علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها

علاء خالد: اللغة تتشكل في لحظة انهيارها
6280
عدد القراءات

2019-06-02

أجرى الحوار: سامر مختار


قال الشاعر والروائي المصري علاء خالد إنّ هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى مبشرةً بتغيير جوهري، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ ثورة "يناير" 2011 جاءت في لحظة مفاجئة، "لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية،.. والتشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض".

اقرأ أيضاً: النثر والشعر.. التوأمان اللدودان
وأكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض، " كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال".

وهنا نص الحوار:

تراكمات المجتمع

أكد خالد أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات
في روايتك الجديدة "بيت الحرير" ركّزت على فكرة "الفقاعة" التي من الممكن أن يعيش الإنسان داخلها، هل كان الدافع بالنسبة لك أثناء الكتابة هو تلك الغربة التي كانت فاصلة بين الجيلين قبل العام 2011؟

فكرة الجيلين طبعاً، بما تحملها من رمزية، هناك لحظة استثنائية، قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل الثقافة أو داخل المجتمع نفسه، وتضع الناس على حدودها القصوى، ويكون هناك قبول لتلك العلاقات؛ لأنّ الجسر لم ينفتح من الشخص نفسه؛ بل انفتح من اللاوعي الجمعي، وخرج.

اقرأ أيضاً: فكرة المختارات تجوز في الشعر ولا تجوز في النثر
ففكرة الجيلين التي اخترتها من الممكن أن يكون لها جزء رمزي، وفي نفس الوقت جزء درامي نوعاً ما. بمعنى أنّ هذا الخلاف مثلما هو مسموح فيه، مثلما يحمل أيضاً تناقضاً ما، وهذا التناقض كي يلتئم، أو لا يلتئم، يجب أن تحصل صراعات. هذه المساحة، وكأنك في البداية اخترت نقيضك كي ترى في النهاية، هل أنت قادر على التعامل مع هذا النقيض أم لا؛ فالاختيار نفسه كفكرة روائية سمح لمساحة كبيرة من التأويل أن تحدث.
حرصت في روايتك على جمع  النقيضين في الشخصيات، هل وجود مثل هذه النقائض هو اختبار  للمجتمع؟
هذا جزء منه طبعاً، وليس فقط اختباراً للمجتمع؛ بل اختبار إنساني أيضاً؛ اختبار أنّ كل شخص في هذه اللحظة ممثل لشيء أكبر منه. شخصية "دولت" ممثلة لشيء أكبر منها، وشخصية "محسن الحكيم" ممثلة لشيء أكبر منها أيضاً، هناك مساحة ما هي جزء من تناقضات المجتمع بالتلاقي وعدم التلاقي، وأعتقد تحديداً "عدم التلاقي"، ، وجزء من رمزياته غير القادرة على الالتئام.

اقرأ أيضاً: قاسم حداد شاعر أقام ورشة للأمل فضاؤها الشعر
ومن الممكن أن تكون قصة حب لطيفة جداً، لكن لِمَ لمْ تتحول إلى قصة حب لطيفة؟ ولِمَ كانت الفكرة "المكبوتة" موجودة؟ ولِمَ تفجّرت داخلها الفكرة الفرويدية؟ هذه الرمزيات كانت تعمل على كشف هذا الاحتكاك، الذي يكشف بدوره مساحة أخرى موجودة في اللاوعي.
هذا يكشف عن مساحة نفسية داخل تلك اللحظة، أتصور أنّه في الأحوال العادية كانت العلاقات تتم وراء السواتر، في لحظة الثورة، كانت هناك منطقة مكشوفة إلى حد ما، قادرة على كشف اللاوعي الجمعي. هذان الاثنان ممثلان للاوعي الجمعي، لكن هذا لا يمنع أنّهما أفراد؛ أي ليسا رمزين كاملين، بل هذا الجزء يخصهما كآدميين.

شعرنا أنّ سياق العلاقات الاجتماعية والعاطفية داخل الرواية يستبطن نقداً لسياق ما في الثورة، أهو افتقاد احتواء اجتماعي للعلاقات بوعي أكبر؟
الثورة جاءت في لحظة مفاجئة، وفي الوقت ذاته كان التراكم موجوداً قبلها، لم تأت من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية، أو مساحات لفكرة "الأنانية"؛ أي لم تكن هناك بنى ذاتية للذات، والتي هي أيضاً في القاع، بمعنى أنّ العلاقة المهمة جداً لدور الفرد، المفروض أن تحققه كفرد ضمن منتج جماعي؛ أي إنّ التشابك الحساس بين الفرد والجماعة، لم يكن المجتمع قد اشتغل عليه، ونتيجة لذلك، جاءت لحظة الثورة على أنقاض.
ثورية المرأة

غلاف كتاب "مسار الأزرق الحزين"
من خلال الرواية، كيف طرحت نظرة المرأة إلى التغيير؟

التغيير كان بالنسبة للمرأة خلاصاً فردياً، ومن الأسفل، من داخل المجتمع. بعكس الرجل الذي كان ينظر إلى التغيير بوصفه تغييراً سياسياً من فوق؛ لأن المرأة كانت محتكة أكثر.
حتى الشارع كان يثبت ذلك.. حتى فكرة تمثيل النساء في التغيير كانت واضحة؛ التغيير الجوهري حصل للنساء أكثر؛ أي التغيير الجوهري من ناحية التحول من فكرة لفكرة، النزول إلى الشارع والمشاركة، بالطبع كان حضور المرأة واضحاً.

اقرأ أيضاً: رمضان الشعراء في تونس: فرح صغير وليمون حلو
وفي نفس الوقت الذكورة أو فكرة الذكر، تتمثل بالمكان السلطوي، وهو يعاني من تناقض داخلي، مثل شخصية "مصعب" في الرواية، كان لديه تناقض داخلي؛ فأنت تريد أن تتجاوز تناقضك كي تبقى في مكان متساوٍ، وكي تبدأ فكرة الثورة؛ كان التناقض الداخلي مسألة حتمية.
المرأة أيضاً لديها تناقض داخلي، لكن عنفه لم يكن مؤثراً داخل التحولات التي تشكلها.
أي كان العنف لديها داخلياً؟
نعم، كما يظهر في شخصية "دولت"؛ كانت دائماً تواجه العنف ما بينها وبين نفسها، المرأة عندها حسّ من يعطي من نفسه أكثر؛ لأنها استسلمت لقناعاتها الداخلية، وبواعثها الداخلية لفكرة التغيير والتحول.

اقرأ أيضاً: الرصافي والحيدري: جسر بين كلاسيكية الشعر وحداثته
بينما الرجل إلى حد ما لديه حسابات، حتى الحسابات الثورية المجنونة بداخلها نوع من الخيال المدرسي، لكن المرأة لم يكن لديها هذا الخيال المدرسي، فهي من الممكن أن تتزوج أو تقع في الحب، أو من الممكن أن تحدث علاقة ما، وكل هذا يمكن اعتباره تحولات. هناك كائن يقدم أشياء من وجوده، ووجوده هو الذي يحركه؛ أي هو أكثر عضوية، وعضوية "دولت" كانت موجودة أكثر في الثورة. لكن في جيل آخر، وليس كله، ما تمثله شخصية "مصعب"، على سبيل المثال، كان يعيش تناقضاً عنيفاً جداً، لم يقدر أن يتجاوز ذكورته، وكان لا بدّ أن يتجاوزها، قبل فكرة الثورة حتى؛ الثورة لن تضعه في المكان الجديد، وزمنها القصير أيضاً؛ ساعد بعدم حدوث تغيير كبير، كان من الممكن أن يتغير "مصعب" ويكون في مكان أفضل.
أو أن يتغير للأسوأ؟
ممكن، المقصود أنّ مساحة الاختبار هنا، ضيقة جداً، لا توجد تحولات، لا يوجد آخر يضعك في المكان النقيض لتتغير؛ الثورة وتحولاتها كانت تشعرك أنّها بلا "آخر"؛ أي إنّها تفاعل ذاتي، وأحياناً "الآخر" يظهر لك باعتباره جولة ضمن سياق التغيير، أو باعتباره "إخواناً مسلمين" ...إلخ.
كل ذلك لا يأتي بـ"الذات" كي تتغير، كل ذلك كان بمثابة تحولات سياسية، غير قادرة على أن تتحول لفكرة وجودية، متى يحدث تغيير؟ عندما تأخذ المسألة وقتاً أطول، وعندما يكون هناك صراع بين قوى.

اقرأ أيضاً: تأثير الشعر العربي القديم في خطاب "الجماعات الدينية" المتطرفة
هنا الصراع كان يشعرك أنّه محسوم، بينما أنت في الشارع كنت تعمل أن تمدَّ أمداً لشيء وفي مكان آخر الموضوع يجري حسمه؛ فصراعك وهمي؛ لأنّ جزءاً منه ناقص، لكن على قدر استطاعتك أشعلت النار حولك كي يستوي عليها التغيير الذي يعنيك، وتشعر بلهيب هذا التحول، وهذا لم يستمر لفترة طويلة، ونتيجة لذلك، كان الأكثر تغييراً، هو الشخص الذي بداخله تماس وجودي أكثر، والمرأة أو الفتاة بهذا المعنى كانت أكثر تغييراً.

كل تجربة نمر بها هي طويلة الأجل؛ فالحب طويل الأجل، وتأثيره يظل كذلك

تشعر أنّ تحولات تلك اللحظة، كان فيها نوع من الفراغات، كأن تمشي على سطر، وتترك سطراً آخر؛ هناك أكثر من منطقة فارغة، وهذه اللحظة تحدث وسط سياق اجتماعي عالٍ، أقصد أنّها لم تكن منفصلة؛ أي تشعر أنّك لست موجوداً على جبهة، لا يوجد جبهات؛ فكرة الحشد كانت أقوى، وليست المواجهة.. ما أريد قوله هو أنّ استفزاز الذات تجاه آخر أنت ترغب في الانقضاض عليه، كان يتحقق في لحظات بسيطة جداً، ومقلّة، لكن بالشكل العام، كانت الفكرة الجماعية هي فكرة "الحشد"، وتجمّع الناس بجانب بعضها البعض كان من أبرز التفاصيل التي حدثت من فكرة الثورة.
الدفء أو الحميمية كانت أقوى من أي تناقض، من الممكن أن تقع فيه أي ذات، الثورة بالنسبة لهذه الذات أو مثل شخصية "دولت"، كانت مجموعة من العلاقات الدافئة، وليس أنّ هناك فكرة أخرى تجاه التغيير أو التحول العميق.
بين الشعر والسرد

غلاف رواية "بيت الحرير"
أحياناً دافع الكتابة يتغير من فترة لفترة، اسمك برز أولاً كشاعر قصيدة النثر، ما الذي جعلك تتحول إلى "سارد"؟

فكرة الشاعر بالنسبة لي، كانت مرتبطة بلحظة تحول عنيفة عشتها في فترة التسعينيات؛ كنت شخصاً يُقدم على تغيير حياته وقتها.. كنت أعمل، وتخرجت من قسم الكيمياء الحيوية.
أقصد كان هناك تصور للحياة بشكلها الطبيعي والتقليدي والمتعارف عليه، وبلحظة ما تحصل تراكمات كثيرة، وتشعر أنّك في منطقة مزيفة جداً، فيبدأ وعيك الداخلي ينقلك إلى مكان جديد.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
لحظة التحول هذه، كان الشعر هو الذي سندها، ومثلما كنا نتكلم عن شخصية "دولت"، كنت أمر وقتها بتحول وجودي. في لحظة ما تشعر أنّ نظرتك للحياة ولمن حولك تتغير، وتبدأ بخلق مسافة بينك وبين كل التفاصيل والناس من حولك، لا ترغب بالعمل، تترك العمل، تتخلى عن أشياء كثيرة، فكنت أحاول أن أعتمد على الجزء الذي يعنيني من الداخل، وليس الجزء المتعلق بالشكل الاجتماعي؛ أي أن أستند على الوجود الشخصي، أو تصفيته، من غير وجود التباسات حوله، وأرى بعدها إن كان قادراً على العيش أم لا.

هل تقصد أنّ الشعر كان بالنسبة لك بمثابة تشكيل صورة ذاتية جديدة؟
إلى حد ما، أو تثبيت صورة أو البحث في هذه الصورة، في تلك اللحظة كنت أبحث، كنت أسترد فكرة الطفولة وفكرة العائلة، وفكرة العلاقات الاجتماعية، وكيف نشأ هذا الحيز من الوجود، وكيف تغرَّب؟
كنت تبحث على الأشياء الأصيلة داخلك؟
طبعاً؛ كيف تغرّب هذا الوجود، وكيف هناك أشياء بالمقابل غير قابلة للتغريب، مثل؛ فكرة الحب والعلاقات، وما الفرق بين السلطة الأبوية والأب بوصفه أخاً لك، الاثنان تداخلا مع بعضهما البعض، قراءة السلطة بتمثلاتها داخل حياتك، وفي نفس الوقت يجري استخلاص الأشياء التي من خارج الفكرة السلطوية.

اقرأ أيضاً: الحداثة وما بعدها في الرواية العربية المعاصرة
هذه اللحظة التي كانت بين هذه المتناقضات، كان الشعر هو الحامل لها، أولاً لأنها تحفر في وجود ذاتي، مثل الطفولة، وتسترجع الزمن وفي نفس الوقت يجري هذا الاسترجاع من خلال رفض المالك للزمن.
لذلك الشعر هو الذي كان واقفاً في تلك اللحظة، لكن مع الوقت، حتى القصيدة، في البدايات، كان لها حس سردي قليلاً، كان هناك مشهد طويل تقوم بحكيه، لم تكن الشعرية مجرد نقطة مجردة في التكوين الشخصي، أو نقطة ناتجة من تفاعل خيال مع حدث خارجي، إنما من واقعة كانت موجودة لحد ما.
الباب الخلفي

غلاف رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر"
القارئ لقصائد ديوانك "لوس انجلوس" يشعر أنّ هناك عملية توحيد ما بين الصورة الحاضرة في ماضي ذاكرتك، والصورة في اللحظة التي تعيشها؟

هناك قصيدة في هذا الديوان، لا أدري إن كانت موجودة في هذه الطبعة التي معك هنا، أحكي فيها عن وجود باب خلفي دائماً، أظن أنّ اسمها "الباب الخلفي". في حياتنا كطبقة متوسطة، كان في بيوتنا دائماً باب خلفي للهروب. بمعنى آخر، هو أنّ الحياة دائماً تحمل ثنائية داخلها، ثنائية قابلة للهرب، وقابلة للمواجهة. هذا هو تفسيري، كلمة "الباب الخلفي" بالنسبة لي، والتي وصفتها أنت بالصورة، والصورة الثانية، أشعر بها بوصفها مواجهة غير كاملة، مواجهة الحياة، بمعنى أنّ هناك لحظة ما، من ورائك، من الباب الخلفي تتسرب منها الطاقة.
هل يرمز "الباب الخلفي" إلى انسحاب ونوع من الاستسلام، وأنّ نرضى بهزيمة ولو مؤقتة؟
بالفعل، هناك دائماً مساحة معينة، وُجدت كي تعطي للشخص فرصة بأن يتغير، الاستسلام الذي تتكلم عنه أنت من جهة، ومن جهة أخرى "الباب الخلفي" هو شكل من أشكال الوجود. هذه الثنائيات سابقة لوجودنا في الحياة، مثلها مثل كل شيء وجد أو خلق، ونحن دخلنا عليها، البيت الذي كنا نسكنه، كان أشبه بـ"فيلا"، هناك باب بسلّم داخلي، كان هذا هو "الباب الخلفي"، كمساحة للهرب، للراحة، وللاستقلال، أقصد أنّ الأمر لا يقتصر على فكرة "التنازل".
بداياتك الأدبية كانت في مرحلة التسعينيات، كان الشعر هو الحاضر، كيف بدأت تلك المرحلة وكيف تطورت؟
بدايتي الشعرية، كانت في العام 1990 عندما صدر لي ديوان "جسد عالق بمشيئة حبر"، أتصور أنّ هذا الديوان له خصوصية إلى حد ما، وكان له حضور ضمن سياق فكرة الكتابة النثرية في ذلك الوقت، كان يعبّر عن الدوامات التي تجري حوله، من نقاشات عن فكرة الشعرية، والتفاصيل، والذي تنزع عن حسّ شمولي قليلاً، مثل التفصيلة اليومية التي تدخل أحياناً للنص، وأحياناً أخرى فكرة الوجود الفردي، أو الشارع الذي يتحول أحياناً إلى حدث داخل النص، وليس فقط الفكرة المتخيلة، التي ليس عليها رقابة لتزيّدها أو امتدادها، كأن تعمل على نوع من الخيالات أكثر من الاستناد إلى حقائق، ففجأة تتحول القصيدة لنوع من المزايدات اللغوية أو مزيدات فكرية أو صوفية.

هناك لحظة استثنائية قد تفجر كل التراكمات الموجودة داخل المجتمع نفسه

الكتابة في تلك اللحظة كانت بالنسبة لي، وكأنك ترجع للمكان اليومي في الحياة، وهذا ما كان، طبعاً هذه الفكرة الجذرية التي تحمل الكتابة من الداخل، لكن كان هناك نوع من الالتقاطات، كالتقاط السلطة في الحياة اليومية، سواء سلطة السلطة، أو سلطة الحب أو سلطة العلاقات.
لدي ديوان بعنوان "حياة مبيتة"، وأنا أعتقد أنّ هذا الديوان مهم؛ لأنّه جمع تلك التناقضات عند الشاعر؛ ما بين فكرة السلطة وفكرة الحب، وكأنّه قد وضع سلطة داخل عقله، وفي نفس الوقت هناك سلطة الحب، والتي هي موجودة من خلال علاقته بالمرأة، أو بالأم ..إلخ. بمعنى أنّ سلطة الفرد أو الفردانية لا تتحقق سوى بتقاطعاتها مع مجموعة سلطات، وأحياناً ضد بعضها البعض. ما أريد قوله هو أنّ فكرة الحب وفكرة التمرد قريبتان جداً من بعضهما؛ فالتمرد له قانونه، المتمثل بالفردية غير القابلة باقتسامها مع أحد.
تقصد الحب ضد الفردانية؟
طبعاً، وفي نفس الوقت الحب يشعل فكرة التمرد؛ فالاثنان موجودان في مكان ضد بعضهما، لكن في لحظة ما يجب أن يكون بينهما علاقة. الأم مثلاً، في لحظة ما تشعر أنّها تمارس سلطة عليك، لكثرة حبك وتعلقك بها، وفي نفس الوقت خلاصك الحقيقي، هو أن تخلق مسافة معها؛ أي إنّ كل شيء بداخله نقيضه. تلك الأفكار التي كنت مشغولاً بها حتى العام 1995.

اقرأ أيضاً: الرواية يمكنها أن تصلح ما أفسدته السياسة
كانت هذه الذات حائرة، داخل تلك التناقضات، وتحديداً تناقضات الأفكار أكثر، حتى ما هي تناقضات داخل المجتمع، كانت مساحة المجتمع بالنسبة لي هي الأم والصديقة، والأب الذي كان قد توفي مؤخراً آنذاك، والأصدقاء بما يشكلونه من محبة وسلطة. كل هذا كان، بوصفه مجتمعاً صغيراً بالنسبة لي.
في لحظة ما شعرت أنّ هذا المجتمع يجب عليه أن يكبر، بعد أن بات بالنسبة لي ضيّقاً جداً؛ أي ليس من الممكن أن تقاس هذه الأفكار داخل هذا الشكل من المجتمع، برغم دقته، وأهميته، وما يمثله من فكرة عميقة، لكن في النهاية كان هذا المجتمع بالنسبة لي رمزياً نوعاً ما.
وكان من الضروري أن يكبر هذا المجتمع، لأنّني شعرت، أنّ هناك تفاصيل أقع فيها، أو كأنني تعطلت، في تلك اللحظة، وبعد وفاة والدي، كتبت كتاباً بعنوان "خطوط الضعف"، وكان عبارة عن رحلة إلى مدينة وواحة سيوة في الصحراء الغربية.. هنا، كانت بداية التحول، وبدأت أرى كيف من الممكن رؤية الوجه الآخر للسلطة، سلطة الأب، سلطة الحب، أو الصديقة.. وبالفعل بدأ يخرج تاريخ الأشخاص الذين في داخلي، عبر الكتابة بشكل واضح.
هذا الكتاب كان سرداً وليس شعراً؟
نعم، سرد، لكن سرد كان بداخله حس شعري أيضاً، هو عبارة عن فقرات طويلة لكنك تشعر أثناء قراءتها أنّها "مُشعرَنَة"؛ لأنها خارجة من المكان الذي فتحته بتجربتي قبل ذلك؛ إذ إنّ أسلوبك في الكتابة يكتسب خصوصيتك، وتحولاتك، وفي حال كانت بداية تجربتك شعرية، فهذه الأخيرة ستظل مرادفة لك، لم تكن اللغة الشعرية في الكتابة السردية، تزوداً لغوياً، ولا تزوداً خيالياً؛ إذ إنها تحولت لخاصية روائية.

فخ شعرية الرواية

الفردانية ابتلاع أو إشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولّد لك الإحساس بالتميز قليلاً
لكنْ هناك كثير من الكتاب يقع في هذا الفخ، عند انتقالهم من كتابة الشعر إلى كتابة السرد؟

صحيح، فيكتبون رواية "شعرية"، في الكتابة السردية عندي لا يوجد ذلك، الكتابة روائية، لكن الحساسية الشعرية موجودة داخل اللغة.
وفي تلك الفترة؛ أي مرحلة كتابة "خطوط الضعف"، أحسست أنني بدأت أنقد نفسي في السنوات التي مضت، وكنت في لحظة مراجعة، ولا أظن أنّ الشعر كان سيستوعب تلك المراجعة؛ لأن استيعابها، كان يحتاج لنوع من الفضفضة. ابتدأ عبر هذا النموذج من الكتابة، بأن تنقد نفسك، ولم يكن هذا النموذج بهذا الوضوح من الخارج، ولا هو واضح من الداخل بمعناه الغامض هذا، في تلك الفترة بدأت أمتلك حياة خاصة بي، قادراً على التعامل معها، ولدي رصيد ما قادر على التفريط به.
وأنت في تلك المرحلة بدأت تتحرك؟
بالطبع؛ شعرت أنّه بات من الضروري أن أرتبط، أو أتزوج. كنت قد تعرفت على زوجتي سلوى رشاد العام 1990. وتزوجنا ما بين 95 و96. في الخمسة أعوام قبل الزواج، كنا صديقين، ومن العناصر الأساسية التي كانت قريبة أيضاً؛ هي فكرة الثبات في مكان أنت تريد أن تقيم فيه، وارتباطك بالشخص الذي يستوعب تناقضك.
في تلك الفترة التي كنت تكتب فيها الشعر، هل كنت تبحث عن لغة ترسخ من خلالها لتجربتك في الكتابة؟
كنت أقرأ بشكل جيد جداً، ومن جانب آخر كانت المساحات التي تفتحت في اللاوعي والتجربة، قد بدأت تكبر وتتسع. عندما تحدث تلك المواجهات داخل الذات، تشعر أنّك ما عدت تلاحق أو تستوعب الانهيار الذي يحدث.

اقرأ أيضاً: هل أسهمت الرواية في انحسار القصة القصيرة؟
أتصور في لحظة ما، كان هناك نوع من الانهيار، بمعنى كيف يمكن أن تكون هناك لغة تستوعب هذا الانهيار، هناك شيء يجري هدمه، وشيء يجري بناؤه، اللغة تتشكل في لحظة انهيارها، أو لحظة انهيار الذات نفسها، فكتاب "خطوط الضعف"، كان أكثر كتاب أشعر أثناء كتابته، بسعادة شديدة، وبعدها مباشرة أشعر بخسوف نفسي، وكأنك تصل لمناطق معينة داخل ذاتك، تلمسها، وفي نفس الوقت تشعر أنّ الذات كأنّها ترغب في بناء مكان ما يخفي الجرح الذي فتحته، فكان هناك شيء يتكون، وكانت تلك اللحظات من أكثر اللحظات التي تعرضت فيها نفسياً لتعب شديد. لكن ما أنقذني من هذه الحالة، كان السفر، سافرت إلى سيوة، وبعدها سافرت إلى مناطق في الصعيد، وكأني وزعت تعبي هذا على المسافات.
دلالات المكان

خالد: من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي
أسّست لمجلة فصلية بعنوان "أمكنة" مهتمة بفكرة المكان، ما هو المكان الذي يحرضك دائماً أن تنظر إليه نظرة جديدة؟ 

من الأماكن التي كنت أنسى نفسي فيها، منطقة الأقصر البر الغربي، هذه المنطقة كانت منذ زمن بعيد، مدينة الأموات، كنت بين الحين والآخر أزور هذا المكان، إنّه مكان في غاية الغرابة، حتى الصحراء هناك مختلفة، كل التفاصيل هناك، تشعر أنّ رموزها قليلة، وغيبية نوعاً ما، تشعر أنّها محسوسة.
هذا الفضاء بمساحته الواسعة، وهو بالأساس مساحة "بعث"، تشعر- كما تحدثنا من قبل- وكأنه العالم الآخر، متمثل ومتلبس في الحياة، كالصحراء، البر الغربي، وكأماكن سافرت إليها باليونان، كالجزر الغريبة التي تقبع وسط المحيط، كمكان معزول، هذه الأمكنة تشكل نموذجاً للفضاء الممتلئ بالنسبة لي.
تشعر أنّها أماكن ماتت فيها الأيديولوجيا على سبيل المثال؟
ممكن.. لكن هذه عبارتك، أقصد أنّها بالفعل أعجبتني، ولذلك لا أرغب في أن أنسبها لنفسي.
ومن الممكن أن تكون شيئاً من هذا القبيل، لكن بمعنى آخر، أشعر أنّ السفر لم يكن سوى محاولة لمدّ خيط لفرديتك، وكأنك تذهب إلى مكان ما للقاء ناس ينتمون إلى عالم الداخل الفردي، وليس لمكان من أجل التعاون من أجل عمل شيء، بمعنى أن ترغب بملء وجودك الإنساني، أكثر من ملء وجودك العملي. واحتمال أنّ هذه العملية نقيضة لفكرة الأيديولوجيا، بمعنى العمل المنظم، أما هنا فالموضوع قائم على سياحة في الحياة، فيها القليل من الرفاهية، بوصفك سائحاً أبدياً في الحياة.
ومن الممكن المنحى أو السلوك الذي أمارسه في هذه العملية، منتفٍ من النفعية قليلاً، بينما هو محاولة لفتح مساحة داخلية، لعلاقتك بالآخرين ووجودك بجانبهم، أو نوع من حضور الآخرين أثناء غيابهم، وهذا ما يحدث أثناء الرحلة.
ألا تعتقد أنّ المكان الذي لا يوجد فيه صراع ما بينك وبين المجتمع، أو صراع أيديولوجي، تكون فيه الأعباء أخفّ نوعاً ما، وتكون هناك مساحة أكبر للشعور بالفردانية؟
هذا صحيح؛ وأحياناً أفكر أنّ هذا التصور ينتمي لجيلي، الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيّسة، والأجيال التي أتت بعدنا كانت أيضاً كذلك، أما نحن فلا، كأن تسمع عن أحد ما أنّه "اشتراكي ثوري"، على سبيل المثال، كنت أستغرب أنّ هذا المناخ موجود في الجامعات، والذين كانوا قبلنا كانوا مسيّسين بكونهم "يساريين" مثلاً.

الأجيال التي قبلنا كانت جميعها مسيسة والأجيال التي أتت بعدنا كذلك أما نحن فافتقدنا ذلك

أما فترة الثمانينيات والتسعينيات، كانت تخلو من أحداث، كان هناك شيء من الخيبة نوعاً ما، ولم نكن مسيّسين، لم يكن هذا بمزاجنا.
في تلك الفترة كانت الدولة هي من تسيطر على الجامعة، وتفرض وجودها، ولا يوجد أي حدث يحصل؛ فالأيديولوجيا هنا لم تكن تصلنا من ناحيتين؛ من اهتمام الفرد بفردانيته، وقراءته للفكر الوجودي أكثر، وفي ناحية أخرى كان هناك عقم في اللحظة التي عشناها، وعدم الاهتمام هذا غير نابع من فكرة الفرادة، لكنّ جزءاً منه "خامل" نوعاً ما، وبمعنى آخر لا يوجد ميل لهذا النوع من التفاعلات في ذلك الوقت.

معضلات الفردانية

ثورة يناير لم تأتِ من مجتمع قد كوّن مساحات ما من داخله لفكرة الفردية أو مساحات لفكرة الأنانية
ألا تعتقد أنّ الفردانية بمجرد اصطدامها بأي فعل أو عمل بيروقراطي ستقع؟

طبعاً، لو اصطدمت بأي مؤسسة ستقع، حتى مؤسسة الزواج! أي مؤسسة لها أي قوة بالمجتمع، هي أقوى من هذه الفردانية التي كانت؛ لأنها بالفعل كانت قائمة على هشاشة غير طبيعية، ولا يوجد إنتاج لصراع حقيقي، الصراع كان غائباً، جميعنا ننتج صراعاتنا الشخصية حتى نقوّي أنفسنا.
هل من الممكن أن نقول إنّ هذه الفردانية كانت الهامش/ المتنفس للفرد؟
نعم، هي نوع من الابتلاع أو الإشباع لهذا الوجود داخل هذا النوع الهامشي الذي يولد لك الإحساس بالتميز قليلاً. رغم أنّ هذا التميز إشكالي أيضاً، كلما حاولت أن تبتعد عن المجتمع، تشعر أنّك وقعت بتقاطع جديد، وكلما اقتربت يحدث نفس الإشكال؛ أي إنّ المساحات التي بينك وبين المجتمع، كلها مليئة بالألغام. أنت لا تدري أين تضع قدمك، هل تذهب لتجلس مع أمك وأبيك وتحاول أن تكون لطيفاً معهما؟ أو تلتحق بوظيفة ما؟ لا يوجد مكان يعطي لك تلك المساحة التي فيها شيء من تصورك عن نفسك.

تجربتك مع المرض وإقامتك بالمستشفى لفترة انعكست على  كتابك "المسار الأزرق الحزين"، هل تخلّيت عن مشاريع كنت بصددها بعد ذلك؟
لم يكن الأمر بهذه الحدّية، لكن وكأنّ هناك فكرة عدمية بدأت تتسلل إلى علاقتي بالحياة والكتابة أكثر؛ هناك حسّ عدمي دخل إلى حياتي، بمعنى أنّه خيط ربما، وشيء آخر كان على مستوى "الكيف" وليس "الكمّ"، مع رغبة أكثر في الكتابة. واحتمال أن يكون الحس العدمي دخل على مستوى الكيفي. قبل ذلك كنت أضع نفسي بمنطقة المقاتل المتفائل، مثل الفترة التي كتبت فيها رواية "ألم خفيف كريشة طائر تتنقل بهدوء من مكان لآخر" (2009)، الذي يسرد الحياة وكأنّها ستمتد للأبد، وكأنّ الحياة لن تنتهي. أما بعد ذلك، تغيّر الوضع، كأنّ الحياة تقول لك: لا، هناك نهاية.
النهاية بدأت تتسرب في الأعمال التي جاءت بعد العملية، إلى جانب الرغبة في الكتابة.
هل الموضوع بالنسبة لك نفسي/ داخلي، أكثر مما هو شكلي أو خارجي؟
نعم؛ لأن موضوع الإحساس بالموت، والدخول في هذه التجربة، من قبل كان هناك تصور أنّ الإنسان بعد أن يتعرض لهذه التجربة ويخرج منها، وكأنّه سيعود للحياة كصفحة بيضاء أو إنسان جديد، لا يوجد إنسان جديد، هي تجربة مؤلمة، ستضاف إلى سلسلة من التجارب المؤلمة، لكن بشكل مختلف.
هي فكرة ثقافية، مثلها مثل فكرة العنقاء، التي تدور حول فكرة التحول، هناك أساطير كثيرة تتحدث عن التحول، نُقلت لنا عن طريق الديانات، كفكرة النبي الذي ينتقل من مكان إلى مكان آخر جديد، هذه صورة معينة جميعنا نختزلها، ويتم إسقاطها على تحولاتنا العنيفة، على أنّها ستغيرنا، لكن بالفعل كل تجربة نمر فيها هي طويلة الأجل؛ أي تحوّل يحدث هو كذلك، الحب طويل الأجل، وتأثيره يبقى طويلاً.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خبير مصري يحذّر: الحرب بين أمريكا والصين ميدانها الذكاء الاصطناعي

2020-05-19

أجرى الحوار: سامح فايز

قال أستاذ علوم الكمبيوتر بجامعة نيويورك الدكتور محمد زهران إنّ حروب المستقبل، وأهمها بين أمريكا والصين، ستكون تكنولوجية، محذراً من أنّ استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، لافتاً إلى أنه عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات.

هناك سلاحان في الحرب المعلنة بين أمريكا والصين: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة

وأضاف زهران في حواره لـ "حفريات" أنّ الخطر من الذكاء الاصطناعي يأتي إذا أعطيناه سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأن الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100%. يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة، ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.
يذكر أنّ زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك بتخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراة في نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم، ويرى أنها من دعائم البحث العلمي.

هنا نص الحوار:

حصلت على البكالوريوس والماجستير من هندسة القاهرة والدكتوراة من جامعة ميريلاند الأمريكية ودرَّست في جامعة القاهرة كمعيد وفي جامعة نيويورك كأستاذ، فهل هناك فارق بين الحياة الجامعية في مصر وأمريكا؟
هناك فارق بينهما وقد تكلمت عن ذلك في إحدى مقالات صحيفة "الشروق". الاختلافات أنّ أغلب الطلاب في أمريكا معتمدة على نفسها تماماً (أنا أتكلم عن مرحلة البكالوريوس)، ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة؛ لأنه غالباً يدرس عن طريق قروض، هذه القروض تعني أنّ هذا الطالب يجب أن "يستقتل" كي يحصل على درجات عالية ليتمكن من الحصول على وظيفة مرموقة تؤهله لدفع القرض وفوائده، هذا يسبب ضغطاً عصبياً كبيراً للطلبة، الطلبة عندنا في مصر لا تعاني من ذلك؛ لأنّ الأهل يساعدونهم والمصاريف في الجامعات الحكومية ليست كبيرة، الأساتذة في مصر كلهم مصريون لكن أغلب الأساتذة في أمريكا ليسوا أمريكان، كل له فائدته، الفائدة من جميع الأساتذة من نفس الجنسية هي الشعور العائلي في الجامعات المصرية، الفائدة من وجود أساتذة من جنسيات مختلفة هي وجود طرق تفكير مختلفة، وهذا يدرب الطلبة على أنواع مختلفة من التفكير وعلى التعامل مع شخصيات مختلفة.

ستجد طالب البكالوريوس في أمريكا يدرس ويعمل في مطعم أو أي مكان آخر أثناء الدراسة
هل ترى أنّ البحث العلمي مصرياً وعربياً يسير بخطى ثابتة وقادر على المنافسة عالمياً، أم أنّ الوضع لا يزال سيئاً؟
الأساتذة عندنا في مصر تعمل بإمكانيات قليلة، والإمكانيات هنا تعني الأدوات المعملية والوقت والبيروقراطية يعني "بيغزلوا برجل حمار" زي ما المثل عندنا بيقول ولهم كل التحية، الأساتذة في الخارج عندهم كل الإمكانيات المعملية وطلاب دراسات عليا يعملون معهم طوال اليوم لمساعدتهم في أبحاثهم، لذلك عندما نقارن يجب أن نكون منصفين ونقارن الذي ينتجه كل أستاذ بما معه من إمكانيات، ولا يجب أن نقارن في المطلق.

التفاؤل قادم من الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا

لكن ما يجعلني متفائلاً أكثر هم الجيل الجديد من الطلبة، هؤلاء عندهم حب شديد للبحث العلمي، ويبحرون في الإنترنت ليتعلموا، والخبر الجيد أنّ محاضرات الجامعات الكبرى في العالم موجوده على الإنترنت في مجالات كثيرة بالمجان، فمن يريد العلم سيجده. حتى نسير بخطى سريعة نحو التقدم العلمي يجب أن نشجع هؤلاء الطلاب عن طريق تشجيعهم على النشر العلمي، وعلى الابتكار، ويكون عن طريق وضع خطة متكاملة لاكتشاف الموهوبين علمياً في مختلف المجالات، وتعهدهم بالرعاية منذ البداية، لكن عندي بعض التحفظات: تعهدهم بالرعاية لا يعني استضافتهم في برامج تليفزيونية؛ لأن الشهرة مدمرة في هذا السن الصغيرة، وتعهدهم بالرعاية لا يعني أن نقول لهم إننا نجهزكم لكي تحصلوا على نوبل؛ لأنّ ذلك يجعلهم تحت ضغط، وإذا لم يفوزوا بالجائزة سيشعرون بالإحباط، وأن تتعاطى العلم من أجل الجوائز ليس هو الطريق الصحيح، وأيضاً قد تجعلك تختار بحثاً علمياً لأنك تظن أنه سيربح جائزة، وقد تكون شخصيتك كباحث لا تتواءم مع هذا البحث، لأنه كما للباحثين شخصيات، فإنّ للمعضلات العلمية شخصيات، ويجب أن تتواءم هذه مع تلك حتى تكون هناك فرص للنجاح.
هل التكنولوجيا الآن هي أكبر مؤثر على الاقتصاد في هذا العصر المعتمد على المعلومات والذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة؟
العلاقة بين التكنولوجيا والاقتصاد علاقة متبادلة تؤثر كل منهما على الآخر، فمثلاً التكنولوجيا الحالية تجمع عنك معلومات كثيرة لتظهر لك إعلانات موجهة وهذه الإعلانات هدفها أن تدفعك لشراء سلعة أو خدمة، وهذه منفعة اقتصادية، البحث العلمي لكي يتحول إلى تكنولوجيا يلزمه تمويل والتمويل يأتي أغلبه من الشركات، وهذه الشركات لن تدفع نقوداً حتى تكون متأكدة أنها ستحصل على أضعافه؛ فهي تختار من الأبحاث العلمية ما يفيدها، والبحث العلمي نفسه قد يوجه الشركات إلى ما ينفعها، وبهذا تكون العملية متبادلة، لكن لا يجب أن ننسى الفاعل الثالث وهي الحكومات فهناك تمويل يأتي من حكومات لتكنولوجيات تفيدها؛ لأن الحروب ستكون حروباً تكنولوجية ومعلوماتية في المقام الأول.

يرى البعض أنّ الخطر الأساسي من وجود الذكاء الاصطناعي يرجع إلى الفرضية القائلة إنّ التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي العام قد يؤدي إلى الانقراض البشري أو إلى كارثة عالمية غير قابلة للاسترداد والحجة الداعمة لهذه الفرضية هي أنّ البشر مهيمنون على باقي المخلوقات لامتيازهم بدماغ ذي قدرات مميزة تفتقر إليها أدمغة المخلوقات الأخرى (كالحيوانات مثلًا)، وعليه إذا تفوق الذكاء الاصطناعي العام على الأدمغة البشرية وأصبحت بدورها فائقة الذكاء فإنها ستكون قوية ويصعب التحكم بها، ويتوقف مصير البشرية على تصرفات هذه الأجهزة؟
الهيمنة تستلزم الشعور بالعظمة والسطوة وهذا ما لن يصل إليه الذكاء الصناعي، الخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم، مثلاً إذا جعلنا الكمبيوتر يصف العلاج لمريض بدون تدخل بشري فهذه سيطرة أكثر من اللازم؛ لأنّ الكمبيوتر حالياً في برامج الذكاء الاصطناعي تعطيك حلاً دون أن تذكر كيف وصلت لهذا الحل، لذلك لا يجب أن نثق في هذه البرامج بنسبة 100% يجب أن يكون هناك تدخل بشري في نقطة ما؛ لأنّ البشر يملكون ثقافة ووعياً وأخلاقيات، وهذه لا يمكن ترجمتها في أجهزة الذكاء الاصطناعي، هذه الأجهزة هي أداة ويجب أن تظل أداة ونستخدمها لرفاهية البشر.

التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة والخطر يأتي إذا أعطينا الذكاء الاصطناعي سيطرة أكثر من اللازم

  من مخاوف الذكاء الاصطناعي أيضاً تحويل الهجمات الإرهابية إلى وسائل إلكترونية ذكية بلا وجود فعلي للبشر، من خلال استخدام الطائرات بدون طيار أو المركبات ذاتية القيادة كأسلحة. أيضاً الهجمات عن بُعد، حيث إنّ الروبوتات الذاتية ليست بحاجة للتحكم بها من أي مسافة مهما كانت بعيدة.
استخدام الذكاء الاصطناعي في الحروب هو الخطر الأكبر، عندما يتحارب البشر يوجد حد أدنى من القواعد مثل التفرقة بين المدني الأعزل والعسكري المحارب، وبين الرد على الهجوم بمثله أو استخدام قوة مفرطة وتقليل الدمار في الأبنية مثل المتاحف والمدارس والجامعات إلخ، تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لن تكون عندها تلك الأخلاقيات، وهذا هو الخطر والمرتبط بسؤالك السابق وهو إعطاء الذكاء الاصطناعي سلطة أكثر من اللازم، كما قلنا الحروب المستقبلية هي حروب تكنولوجية، لكن النصر فيها سيكون لمن يستخدم تكنولوجيا متطورة تحت مراقبة بشرية.
  ترى أن الحرب أصبحت معلنة بين الصين وأمريكا وقد خرجت من الخفاء إلى العلن وتُستخدم وستُسخدم فيها جميع أنواع الأسلحة ماعدا العسكرية منها على الأقل في الوقت الحالي، فما هي الأسلحة المستخدمة في تلك الحرب؟
هناك سلاحان: تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة، الذكاء الاصطناعي له استخدامات عدة في الحرب والسلم، ولكن لأنّ الذكاء الاصطناعي ما هو إلا برمجيات فهي تحتاج إلى أجهزة كمبيوتر فائقة السرعة، هذه الأجهزة تستخدم بالإضافة إلى تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تصنيع الأسلحة والبحث عن علاجات للأمراض المستعصية مثل السرطان، بالإضافة إلى المساعدة في الأبحاث المتعلقة بالعلوم الطبيعية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء عن طريق المحاكاة وتحليل الكمية المهولة من المعلومات المتولدة من تلك النظم، هذه النقطة الأخيرة المتعلقة بتعليل كم كبير من المعلومات تجعل أجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة من أهم الأسلحة في يد الأجهزة الأمنية أيضاً، لذلك فالحرب ضارية بين أمريكا والصين في هذين المجالين: الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر فائقة السرعة.
  أدى تطور التكنولوجيا وظهور الأجهزة الذكية المحمولة إلى التأثير بشكل سلبي على العلاقات الاجتماعية والتنمية الاجتماعية للبالغين والأطفال على حدّ سواء، إلى جانب سلبيات أخرى عديدة مثل إجبار الطلاب على استخدام مهارات تعليمية أساسية بشكل أقلّ، حيث ساهم استخدامهم للحاسوب وما يحتويه من أنظمة لتصحيح الأخطاء الإملائية على خفض مهاراتهم الكتابية والإملائية، كيف نتجاوز تلك السلبيات؟
للأسف هذا الكلام حقيقي؛ لأنّ الجيل الجديد أصبح يعاني من ثلاثة أمراض اجتماعية: أصبح تركيزه أضعف، وقراءاته أقل، ويتحرك في أغلب الأحيان قبل التفكير المتأني، وهذه تأثير شبكات التواصل وألعاب الكمبيوتر، لن نتمكن من إلغاء ذلك، لكن يجب تصميم العملية التعليمية حول تلك السلبيات وفي نفس الوقت تدرب الجيل الجديد على استخدام التكنولوجيا الجديدة والمتجددة دائماً في التعلم وإيجاد الحلول، هذا ليس سهلاً ويحتاج إلى جيل كي نرى النتائج، يحتاج إلى تكاتف خبراء التعليم والاجتماع وعلم النفس.

ترى أنّ  البحث العلمي ليس ترفاً بل إنه مع التعليم يعتبر من أهم دعائم بناء دولة قوية، دون التعليم لن يكون هناك بحث علمي ودون بحث علمي سنتسول التكنولوجيا التي تجود علينا بها الدول الغربية بأثمان باهظة وبالتأكيد لن يعطوننا أفضل ما عندهم، فهل التعليم في مصر على ذلك القدر الذي تتمناه؟
التعليم في مصر يواجه مصاعب جمة تأتي من جهات عدة، الأسر تريد من أبنائها الحصول على الشهادة بأية طريقة "لأننا بلد شهادات"، والكثير من المدرسين يعانون من أزمات مالية فيضطرون إلى الدروس الخصوصية على حساب التدريس في المدارس، ومن المدرسين من يعمل بالتدريس وهو لا يحبه ولكنه العمل الوحيد الذي وجده وبذلك لن يبدع، المجتمع لا ينظر إلى المدرس نظرته إلى مهن أخرى، ناهيك عن البيروقراطية، هذه كلها عقبات في طريق التعليم وتستلزم كما قلنا في السؤال السابق تكاتف الكثير من المؤسسات بدءاً من الأسرة، لكن كما قلت أيضاً عندي أمل كبير في هذا الجيل الجديد المتعطش للعلم، نحن نخطو خطوات للأمام لكن الطريق مازال طويلاً.

للمشاركة:

جاد الكريم الجباعي: للإخوان والجماعات الإرهابية أيديولوجيا واحدة

2020-05-12

همّه الدائم الإنسان والإنسانية، الحرية والديمقراطية، المواطنة المتساوية والإرادة الحرة والمستقلة، الاعتراف بالآخر المختلف في وطن يتساوى فيه النساء والرجال في الكرامة الإنسانية والكرامة الوطنية، والحقوق المدنية والسياسية. لا مسافة تفصل بين روحه وقلمه. له العديد من الكتب المنشورة وغير المنشورة: المجتمع المدني، جدلية السياسة والمعرفة، وردة في صليب الحاضر، في حرية الفرد، المسألة الكوردية، طريق إلى الديمقراطية، من الرعوية إلى المواطنة، في الدولة الوطنية، فخ المساواة، إضافة إلى الكثير من الأبحاث والمقالات في الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية. إنه المفكر السوري جاد الكريم الجباعي الذي التقته "حفريات" وحاورته في كثير من القضايا الراهنة فيما يخص الأزمة السورية، وحركات الإسلام السياسي ومسألة الهويات والعصبية وتحرر المرأة وغيرها؛ حيث أوضح أنّ الأيديولوجيا الإخوانية "هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما"، منوهاً إلى أنّ "من أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين؛ السنة أو الشيعة".

وفيما يلي نص الحوار:

*منذ أكثر من ست سنوات والحرب السورية السورية لا تزال في أوجها، برأيكم هل من مخرج لهذه الحرب في ظل التطرف الديني والتعصب السياسي القائمين بين طرفي النزاع، وما هي الممكنات للوصول إلى الاعتدال الديني لدى الجهات الإسلامية المتشددة بوجه عام والسورية على وجه الخصوص؟
أولاً أريد أن أشكرك سيدتي على هذا التقديم، الذي يُلزمني أن أكون كذلك، وأتمنى أن أكون. وهذه براعة النساء، براعة الأنوثة، التي تصنع ذكورة تريدها أن تليق بها. وأشكر موقع (حفريات) الذي شرفني بهذا الحوار، وهذه المحاوِرة. هل تمانعين إذا قلت: المثقفة الجميلة؟
*أشكرك على هذا الإطراء أستاذنا.
الحرب التي لا تزال دائرة في سوريا، وهي حرب قذرة، غير مسبوقة في همجيتها وكارثية آثارها، كانت كامنة في ثنايا الحياة الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية، فقد هيأت النخبةُ الثقافيةُ والسياسيةُ، ولا سيما الأقلية الحاكمة، شروط إمكانها، وعززتها السلطة التربوية والتعليمية، التي استمرأت الاستبداد، وكانت أداة فعالة في إعادة إنتاجه، في الحقلين الثقافي والسياسي، ثم في المجتمع، على مدى أكثر من نصف قرن.
هذا، في اعتقادي، ما شكل الخلفية المعرفية والثقافية للتطرف والإرهاب، التي أنتجت نسقاً من التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، ذا طابع ثنوي (مانوي) تفاصلي، إن لم نقل تعادمي، قوامه المركزية الذاتية والتمايز والتفاصل والتفاضل، يعاد إنتاجه مرة تلو مرة، فيصبح ذاتي التغذية. وهو ما يفسر هشاشة المجتمع وسرعة تفككه وتنثُّره ونكوصه إلى الهمجية، سواء في إرهابها المذهبي (الطائفي) أو الإثني أو القومي، وما يفسر انقسامه بين موالين ومعارضين ينبذ بعضهم بعضاً.
*عفوا أستاذ إذا سمحت لي، هذا يعني أنك تحمّل مسؤولية ما يجري في سوريا اليوم إلى النخبة الثقافية التي حضرتك أحد أفرادها، وهل هذا ما دعاك للتراجع عن يساريّتك وانتقادها؟
إذا لم تكن نخبة المثقفين مسؤولة أخلاقياً عما جرى ويجري في وطنها، وفي العالم، لا تكون نخبة، ولا يستحق أفرادها صفة المثقف. ثم إنني لم أتراجع عن يساريّتي؛ تراجعت عن الأيديولوجية اليسراوية التي لا تختلف عن أي أيديولوجية مذهبية، بصفتها أيديولوجية. فقد اتهمني بعضهم بالنكوص عن الماركسية إلى الليبرالية، فشكرتهم على ذلك؛ لأنني رجعت إلى النسغ الحي للماركسية، وأعدت قراءتها ليبرالياً، وصرت أرى في ماركس فيلسوفاً إنسانياً وديمقراطياً، له ما له وعليه ما عليه.

سأتابع:
لكل حرب نهاية مهما طالت؛ فقد تكون هذه الحرب متجهة نحو نهاية ما، تحددها، وتحدد نتائجها، نسبة القوى الضالعة فيها، ولا سيما القوى غير السورية. ولكن الفوضى الشاملة، التي أشاعتها الحرب، على كل صعيد، لا تزال في أوجها، وقد تكون مفتوحة على المزيد. يمكن أن يتوقف القتال، ولكن الحرب قد تستمر بأشكال مختلفة، ما دامت عواملها وشروط إمكانها المشار إليها قائمة في الواقع. التوافق بين الدول الكبرى والقوى الإقليمية لا ينهي حرباً، كالحرب السورية السورية، ولا يحل مشكلات الشعب السوري، ولا يلبي حاجاته وتوقعاته؛ بل لعلّه يعيق عملية تشكل مجتمع سوري وشعب سوري، وإن سيطر هذا الطرف أو ذاك على الجغرافيا السورية، كلها أو بعضها. الجغرافيا ليست كل شيء؛ الشعب هو الأساس. فلا يزال السوريون مختلفين على تعريف الشعب، وتعريف المواطن، ومن ثم تعريف الوطن والوطنية.

الحرب في سورية حرب بين مستبدين يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها

ليس هناك وصفة جاهزة "للوصول إلى الاعتدال الديني"، إذا كان المقصود تحول جماعات الإسلام السياسي إلى الاعتدال. فما زلت أعتقد أن الاعتدال كان السمة الأبرز من سمات الحياة الاجتماعية السورية، لكن الاستبداد الذي جثم على صدر المجتمع السوري، منذ عام 1958، وبلغ ذروته مع ما سمي الحركة التصحيحية، عام 1970، كان هو العامل الرئيس في توليد التطرف والعنف والإرهاب، ابتداء من حظر الأحزاب السياسية وتسييس النقابات وغيرها من تنظيمات المجتمع المدني والسيطرة عليها وصولاً إلى حكم الحزب القائد وأيديولوجيته العنصرية. فالمسألة في سوريا ليست مسألة دينية أو مذهبية، بل هي مسألة اجتماعية – اقتصادية وثقافية وسياسية وأخلاقية أولاً وأساساً، بل يمكن القول إنّها مسألة سياسية؛ إذ عرفنا السياسة بأنّها مُحرَز مدني إنساني، يعني إدارة الشؤون العامة ديمقراطياً، وحل التعارضات الاجتماعية سلمياً، أداتها المثلى هي الحوار، وليست حرباً على المختلفين والمعارضين، كما كانت الحال في سوريا، قبل عام 2011، ولا تزال كذلك، لا في سوريا وحدها؛ بل في جميع البلدان التي ينخرها الاستبداد والفساد. فإنّه من العيب الأخلاقي والضلال المعرفي نسبة التطرف والإرهاب إلى الإسلام والمسلمين، لا إلى جماعات الإسلام السياسي، التي هي الوجه الآخر للاستبداد والتسلط والفساد، كما بينت تجربة الإخوان المسلمين المصريين في السلطة، وتجربة الإخوان المسلمين السوريين في الحرب. أعتقد أن الأيديولوجيا الإخوانية هي نفسها أيديولوجيا الجماعات الإرهابية، كالنصرة وداعش وغيرهما، ومن أخطر الأوهام اعتبار هذه الجماعات ممثلة للمسلمين السنة أو الشيعة.

جماعات الإسلام السياسي نفسها ليست إرهابية بالفطرة؛ بل ثمة ظروف اجتماعية اقتصادية وثقافية وسياسية جعلتها كذلك. الاستبداد والتسلط والاحتكار والفساد والإفقار والتهميش وتقفير الحياة الإنسانية؛ أي جعلها قفراً وقاعاً صفصفاً .. هي ما يولد التعصب والإرهاب. أو بقول آخر أكثر وضوحاً: إن "الاحتكار الفعال لمصادر السلطة والثروة والقوة" وهدر عمومية الدولة؛ أي وطنيتها، وغياب القانون وفساد القضاء، وأدلجة الثقافة والتربية والتعليم وهدر المؤسسات وهدر الوطن والوطنية والمواطنة، وهدر الإنسان جملة هي ما يولد التعصب والإرهاب، حسب تحليل مصطفى حجازي.
لا يكون سلام إلا بزوال أسباب الحرب، وما زلت أعتقد أن الاستبداد والتسلط والاحتكار وما نجم عنها، في مختلف مجالات الحياة، من أبرز أسباب الحرب الدائرة في سوريا. ولما كان الاستبداد الديني ظهيراً وحليفاً للاستبداد السياسي، على مر التاريخ، فإنّ الحرب الدائرة في سورية حرب بين مستبدين، يتسلحون جميعاً بأيديولوجيات متشابهة في مبادئها المعرفية والأخلاقية ومتفارقة في شعاراتها وأهدافها؛ لأنّ الجميع يقاتلون من أجل "الغنيمة والعشيرة والعقيدة"، بتعبير محمد عابد الجابري.
*في مقالة لكم نشرت في حيرون بتاريخ 29 أيار(مايو)، 2017 بعنوان "الوطنية واللغة/ الفكر والممكنات الأخلاقية"، تقولون فيها: "لا يمكن تغيير الواقع من دون تغيير فكره. فكر البعث وفكر الشيوعيين وفكر الجماعات الإسلامية هو فكر هذا الواقع الذي يجب تغييره، للشروع في تغيير الواقع نفسه، وإطلاق الممكنات الأخلاقية للأفراد السوريات والسوريين والأسر السورية، أي لإطلاق سيرورة تشكل مجتمع حديث ودولة حديثة، مركزية أو فدرالية. على من تراهنون في تغيير المجتمع، هل تراهنون على المثقفات والمثقفين أم على الأفراد، أم على السياسيين والمتدينين؟
كل نموذج ثقافي يتأسس على نموذج معرفي – أخلاقي، هو الذي يحدد أنماط التفكير وأنماط السلوك بالتلازم، بين التفكير والسلوك، والأخلاق محايثة للفكر والسلوك. فمع صعود المد القومي العربي، الذي دشنته ثورة 23 تموز (يوليو) 1952، في مصر، وتُوِّج بالوحدة المصرية السورية، تفكك الحقل السياسي الوطني، في كل مما سميت "الدول التقدمية"، وتبلورت ثلاثة اتجاهات ساسية – أيديولوجية ما فوق وطنية: قومية عربية، واشتراكية (ماركسية) وإسلامية أصولية وسلفية، أزعم أنّ لهذه الاتجاهات جذراً معرفياً وأخلاقياً مشتركاً، قوامه ثنوية إقصائية، تقسم كل منها المجتمع قسمين: تقدمي ورجعي، أو اشتراكي ورأسمالي، أو إسلامي وجاهلي، تحولت في حالات كثيرة إلى استئصالية. التفاصل الأكثرة خطورة كان بين الحركة القومية.
*عفواً، برأيكم لماذا انزلق الشعب السوري إلى التفاصل الذي تتحدثون عنه؟
لنقل: إنّ السوريين والسوريات انزلقوا وانزلقن إلى التفاصل؛ لأنّهم لم يتشكلوا مجتمعاً مدنياً وأمة حديثة وشعباً، ولم يجعلوا من سوريا وطناً، ولم ينتجوا دولة. هذا يفتح ملفات كثيرة ليس هنا تفصيلها. فإنّ جمعاً غير منسوج من العائلات الممتدة والعشائر والإثنيات بمحمولاتها الدينية والمذهبية لا يساوي شعباً.

ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى صراع لجعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم

الحركة القومية هي التي استولت على السلطة في كل من مصر وسوريا والعراق والجزائر وليبيا، وأسفر عن نبذ جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما جماعة الإخوان المسلمين، وجمهورها من المجال العام، واحتواء الاتجاه الاشتراكي (الماركسي)، النخبوي عموماً، بالترغيب والترهيب، جراء التحالف مع الاتحاد السوفييتي السابق. هذا التفاصل الأيديولوجي، الذي يقنِّع مصالح خاصة عمياء، من جهة، ويعيد إنتاج الاستبداد في الحياة العامة من الجهة المقابلة، أدى إلى تصدع الحقل السياسي وتفككه، وانقسام المجتمع إلى متن يحظى بالسلطة والثروة والجاه، وهامش محروم يتسع باطراد، ويزداد فقراً وبؤساً ومهانة. (تبلغ نسبة الفقر العام، في سوريا، نحو 80%)
تفكك الحقل السياسي الوطني، انتقل إلى الحقل الثقافي، وإلى حقل التربية والتعليم، ثم إلى المجتمع، أو إلى "الشارع"، كما يقال، فآلت هذه الدول "التقدمية" إلى سلطات شمولية، ومجتمعات مفككة، وأيديولوجيات عدمية وتعادمية، وتصحُّر معرفي وانحطاط أخلاقي: الآخر المختلف رجعي أو خائن أو عميل أو كافر أو زنديق، استبعاده أو استئصاله والقضاء عليه إذا أمكن، واجب قومي أو ثوري أو ديني. وهذا لا يزال شائعاً بصيغ مختلفة. لذلك لا بد من حركة نقدية ونقاش عام، لكشف عدمية هذه الأيديولوجيات، وكنسها، تمهيداً للانشغال بالواقع والاشتغال فيه ومفهمته أو تنظيره (على الرغم من السمعة السيئة للتنظير؛ أي للفكر، التي أشاعتها هذه الأيديولوجيات القاتلة). على هذا الأساس نراهن على ما نسميه آليات الدفاع الذاتي، والممكنات الأخلاقية، التي يتوفر عليها أي مجتمع يتعرض لمثل ما تعرض له المجتمع السوري، ويقرر (أفراداً وجماعات) ألا يتعرض له مرة أخرى. وهذا لا يتحقق إلا بالنسيان الإيجابي، الذي تعززه إجراءات العدالة الانتقالية. هذا النسيان الإيجابي نفسه، في أفق المستقبل وتدبير المصير، أحد الممكنات الأخلاقية، إضافة إلى إرادة الحرية والحياة الكريمة، التي لا تكون إلا بشعور عميق وأصيل بسموّ الرابطة الإنسانية، وسموّ الرابطة الاجتماعية، على سائر الروابط الأخرى. رهاننا معقود على المجتمع، الذي ينتج نفسه، على الأفراد والأسر والتنظيمات والمؤسسات، ومن ثم على دولة حق وقانون لا تقل ضرورتها عن ضرورة الاجتماع المدني.
*ورد في مقدمة كتابكم فخ المسواة: مفهوم العصبية أكثر نجاعة من مفهوم الصراع الطبقي، ولكنه لا ينفيه ولا يلغيه، بل يساعد في تعيين حدوده وقوته الإجرائية في مجتمع تتجاور فيه بنى وتشكيلات قديمة وحديثة، وثالثة بين بين. ولكن تحليل العصبية، بما هي أكثر العقبات كؤداً في طريق التحول الديمقراطي وتحليل صراع العصبيات أو الهويات، الذي يسم تاريخنا القريب والبعيد، يطمسان أثر نصف الجماعات والمجتمعات المعنية في إعادة إنتاج العصبية وتأريث النزاعات، ويهملان الرابطة القوية بين المركزية الإثنية والمركزية الذكورية، ما يثلم التنظير لبواعث التحول الديمقراطي ومقتضياته، ومن ثم لتحديد معوقاته والعقبات التي تعترض سبيله.
هل من رابط يربط بين العصبية الدينية وبين العصبية الذكورية؟ وما دور المرأة في إعادة تشكيل مجتمعٍ خالٍ من التعصب والتطرف بكافة أشكاله؟

أشكرك على هذا السؤال. زعمي أنّ مفهوم العصبية أكثر نجاعة في تحليل بنى المجتمع السوري متأتٍ من واقع الانقسامات العمودية، العائلية والعشائرية والإثنية والمذهبية، ما قبل المدنية، المؤسسة كلها على وهم المركزية الذاتية. ثمة علاقة لا تنفصم بين العصبية والمركزية، ناتجة من علاقات القوة، وإرادة السيطرة ومبدأ الغلبة والقهر، وحق الأقوى، في حين يفترض القائلون بالصراع الطبقي أنّ المجتمع منقسم أفقياً، بحكم تقسيم العمل الاجتماعي الحديث، وهذا حق، أما إسقاطه على المجتمعات القديمة والمجتمعات المتأخرة، كمجتمعنا، ففيه كثير من التعسف. لذلك، صرت أميل إلى مفاهيم رأس المال الاجتماعي ورأس المال الثقافي ورأس المال الرمزي، بصفتها أدوات تحليل، تنطلق من أولوية التواصل والتعاون والثقة والعلاقات الأفقية والشبكية، وتستبعد الصراع التعادمي بين طبقتين: البورجوازية والبروليتاريا على سبيل المثال. كما أميل إلى استعادة مفهوم الاغتراب، لتحليل الظاهرات الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين العصبية والمركزية، بقدر ما هي واقعية، تفسر كون المركزية ذكوريةً، لأن أول تعصب في التاريخ كان تعصباً على النساء، وأول عبودية في التاريخ كانت عبودية النساء، وشتان ما بين العبدة والحر. والحرَّات أو الحرائر، (في مقابل الإماء)، في تاريخنا ومجتمعنا لسن كذلك بذواتهن، بل بآبائهن وأجدادهن وأزواجهن.
*ما زال السؤال قائماً، ما دور المرأة في حل النزاع؟
دور المرأة، في الأوضاع الراهنة محدود جداً، للأسف، كيف يمكن أن تسهم النساء في حل نزاع أقحمن أنفسهن فيه أو أقحمهنّ الرجال فيه؟ ألم تسمعي عن المشادات والشتائم البذيئة المتبادلة بين منتدِيات ومؤتمِرات، في ندوات ومؤتمرات نسوية ضمت مواليات ومعارضات؟ تعصب النساء على طرفي الموالاة والمعارضة لا يترك لهن مجالاً للإسهام في حل النزاع وبناء السلام، وهذا يفترض أن يكون دورهن الرئيس، فهنّ أقرب إلى الذكور على صعيد التفكير والإدراك والتمثل والتقدير والعمل، أي استبطان النموذج البطركي الذكوري والمشاركة النشطة في إعادة إنتاجه؛ مَثلُهن الأخلاقي الأعلى المرأة المحاربة والمشجعة على الحرب، والتي تقدس البطولة والشهادة، والمستثنيات من ذك قلة مبشِّرة على كل حال. ظاهرات المجندات المقاتلات، على طرفي النزاع، مخجلة ومحبطة، من وجهة نظري غير المقبولة. أنا ضد الجيوش والحروب كافة، وضد التربية على التوحش والهمجية، بوجه عام، وضد تجنُّد النساء أو تجنيدهن في صفوف الجيش والشرطة والمخابرات، بوجه خاص. الداعيات إلى المساواة لا يجدن بأساً في ذلك؛ بئست المساواة في الهمجية والتوحش.
*في كتابكم في الدولة الوطنية، تحيلون فكرة الدولة المدنية إلى "سيد قطب" زعيم جماعة الإخوان المسلمين، ونرى اليوم أن السواد الأعظم من القطب المعارض في سوريا يطالبون بدولة مدنية. هل نفهم أن جماعة الإخوان المسلمين وراء هذه المطالبة بالدولة المدنية أم لكم رأي آخر؟
لقد وصفت شعار الدولة المدنية بأنه "تلفيق فكري وتلبيس سياسي"، قد أكون مخطئاً، ولكنني ما زلت عند هذا الرأي. لأن الشعار المذكور روجه الأخوان المسلمون في مصر وسورية، مع أنه متناقض على طول الخط مع مقولات حسن البنا، موسس جماعة الإخوان المسلمين: "الإسلام دين ودنيا ودولة .. مصحف وسيف"، التي تتبناها الجماعة، ومتعارض بالقدر نفسه مع مبدأ الحاكمية عند الجماعة، ومع مبدأ الدعوة والجهاد، والدعوة أساس التطرف والجهاد أو النضال أساس الإرهاب، عند الإسلاميين وغير الإسلاميين، كالبعثيين والشيوعيين.
* يشهد اليوم العالم العربي والإسلامي صراعاً دينياً كثيفاً، كما يشهد تشكيل جماعات إسلامية متطرفة غالبيتها من الشباب والشباب المتعلم أو بالأحرى الشباب الأكاديمي. برأيكم، ما الدوافع وراء انخراط الشباب في الجهاد والتطرف والتعصب؟
ما يسمى صراعاً دينياً كثيفاً ليس سوى حجاب كثيف يخفي طبيعة الصراع الفعلية ومرامي القوى المتصارعة. وهو؛ أي ما يسمى صراعاً دينياً، تعبير فج عن جعل الدين أداة ووسيلة، لتحقيق غايات سياسية ومنافع مادية، دنيئة على العموم. ليس هنالك صراع بين الإسلام والمسيحية، أو بين المسلمين والمسيحيين، على سبيل المثال. ولم يكن هناك صراع بين المسلمين واليهود، قبل قيام "دولة إسرائيل"، والصراع العربي الإسرائيلي، ليس صراعاً دينياً، لا في مبتداه ولا في سيرورته، إلا في نظر إسلاميين متطرفين. الحركة الصهيونية استثمرت الدين اليهودي، وأرادت أن تجعل منه "قومية يهودية"، وعندنا من أراد ولعلّه يريد أن يجعل من الدين الإسلامي "قومية إسلامية"، مع أن تعبير قومية إسلامية متناقض في ذاته، كالقومية اليهودية. الأيديولوجيات التي أشرنا إليها، وهي أيديولوجيات عدوانية، صراعية وعدمية وتعادمية، هي تحوير للواقع الفعلي، القاسم المشترك بينها هو كره الأخر المختلف، والتنكر لإنسانيته فضلاً عن حريته وحقوقه
 

* ما أهم المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف الديني، وما هي نتائجه؟
هناك مظاهر كثيرة تنم على المبادئ المعرفية والخلفيات الفكرية للتعصب والتطرف، سواء كانا دينيين أم لادينيين، من أكثرها وضوحاً اليقين المطمئن بامتلاك الحقيقة، يُعبَّر عن هذين اليقين وامتلاك الحقيقة بالتصديق التام لكل ما يتصل بمرجعية المتكلم أو المتكلمة، والرفض التام لما عداها، ومن ثم، القبول التام بكل ما توجبه هذه المرجعية من تصديقات ومعاملات، والرفض التام لما عداها. الحقيقة عند المتعصب المتطرف مطلقة وثابتة، اجتُرحت مرة واحدة وإلى يوم الدين، وهي مستقرة في نص مقدس، دينياً كان النص أم غير ديني، كالنص الماركسي أو الماركسي اللينيني، على سبيل المثال، أو في "القواين العلمية" حتى، لدى العلمويين، الذين لا يدركون أن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه. ولعل أخطر المظاهر "الفكرية" للتعصب والتطرف أن المتعصبين والمتطرفين يمنحون أنفسهم حقاً مطلقاً في تقرير مبادئ الحق والأخلاق، ويفرضونها على الآخرين بالقوة.

المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه

ولكن، إذا كان الاستبداد والتسلط والإفقار والتجهيل والتهميش وهدر كرامة الإنسان ومصادرة حريته، وتشييئه أو تحويله إلى أداة ووسيلة وموضوع للسلطة .. من أبرز العوامل التي تولد التعصب والتطرف، فإن المتعصبين والمتطرفين ضحايا هذه الشروط اللاإنسانية، لذلك لا تُعالَج مسائلُ التعصب والتطرف والعنف والإرهاب إلا بالقضاء على أسبابها، لا بالقضاء على ضحاياها، على نحو ما نرى ونسمع اليوم. هل هذا دفاع عن الإرهابيين؟! أجل، هو دفاع عن الإنسان، لا عن الإرهاب. المتعصبون والمتطرفون أبناء مناخ عصيب وسلطات متطرفة. من أقبح مفارقات هذه الأيام محاربة الإرهاب ومناصرة من يصنعونه صنعاً وحمايتهم. هذه المفارقة لدى حكومات الدول الديمقراطية أكثر قباحة. بحسبة بسيطة، الأموال والجهود التي تبذل في سبيل كذبة "الحرب على الإرهاب"، منذ عام 2001، كافية لتجفيف منابعه شيئاً فشيئاً على الأقل، لو أن معايير هذه الحرب إنسانية أو مدنية على أقل تقدير.
بالعودة إلى المظاهر الفكرية للتعصب والتطرف، تجب الإشارة إلى أن المتعصب لا يصير متطرفاً، وقابلاً لأن يصير إرهابياً، إلا حين يُقنع نفسه، ويحب أن يقنع الآخرين بأنه حامل رسالة لهداية البشرية وإنقاذ العالم تعويضاً عن إنسانيته المهدورة وذاته الضائعة. المتطرف داعية ومبشر، متعهد خلاص النفوس وحامل مفاتيح الجنة. الدعوة والتبشير هما لب التطرف وقوامه.

للمشاركة:

سعيد ناشيد: الإسلام السياسي دمر مفهوم الوطن بشعارات دينية جياشة

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2020-05-06

يرى المفكر المغربي سعيد ناشيد أنّ معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة، معتبراً أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام مجرد أداة للتهييج الانفعالي.

ففي ظلّ تمدّد مساحة الدين، التي أضحت تستولي على مواقع وقطاعات عديدة، في الحياة، وتعالي نبرة خطابها، تلاشت وتقلّصت مساحة المشترك الإنساني والكوني، تحت ألوية الصراعات الهوياتية والتجزئة الدينية.

هل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة أكثر من دستور واحد؟!

ولئن عمد ناشيد؛ صاحب "دليل التدين العاقل"، في مؤلفاته، إلى قطع أشواط جريئة ضدّ العقل الأسطوري وإسلام النص، الذي يحول دون مقدرتنا على الوصول لصياغة حقيقية للإصلاح الديني، والانتقال للحداثة العلمية والسياسية، فإنّه لا يكفّ عن التفكير في كلّ المسلمات الموروثة، واقتفاء أثر الدين في حالته الأولى والبدائية، قبل أن يتحول إلى أداة سلطوية تصادر حقّ الإنسان في تعبيره الحرّ عن إيمانه.

ويتصدّى ناشيد إلى محاولات التطبيق القسري للدين واستدعائه، في عالم له شروطه التاريخية المختلفة وقوانينه ومؤسساته، ولم تعد تحكمه قيم الولاء والبراء والطاعة والغلبة، ولا يعترف بالسبايا، وما ملكت أيمانهم والجواري والإماء. فتحوّل "الخطاب القرآني من رسالة تعبدية تنطلق من جوارح المؤمن إلى وصايا أبدية تعطل الإبداع، وتشلّ الإرادة، وحوّلوا القرآن إلى عائق من عوائق التحديث"، كما يؤكد ناشيد في حواره مع "حفريات".

هنا نص الحوار:

تتنامى ظاهرة التشدّد الديني، الأصولي والسلفي والجهادي، بصورة تتخطى التصورات النمطية التي كانت تفسر الأمر كرد فعل على الفقر والتهميش، كيف ترى الأمر في صورته الكلية بناء على المعطيات والأمثلة الراهنة؟

دعنا نعترف، ابتداء، بأننا ننتمي إلى حضارة مهزومة، في كلّ تفاصيلها (من الشارع إلى الإدارة، والمدرسة، والأسرة، ...إلخ)، وبأن شعوبنا تعاني من وطأة الشعور بالهزيمة الحضارية، وهذا الشّعور قد بدأ يتحول، مؤخراً، إلى عصاب وسواسي جماعي، يفرز ردود فعل عبثية، مجانية ولا عقلانية. يتعلّق الأمر بحالة مرضية تجعل المسلمين يتوجّسون من كلّ شيء، يعدّون أيّ شيء مؤامرة على الإسلام، أو كما جاء في الذكر الحكيم: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ}، وللأسف، لا نستطيع أن ننكر الفرح، الذي يظهره عدد من المسلمين بالهجمات الإرهابية في الغرب، وهو دليل على أنّ الشعور بالهزيمة قد أمسى حالة مرضية مزمنة.

لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية

في واقع الأمر، ليست الهزيمة العسكرية هي المشكلة؛ فلقد انهزمت اليابان وانهزمت ألمانيا أيضاً، في الحرب العالمية الثانية، ولم تمنعهما الهزيمة من معاودة النهوض، دون صراخ أو عويل، ورغم ذلك؛ فقد كان حجم العدوان الذي واجهته اليابان، لا مثيل له، في تاريخ البشرية؛ حيث تعرّضت لإلقاء القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي، لكنّ المشكلة عندنا نحن بالذات، تكمن في أنّ الشعور بالهزيمة صادف شعوراً ثقافياً بالعجز والشلل والاتكال، سواء في الأبعاد الغيبية، أو في الأبعاد الاجتماعية، وليس يخفى أنّ من طبائع العاجز، أن يحمّل مسؤولية عجزه للآخرين دائماً (السماء، السلطة، الغرب، ...إلخ).

الدّاء فينا، والإنكار داء آخر، وطالما أنّ الخطاب الديني هو الأكثر تأثيراً على شعوبنا، فمن الطبيعي أن يكون الخلل كامناً في طريقة بناء الخطاب الديني، التي تكرّس العجز الإنساني والشلل الحضاري. يكفي أن نتفحّص القيم التي يكرّسها الخطاب الديني لدى أطفالنا (الله سيعذبك إن فعلت كذا، الله من يرزقك إن أطعته، يكفي أن يرضى عنك أبواك، خاصة أمك، أمّا رضاك عن نفسك فلا يهم)، لذلك أقول أيضاً: لا يجب أن يقتصر النقد على الإسلام السياسي حصراً، بل يجب أن يطال البيئة الثقافية والأخلاقية المنتجة لقيم العجز وثقافة التخلف.

جورج بوش استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل

الاستخدام النفعي للدين

هل الاستخدام النفعي والوظيفي للدين في السياسة، سواء من جانب الأنظمة أو الجماعات الدينية، ساهم في خلق شرعية لتحويل النص الديني إلى أيدولوجيا انبثق عنها العنف والتكفير؟

أعتقد أنّ سؤالك هذا هو صيغة جيدة لإمكانية الإجابة، لكن علينا أن نميز ابتداءً، وقبل الإجابة، بين الاستغلال السياسي للدين، والاستعمال الأيديولوجي له. الاستغلال السياسي للدين هو ما تقوم به الغالبية العظمى، من الدول والزعامات في العالم الإسلامي؛ بل قد تستعمله حتى بعض الزعامات في الغرب أحياناً. لا ننسى أنّ الرئيس الأمريكي الأسبق جورج والكر بوش قد استعمل الخطاب الديني، بغية تبرير العديد من قراراته التي يصعب تبريرها بالعقل. أمّا الاستعمال الأيديولوجي للدين فهو ينطلق من اعتبار الدين مرجعاً شمولياً لكلّ المشكلات والمسائل، ويجب أن تخضع له كافة مؤسسات الدولة، مثلما هو الحال اليوم في إيران، على سبيل المثال.

الثورة الإيرانية أوحت، في بدايتها، أنّها قد تقدم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية، في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية"

تحويل النص إلى أيديولوجيا، بمعنى أدلجة الدين، هو سيرورة تاريخية طويلة الأمد، انطلقت منذ لحظة التحكيم ورفع المصاحف على السيوف، إبّان الصراع بين علي ومعاوية، وقد أكملها الإسلام السياسي، في القرن العشرين، بعبارة "القرآن دستورنا".

المفارقة؛ أنّ الذين يرفعون اليوم شعار "القرآن دستورنا"، هم أنفسهم من يفتخرون جهاراً نهاراً، بأنّ صحيفة "المدينة" هي دستور دولة الرّسول، وهي أول دستور لدولة المسلمين. فهل يُعقل أن تسمّى صحيفة "المدينة" دستوراً، فيما لو كان الدستور هو القرآن، أم ثمة إمكانية لأكثر من دستور واحد؟!

قديماً، عندما أرسل علي بن أبي طالب ابن مسعود لمحاورة الخوارج، أوصاه بالقول: "لا تجادلهم بالقرآن فإنك تقول فيقولون"، ذلك أنّ من خصائص القرآن أنّه "حمّال أوجه"؛ لذلك فإنّ اعتماد الخطاب القرآني مرجعاً جامعاً، لم يساهم في درء الفتنة بأية حال، وقد نجح عثمان بن عفان في تجميع القرآن ضمن نصّ واحد، جامع وموحَّد، إلّا أنّ وحدة النص، لم تحل دون تفرّق المسلمين واقتتالهم، حول مفاهيم نصّ سيظلّ "حمَّال أوجه" في الأخير.

كيف ترى تلك الإشكالية التي رافقت الدولة الحديثة، في المنطقة العربية، وتأسيس أنظمة الحكم في فترة ما بعد الاستقلال، حيث عمدت إلى احتواء وتأميم المجال الديني، عبر مصادرة أدواته وحشد رأسماله الرمزي، بغية شرعنة سياساتها وتبرير إجراءاتها المختلفة وانحيازاتها المتفاوتة؟

ثمة معطى لا يجب أن ننساه، لقد صادف بناء دولة ما بعد الاستقلال، مناخ الحرب الباردة، وأثناء ذلك لجأ العالم الرأسمالي، بزعامة أمريكا، إلى سلاح الدين، في مواجهة "الإلحاد" الماركسي الستاليني.

لقد بدأ الانتباه إلى سلاح الدين، منذ فترة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر، التي صادفت أيضاً، اندلاع الجهاد الأفغاني وقيام الثورة الإيرانية، علماً – للتذكير أيضاً- بأنّ الثورة الإيرانية قد أوحت في بدايتها بأنّها قد تقدّم نموذجاً لدولة دينية وديمقراطية في الآن نفسه، على الطريقة "الإسرائيلية" طبعاً، ولا ننسى كذلك أنّ بناء أنظمة دينية وديمقراطية، وفق نموذج إسرائيل، هو مطلب المحافظين الجدد، حلفاء جورج والكر بوش.

والهدف، كما لا يخفى، أن يكون الشرق الأوسط متناغماً مع النموذج الإسرائيلي: دول دينية طائفية مذهبية بالفعل، لكنّها ديمقراطية أيضاً، بمعنى فيها انتخابات غير مطعون في نزاهتها.

لقد شكّلت دول ما بعد الاستقلال نوعاً من التحدي أمام الهيمنة الرأسمالية على العالم. نتذكّر إعلان باندونغ، وتجربة دول عدم الانحياز في عهد عبدالناصر، وسوكارنو، وبنبركة، وغيرهم من رموز حركات التحرر الوطني في العالم. أثناء ذلك انتبه الغرب الرأسمالي إلى إمكانية توظيف مظلومية الإخوان المسلمين، في مواجهة أنظمة كانت تبدو للغرب الرأسمالي أقرب إلى المعسكر الاشتراكي، رغم عدم انحيازها المعلن.

تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية حماس منذ نشوئها لسحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية

وفي السياق نفسه؛ تم توظيف حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، منذ نشوئها ولغاية سحب البساط من تحت أقدام منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت تمثل التهديد الأكبر للاحتلال، وفعلاً، ما إن انهارت منظمة التحرير الفلسطينية، حتى انهار مجد القضية الفلسطينية.

والجيل الحالي من شباب المسلمين في العالم –وهذا مؤسف- لا يعرف شيئاً من مآثر وملاحم فتح، والجبهة الشعبية، والجبهة الديمقراطية، ذلك أنّ التحالف العالمي بين الغرب الرأسمالي، والإسلام السياسي، والأنظمة الرجعية العربية، قد أفضى إلى مسح ذاكرة الإنسان، وذاكرة الأرض، من الإرث الوطني لحركات التحرّر.

وبوجه عام، الكلام هنا له شجون، لكن كي أضع خلاصة واضحة أقول: تحتاج دولة المؤسسات إلى مواطنين قادرين على التحكم في الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، تحتاج مأسسة القضاء إلى تحكّم المواطنين في غرائز الثأر والانتقام، تحتاج المنافسات الانتخابية إلى تحكّم المواطنين في غرائز الغيرة والغضب، ...إلخ. غير أنّ الخطاب الديني الشائع والسائد عندنا، يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية؛ بل يعدّها، في الغالب، من أخلاق المؤمن: الغيرة (قد تنطلق من الغيرة على الدين ثم لا تنتهي)، والغضب (قد ينطلق من الغضب للدين ثم لا ينتهي)، والخوف (قد يبدأ بالخوف من عذاب الله ثم لا ينتهي)، الغيظ (قد ينطلق من إغاظة الكافرين ثم لا ينتهي)، ...إلخ. هذا الخلل في بناء الشخصية، يمثّل عائقاً كبيراً أمام بناء دولة المؤسسات الحديثة.

الفكر الاشتراكي في العالم الإسلامي

ثمة تناقضات شهدتها فترات الحكم في مصر؛ ففي العهد الناصري، عدّ بعض المؤرخين أنّ الدولة استعانت بالدين، لكن بشكل (تثويري وتنويري) في مواجهة خصومها، وإيجاد خطاب سياسي، يستعير عناصره من الدين، حتى تتطابق وانحيازها الاشتراكي والقومي، فكان الخطاب الديني بين طرفي المعارضة والسلطة، ينزاح إلى حالات نزاع، تستخدمه الأخيرة لمواجهة خطاب التكفير، من جانب القوى المحافظة وجماعة الإخوان، فهل ترى بالفعل إمكانية الاستخدام التثويري للدين؟

لا شكّ في أنّ الفكر الاشتراكي، في العالم الإسلامي، قد حاول أحياناً إعادة تأويل الرؤية الدينية، بما يخدم مطلب العدالة الاجتماعية، مستلهماً نماذج فقراء الصحابة، من قبيل أبي ذر الغفاري، كما لا ننسى أنّ سيد قطب نفسه، وقبل انقلابه الأيديولوجي، لم يتورّع عن الكتابة في قضايا العدالة الاجتماعية في الإسلام، غير أنّ التأويلات "الاشتراكية" للإسلام سرعان ما انمحت أمام التأويل الرأسمالي، الذي عدّه الإسلام السياسي، بكلّ أطيافه، الأقرب إلى الدين والفطرة.

وفي تلك الأثناء، أملت ظروف الحرب الباردة على العالم الرأسمالي، أن ينظر إلى المعسكر الشيوعي، كعدوّ شرس قد تطول المواجهة معه لعدة قرون، كما حسب كثيرون، كما لا ننسى التدخّل السوفياتي في أفغانستان، والجهاد الأفغاني، ونجاح رموز الإسلام السياسي في شيطنة ماركس؛ بل شيطنة الفكر الغربي برمّته، بعد وصمه بالمادية والإلحاد والانحلال، غير أنّ الاستخدام التثويري للإسلام، يبقى هو الأطروحة التي بدأها علي شريعتي نفسه، قبيل الثورة الإيرانية، وقبل أن ترتد أطروحته إلى نحرها.

مآل الثورة أن تصير دولة في النهاية؛ لذلك لن يكون تثوير الدين سوى مدخل إلى دولنته أيضاً؛ بمعنى أنّنا أمام لعبة خطيرة، في آخر التحليل.

كيف ترى تورط الدولة الناصرية في تبنيها قصّة تجلي العذراء فوق أحد الكنائس بضاحية الزيتون، وتوظيفها إعلامياً باعتبارها تعزية ومساندة من السماء على الهزيمة العربية في حزيران (يونيو) 1967، وهو ما وصفه المفكّر السوري، صادق جلال العظم، بحيلة لتصفية آثار العدوان؟

هذا يؤكّد لنا، بالملموس، أنّ ردّ فعلنا إزاء الهزيمة، جراء نرجسيتنا المجروحة، جاء على نحو نكوصي مرضي، سرعان ما سيجعل من الدين نوعاً من العصاب الوسواسي، بدل أن يكون رحمة للعالمين. فنحن لم نحوّل الهزيمة إلى سؤال عقلاني، كما فعلت اليابان مثلاً؛ بل جعلناها مبرّراً للبحث عن انتصارات أسطورية غيبية، تمنحنا مسكّنات تكرّس العجز في آخر المطاف.

أخبرني أصدقاء في غزة عن ظاهرة جديدة بدأت تنتشر عندهم مؤخراً، يتعلق الأمر بظاهرة طرق الأبواب فجراً، للذهاب على شكل أفواج وجماعات إلى صلاة الفجر، وكلّ من يفعل ذلك يظنّ أنّ له أجراً عظيماً، بل الرهان أعظم من ذلك؛ إذ ثمة خطاب تبشيري، مفاده أنّ الحرص على صلاة الفجر، سيكون مدخل الأمة إلى الانتصار (الانتصار على من؟!).

وفي كلّ الأحوال، يبقى السؤال معلقاً: ما علاقة صلاة الفجر بالانتصار كيفما كان نوعه؟ بكل تأكيد، ليس المقصود بالانتصار هنا القضاء على الفقر والجهل والرشوة والغش والخرافة. كلّ ما في الأمر أنّنا نعيش بوادر انتكاسة مروّعة إلى الرؤية السحرية للعالم؛ حيث بعض الطقوس الجماعية، يمكنها أن تكون كافية لإقناع السماء بمساعدتنا، على التمكين والنصر المبين.

لجأ السادات لسلاح الدين واصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن" لكن في الأخير اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها

يُردّ الجهل بالمعرفة

إلى أي حدّ يمكن عدّ الاستخدام الانتهازي والمحدود للدين سبباً في توسيع حاضنة أصولية ومتطرفة في المجتمع؟

التوظيف الأيديولوجي للدين، في إطار الصراع على السلطة، لم يخدم في آخر المطاف سوى القوى الأصولية النكوصية. وهذا طبيعي؛ فقد حاول أنور السادت في مصر أن يضرب عصفورين بحجر واحد، احتواء الإسلام السياسي وتصفية تركة جمال عبد الناصر؛ لذلك لجأ إلى سلاح الدين، وقد اصطلح على نفسه صفة "الرئيس المؤمن"، لكن ماذا حدث في الأخير؟ اغتالته أيادي الإسلام السياسي نفسها.

لذلك نقول: ليس صحيحاً أنّ الدواء من جنس الدّاء، فلا يُردّ الجهل بالجهل، بل يُردّ الجهل بالمعرفة.

لماذا لم يتحرّر العقل العربي من التفكير البدائي، ويتجاوز المرحلة اللاهوتية، لو استعرنا تعريف أوغست كونت للمراحل التاريخية التي تمرّ بها البشرية، وتنتهي عند المرحلة الوضعية العلمية، وأدوات التحليل النقدي؟

شخصياً، لا أراهن على أن تتخطى البشرية المرحلة اللاهوتية، وفق الرؤية الوضعية، لأوجست كونت؛ بل أراهن على تحوّلات جذرية في حقل الروحانيات والتدين، وفي المستوى العالمي كذلك.

وبكلّ بساطة، لا يمكن تخطّي المرحلة الدينية ما لم تنجح البشرية في القضاء على الموت، على أقل تقدير، فبوجود الموت ستظل البشرية في حاجة إلى نوع من العزاء. صحيح أنّ ثمة ما يسمّى "موت الفلاسفة"، وهو الأسلوب الذي تحدّث عنه جاك ديريدا، في آخر حواراته، لا بل سبق أن تحدّث عنه سينيكا وشيشرون ومونتين، الذي يتعلّق بكيفية تقبّل الفناء كقدر أخير، بكامل الرضا، وبدون عزاء بالضرورة، لكن الناس ليسوا جميعاً فلاسفة، وليسوا جميعاً حكماء.

الخطاب الديني الشائع يساهم في تأجيج الانفعالات السلبية والغرائز البدائية، بل يعدّها في الغالب من أخلاق المؤمن

وفي كل الأحوال، فأنا أميّز بين الخروج عن الدين، الذي هو شأن شخصي، والخروج من الدين، الذي هو صيرورة تاريخية طويلة الأمد.

غير أنّني أظنّ، في المقابل، أنّنا نعيش انتكاسة ليس فقط نحو الاستعمال الأيديولوجي للدين، إنّما نحو الاستعمال السحري للدين. يكفي أن ننظر من حولنا إلى تكاثر مراكز الرقية الشرعية، واستعمال القرآن في العلاج الطبي، وبرامج الإعجاز العلمي التي هي مجرّد عجز علمي، وليست إعجازاً، حتى نتأكد من حجم الانتكاسة إلى أنماط التدين البدائي.

ما هي الشروط المؤدية إلى ذلك الانسداد التاريخي في المجتمعات العربية والإسلامية والمتسببة في انتصار متزايد لأصحاب نظرية الحق الإلهي، واغتيال العقل في الإسلام، منذ هزيمة المعتزلة وتأبيد واقع ونمط ديني محدَّد ومغلق؟

كان الانقلاب المتوكّلي لحظة حاسمة ضمن مسلسل هزيمة العقل، وتغييبه بدعوى شعار يقول: "لا اجتهاد مع النصّ"، وهو الشعار الذي سرعان ما أصبح يعني "لا اجتهاد في النص" أيضاً.

والمفارقة؛ أنّ النص الديني نفسه هو ثمرة اجتهاد المسلمين عقب وفاة الرسول، من حيث الجمع والترتيب والتبويب والتدوين، سواء تعلّق الأمر بالمصحف أو الصحاح، بيد أنّ المعضلة الكبرى تكمن في أنّ مركز ثقل النصّ، قد انتقل من الخطاب القرآني، إلى الخطاب الحديثي.

ولقد صار كلام الرسول، في آخر المطاف، أهم من كلام الله، لا سيما بعد أن انتهى الأمر إلى الإقرار بأنّ "السنة قاضية على القرآن"، كما ردّد الإمام ابن حنبل، وبهذا المعنى، وبصريح العبارة؛ فإنّ الذي سيعطّل العقل ليس النصّ القرآني، إنّما هو النص الحديثي، مضاف إليه النص الصحابي، والنص التابعي، وصولاً إلى شيوخ الفضائيات اليوم.

بخصوص شعار "القرآن دستورنا"

لقد تحوّل النص الديني، في لغته الحسية والتصويرية والمجازية، إلى قوانين ونصوص دستورية ونظريات علمية، يجري توظيفها البراغماتي لبناء المشروعية السياسية.. لماذا تخفق مشروعات التحديث في تصفية ذلك الاتحاد بين السلطتين؛ الدينية والسياسية؟

أعتقد أنّ شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام؛ حيث أصبح الإسلام، لدى بعض الناس، مجرد أداة للتهييج الانفعالي، والمزايدة الغوغائية، طلباً للسلطة أو الغنيمة. لا بأس أن نذكر، مرة أخرى، أنّ القرآن ليس دستوراً؛ لأنّه لم يصف نفسه بأنه دستور، ولأنّ آياته حمّالة أوجه، وفيها محكمات ومتشابهات، وناسخات ومنسوخات..إلخ.

وليس هكذا يكون الدستور، الأدهى من ذلك؛ أنّ الدسترة سوف لن تقتصر على النصّ القرآني حصراً، إنّما ستشمل مدوّنة الحديث بعد تضخّمها، فضلاً عن المتن الصحابي والتابعي، فقد تحوّل النص الديني إلى سلطة ضدّ العقل، والإبداع، وحرية الإنسان، ويكفي أن نسمع في خطب الجمعة نصاً دينياً منسوباً إلى الرسول، يتردد أمام مسامع المؤمنين، ويقول: "كلّ بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار"، حتى ندرك أنّنا، باسم النص، نقتل روح الإبداع. وهل تكون الحداثة شيئاً آخر غير القدرة على الإبداع؟!

كيف تصف ذلك المشهد الذي أضحى فيه المصحف بين منزلتين؛ إما وسيلة للحكم والقتل أو أيقونة مقدسة للزينة والتبرك؟

حال القرآن، الآن، محصور بين مآلين: الاستعمال الأيديولوجي في إطار الصراع على السلطة، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "وسيلة للحكم". والاستعمال السحري في إطار الرؤية السحرية للعالم، وهو ما قلت في سؤالك إنّه "أيقونة للتبرّك"، أمّا مسألة الزينة، فهي، في وجهة نظري، تبقى إيجابية لو تحرّرت من الاستعمال الإيديولوجي، والاستعمال السحري.

يتعلّق الأمر، في كل الأحوال، بخضوع النص القرآني للأدلجة والأسطرة، أولاً: أدلجة النص القرآني من حيث عدّه مرجعاً شمولياً لكلّ شيء، الدولة والسياسة والاقتصاد والجنس، ...إلخ. وثانياً: أسطرة النص القرآني، من حيث عدّه مفتاحاً سحرياً لكلّ المسائل والمشكلات، من أسواق المال إلى طبّ العيون، ومن الملاحة الجوية إلى أسعار الجبن، وكل هذا مجرّد عبث بالدين.

 شعار "القرآن دستورنا"، كان لحظة الخطيئة الكبرى، التي أفضت إلى استكمال دائرة أدلجة الإسلام

الأخطار المتوقعة

تواجه مجتمعاتنا، بعد الربيع العربي، ولادة تيارات دينية تقود ما يمكن تسميته بدويلات طائفية، وتستولي على مساحات جغرافية تهدد وحدة الدولة الوطنية، وفي المقابل؛ أصبح لكلّ فئة وكتلة اجتماعية وسياسية، مذهباً له مجالسه العلمية ودور الإفتاء التي تضمن له الشرعية وتكفير خصومه ومنافسيه... كيف ترى مآلات ذلك المشهد ومسبّباته الواقعية؟

يمكننا القول: إنّ الخطر الذي ينتظرنا، يتّصف بالتركيب والتعقيد، فثمّة توجّه عامّ نحو التفكّك والتفتت، في إطار طغيان نوعين من الولاءات: أولاً؛ الولاءات الدينية المحلية (الإمارات الصغرى)، من قبيل تلك المحاولات التي راهنت على تشكيل إمارات، في تومبوكتو أو سيناء أو غرداية، ...إلخ. وثانياً: الولاءات الدينية العابرة للأوطان، والموسومة بالاحتلال والحنين إلى عصر التوسعات الإمبراطورية.

وهنا نلاحظ كيف يحاول السلطان "أردوغان" العثماني، استثمار ولاء فصائل الإسلام السياسي لأجل إعلان عودة الخلافة، وهو يقصد الخلافة العثمانية تحديداً، التي هي، باختصار، الفترة الأكثر غزواً، والأقل إبداعاً، في تاريخ الحضارة الإسلامية. لكن مقابل ذلك؛ ثمّة مشروع مذهبي منافس، يقوم على أساس ولاية الفقيه الإيرانية، وتدعمه إيران هذه المرّة.

وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، يتعلق الأمر بولاءات طائفية واستعمارية، سواء كانت عابرة للأوطان، أو دون الأوطان، لكنّها ستشعل مزيداً من الفتن وتدمّر البقية الباقية، من مفهوم الوطن.

ما يجري في سوريا يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، باسم الإسلام

وما يجري اليوم في سوريا؛ من قتال الإخوان المسلمين والنصرة تحت لواء القوات التركية، وقتال حزب الله تحت لواء الحرس الثوري الإيراني، يعكس حجم الفراغ الوطني الذي تحاول أن تملأه ولاءات طائفية واستعمارية، ولو باسم الإسلام هذه المرّة، الذي هو أعزّ شيء إلى قلب الشعوب.

ولا ننسى أنّ المغول دخلوا إلى الإسلام فقط من أجل شرعنة احتلالهم للعالم الإسلامي، غير أنّ الاحتلال، في كل الأحوال، يبقى احتلالاً، وحتى التاريخ الرسمي لا يقول غير ذلك، معضلة الإسلام السياسي تكمن في أنّه ساهم في تدمير مفهوم الوطن، بدعاوى تدغدغ العواطف الدينية الجياشة (أمة محمد، أمة لا إله إلا الله، ...إلخ).

والواقع، أنّ الوطن هو خطّ الرجعة الأخير، قبل اشتعال الفتنة التي ستحرق اليابس والأخضر. وهذا تحذيرنا الأخير.

للمشاركة:



"حفريات" تهنئ في العيد وتستأنف مسيرة النّور

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ.. فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ".

لو كان المتنبي بيننا، لما وجدَ خيراً من هذا الشّعر ليعبّر عن مأساة الإنسان الذي اعتقله "كورونا" وجعله رهين محابس كثيرة أولها الخوف.

لا يأتي عيد الفطر هذا العام بأمر فيه تجديد؛ فالوباء يضرب هنا وهناك، وليس على البشر إلا أن يتعايشوا مع عواصفه، ويتنظروا بشائر أمل قد تلوح بعد عام، وتحمل معها أنباء اللقاح المنتظر، فتنهض البشرية من ذعرها وتستأنف الحياة.

الأحبة في العيد بينهم البيداء والحَجْر الصحي ومواعيد الإقفال التي تفرضها الحكومات التي حبست شعوبها في أقفاص، فتطلقهم في موعد وتحشرهم في آخر، وهم راضون مسلّمون.

"حفريات" في هذه القنطرة التي تفصل زمنين من الخوف والرجاء لا تملك إلا أن تستدرج الخير، وتأمل أن يكون القادم أجمل. وهي تعاهد قرّاءها على استئناف المسيرة في الحفر المعرفيّ من أجل طمر الكراهية والتطرف والفساد، وإحياء النّور "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

للمشاركة:
الوسوم:

خطوة تركية جديدة في ليبيا.. وواشنطن: لا للحل العسكري

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

نشرت مواقع متخصصة في رصد حركة الطائرات حول العالم تحركات غير اعتيادية لطائرات نقل عسكرية تركية إلى جانب عدد من الطائرات الحربية التركية، وقالت هذه المراصد، وفق وسائل إعلام، إنّ الطائرات تحركت في أجواء شرق البحر المتوسط وقرب السواحل الليبية، مؤكدة وصول طائرات نقل عسكرية كبيرة، أمس، إلى مطار مصراته قرب طرابلس.

وصول مقاتلات حربية تركية وطائرات نقل عسكرية كبيرة إلى ليبيا لمساندة ميليشيات الوفاق

وفي مقال له في صحيفة "خبر تورك" كتب الصحفي الكردي تشيتينار تشيتين، أمس: "في القريب يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية الجوية مقراً لها، هذا الأمر ممكن في إطار الاتفاقيات الموقع عليها بين تركيا وحكومة الوفاق".

وفي السياق شدد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على معارضة الولايات المتحدة للتصعيد العسكري الأخير واستمرار تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الأمريكية إنّ بومبيو أكد في اتصال مع رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فايز السراج، أنّه "لا حل عسكرياً للأزمة الليبية" وأنّ "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي والالتزام بنتائج مؤتمر برلين"، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية.

اقرأ أيضاً: الغرياني يتحدث عن دور تركيا وقطر في ليبيا.. ماذا قال؟

وعبر وزير الخارجية الأمريكي عن "استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة والذخائر إلى ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التدخلات التركية المتنامية في ليبيا.

تشيتين: يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية مقراً لها

وكان رئيس حكومة الوفاق، المدعومة من الميليشيات الإخوانية، سمحت لتركيا عبر اتفاقية أمنية وعسكرية وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بتركيز قواعد عسكرية والتدخل في البلاد لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 100 ضابط عسكري، كما أرسلت سفناً محملة بأسلحة ودفاعات جوية إضافة إلى نحو ألفي مرتزق.

كما أعطى البيان، الصادر عن البيت الأبيض قبل يومين بشأن الأوضاع المستجدة في ليبيا، إشارات واضحة برفض التدخل التركي المتنامي في البلد الغارق بالفوضى.

وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ناقشا بواعث القلق حول "التدخل الأجنبي المتزايد" في ليبيا و"اتفقا على الحاجة الماسة لوقف التصعيد".

بومبيو يعبر عن استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة التركية والذخائر إلى ليبيا

وعكس بيان البيت الأبيض دعوة صريحة إلى ضرورة وضع حد للتدخل التركي في الشأن الليبي، الذي أغرق البلاد بالمرتزقة الذين جلبهم للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

هذا وكان المؤتمر الدولي الذي عقد بألمانيا في كانون الثاني (يناير) الماضي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، لكن تزايد التدخلات التركية ومواصلة أنقرة إرسال المرتزقة إلى البلاد وشن هجمات على مراكز للجيش تسبب في فشل الجهود الدولية مما دفع نحو تصاعد للعمليات العسكرية.

للمشاركة:

تقرير: إيران متورطة بأنشطة إرهابية في 40 دولة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

تطرقت وزارة الخارجية الأمريکية، في بيان لها، إلى الأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني، وإلى الانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون السياسيون بالخارج.

وزارة الخارجية الأمريكية: النظام الإيراني تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة

وقالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر أمس: "إنّ النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة"، وفق ما نقل موقع "إيران انترناشيونال".

وتابع البيان: "وأعلن مسؤولون إيرانيون بارزون أنّ إيران تتابع عن كثب وتراقب باستمرار، المعارضين الإيرانيين في دول أخرى؛ من أجل قمعهم وتوجيه ضربات حاسمة ضدهم".

وأردف: "شملت حملة الإرهاب العالمية التي شنّتها إيران ما يقرب من 360 اغتيالاً في دول مختلفة، وهجمات بالقنابل أدت إلى مقتل وتشويه المئات".

ولفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أنّ "إيران نفذت هذه الاغتيالات وغيرها من الهجمات بشكل أساسي من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، ولكن أيضاً عبر أطراف أخرى ووكلاء مثل حزب الله".

ويضيف البيان: "كما يتضح من مذكرات التوقيف وتحقيقات القضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وتقارير الشهود، تورط دبلوماسيين إيرانيين مراراً في اغتيالات بالخارج".

اقرأ أيضاً: الحوثيون وفلسطين.. متاجرة تكشف نشاز المشروع الإيراني- الإخواني

ويستطرد: "وبسبب التدقيق المتزايد الذي سبّبه الإرهابيون الإيرانيون الذين يستخدمون الغطاء الدبلوماسي، أظهرت إيران استعداداً لاستخدام العصابات الإجرامية وعصابات المخدرات وأطراف ثالثة أخرى لتنفيذ خططها للاغتيال في الخارج"، مشيراً إلى أنه "حتى عندما يُضبط موظفوها الدبلوماسيون وهم يراقبون الأهداف المراد اغتيالهم، ويوفرون المتفجرات أو يهربون من مسرح الجريمة تكذب إيران باستمرار حول تورّطها في عمليات قتل بالخارج".

حملة الإرهاب التي شنّتها إيران شملت اغتيال ما يقرب من 360 معارضاً في دول مختلفة

وفي إشارة إلى فرض الولایات المتحدة عقوبات على وزير الاستخبارات الإيراني السابق، علي فلاحيان، ذکرت الخارجية الأمريكية أنّ "المعلومات الموثوقة تُظهر أنه كان متورطًا في انتهاكات لحقوق الإنسان عندما كان وزيراً للاستخبارات والأمن".

وأضافت: "تورّط فلاحيان خلال فترة عمله في اغتيال عديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين بأوروبا، وضمن ذلك الحالات التي أصدرت فيها المحاكم السويسرية والألمانية أوامر باعتقاله.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإلى جانب استهداف المعارضين السياسيين وقادة ونشطاء الأقليات العرقية والدينية ومسؤولين حكوميين أجانب عبر اغتيالهم، هدّدت إيران بشكل متزايدٍ نشطاء المجتمع المدني والصحافيين الإيرانيين في الخارج.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تطالب بالتحقيق بمجزرة احتجاجات إيران.. أدلة وأعداد

وختم بيان الخارجية بالقول: "في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأنّ المخابرات الإيرانية هددت باختطاف صحافيين من قناة "إيران إنترناشيونال" ومقرها لندن، ونقلهم قسراً إلى إيران".

للمشاركة:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية