعقد منظمة التعاون الإسلامي، اليوم، اجتماعاً طارئاً على مستوى وزراء الخارجية بطلب من المملكة العربية السعودية.

وزير الخارجية السعودي يدعو المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية بحقّ فلسطين

ويبحث الاجتماع التصعيد الإسرائيلي الخطير، المتمثل في عزم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو؛ "فرض سيادة الكيان الصهيوني على جميع مناطق غور الأردن وشمال البحر الميت والمستوطنات بالضفة الغربية في حال إعادة انتخابه، واتخاذ الإجراءات السياسية والقانونية العاجلة للتصدي لهذا الموقف العدواني".

ودعا وزير الخارجية السعودي، إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الله العساف، المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته أمام الانتهاكات الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وأعلن العساف، خلال كلمته في الاجتماع الطارئ لمنظمة التعاون الإسلامي: إدانتة بلاده ورفضها القاطع لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بشأن ضمّ أراضٍ من الضفة الغربية المحتلة.

يوسف العثيمين يؤكّد إدانة المجتمعَين العربي والإسلامي لمحاولة إسرائيل تغيير الهوية التاريخية لفلسطين

وقال: "الرياض مطالبة أمام الشعوب الإسلامية باتخاذ جميع الإجراءات للتصدي للتصعيد الإسرائيلي".

وأكّد أنّ أيّة جهود لا تضمن تمتع الشعب الفلسطيني بحقوقه هي ناقصة، ولن تؤدي إلى سلام دائم وشامل، مشدداً على "التمسّك بالسلام كخيار إستراتيجي.

بدوره، شدّد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، يوسف العثيمين، في كلمته على حورية ومركزية القضية الفلسطينية.

وأضاف: ندين العمل العدواني للحكومة الإسرائيلية وما يشكل من انتهاك لقرارات مجلس الأمن"، وأكّد إدانة المجتمعين محاولة إسرائيل المستمرة لتغيير الهوية التاريخية لفلسطين.

كما طالب المجتمع الدولي بوضع حدّ لسياسات إسرائيل العدوانية ضدّ الشعب الفلسطيني.

وزير الخارجية الفلسطيني يحذّر من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني بسبب انتهاكاتها

من جهته، حذر وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، من تحوّل الخلاف مع إسرائيل إلى صراع ديني، بسبب انتهاكاتها، كما أكّد أنّ إعلان نتنياهو، نيته ضمّ غور الأردن ينسف الاتفاقيات والقرارات الدولية.

وفي مسعى أخير منه لتجنيد أصوات اليمين في إسرائيل؛ يحاول نتنياهو استمالة أصوات الإسرائيليين في الانتخابات المقبلة، من خلال تلك التصريحات المتعلقة بعزمه ضمّ غور الأردن، وشمال البحر الميت، والمستوطنات في الضفة الغربية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

 

للمشاركة:

بعد شهرين على وفاته.. الموت يغيب أرملة السبسي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

غيب الموت، اليوم، أرملة رئيس الجمهورية التونسية، الراحل محمد الباجي قايد السبسي، شاذلية سعيدة فرحات السبسي، عن عمر يناهز 82 عاماً، في العاصمة تونس، بعد تعرضها لنوبة قلبية تطلّبت نقلها بشكل مستعجل إلى المستشفى.

وأكّد نجلها، حافظ قايد السبسي، خبر وفاتها، في تدوينة على حسابه الخاص بفيسبوك. قائلاً إنّ والدته "كانت متأثرة جداً، وماتت حزناً على فراق زوجها، إثر نوبة قلبية فاجأتها، أمس السبت، تمّ على إثرها تحويلها للمستشفى العسكري حيث توفَّت".

ولدت شاذلية سعيدة فرحات السبسي، في 1 آب (أغسطس) 1936، بتونس العاصمة، وهي محامية وسياسية.

وتزوجت شاذلية، في 8 شباط (فبراير) 1958، الباجي قائد السبسي، وهي تصغره بعشرة أعوام، وللزوجين الراحلين أربعة أبناء: بنتان (أمل وسلوى)، وولدان (حافظ وخليل).

ويذكر أنّ الرئيس الراحل، الباجي قايد السبسي، كان قد توفي، نهاية تموز (يوليو) الماضي، عن عمر 92 عاماً، قبل أشهر من انتهاء ولايته، وقررت الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، إثر وفاته، تقديم موعد الانتخابات الرئاسية، إلى 15 أيلول (سبتمبر) الجاري، في حين بقيت الانتخابات البرلمانية في موعدها المقرر في 6 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل.

وتشهد تونس، اليوم، انتخابات رئاسية مبكرة، يشارك فيها أكثر من 7 ملايين مواطن.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تكشف المسؤول عن هجوم "أرامكو"

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

حمّل وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، إيران مسؤولية الهجوم الذي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"، أمس، رغم إعلان جماعة الحوثي الإيرانية المتحالفة مع طهران مسؤوليتها عنها، قائلاً: "تشنّ إيران الآن هجوماً غير مسبوق على إمدادات الطاقة العالمية".

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو: إنّ "إيران تقف خلف نحو 100 هجوم على السعودية".

وزير الخارجية الأمريكي يحمّل إيران مسؤولية الهجوم التي تعرّضت له منشأتان تابعتان لشركة "أرامكو"

 وأضاف في تغريدة على حسابه، أمس: "على العالم أجمع إدانة هجوم إيران على إمدادات الطاقة العالمية"، مشيراً إلى أنّ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، ووزير خارجيته، جواد ظريف، يتظاهران باللجوء للدبلوماسية.

وأكّد الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، في اتصال هاتفي مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، أمس، استعداد بلاده للتعاون مع السعودية في كلّ ما يدعم أمنها واستقرارها، مشدداً على التأثير السلبي لهذه الهجمات على الاقتصاد الأمريكي، وكذلك الاقتصاد العالمي.

في حين أكّد الأمير محمد بن سلمان أن للمملكة الإرادة والقدرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه.

محمد بن سلمان يؤكد أنّ المملكة قادرة على مواجهة هذا العدوان الإرهابي والتعامل معه

وفي وقت سابق؛ أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، العقيد الركن تركي المالكي؛ أنّ التحقيقات تجري بشأن الهجوم الإرهابي الذي استهدف معملي شركة "أرامكو" السعودية، لمعرفة الأطراف المتورطة.

في المقابل؛ نفت إيران ضلوعها في الهجوم الذي استهدف، السبت، منشأتين نفطيتين لشركة "أرامكو" في السعودية، ووصف، عباس موسوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية اتهامات الولايات المتحدة لطهران بمهاجمة المنشأتين بأنها "فارغة".

وأضاف المتحدث: "مثل هذه الاتهامات عديمة الجدوى، لا معنى لها وغير مفهومة".

من جهتها، أعلنت دولة الإمارات، اليوم؛ أنّ بلادها تنتظر نتائج تحقيق السعودية في هجمات بطائرات مسيرة على منشأتين لشركة "أرامكو" في المملكة، السبت.

قرقاش: الهجوم الإرهابي على معملي "أرامكو" يطالنا جميعاً ويشير إلى التحدي الإستراتيجي

وقال وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، أمس: إنّ "الهجوم الإرهابي على معملي أرامكو يطالنا جميعاً، ويشير إلى التحدي الإستراتيجي الذي تواجهه المنطقة وضرورة تضافر الجهود تجاهه".

وأردف قرقاش، في تغريدة على حسابه بتويتر: "الإمارات أدركت طبيعة التحديات المحدقة والمشتركة مبكراً، واختارت بكلّ مسؤولية أن موقفها وموقعها مع الرياض"، وتابع قائلاً: "نعم، مسارنا واحد، ومصيرنا واحد".

وكان المتحدث الأمني بوزارة الداخلية السعودية؛ قد صرّح بأنّه "عند الساعة الرابعة من صباح أمس، السبت، باشرت فرق الأمن الصناعي بشركة "أرامكو"، في إخماد حريقَين في معملَين تابعيَن للشركة بمحافظة بقيق وهجرة خريص، نتيجة استهدافهما بطائرات بدون طيار "درون".

 

 

للمشاركة:



بأي معنى جاءت العقوبات الأمريكية ضدّ إيران؟

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-09-15

ترجمة: مدني قصري


إذا كانت بعض العقوبات الاقتصادية قد وجّهت بلا شك ضربة للقوة الإيرانية، يبدو أنّ البعض الآخر كان لغرض رئيسي هو تأثير وسائل الإعلام.

عقوبات ذات كفاءة قابلة للنقد في بعض الأحيان ولكنها ذات قوة تواصل قوية

هذا هو حال، على سبيل المثال، العقوبات المفروضة في حزيران 24 (يونيو) 2019، والتي استهدفت على وجه التحديد آية الله خامنئي والعديد من قادة الحرس الثوري. من الآن فصاعداً، تُحظر أي تجارة مع الأفراد والكيانات المستهدفة. وسيتم تقييد وصولهم إلى الأسواق المالية والمعاملات المالية بشكل عام، إن لم يتم منعهم منعاً تاماً. كما تم تجميد أرصدتهم في الولايات المتحدة. يُحذر المرسوم البنوكَ من أنّه إذا تبين أنّ بعضها يتداول مع المستهدفين بهذه العقوبات، فسوف يُحرَمون من  الوصول إلى السوق الأمريكية.

 تأمل واشنطن أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه قادم من الخارج ومن الداخل

تأثير رمزي بدل الضغط الحقيقي
يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي، أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي. في الواقع، من غير المرجح أن يمتلك خامنئي، أو أي من قادة الحرس الثوري المستهدفين، أصولاً في الولايات المتحدة، بالنظر إلى العلاقات المتوترة بين القوتين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي (1). وكما يُذكرنا الخبير الاقتصادي كايلن بيرش، فما دامت إيران تخضع للعديد من العقوبات الاقتصادية الأمريكية منذ الثورة الإسلامية في عام 1979، كما هو موضح أدناه، فإنّ قادتها قد قاموا بالضرورة بتقييد، أو حتى بإيقاف أي نشاط، سواء أكان قريباً أو بعيداً، مع الولايات المتحدة: تنطبق هذه المعاينة أيضاً على العقوبات المفروضة على وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في 31 تموز (يوليو). مع هذه العقوبات "الرمزية"، تأمل واشنطن في أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده، لكن ضد زعمائه.

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية ضدّ إيران... وسيلة ضغط أم أداة اتصال؟

في الواقع، تندرج هذه الإستراتيجية ضمن نطاق واسع من التذمر الشعبي في إيران، والذي تم التعبير عنه خلال شتاء 2017-2018 في جميع أنحاء البلاد، من خلال أعمال شغب كبرى (2) أدت إلى مقتل حوالي 20 محتجاً واعتقال حوالي 7000 منهم. وفي الآونة الأخيرة، تم التعبير عن هذا الاحتجاج في الأشهر الأخيرة من خلال المظاهرات الاحتجاجية على ارتداء الحجاب الإجباري، على سبيل المثال، أو من خلال دعم "الحركة الخضراء"، وهي حركة سياسية تدعو إلى إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاجتماعية والسياسية والاجتماعية في ايران.

يبدو أنّ العقوبات الأمريكية تسعى للحصول على تأثير رمزي أكثر من سعيها لتحقيق ضغط حقيقي

رفع الضغط على الاقتصاد الإيراني 
وفقًا لإليزابيث روزنبرغ (3)، مستشارة العقوبات السابقة للرئيس الأمريكي باراك أوباما، فمن خلال زيادة الضغط على الاقتصاد الإيراني وبالتالي إحداث انحطاط في الحياة اليومية للإيرانيين، تأمل الولايات المتحدة في دفع الإيرانيين نحو تحدٍ أكبر إزاء السلطة الحاكمة، أو حتى نحو ثورة جديدة، وبالتالي تغيير النظام. وتأمل واشنطن على الأقل في أن تثير في النظام الإيراني إحساساً بتهديد وشيك على بقائه، قادم من الخارج ومن الداخل على السواء، مما سيدفعه إلى التفاوض من أجل تخفيف الضغط الأمني الذي يشعر أنه خاضع له.

العقوبات لا تنتج تغيير النظام
ومع ذلك، فإنّ هذه الاستراتيجية تشكل العديد من المخاطر، كما أشار إلى ذلك المستشار السابق روبرت مالي، الذي يعارض بحزم العقوبات التي تطبقها الإدارة الأمريكية حالياً: بالنسبة له، أظهر الإيرانيون في الماضي أنّهم لا يتفاوضون أبداً تحت الضغط والتهديد. وهو الرأي الذي يشاركه فيه ديفيد كوهين، الرئيس السابق لوزارة الخزانة الأمريكية المكلف بالعقوبات ضد إيران في عهد إدارة أوباما: العقوبات لا تنتج تغيير النظام، "لا توجد سابقة تاريخية لعقوبات طويلة المدى تسبب مباشرة تغيير النظام"، وفقاً له (4). علاوة على ذلك، كما أظهر الباحثان جاكلين كلوب وإيلك زورن (5)، فإنّ الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب لفصل الشتاء 2017-2018 ، تميل إلى الزيادة في هذا الاتجاه.
مع هذه العقوبات الرمزية تود واشنطن أن توضّح للشعب الإيراني أنّها ليست ضده ولكن ضد زعمائه

عقوبات الولايات المتحدة أمام مقاومة العديد من القوى الكبرى
دفعت العقوبات الأمريكية، التي تقوض بشكل غير مباشر الدول المرتبطة اقتصادياً بإيران فضلاً عن أنّها تقلل من فرص الإبقاء على سريان اتفاقية فيينا، بعدد متزايد من الدول إلى السعي للتحايل. في الواقع، تجاوز هذه العقوبات ليس غير قانوني من وجهة نظر القانون الدولي؛ لأن قرار واشنطن أحادي الجانب. ومع ذلك، يواجه المتمردون غرامات و / أو تدابير ثأرية (6). إنّ أكثر الحالات تأثيراً هي قضية الصين التي، وفقاً للتحقيق الذي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 3 آب (أغسطس)، واصلت استيراد النفط الإيراني منذ شهر أيار (مايو)، على الرغم من انتهاء الإعفاءات الأمريكية التي سمحت للدول الثمانية المذكورة أدناه بشراء النفط من نظام الملالي دون انتهاك العقوبات الاقتصادية الأمريكية. ووفقاً لهذا الاستطلاع، فإنّ دولاً أخرى في شرق المتوسط،  ربما لا تزال تستورد النفط. تركيا، التي كانت في السابق مستفيدة من نظام الإعفاء، وسوريا، الحليف الإقليمي الرئيسي لإيران، من بين البلدان المشتبه بها الرئيسية.

 

نظام مقايضة متطور
عبّر الاتحاد الأوروبي صراحة عن رغبته في مواصلة تجارته مع إيران، وقد أنشأ في 31 كانون الثاني (يناير) 2019 ، بمبادرة من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة، المقايضة مع إيران باستخدام نظام INSTEX) Instrument in Support of Trade Exchanges) (أداة لدعم التبادل التجاري). هذا النظام ومقره في باريس، ويرأسه المصرفي الألماني بير فيشر، لا يعمل إلا في حال ما وضعت إيران، من جانبها، بنية معكوسة: تم ذلك منذ 24 حزيران (يونيو) مع إنشاء STFI (أداة التجارة والتمويل الخاصة بإيران). لقد اتضح أنّ نظام INSTEX معقد بشكل خاص (7)، ولكنه يتمثل بشكل أساسي في السماح للشركات الأوروبية والإيرانية بالتداول دون إجراء معاملات مالية مباشرة. وبالتالي، فإنّ هذا التبادل لا يندرج تحت العقوبات الأمريكية، التي يتم التحايل عليها من خلال ما وصفه رئيس الدبلوماسية البلجيكية، ديدييه ريندرز، في 1 شباط (فبراير) 2019 بـ "نظام مقايضة متطور".

مثلث الاتحاد الأوروبي وروسيا وإيران
ومع ذلك، فحتى لا تثير غضب الولايات المتحدة، اقتصرت INSTEX في الوقت الحالي على الضروريات الأساسية؛ أي المواد الغذائية والأدوية (8). في هذا الشأن أعلنت ناتالي توتشي، المستشارة الخاصة للممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغريني، في 12 تموز (يوليو)، في مقابلة مع "يورونيوز"، أنّه من المحتمل إضافة المنتجات النفطية الإيرانية إلى قائمة معاملات INSTEX مع مساعدة دبلوماسية تقدمها روسيا في هذا الشأن: "الفكرة هي خلق مثلث ما بين الاتحاد الأوروبي (...) وروسيا وإيران".

الأنظمة الاستبدادية لديها ميل واضح لتكثيف استخدامها للعنف عندما تشعر بالخطر كقمع أعمال الشغب

التحايل على العقوبات
في الواقع، أثار مشروع INSTEX الإغراء خارج حدود الاتحاد الأوروبي: أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في 14 شباط (فبراير)، الانضمام إلى المشروع، وإعادة إنتاج هيكل مماثل في تركيا، في حين أن الكرملين انضم إلى المشروع الأوروبي في 18 تموز (يوليو). يقال إنّ الصين مهتمة بالمشروع، وفقاً لما قاله علي ربيع، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، في 16 تموز (يونيو)، لكنها في الوقت الحالي في مرحلة مراقبة. في نفس اليوم صرح نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف،  أن "INSTEX" قد أجرت أولى معاملاتها في 30 تموز (يوليو)، ولكن "لكي يتم تشغيلها بالكامل، يجب إكمال بعض الإجراءات البيروقراطية بين INSTEX و STFI".

اقرأ أيضاً: العقوبات الأمريكية على حزب الله وسياسة الضغط القصوى على طهران

علِمت الولايات المتحدة بتكتيك التحايل على العقوبات، وقررت، في 1 آب (أغسطس)، منح إعفاءات من العقوبات للاتحاد الأوروبي والصين وروسيا فيما يتعلق بالتجارة مع إيران بشأن جزء من القطاع النووي المدني، من أجل مناورة الحلفاء الأوروبيين والمعارضين الإستراتيجيين لواشنطن، موسكو وبكين. كانت هذه القوى، بموجب اتفاقية فيينا، في الواقع، ملتزمة  منذ عام 2016 في إيران، بتحويل مفاعل الماء الثقيل في أراك، إلى منشأة، ومركز تخصيب في فوردو، وفاعل في محطة بوشهر. فمن بدون هذه الإعفاءات، الممنوحة لمدة 90 يوماً، كانت الولايات المتحدة ستفرض عقوبات عليها.
سياسة القسر والإكراه
وبالتالي، فإذا كان للعقوبات الأمريكية ضد إيران تأثير لا جدال فيه على اقتصاد البلاد وعلى الحياة اليومية لسكانها، فإنّ آثارها النهائية؛ أي عودة إيران إلى طاولة المفاوضات، لا تزال بعيدة، ما دامت طهران تكرر أنّها لن تستسلم للضغوط. هذا لا سيما وأنّ هذه العقوبات ذات الطبيعة الإعلامية تتجاوز في بعض الأحيان الجانب العقابي المطلوب رسمياً؛ وعلاوة على ذلك، فإنّ هذا العقاب الأخير لا يصبح فعالاً إلا عندما تحترمه الدول الأخرى، وهو ما لا يبدو عليه الحال في الوقت الحاضر. يبدو أنّ الرئيس ترامب في الوقت الحالي يفضل الطريقة القوية التي حقّق بها نجاحه (9) ويواصل سياسته القائمة على  القسروالإكراه.


الهوامش:
(1) وبشكل خاص في عام 979 ، تاريخ الثورة الإسلامية في إيران واحتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية، والذي استمر من 4 نوفمبر 1979 إلى 20 يناير 1981.
(2) كانت هذه الاحتجاجات تهدف إلى الاحتجاج على عدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، والفساد، وآية الله علي خامنئي.
(3) وفقًا لمقابلة مع السياسة الخارجية بتاريخ 26/04/2019.
(4) بيان من مقابلة أجرتها صحيفة لوس أنجلوس تايمز بتاريخ 05/05/2019.
(5) انظر Klopp ، Jacqueline & Zuern ، Elke. (2007). سياسة العنف في الديمقراطية: دروس من كينيا وجنوب إفريقيا. السياسة المقارنة. 39 ، 127-146.
(6) يضع رؤساء الدول في الاعتبار الغرامة القياسية التي فرضتها الولايات المتحدة على بنك BNP Paribas ، الذي تمت إدانته في 1 مايو 2015 لدفع ما يقرب من 8 مليارات يورو لمخالفته الحصار الذي تفرضه واشنطن على كوبا وإيران والسودان وليبيا من 2000 إلى 2010. BNP  ليس الوحيد الذي تم تغريمه من قبل الولايات المتحدة: بالإضافة إلى هذا هناك بنك فرنسي وبنوك بريطانية، ولوكسمبورغية وألمانية وهولندية وسويسرية ونمساوية تم تغريمها من قبل واشنطن.

(7) باختصار، تحدث التبادلات المالية فقط بين المستورد والمصدر الأوروبيين، وبين المستورد والمصدر الإيرانيين: لا تحدث تدفقات مالية مباشرة بين إيران وبلد آخر. INSTEX بالتالي يعمل كنوع من غرفة مقاصة (تعويض).
(8) أدى هذا القيد إلى عدد من الانتقادات لآلية INSTEX ، طالما أن هذه المنتجات تم تجنيبها بالفعل من العقوبات الأمريكية. في الوقت الحالي، يبدو أن نظام المقايضة في مرحلة تطوير و "اعتراف" بشكل أساسي.
(9) عاشق كبير للمفاوضات ومؤيد للطريقة القوية، أي بمعنى دونالد ترامب، لشكل من أشكال التطرف إلى جانب غياب التنازلات، فقد أصدر الرئيس الأمريكي كتاباً بعنوان "ترامب: فن التفاوض" ، نُشر في عام 1987 في الولايات المتحدة وفي عام 2017 في فرنسا.


المصدر: lesclesdumoyenorient.com

للمشاركة:

هل غادرت تركيا المركب الإخواني؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

عبدالأمير المجر

تناقلت وسائل الاعلام مؤخرا خبر احالة القيادي في حزب العدالة والتنمية، ورئيس الوزراء ووزير الخارجية التركي الاسبق احمد داود اوغلو الى لجنة تأديبة، تمهيدا لفصله من الحزب بسبب انتقادات، وصفت بالحادة، لسياسة الحزب ورئيسه رجب طيب اردوغان. وللحديث عن هذا الموضوع استضافت احدى الفضائيات محللين سياسيين تركيين، فلفت انتباهي ماقاله احدهما، وهو يصف واقع تركيا بعد ان تبخرت الكثير من احلام حزب العدالة والتنمية، بسبب سياساته الخارجية. قال: تحدثوا عن "العمق الاستراتيجي"، واذا بنا في كارثة ستراتيجية! وتحدثوا عن "صفر مشاكل" مع العالم، واذا بنا نغرق بالمشاكل!

مقولة "صفر مشاكل" اطلقها احمد داود اوغلو نفسه، في بداية تسلمه حقيبة الخارجية، لكن الامور آلت الى ما هي عليه اليوم، حيث تعيش البلاد واقعا سياسيا يمكن وصفه بالمأزوم. فهل كانت هذه المشاكل كلها نتيجة لسياسات حزب العدالة والتنمية ام فرضت على تركيا وتصدى لها الحزب بوصفه الحزب الحاكم؟

للانصاف، ان بعضها فرضت على تركيا، وبعضها الاخر، وهي الاهم، يتحملها الحزب الحاكم من دون ادنى شك، بسبب ايديولوجيته غير الواقعية التي القت بتركيا في اتون صراعات هي في غنى عنها تماما. حزب العدالة والتنمية الاخواني كان قد نهض بمشروع تنموي كبير، منذ عقدين، وبسبب ذلك اكتسب شعبية واسعة مكنته من البقاء في السلطة كل هذه المدة. بل تمكن من تغيير الدستور وتقعيد الدولة التركية على هواه، بعد ان حوّل النظام الى رئاسي. لكن الذي لم يعرفه الكثيرون، ان هذا الحزب، وحسب ما تذكر مصادر عليمة، تلقى دعما غير مباشر من الولايات المتحدة، بعد وصوله السلطة، وربما قبل ذلك، بهدف صناعة دولة اسلامية "سنية" لتكون الضد النوعي لإيران "الشيعية" بغية تحقيق هدف ابعد، الا وهو صناعة وتسويق سرديات ثقافية جديدة، في المنطقة، بديلة عن السرديات السابقة.. يسارية ماركسية ويسارية قومية ويمينية ليبرالية وغيرها. اذ كان المطبخ الدولي يعد المنطقة لاحداث كبيرة، ويجب ان يكون هناك غطاء ثقافي كبير، يعطي زخما لهذه السرديات الجديدة. وهو ما حصل.

تمكن اردوغان، وبسبب المليارات الاميركية في البنوك التركية مع بداية تسلمه السلطة، من تنفيذ مشروعه التنموي، وباتت تركيا مثلا يحتذى، لاسيما لمن لديهم ميولا اسلامية، وقوة سياسية ثقيلة، مؤهلة لان تكون ندا لايران. ورافق هذا زخم عاطفي تمثل بموقف جديد على السياسة التركية، تمثل بشعار الوقوف مع القضية الفلسطينية، لقطع الطريق على الغريم الايراني الذي رفع الشعار نفسه. واتجه الدعم التركي، كما الايراني، لحركة حماس والفصائل الاسلامية الراديكالية الرافضة للحوار مع اسرائيل، مع ان تركيا، الدولة، تعترف باسرائيل وتقيم معها علاقات طبيعية منذ الخمسينيات، ولم يتغير جوهر هذا الموقف بعد وصول حزب العدالة والتنمية الاخواني للسلطة!

مع بداية احداث "الربيع العربي"، عملت تركيا على مستويين. الاول، جاء نتيجة لتصورها بان الانظمة المستهدفة ستسقط بارادة اميركية، ولابد من تواجد تركي في الميدان السياسي وحتى العسكري، لكي لا تترتب عليها استحقاقات قاسية، لاسيما تلك التي حصلت على ابوابها، كالازمة في سوريا، وتداعياتها الكردية. اما المستوى الثاني فتمثل بدعم الاحزاب الاخوانية في البلدان المضطربة، لتعيد رسم خارطة علاقاتها مع البلدان العربية بنكهة عثمانية محدّثة! وهو ما عمل عليه اردوغان وبقوة ومضى بعيدا فيه من دون تحسب لحساسية الشرق الاوسط وخرائطه الجيوسياسية، وتنافس مع ايران في هذا الامر باكثر من ميدان، وبالغطاء الثقافي المشار اليه والحضور العسكري المتمثل بـ"التنظيمات الجهادية" التي صارت تركيا ممرها، واحد اهم ميادينها اللوجستية، لاسيما في سوريا التي غرقت فيها تركيا تماما، ووجدت نفسها فيما بعد منكشفة استراتيجيا تقريبا، بعد ان عرفت ان دولة كردية بصناعة اميركية تسربت من وسط الخراب السوري، الذي اسهمت بصنعه. لكن تصادم المصالح الروسية والاوروبية مع اميركا انقذها وخلط الاوراق في اكثر من ميدان، ابرزها مصر وليبيا وتونس وغيرها. الاّ ان الاهم هو قطيعتها الكبيرة مع السعودية، وانحيازها لقطر بعد الازمة الخليجية، وبذلك انحسر عمقها الاستراتيجي اكثر، وتحول الى طوق مخيف! وبات "صفر مشاكل" مع المحيط، طرفة سياسية. وهكذا بدأت اوراق هذا الحزب تتساقط، وشعبيته تتقلص، والوضع الاقتصادي بدا يتداعى، ليخسر اهم معاقله (بلدية اسطنبول) في الانتخابات المحلية الاخيرة، ووجد نفسه امام مستقبل ينذر بالمزيد من الكوارث.

هل حصل هذا بعيدا عن التأثير الاميركي في المنطقة؟ نرى ان الامر مدبر، كما بدأ مدبرا ولهدف لم يعد خافيا على المتابعين، فالسلطة في تركيا يجب ان تعود علمانية، لان المرحلة استوفت استحقاقاتها والثقافة الحاملة لتلك المرحلة يجب ان تتغير.

نشك ان اردوغان قرأ الواقع الدولي وخارطة التوازنات بروح رجل الدولة، بل بروح العقائدي الذي لا يناسب واقع وموقع دولة بثقل تركيا، فاقدم على مغامرته في سوريا بهذه العقلية وعمّق خلافاته مع السعودية ومصر وقوى سياسية مهمة في ليبيا وتونس وغيرها، ليحصد هذه الثمار المرة، ويبدأ رحلة المغادرة، عاجلا او آجلا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

ألمانيا: كيف تتم حماية النساء في مراكز استقبال اللاجئين؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-15

مارا بيرباخ/ع.ح

إجراءات حماية اللاجئات في مراكز إيواء اللاجئين غير كافية، وفقا لما يؤكده كثير من الناشطين. ما الذي يتوجب على النساء اللاجئات القيام به في هذه الحالات؟

هل تشعر طالبات اللجوء بالأمان في سكن مشترك؟ حظي هذا السؤال باهتمام كبير في ألمانيا مؤخرًا بعد العثور على امرأة من كينيا وقد فارقت الحياة بالقرب من ملاذ اللجوء الذي عاشت فيه مع ولديها. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام ، فقد زُعم أن (ريتا أوجونجي) تعرضت للتهديد من قِبل أحد جيرانها الرجال قبل اختفائها والعثور على جثتها فيما بعد.

أثارت القضية اهتمامًا متجددًا لدى المدافعين عن حقوق المرأة والنشطاء المساندين للاجئين الذين يقولون إنه لا يتم عمل ما يكفي للحفاظ على سلامة النساء في مراكز إيواء اللاجئين المشتركة.

يُطلب من معظم طالبي اللجوء في ألمانيا عادة الإقامة في هذه المراكز لفترة طويلة. تم تشديد الإجراءات هذا الصيف من خلال "قانون العودة المنظمة"، والذي ينص على أنه يتعين على طالبي اللجوء من البالغين البقاء في مراكز الاستقبال لمدة تصل إلى 18 شهرًا أثناء فحص طلبهم.

ثلث طالبي اللجوء من الإناث

شكلت النساء والفتيات 35 في المائة من إجمالي الأشخاص الذين طلبوا اللجوء في ألمانيا بين عامي 2015 و 2018. وغالبًا ما يكون التكيف مع الحياة في ألمانيا أكثر صعوبة بالنسبة لهم، إذ تشير الدراسات إلى أن اللاجئات لديهن احتمالات أقل لدخول سوق العمل مقارنة بالرجال، كما أنهن أقل عرضة للتواصل والتعامل بشكل منتظم مع السكان المحليين. وفي مراكز إيواء اللاجئين الجماعية فإن النساء غالباً ما تواجهن - وخاصة إذا كانوا هناك بمفردهن أو مع أطفالهن فقط - أوقات أكثر صعوبة يشوبها الشعور بقلة الأمان والراحة.

تقول الناشطة اللاجئة إليزابيث نغاري من مجموعة "نساء في المنفى وأصدقاء": "بالنسبة للنساء، هناك دائمًا تهديد بالتعرض للعنف والمضايقات الجنسية. لا تشعر الكثير من النساء بالأمان لأنه لا توجد لديهن خصوصية."

بغض النظر عن الجنس، يمكن أن تكون الحياة في مراكز استقبال اللاجئين الجماعية ليس سهلة بالنسبة للكثيرين. إذ يعيش أشخاص من ثقافات مختلفة معًا، في أماكن لا تضمن لهم كم كاف من الخصوصية، فضلا عن ما يعينه الكثيرون من الصدمة التي أصيبوا بها نتيجة ما تعرضوا له قبل أو أثناء رحلتهم إلى ألمانيا.

يقول سيمون إيلر والذي يعمل لصالح مشروع "نتحدث!" وهو مشروع يهدف إلى مساعدة اللاجئات في بافاريا: "إن بنية المراكز الإيواء الجماعية الكبيرة - مثل مراكز الإرساء - تدعم العنف، ما يزيد من احتمال نشوب نزاعات بين اللاجئين".

النساء أكثر عرضة للتحرش الجنسي والاعتداء

يتفق معظم الخبراء على أن النساء هن الأكثر عرضة لأن يصبحن ضحايا للعنف الجنسي في مراكز إيواء اللاجئين. وغالبا ما يكون المعتدون هم  طالبو لجوء يعيشون معهم في هذه المراكز وأحيانا موظفون في هذه المراكز، مثل أفراد الأمن الذين غالبًا ما يكونون من الرجال.

ومن جانب أخر، تشير دراسة أجريت حول " حول النزاعات في أماكن إقامة اللاجئين"، إلى أن تصميم مراكز إيواء اللاجئين، هي من بين احد أسباب العنف بدافع التحرش الجنسي.

وبحسب الدراسة فإن  "قسما صغيرا  فقط من مراكز إيواء اللاجئين الجماعية، تكون الغرف مزودة بحمامات خاصة. وفي كثير من الأحيان، لا يمكن الوصول إلى المراحيض والاستحمام إلا عبر ممر مشترك، وفي أحيان أخرى قد توجد تلك المرافق خارج مكان السكن. في بعض الأحيان، لا يمكن إغلاق أماكن الاستحمام من الداخل وفي أحيان أخرى في بعض أماكن إقامة اللاجئين، لا يمكن إغلاق الغرف ".

وتشير الدراسة التي نُشرت في عام 2017 إلى مراكز إيواء اللاجئين في ولاية شمال الراين - وستفاليا فقط، وهي أكبر ولاية في ألمانيا. ولكن استنادًا إلى المقابلات التي أجراها موقع مهاجر نيوز مع الخبراء والمدافعين عن اللاجئين، فإن نتائج الدراسة لا تزال تنطبق إلى اليوم على مراكز مختلفة في ألمانيا. يقول سيمون إيلر إن الغرف في مراكز الإرساء في بافاريا لا يمكن قفلها مثلا"

الصمت خوفاً من أثر الشكوى على طلب اللجوء

في بعض الحالات احتلت قصص النساء اللواتي وقعن ضحية لاعتداءات في مراكز طالبي اللجوء عناوين الصحف. من هذه الحالات الاغتصاب الوحشي الذي تعرضت له امرأة في الأربعينيات من عمرهاوالتي قالت إنها تعرضت لاغتصاب جماعي من شابين في مركز استقبال أولي لطالبي اللجوء في آيزنهوتنشتات. وفي جيسن ، حكم على طالب لجوء بالسجن لمدة سبع سنوات بعد أن اغتصب بوحشية طالبة لجوء.

هناك أيضا قصص عن وقائع تحرش جنسي بصورة يومية، فقد نقلت محطة البث البافارية مؤخراً رواية لشابتين من طالبي اللجوء قالتا إن الحراس ورجال الأمن كثيراً ما يدخلون إلى أماكن الاستحمام النسائية، وأضافتا: "بدا لنا أنهم جاؤوا عن عمد لرؤيتنا عرايا".

ويصعب معرفة عدد النساء اللواتي تعرضن لحوادث اعتداء على وجه التحديد. ليس فقط لأنه لا توجد إحصاءات رسمية على المستوى الاتحادي حول العنف الجنسي والتحرش في مراكز اللجوء، ولكن أيضاً لأن العديد من النساء لا يتقدمن لمشاركة أو رواية قصصهن. متحدث باسم مجلس اللاجئين في زارلاند قال لمهاجر نيوز: " نعرف حالات كثيرة عن اعتداءات جنسية وتهديدات ضد النساء.  لكن الضحايا يخشون أن يعلنوا عن ما تعرضوا له.. والسبب هو قلقهن من أن يكون لذلك تأثير سلبي على طلب اللجوء".

ماذا عن الوضع القانوني؟

لا يوجد قوانين واضحة بخصوص مراكز إيواء اللاجئين والإجراءات التي يتوجب عليها أن تتخذها للحفاظ على سلامة المقيمين في المركز من العنف الجنسي. لكن الاتحاد الأوروبي وضع، ومنذ عام 2013، معايير تخص طالبي الحماية الدولية.  إذ يتوجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي " اتخاذ التدابير المناسبة لمنع الاعتداء العنف القائم على أساس الجنس، بما في ذلك الاعتداء الجنسي والتحرش الجنسي داخل مراكز اللجوء. "

في ألمانيا تم إصدار توجيهات تتعلق بـ"منع العنف" في مراكز إيواء اللاجئين. لكن غالبا ما تكون غير ملزمة ويتتعامل مع العنف الجنسي بشكل روتيني في أغلب الأحيان.

لهذا السبب تختلف مراكز اللاجئين في ألمانيا، عندما يتعلق الأمر بحماية النساء. ففي الوقت الذي ينتهي فيه الأمر ببعض طالبات اللجوء في الملاجئ المخصصة للنساء فقط إلى الحصول على دعم مكثف من المتطوعين والعاملين الاجتماعيين، فإن أخريات ينتهي الأمر بهن في ملاجئ، حيث يتعين على النساء غير المتزوجات أن يعشن بجانب الرجال في غرف من دون أقفال، كما لا تتوفر خدمات دعم خاصة بالنساء.

ما الذي يمكنك القيام به إذا كنتِ لا تشعرين بالأمان؟

بحسب حديث أجراها موقع مهاجر نيوز مع بعض الخبراء، على النساء اللواتي يتعرضن للمضايقة ولا يشعرن بالأمان هو التحدث إلى الإخصائي الاجتماعي الموجود في مركز استقبال اللاجئين.

قد تتمكن المنظمات مثل "ذا لوكال شابتر اوف كاريتاس" ودياكوني والصليب الأحمر الألماني من تقديم المساعدة أيضاً.

يمكن للنساء المحتاجات إلى المساعدة أيضًا الاتصال بمجلس الدولة لشؤون اللاجئين (تحتوي هذه الصفحة الرئيسية على جميع مجالس اللاجئين المتواجدة في الولايات الستة عشر)، والذي ينبغي أن يكون قادراً على توجيههن نحو المنظمات المحلية التي تساعد وتحمي النساء.

يقدم الخط الساخن "الخط الساخن "هاتف مساعدة العنف ضد المرأة" المشورة للنساء اللواتي تعرضن للعنف والتحرش بـ 17 لغة مختلفة، بما في ذلك الإنكليزية والفرنسية والعربية والفارسية. الرقم هو: 08000 116 016

إذا كنتِ ضحية لجريمة ، فإن رقم شرطة الطوارئ في ألمانيا هو 110.

عن "دويتشه فيله"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية