هكذا تقف الحركة النسوية في إيران بوجه نظام الملالي

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
1174
عدد القراءات

2018-11-07

كلّ من تجوّل في شوارع الطبقة الوسطى، أو الأحياء الثرية في المدن الإيرانية الكبرى، مثل: طهران، أو أصفهان، أو تبريز، عام 2018، من الشائع جداً أنه قد رأى نساء محجّبات بحجاب ذي ألوان متلألئة، يضعنه بطريقة أقلّ صرامة وبشكل غير جدّي؛ بل من الممكن أن نرى في منتزهات شمال طهران، في المناطق الطبيعية، أو في السيارات على الطريق السريع، نساء قرّرن إزالة النقاب في الفضاء العام، وأخيراً؛ فإنّ التفاعلات بين الرجال والنساء في الشارع، رغم كونها قصصية مقارنة بما يحدث في أوروبا، أصبحت أكثر تواتراً. وهكذا، رغم التشريع الوحشي حول هذا الموضوع، فإنّ بعض النساء الإيرانيات ينتقصن عمداً من الأمر الذي تمّ إنشاؤه منذ قرابة 40 عاماً.

تغيير اجتماعي أكثر شمولية

لم يكن من الممكن التفكير في مثل هذه المشاهد خلال العقد الذي أعقب الثورة الإسلامية، عام 1979؛ حيث كان قانون الشريعة لا يلين، فهذا التيسير النسبي الأخير، سيما فيما يتعلق بمسألة الحجاب، يُظهر تغييراً اجتماعياً أكثر شمولية في إيران.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: ما الجديد؟

في الواقع؛ تشهد البلاد تطوراً لحركة النسوية، واسع النطاق، والأحداث الأخيرة في هذا الصيف، بشأن القضايا الاقتصادية، مثل التضخم الجامح، أو المياه، كانت مسرحاً لمطالبات نسوية.

في هذا المقال؛ سنحاول تأصيل قضية النسوية في إيران، من خلال وصف دستور القانون التشريعي القمعي أثناء الحرب الإيرانية العراقية، ثم سنقوم بتحليل خصائص الحركة النسوية الحالية في إيران، من خلال التركيز على مسألة الحجاب، أخيراً؛ سندرس ردّ الحكومة على هذا التطلع المجتمعي النسوي، والمناقشات المحتملة التي قد يولّدها هذا الطموح.

إن التغير في إيران مدفوع من قبل النساء اللواتي حاربن لإلغاء ارتداء الحجاب الإلزامي

الحرب العراقية الإيرانية، مصدر قوانين قتل حريات المرأة

شهدت الأعوام الأولى، بعد استيلاء آية الله الخميني على السلطة، في شباط (فبراير) 1979، في طهران، تغييراً كاملاً في القوانين التي تحكم الأعراف في إيران، خاصة بالنسبة إلى النساء، وقد تمّ تعليق مدوّنة "الأسرة"، التي أقامها بهلوي، وكان هذا القانون يضمن عدداً من حقوق المرأة (الطلاق، تحديد تعدّد الزوجات، حضانة الأطفال)، في هذا الشأن؛ يُصوّر فيلم "برسيبوليس"(Persépolis) (1)، لـِ مُرجان ساترابي، طهران التي أعقبت استيلاء حزب الملالي الشيعي على السلطة، الذي لعبت فيه الميليشيات العسكرية الدينية، التابعة لحرس الثورة، دورَ حارس الآداب والأخلاق الحميدة، إنّ الاعتقالات العنيفة شائعة لإجبار النساء على ارتداء غطاء الرأس، وعلى "التصرّف باحترام" تجاه الدين.

 

 

حرب الخميني ذريعة لخنق الحريات

نُقل عن آية الله الخميني قوله، عن الصراع بين إيران والعراق، بين عامَي 1980 و1988، الذي أودى بحياة 500 ألف شخص على الجانب الإيراني: "الحرب نعمة"، في الواقع؛ أتاحت الحرب ضدّ العراق لجمهورية إيران الإسلامية، توحيد السكان ضدّ العدو الخارجي من خلال "تأثير فالمي" (effet Valmy)، وفق بيار رازو (Pierre Razoux)، فاستناداً إلى أسطورة الاستشهاد الشيعي، يقول رازو: إنّ "روح المقاومة قوية، لا سيما أنّها تقوم على وعي ثوري حقيقي، يُحيي الكبرياء الوطنية، ويشيطن كلّ تدخل أجنبي"(2)، موضوع الوطن المعرّض للخطر؛ أتاح لآية الله الخميني وضع قوانين خانقة للحريات في إيران، خاصة حرية النساء، دون مقاومة داخلية.

شهادة بني صدر على قمع الحريات

بني صدر، أوّل رئيس للجمهورية الإسلامية، حاول معارضة الاستيلاء التام على السلطة من قبل الحرس الثوري، ما أدّى إلى تعرّضه للنّفي القسري، ومن فرنسا؛ يشهد هذا العضو السابق في عائلة الخميني، على خبرته القصيرة في السلطة(3)، يشرح بني صدر؛ أنّ الجيوش الوطنية قد تمّ حشدها على الحدود الغربية لإيران ضدّ العراق، في حين كانت الميليشيات الدينية، التابعة للملالي، تمارس قمعاً شديداً في المدن الكبرى للبلاد.

اقرأ أيضاً: الإيرانية في يوم المرأة: محاصرة وضرب واعتقال

خلال هذا العقد من الحرب ضدّ صدام حسين، إذاً، تمّ بالفعل تطبيق قانون صارم بحقّ النساء؛ فقد تضاعفت القوانين الخانقة لحريات المرأة هناك: تنظيم اللباس، والحاجة إلى إذن من الأب، أو الزوج، للحصول على شقة، وحظر ممارسة مهنة القاضي، والرجم في حالة الزنا، في حين لا يتعرّض الزوج إلا للقليل من العقوبات، وفي العدالة؛ تعادل شهادة رجل واحد شهادة امرأتين، ما يزال هذا القانون ساري المفعول، إلا أنه لا يمكن أن يستجيب لتطوّرٍ اجتماعي؛ حديث في إيران يعتمد على تقاليد أقدم بكثير من الجمهورية الإسلامية.

أبو الحسن بني صدر أول رئيس لإيران بعد الثورة الإيرانية

حركة نسوية حديثة وتعبئة ضدّ ارتداء الحجاب

يجب القول: إنه في إيران، لم يعد الاختلال ببعض القوانين من قبل النساء يعاقَب عليه، كما كان الأمر قبل ثلاثين عاماً، رغم أنّ الوضع القانوني لم يتغير؛ فالحرس الثوري، الذي ما يزال يجوب الشوارع بثياب مدنية، لم يعد لديه سيطرة كبيرة على السكان، كما كان من قبل، ولم يعد يتدخل كثيراً كما كان من قبل، وهذا التغيير المجتمعي في إيران مدفوع، إلى حدّ كبير، من قبل النساء اللواتي جعلن من إلغاء ارتداء الحجاب الإلزامي معركتهنّ الأساسية، وقد أضحى هذا التبلور في مسألة المساواة بين الجنسين في إيران، حول موضوع الحجاب، رمزاً قوياً، وكما حدث أثناء الثورة الخضراء، عام 2009، كانت الاحتجاجات التي جرت في الشتاء الماضي، ضدّ الإجراء الاقتصادي للحكومة، بمثابة أرضية خصبة للمطالب الاجتماعية.

في 27 كانون الأول 2017 نصبت فيدا موبينيد وهي خريجة جامعة "أميركابير" المرموقة في طهران نفسها رائدة لحركة وطنية ضدّ ارتداء الحجاب

في 27 كانون الأول (ديسمبر) 2017، نصبت فيدا موبينيد، وهي خريجة جامعة أميركابير المرموقة في طهران، نفسها رائدة لحركة وطنية ضدّ ارتداء الحجاب؛ فعند تقاطع شارعَي تِلغاني وانجلاب، في قلب العاصمة الإيرانية النابض، أزالت حجابها الأبيض، بينما كانت تقف بشكل بارز أمام خزانة كهربائية، وألقِي القبض عليها بسبب هذا الفعل، ومنذ ذلك الحين، أزالت مئات النساء حجابهن في الأماكن العامة، كما هو الحال في مترو طهران، للمطالبة بإلغاء القانون المتعلق بالحجاب الإلزامي.

الفكرة؛ هي تصوير ردّ فعل السكان في الفضاء العام، لإظهار أنّ الحركة المضادة للحجاب تلقى إجماعاً اجتماعياً حقيقياً، وأما ما يثير الاهتمام فعلاً؛ فهي ردود فعل الإيرانيين، رجالاً ونساء، الذين غالباً ما يؤيدون مطالب الحركة النسوية، أما الشبكات الاجتماعية؛ فهي منصات اختيار لبثّ مقاطع فيديو موجّهة للإيرانيين، لكن أيضاً للغربيين، فعلى سبيل المثال؛ أعادت رابطة (My Stealthy Freedom)، على فيسبوك، نشر وإرسال مقاطع الفيديو التي التقِطت في إيران، عن طريق وضع ترجمة باللغة الإنجليزية عليها، فمسألة الحجاب هذه تندرج مرة أخرى في سياق نضال سياسي ذي طابع نسوي أقوى وأشمل.

غالباً ما يؤيد الإيرانيون رجالاً ونساء مطالب الحركة النسوية

موقف الحكومة الايرانية

في حين يبدو موقف الحكومة الإيرانية وقد تمّ تحريره، إلى حدٍّ ما، فيما يتعلق بتطور الأعراف الاجتماعية الإيرانية، إلا أنه ما يزال حازماً وصارماً في القضية المرتبطة بالحركة النسوية، وبالفعل؛ فإنّ عشرات النساء اللواتي شاركن في حركة مناهضة الحجاب، يقبعن الآن في السجون، بسبب عدم ارتدائهن لباساً يلبي متطلبات الجمهورية الإسلامية، آخرُ محامية وناشطة في مجال حقوق الإنسان، نسرين سوتودة، محتجزةٌ منذ حزيران (يونيو) 2018؛ بسبب دفاعها عن الشابات اللواتي خلعن حجابهن، احتجاجاً. وبوصفها من دعاة السلام؛ قامت نسرين سوتوده بإضراب عن الطعام، في 25 آب (أغسطس) الماضي، وتشعر بعض المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة العفو الدولية، بالقلق بشأن حالتها الصحية، وتحتج نسرين سوتوده ضدّ حبسها التعسفي، ومضايقة عائلتها؛ فقد سُجن زوجها، في 4 أيلول (سبتمبر)، بسبب تصريحاته القلقة على الشبكات الاجتماعية، المتعلقة باحترام حقوق الإنسان في إيران.

المحامية نسرين سوتودة تم احتجازها لدفاعها عن اللواتي خلعن حجابهن

يوسف صانعي يدعم قضية المرأة

إلا أنّه، منذ عام 1979؛ طفت على السطح مناقشات حول النسوية بين أقلية من النساء، وابتداءً من العام الجاري، طرحت المجلة الفرنسية المخصصة للنساء "Femme actuelle"، تساؤلاً حول أساس حظر مهنة القاضي على النساء، أو الآثار السلبية لتعدّد الزوجات على ميزان الزواج.

موضوع الوطن المعرّض للخطر أتاح لآية الله الخميني وضع قوانين خانقة للحريات في إيران، خاصة حرية النساء، دون مقاومة داخلية

قبل ثورة 1979؛ مُنحت مكاسب قانونية للنساء، اللواتي كنّ سلبيات بشكل كبير في العملية السياسية، ويكمن التقدم النسوي الحقيقي الآن؛ في كون أنّ المطالب والنضال النسوي ينبعان هذه المرة من النساء أنفسهنّ، مما يجعل من الممكن الاعتقاد بأنّ المكاسب الاجتماعية، هذه المرة، ستكون دائمة، ومع ذلك؛ تحتاج المرأة إلى دعم من رجال الدين، للوصول إلى نطاق واسع من التعبير في ظلّ الجمهورية الإسلامية، وأشهر هؤلاء الرجال: آية الله يوسف صانعي(4)، رئيس مجلس صيانة الدستور بين عامي 1980 و1983، الذي يعدّ واحداً من الناطقين باسم لزوم الديمقراطية في المجتمع الإيراني.

يؤكد يوسف صانعي، على سبيل المثال، أنّ المرأة يمكن أن تصبح مرجعاً ((Marj؛ أي مصدر التقليد، وهي أعلى سلطة قانونية للشيعة الإثني عشرية، وهكذا؛ فإنّ المبادئ الإسلامية التي لم توضع شرعيتها قطً موضعَ شكّ في ظلّ الشاه، يمكن أن تكون موضوعاً للنقاش الحقيقي في الدوائر الإسلامية للجمهورية، لكن في عام 2010؛ أصدرت الجمعية اللاهوتية لقرّاء قُمْ (Qom) قراراً؛ بأنّ يوسف صانعي(5)، لا يمكن أن يُعدّ مصدر إلهام، وقد انتقد العديدُ من رجال الدين، الأرثوذكس والتقليديين، هذا الاستبعاد، الذي ينظرون إليه على أنه عقوبةٌ حكومية ضدّ المواقف الليبرالية للزعيم الديني.

يعد يوسف صانعي واحداً من الناطقين باسم لزوم الديمقراطية في إيران

الحجاب يوسّع الفجوة بين الشعب والسلطة

وهكذا؛ رغم الحركة المجتمعية العميقة التي تحشد شعبها؛ فإنّ آية الله خامنئي يحتفظ بمسار محافظ حول قضية مسألة النسوية، ويمكن تفسير مثل ردّ الفعل هذا بضرورة إظهار سلطة قوية أمام الإيرانيين، في سياق الأحداث الاقتصادية والعقوبات الأمريكية، لكن من المرجح أن يؤدي هذا الموقف إلى توسيع الفجوة التي تفصل السلطة عن سكانها، ومسألة الحجاب توضح وترسخ المعارضة بين الشعب الإيراني وحكومته، وهي المعارضة التي تتأكد في العديد من القضايا الملحّة الساخنة؛ مثل تمويل إيران لحزب الله، فهذا التباين بين وجهات نظر الحكام والمحكومين، غالباً ما لا تُقدرّه وسائل الإعلام الغربية، التي غالباً ما تعزو للشعب الإيراني نوايا لا يملكها.


المصدر: lesclesdumoyenorient

الهوامش:

(1) Pierre Razoux, La Guerre Iran-Irak : Première guerre du Golfe 1980-1988, Paris, Perrin, 2013, page 134.
(2) Bani Sadr, Le complot des Ayatollahs, Paris, La Découverte, 1989.

(3) برسيبوليس(Persépolis) : فيلم مقتبس من رواية صدرت باللغة الفرنسية، تحوي السيرة الذاتية لمؤلفتها الإيرانية مرجان ساترابي، تروي حياتها في إيران وأوروبا، أثناء الثورة الإسلامية وبعدها، ويشير عنوان الرواية إلى المدينة التاريخية برسيبوليس في إيران.

(4) يوسف صانعي: من مواليد تشرين الأول (أكتوبر) 1937، وهو مرجع التقليد، وسياسي إيراني، ورئيس مجلس حراس دستور جمهورية إيران الإسلامية، بين عامي 1980 و1983.

اقرأ المزيد...

الوسوم: