تركيا تحرم 38 ألف طالب كُردي من التعلم بلغتهم الأم

صورة أحمد قطمة
إعلامي كردي متخصص في شؤون عفرين ومناطق شمال سوريا
6105
عدد القراءات

2018-09-09

حرمت العمليات العسكرية التركية ما يقارب 38 ألف طالب كُردي في منطقة عفرين السورية، من التعلم بلغتهم الكُردية الأم، والتي كان الأكراد قد بدأوا التعليم بها، بُعيد إعلانهم حكومتهم المحلية المُسماة بـ"الإدارة الذاتية في مقاطعة عفرين"، والمعلن عنها رسمياً في العام 2014.

وأدخلت هيئة التربية (وهي بمثابة وزارة التربية) في حكومة الأكراد أو "الإدارة الذاتية"، التعليم باللغة الكُردية ضمن مناهجها الدراسية في عفرين، بشكل متسلسل، ابتداء بالمرحلتين؛ الابتدائية والإعدادية، مع سعيها لتطبيق ذلك في المرحلة الثانوية، لكن دون أن تسعفها الأيام وجارتها تركيا، فيما لم يسبق لأهالي المنطقة أن تلقوا التعليم بلغتهم الأم في عهد النظام السوري، قبل اندلاع الحراك الشعبي في البلاد العام 2011.

مسؤولو الإدارة الذاتية في زيارة لمدارس عفرين إبان افتتاحها (الموقع الرسمي للإدارة الذاتية)

"تعلم مادة" بدلاً عن "التعليم بالغة الأم"!

وعقب العملية العسكرية التركية التي شنّتها برفقة فصائل المعارضة السورية ضمن ما يعرف بـ"الجيش السوري الحر"، والتي انتهت بالسيطرة على المنطقة في الثامن عشر من آذار (مارس) الماضي، وإخراج "قوات سوريا الديمقراطية" منها، أعلنت وزارة التربية والتعليم في "الحكومة السورية المؤقتة" التابعة للمعارضة السورية، في 27 أيار (مايو) الماضي، أنها تعمل لإعادة تفعيل العملية التعليمية في عفرين.

اقرأ أيضاً: الأكراد يرفضون محاكمة زوجات الجهاديين الأجانب

وقال عماد برق، الذي يرأس الوزارة آنفة الذكر في بيان له، إنّ "الوزارة وضعت الخطة التعليمية بمنطقة عفرين، ومن ضمن الخطة توزيع المناهج المعتمدة في وزارة التربية والتعليم، وإضافة مادة تعليم اللغة الكُردية".

معهد فيان آماري للغة والأدب الكرديين في وسط مدينة عفرين

إزالة آثار اللغة الكردية

ومع السيطرة التركية، وجّه العديد من الناشطين الكُرد انتقادات واسعة لقيام القوات التركية بإزالة الكتابات والأسماء المكتوبة باللغتين؛ الكردية والعربية عن المقرات الرسمية، وكتابتها باللغتين العربية والتركية، إلى جانب رفع العلم التركي على معظم المقرات وفي الساحات والميادين العامة.

رئيس هيئة التربية في مقاطعة عفرين: تركيا دولة احتلال تمارس شتى الوسائل لطمس المعالم الحضارية للأكراد

واتهم ناشطون القوات التركية بتحويل مدارس عدة في عفرين إلى مقار للأجهزة الأمنية التركية، أو سجون لأهالي عفرين، بالإضافة إلى تعديل مضمون المواد التي تدرس باللغة العربية ضمن المنهاج المقرر، وخاصة التاريخ والجغرافيا، وإضافة فقرات تشيد بالحقبة العثمانية.

الاتهامات تلك أكدتها "منظمة العفو الدولية" في بداية الشهر الماضي، عندما أصدرت تقريراً تعرضت فيه إلى جملة الانتهاكات التركية في المنطقة الكردية السورية، والتي لم تكن المدارس بعيدة عنها؛ حيث أكدت المنظمة أنّ تركيا والجماعات المسلحة مسؤولة عن استخدام المدارس لأغراض عسكرية.

اقرأ أيضاً: أزمة الأكراد: هجوم عفرين وأطماع أردوغان

وأضافت المنظمة الدولية أنّ "الوصول إلى المؤسسات التعليمية أمر شبه مستحيل لأهالي عفرين منذ كانون الثاني (يناير) 2018"، مردفةً: "ذكر بعض الأهالي لمنظمة العفو الدولية أنه منذ آذار (مارس) لم يعد بمقدور الأطفال تلقي التعليم المدرسي إلا في مدرسة واحدة بمدينة عفرين، بينما أغلقت جامعة عفرين تماماً بعدما تعرضت له من الدمار والنهب".

طلبة أكراد يطالبون الجهات الدولية المعينة بملف التعليم منح الطلبة الحرية لاختيار اللغة التي يرغبون التعلم بها

وقالت لين معلوف المسؤولة في المنظمة الدولية في تقريرها "إنّ القانون الإنساني الدولي يقضي بأن تحظى المدارس بحماية خاصة وبضمان إتاحة التعليم للأطفال، ولا سيما في حالات الاحتلال، ومن ثم فإننا نحث تركيا على اتخاذ كافة التدابير اللازمة التي تكفل للأطفال إمكانية العودة  إلى مدارسهم، وتضمن ترميم الجامعة وإعادة فتحها بأسرع ما يمكن."

وشددت  معلوف على أنّ "تركيا هي قوة الاحتلال في عفرين، ومن ثم فإنها مسؤولة عن رفاهية وسلامة السكان المدنيين، والحفاظ على القانون والنظام. وحتى الآن، تقاعست قواتها المسلحة تماماً عن النهوض بتلك المسؤوليات؛ ولا يمكن لها التهرب من المسؤولية باتخاذ الجماعات المسلحة السورية مطية لتنفيذ أفعالها البغيضة بالنيابة عنها".

حساسيات عرقية في المدارس

وفي هذا السياق، قال عبد الحنان علي (اسم مستعار) وهو مدرس مرحلة ابتدائية في عفرين، إنه "بعد دخول الجيش التركي والحر لمدينة عفرين طرأت تغيرات كثيرة على أجواء المدينة، على مستوى الحياة الاجتماعية والعادات، وإلى ما هنالك من تغيرات بسبب اختلاف الثقافات".

ويرى أن ّ هذا "أثر على مجال التعليم أيضاً، بسبب وجود الأغلبية الكُردية في المنطقة، والتي تم تهميش وجودها من قبل الإدارة الحالية الممثلة في المجلس المحلي، فغضوا النظر عن لغتهم الأم، حيث لا تدرس حالياً اللغة الكُردية في الدورة المسرعة الجارية لسبر معلومات الطلاب".
ويستطرد عبد الحنان: "في هذه الدورة، تم اعتماد تدريس المواد الرئيسية المتمثلة في اللغة العربية، الرياضات واللغة الإنكليزية، وزعمت هيئة التربية بأنّ المنهاج سيكون تابعاً للائتلاف مع وجود مادة اللغة التركية وأخرى كردية".

اقرأ أيضاً: كيف أثرت عفرين في الليرة التركية؟

وفي ظل توافد أهالي مستقدمين من المناطق الداخلية السورية إلى مدينة عفرين، ولَدت، بحسب عبد الحنان، "بعض الحساسيات بين الطلبة الكُرد والمستقدمين، الذين لهم بيئات وثقافات مختلفة، وأسفر ذلك عن بعض الاحتكاك بين الطلبة بسبب اختلاف هؤلاء المستقدمين مع الإدارة السابقة (الإدارة الذاتية)، ما دفعهم لـ (الحقد) بطريقة غير مباشرة على الأطفال والطلبة الكُرد".

ويلفت عبد الحنان إلى أنّ "العلاقة غير مستقرة وفيها شرخ واضح"، قائلاً: "كمعلم وبسبب ما تمليه عليّ مهنتي، أبذل ما بوسعي لتفادي مشاحنات كهذه، وأحاول تقريب الطلبة من بعضهم".

مدرسة وسط مدينة عفرين تحمل اسماً كردياً

حنين إلى اللغة الأم

نسرين (اسم مستعار) طالبة كُردية في المرحلة الثانوية، درست وتعلمت على مدار سنوات من حكم الإدارة الذاتية بمناهجها الكُردية، وهي تعاني اليوم من صعوبات في التأقلم مع التعلم باللغة العربية.
تقول نسرين: "درست اللغة الكُردية ٥ أعوام، تمكنت خلالها من الوصول إلى مستوى ممتاز في لغتي الأم، وكان النظام التعليمي جيد جداً".

وحول تجربتها خلال تلك السنوات، تقول: "كان المدرسون وإدارة المدرسة حريصين كثيراً، ومهتمين بكل تفاصيل الطلاب، لتلبية جميع احتياجاتهم ودعمهم نفسياً"، مردفةً: "كان المدرسون يسعون إلى تطويرنا وتكثيف معلوماتنا، وذلك عبر تزويدنا بالكثير من المعلومات التي قد لا تحتويها مناهجنا، سعياً إلى تثقيف الطلاب، وهو أمر لم نعتد عليه إبان تلقينا التعليم في مدارس النظام السوري".

اقرأ أيضاً: ماذا تريد تركيا من الوطن العربي؟

وتوضح نسرين أنّ "المعلمين لدى النظام السوري كانوا يتوجهون إلى استخدام وسائل عنفية في التعامل مع الطلبة، كما كانوا يمنعون الطلاب الكُرد من التحدث بلغتهم الأم، بينما لم تحظر وزارة التريبة الكُردية مثلاً اللغة العربية، أو تمنع طلبة المكون العربي من الدراسة بلغتهم الأم"، مشيرة في الوقت عينه إلى أنّ استيعابها للتعلم باللغة العربية سيئ جداً، كونها "اعتادت على التعلم باللغة الكردية".

بعد دخول الجيش التركي والحر لمدينة عفرين طرأت تغيرات كثيرة على أجواء المدينة

وتردف نسرين: "مثلما وصلنا إلى المرحلة الثانوية، أخشى ألا يتم الاعتراف بشهاداتنا، وأتمنى لو أنني أستطيع أن أكمل تعليمي بلغتي الأم".

وتطالب نسرين الجهات الدولية المعينة بملف التعليم "العمل على مساندة الطلاب، ومنحهم الحرية لاختيار اللغة التي يرغبون في التعلم بها"، مؤكدةً أنه من الصعب عليهم الانتقال للتعلم بلغة أخرى "حتى لو منعنا من التعلم بلغتنا الأم، على الأقل يتوجب إدخال مادة اللغة الكردية ضمن المنهاج، مثل باقي اللغات كالإنكليزية أو الفرنسية".

أهالي عفرين في مخيم برخدان أو المقاومة

في مناطق التهجير

يتواجد قرابة 150 ألف مهجر من أهالي عفرين في مناطق ريف حلب الشمالي، ضمن بلدات (تل رفعت ودير جمال) ومحيط بلدتي (نبل والزهراء) الخاضعتين للنظام السوري.

ولا تزال مؤسسات الإدارة الذاتية التي كانت تحكم عفرين متواجدة بين هؤلاء المهجرين، محاولةً تقديم الخدمات التي بمقدورها تأمينها لهم، خاصة فيما يتعلق بالتعليم والصحة والإغاثة وغيرها.

اقرأ أيضاً: هل يهدد التعليم الديني الإسلامي علمانية أوروبا في عقر دارها؟

وفي هذا السياق يقول محمد رشيد، رئيس هيئة التربية في مقاطعة عفرين، وهي الجهة المعنية بإدارة شؤون الطلاب من أبناء عفرين: "بعد التهجير القسري الذي مارسته الدولة التركية ومرتزقتها، هجر مئات الآلاف من سكان مقاطعة عفرين إلى مقاطعة الشهباء (ريف حلب الشمالي)، كانت البنى التحتية تعاني من ضعف الإمكانات، لذا توجب علينا المبادرة إلى البدء بالعملية التعليمية رغم الامكانات المتواضعة والذاتية، وتم إصلاح وتنظيف بعض المدارس التي كانت مهجورة ومدمرة، أو مسكونة من قبل المهجرين من عفرين، كما تم نصب الخيام في ساحات بعضها الآخر".

تمارس تركيا سياسة التتريك والتعريب لطمس الإرث التاريخي للشعب الكردي في عفرين

وأضاف رشيد: "تم افتتاح المدارس في معظم القرى بعدد إجمالي وصل إلى 56 مدرسة، كما تحتوي المخيمات على مدارس ابتدائية واعدادية، كما في مخيمي "برخدان" و"سردم"، (وهما مخيمان يقيم فيهما أهالي عفرين)، قائلاً: "عملياً كان لدينا قرابة 48 ألف طالب وطالبة من المكون الكُردي سابقاً، ونتيجة الاجتياح التركي تبقى 10 آلاف فقط".

ويؤكد أنّ "المناهج التي تدرس هي ذات المناهج التي كانت تدرس في مقاطعة عفرين، ورغم ضعف الإمكانيات وعدم وفرة الكتب، إلا أننا تداركنا ذلك بإعطاء الدروس من خلال كتيبات تم تحضيرها بالإمكانات الذاتية"، معرباً عن أمله بألا يستمر هذا الوضع كما هو الآن، "وفي حال بقائه، سنتواصل مع المقاطعات (وهي مناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية "قسد" شمال سوريا) لتقديم المساعدة".

حق طبيعي

أما بالنسبة للوضع داخل عفرين، يقول محمد رشيد: "ﻻ يختلف اثنان على أنّ تركيا دولة احتلال وتمارس شتى الوسائل هي ومرتزقتها لتغيير وطمس المعالم الحضارية (بما فيها المدارس والنظام التعليمي) رغبة منها في ممارسة سياسة التتريك والتعريب لطمس الإرث التاريخي للشعب الكردي في عفرين، حتى تحويل بعض المدارس إلى سجون ومعتقلات ومشافٍ عسكرية، وهي تتم عن سياسة ممنهجة لتغييب الهوية الحقيقية لسكان المنطقة".

اقرأ أيضاً: لماذا تحارب تركيا اللغة العربية؟

وشدد رئيس هيئة التربية في مقاطعة عفرين على أنّ "تركيا ﻻ تملك أي حق في طمس الارادة القومية لأي شعب، فلا المواثيق الدولية ولا الشرائع السماوية تسمح لها بإبادة ثقافة شعب عريق كالشعب الكردي الذي عاش لآلاف السنوات جنباً إلى جنب مع شعوب المنطقة بسلام ووئام".

وحول حقوق المكونات السورية التعلم بلغاتها الأم، يقول "بالنسبة للدستور القادم، سنسعى إلى تثبيت هذا البند كحق طبيعي لكل المكونات في التعلم بلغتها الام، ولابد من احتواء الدستور على بنود واضحة تضمن حقوق المكونات والأقليات في ذلك".

اقرأ المزيد...

الوسوم: