"فقه الدماء"... مَن هو الرّجل الذي وضع دستور التوحش الداعشي؟

13182
عدد القراءات

2018-11-07

درس عبدالرّحمن العلي، علوم الشريعة الإسلامية، وهو شابّ في العشرينيّات من العمر، على يد مجموعة من السّلفيين الذين انتشر تيّارُهُم في محافظَتي الإسكندرية، والبحيرة، شمالَ مصر، أوائلَ ثمانينيّات القرن الماضي، حتّى جاء العام 1987، فحزم حقائبه متوجهاً إلى باكستان، ومنها إلى ساحات القتال في أفغانستان.

اقرأ أيضاً: من أسرار توحش الجهاز الأمني لتنظيم داعش

قبيل خروج القوات السّوفييتية من العاصمة "كابول" كانتْ قد دبّت خلافاتٌ منهجيّة بين عبدالرحمن وعدد من قادة ما أُطلق عليهم اسم "الأفغان العرب" إذ رأى العلي أنّ هناك مخالفات منهجية وعقدية، يرتكبها قادة الفصائل الأفغانية، من ذوي العقائد الأشعرية والصوفية، وعلى رأسهم قلب الدين حكمتيار، وعبد ربّ الرسول سياف، وبرهان الدين رباني، ويتغاضى عنها قادة الفصائل المحسوبة على "السلفية الجهادية" ومنهم أسامة بن لادن، وأيمن الظواهري، فضلاً عن أنّه لم يكنْ يرضه تعامل هؤلاء مع أجهزة مخابراتٍ تابعة لدول من المفترض أنّها "عدوّة للإسلام"، وفق اعتقاداته، وحاول التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن، حتّى أنّهُ منعَ الأخيرَ منْ دخول معسكر تدريب كان يديره في خالدان.

حاول عبدالرحمن العلي التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن

ما بين "المهاجر" و"الزرقاوي"

بعد خروج "الجهاديين العرب" من أفغانستان، نجح "العلي" بالبقاء في باكستان، فحصل على الدراسات العليا، واعتكف على دراسة العلوم الشرعية، وبعد سيطرة "طالبان" على غالبية الأراضي الأفغانية، انحاز رفقاء "العلي" القدامى إلى الحركة الصاعدة.

بعد الانتهاء من الكتاب كانَ أوّل من قام باستخدام محتواه لتبرير أفعاله هو الزرقاوي في عدد من خطبه ورسائله

عاد العلي الذي كنّاه رفاقه بـ "أبي عبدالله المهاجر" ليمارس دوره باعتباره منظّراً لتنظيم القاعدة في ثوبه الجديد، حتى أنّ صحيفة "ذا أتلانتك" اعتبرت أنّ هذا الشخص ترك أثراً كبيراً في تطور الفكر الجهادي في العقود الماضية، ومن الصعوبة بمكان التقليل من أهميته، ودونه لم يكن ليظهر تنظيم "داعش" ولا "القاعدة".

في هذه الأثناء، وصل "أبو مصعب الزرقاوي" الأراضي الأفغانية في هجرته الثانية لها، العام 1999 فتعرّف على "أبو عبدالله المهاجر" واتفقا في آرائهما تجاه حركة طالبان ومخالفات شيوخ القاعدة، فاتخذ "الزرقاوي" من "المهاجر" شيخاً ومرجعية له، بينما اتخذ مسافات بعيدة وفاصلة بينه وبين شيخه "أبو محمد المقدسي"

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي

بعدما دخل "الزرقاوي" العراق، قبيل غزو القوات الأمريكية لها، وشكّل تنظيم "التوحيد والجهاد" بدأ في استخدام العمليات الانتحارية بشكل واسع، ما أدّى إلى وقوع أعداد كبيرة من القتلى في صفوف المدنيّين، وبدأ في استخدام أسلوب الذبح أمام الكاميرا، ما أثار اعتراضات عدد من شيوخ القاعدة، ومن هنا احتاج "الزرقاوي" إلى تغطية أفعاله فلجأ إلى "المهاجر" لشرعنة أفعاله الوحشية.

أبو مصعب الزرقاوي

شرعنة التوحش

بدأ "المهاجر" في كتابة موسوعة حول "أحكام الجهاد" إلا أنّه لم ينهِها، فأخرج البابَ الثّاني منها وهي المسائل المتعلقة بـ "أحكام الدماء" ليصبح كتاباً مستقلاً، ويقول في مقدمته: "غير أنّ مَنْ لا يسعني إلا المسارعة لامتثال أمره، قد رغبَ في إخراج هذا الجزء مفرداً، ريثما يمنّ الله علينا بإكمال الأصل، كما منَّ علينا بإكمال هذا الجزء"

بعدما دخل الزرقاوي العراق وشكّل تنظيم "التوحيد والجهاد" بدأ في استخدام العمليات الانتحارية بشكل واسع

بعد الانتهاء من الكتاب، كانَ أوّل من قام باستخدام محتواهُ لتبرير أفعاله هو "الزرقاوي" في عدد من خطبه ورسائله، حتى أنّ رفيق الزرقاوي "ميسرة الغريب" في شهادة له تداولتها المواقع المحسوبة على "القاعدة" كشف عن أنّ أبي مصعب  حاول إقناع المهاجر بالقدوم إلى العراق ليتولى اللجنة الشرعية التي أعلن عن تأسيسها، وعندما فشل في إقناع المهاجر قرّر استخدام كتابين من كتبه بصفتهما مقررين رئيسيين في معسكرات التدريب في العراق، ويشار لأحدهما باسم كتاب "فقه الدماء" وهي التسمية التي نالت شهرة في الأوساط التنظيمية.

عن هذه الكتاب نشر موقع "ذا أتلانتك" مقالاً، أعدّه كلٌّ من تشارلي وينتر وعبدالله السعود، تحت عنوان "موت منظّر تنظيم الدولة" يبدأ الكاتبان مقالهما، الذي ترجمته "عربي21"، بالقول إنه "في العام الماضي، نشر تنظيم الدولة شريطاً للتدريب، الذي يُعدّ جزءاً من سلسلة صُوّرتْ في العراق، وبمشاهد لتمارين مشي وتصويب وكراتيه، ولولا المشهدُ الذي التقط في قاعة مدرسية، حيث يقوم مدرّب بعرض المقرر الأيديولوجي الواجب على المجندين تعلّمه، وأثناء تقديمه سلسلة من الموضوعات الشرعية الجهادية، يمكن للمشاهد رؤية مخطوطة سميكة موضوعة على كل مقعد من المقاعد العشرين في القاعة، ومع أنّه لا أحدَ خارج الدوائر الجهادية يعرف ماهية هذه المخطوطةـ إلا أنّها تُعدّ مُهمّة لتنظيم الدولة، كونها كتاباً عقدياً يُستخدم لتبرير الأعمال الشنيعة التي يرتكبها التنظيم".

 

ينوّه المقالُ إلى أنّه "في الوقت الذي لم يرفض فيه الأستاذ السابق للزرقاوي، أبو محمد المقدسي جواز العمليات الانتحارية، إلا أنّه عبر عن قلقه من (فتح الباب مشرعاً) لهذا الأسلوب، وبالمقابل يتعامل المهاجر مع هذا الحذر دون اهتمام، وكان نقاش المهاجر مقنعاً بدرجة جعلت الزرقاوي، كما اعترف، يغيّر رأيه، وكان يؤمن بعدم جواز العمليات الانتحارية، وتحدث عن تأثير المهاجر عليه، بصفته سبباً دفعه لتبنّي التكتيكات بشكل كامل في العراق، بداية العقد الأول من القرن العشرين، وكانت مرحلة أدّتْ إلى أسوأ أعمال عنف طائفي في حرب العراق، واختار تنظيم الدولة أنْ يبدأ مقدمة كتاب "فقه الدماء" بمقتطفات من خطاب الزرقاوي، في ردّ على أستاذه السابق، المقدسي".

حاول المهاجر التعبئة ضدّ حركة طالبان وبن لادن حتّى أنّهُ منعَ الأخيرَ من دخول معسكر تدريب كان يديره في خالدان

وينقل الكاتبان عن الزرقاوي، قوله: "عندما أُفرج عنّي من السجن، وذهبتُ إلى أفغانستان مرة أخرى، والتقيت بالشيخ أبي عبد الله المهاجر، واستمرّ النقاش بيننا حول حكم العمليات الاستشهادية، وكان الشيخ مع رأي جوازها، وقرأتُ أبحاثه المهمّة حول هذا الموضوع، واستمعت للكثير من تسجيلاته، فتح الله قلبي في النهاية لرأيه، ولم أعد أرها حلالاً فقط، بل مرغوب فيها".

ويذكر الكاتبان أنّه "منذ بداية التغيير في الموقف لم ينظُر الزّرقاوي ولا أتباعه إلى الوراء، واستخدموا بطريقة موسّعة أعمال المهاجر لتبرير أساليبهم التكتيكية في العمليات الانتحارية، التي أصبحت أهم وسيلة عسكرية إرهابية- دفاعية، أو هجومية- متوفرة لدى تنظيم الدولة اليوم".

اقرأ أيضاً: عندما تختار المنظمات الإرهابية السياسة بديلاً

ويتساءل الكاتبان: "كيف برّر المهاجر نظرياً هذه العمليات؟"، ويقولان إنها "كانت سهلة، حيثُ قدّم المبرّر الدينيّ بشكلٍ يسمحُ لمن يرغبُ في تجنّب المبادئ القرآنية التي تُحرّم قتلَ النّفس، وبنى تبريره على "أهداف ونيّة" الهجمات، فمن ينوي قتلَ نفسِهِ لينهي آلامه فإنّ عمله حرام؛ لأنّ هذا الشّخص جاهل برحمة الله، عز وجل، لكنْ إن كان قتل النفس للحفاظ على الدّين والدفاع عنه، فإنّ هذا الفعل يعدّ مشرّفاً".

ويذهب المقال إلى أنّ "كلام المهاجر ليس جديداً، فهناك الكثير من العلماء قبله قدّموا الرأي ذاته حول العمليات الانتحارية وجوازها، وقال عددٌ منهم إنّ الهجمات الانتحارية تصبح جائزة لو كانت نية المهاجم صحيحة، مشيرين إلى أنّ الهجوم هو الخيار الوحيد في وضع الحرب، وأنّ العمليات الانتحارية ستترك منافع للمجتمع المسلم، وبالنسبة للمهاجر فقد خفّض من سقف "المنافع" حيثُ يرى أنّ الهجمات ليستْ في حاجة لأن تسفر عنها نتائج تؤثر في مسار الحرب لتعدّ جائزة، فما يجبُ توفّرهُ بالمهاجم هو السّبب الصحيح ليدفعه إلى الموت، ولا يحتاج الأمر إلى ذكاء كي يفهم أنّ المرونةَ في أعماله تلعبُ لصالح تنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة".

كتاب "فقه الجهاد" والذي يعد المرجعية الفقهية لأبي مصعب الزرقاوي

الوحشية المرعبة والدمار الشامل

يحتوي كتاب المهاجر على عشرين مسألة من مسائل الدّماء والقتل المرعبة والرهيبة، فهو يبدأ مِنْ تعريف "دار الحرب" بأنها الدّار التي تعلو فيها أحكام الكفر، ومن ثم فإنّ جميع الدول ما عدا المناطق التي يسيطر عليها التنظيم، خاضعة لذلك الوصف؛ لأنها لا تطبّق الشريعة الإسلامية "وفق مفهوم التنظيم".

اقرأ أيضاً: القرن الإفريقي.. حاضنة "داعش" و"القاعدة" الجديدة

ويقسّم "المهاجر" من يقيمون في "دار الكفر" بين مسلمين ومرتدّين وأهل ذمّة ومشركين، ولكلّ أحكامه. وينزع العِصمة في الدّماء والأموال عن غير المسلمين في هذه الدار، فكلّ من ليس مسلماً حقيقياً موالياً، فهو إمّا مرتدّ أو كافر. ويرفض منحهم الأمان إلاّ بعهد من "الدولة الإسلامية". وعند ذلك، فالجميع من غير المؤمنين بهذا الخطاب، يقع في دائرة استباحة الدّم والمال وغير ذلك من قتل وأسر واغتيال.

يحتوي كتاب المهاجر على عشرين مسألة من مسائل الدّماء والقتل فهو يبدأ من تعريف "دار الحرب" بأنها الدّار التي تعلو فيها أحكام الكفر

ينحو الكتاب منحىً خطيراً؛ إذْ يصل إلى نتائج فقهية متوحشة، وبالرغم من عدم استحلال دماء وأموال النساء والأطفال الكفار، إلاّ أنّ الكتاب يضع قيوداً متعدّدة تجعلُ ذلك مقبولاً في حالات عدة. ولا يضع خطوطاً فاصلةً بين ما هو مدنيّ وعسكريّ، فالإسلام، وفق الكاتب: "لا يفرّق بين مدني وعسكري، بل بين مسلم وكافر، فالمسلمُ معصومُ الدّم أيّاً كان عملهُ ومحلّه، والكافر مباحُ الدّم أيّاً كان عملهُ ومحلّه".

تترقرق الدّماء من بين دفتي الكتاب، فالقتلُ متوفّر وسائغ في صور متنوعة "قتل، اغتصاب، ذبح، تمثيل بالقتلى" حتّى يصلَ إلى إباحة استخدام الأسلحة المحرّمة دولياً، مثل أسلحة الدمار الشامل، والتفجيرات التي تؤدي إلى قتل أطفال ومدنيين، وقتل من يُشكّ في أنّه جاسوس من المسلمين، إلى غير ذلك من أحكام وفتاوى.

اللافت؛ أنّ وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون" أعلنتْ عن مقتل أبي عبدالله المهاجر، مؤلف هذا الكتاب؛ حيث استهدفته طائرة أمريكية في نقطة من شمال شرق سوريا، إلا المهاجر عندما قتل لم يكن عنصراً في تنظيم الدولة، ولكنْ كان في "جبهة فتح الشام" أو "جبهة النصرة" سابقاً.

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: