المتطرفون العائدون من مناطق التوتر إلى الخليج.. ما حجم خطرهم؟

2646
عدد القراءات

2019-01-03

مع الحديث المتواصل، عن وضع حلول سياسية أو عسكرية للأزمة السورية، وتفكيك داعش بالعراق، وما آلت إليه الأزمة الليبية، تختلف الرؤى حول مواجهة العائدين، بين بعض الدول المعنية مع تلك التنظيمات، ويُطرح السؤالان التاليان:

(1) كيف ستتعامل المنطقة مع العائدين من سوريا والعراق؟

(2) ما تأثير ظاهرة العائدين على الاستقرار في الخليج العربي، من ناحية الحالة الاجتماعية، والإستراتيجيات، والعمليات، والتنظيمات؟.

يندرج العائدون تحت عدة فئات، يعرض كل منها مستوى مختلفاً

العائدون.. من هم؟

يندرج قتال من ذهبوا إلى جبهات التوتر، بدءاً من أفغانستان والشيشان، وصولاً إلى البوسنة.. إلخ، تحت إستراتيجية المقاتلين المحليين، الذين يقاتلون بعقلية عالمية، لكنهم في حال انتهى التوتر عادوا بنفس الإستراتيجية القديمة، وهي القتال المحلي وبعقلية محلية تريد أنْ تصل للسلطة عن طريق العنف المسلّح، وهم من يطلَقُ عليهم "العائدون".

48 % من الذين قاتلوا في صفوف داعش لا يزالون متمسكين بأفكار التنظيم بعد عودتهم

يندرج العائدون، بشكل عام، تحت عدة فئات، يعرض كل منها مستوى مختلفاً، فلدينا أولاً، أولئك الذين انسحبوا في وقت مبكر أو ظلوا لمدة قصيرة فقط، ولم يندمجوا بشكل كبير. وثانياً، هناك أولئك الذين ظلوا لفترة أطول، لكنّهم لم يوافقوا على كل ما تقوم به هذه التنظيمات. والفئة الثالثة هم أولئك الذين ليست لديهم أية شكوك حول دور أو تكتيك هذه التنظيمات؛ وإستراتيجيتها، لكنّهم قرروا العودة عقب انهزام التنظيم، الذي ينتمون إليه؛ حيث يتحولون إلى كامنين، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أقسام:

الأول: من عاد وهو يحمل أفكار التنظيم ويتواصل معه.

الثاني: من ترك التنظيم ولم يترك الفكر.

الثالث: من ترك الفكر والتنظيم معاً.

اقرأ أيضاً: المقاتلون "العائدون".. هل يحتاج المصطلح لإعادة تعريف؟

تشير دراسة ألمانية، أُجريت على العائدين من سورية ونشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إلى أنّ 48 في المئة من الذين قاتلوا في صفوف "داعش" لا يزالون متمسكين بأفكار التنظيم بعد عودتهم، على الرغم من برامج إعادة التأهيل والإدماج، ربما لشعورهم المتنامي بالإحباط بعد فشل مشروع إقامة "الدولة الإسلامية" الذي زحفوا وقاتلوا من أجل تحقيقه، علاوةً على العزلة التي يتعرضون لها بعد عودتهم، إما بسبب توجس الناس منهم، أو نتيجة عدم استيعابهم الفارق الشاسع بين نمط الحياة الذي عايشوه في معاقل التنظيمات الجهادية التكفيرية، وأجواء الاستقرار النسبي والحياة الطبيعية في بلدانهم الأصلية، فيما يتوقع أن يفضي صدامهم المرتقب مع الأجهزة الأمنية، في بلدانهم الأصلية، إلى تغليب ميلهم لمواصلة العنف على إمكان تأهيلهم وإعادة إدماجهم، وهناك عمليات إرهابية عدة نفّذها مواطنون ومقيمون أو لاجئون ومهاجرون غير شرعيين سبق لهم الانضواء تحت لواء "داعش" وأخواته، في بؤر التوتر، أو تواصلوا معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

شعور متنامٍ بالإحباط بعد فشل إقامة "الدولة الإسلامية" الذي قاتلوا من أجله

العائدون والخليج.. أين الخطر؟

تشير مجموعة "صوفان جروب" للأبحاث، وهو مركز أبحاث يتخصص في المشاكل الأمنية، إلى أنّ نحو 1200 سعودي انضمّوا إلى المعارك الدائرة في سوريا والعراق، من ضمن نحو 11 ألف مقاتل أجنبي، ينتمون لنحو 70 دولة، الامر الذي قد يشكل خطراً كبيراً على أمن دول مجلس التعاون في حالة عودة هـؤلاء الى بلدانهم.

تشير مجموعة "صوفان جروب" للأبحاث إلى أنّ نحو 1200 سعودي انضمّوا إلى المعارك الدائرة بسوريا والعراق

حتى عام 2011 كان هناك 300 متطرف، من جميع الدول العربية، ينتمون للقاعدة كجوالين، والآن بعد (الفرصة غير المسبوقة) التى تحدث عنها الظواهري، أصبح للمملكة وحدها أكثر من 1000 عنصر، وكل هؤلاء سيتحولون من الملاذات الآمنة في العرق وسوريا وليبيا، وغيرها، إلى ملاذات مؤقتة، ينتقلون منها للمحطة الأخيرة، وهى الداخل.

بحسب تقرير من "صوفان جروب"، فهناك أزمة ستحدث في آسيا، بسبب من يقاتلون مع داعش حيث يتوقّع بأنهم سيعودون للداخل.

سيستغل العائدون أية حالة لفقدان السيطرة الأمنية في أية منطقة، ومنها على سبيل المثال اليمن، لاستثمار الطائفية هناك، ورفع رايات الطائفية ستكون هدفاً جهادياً جديداً، سيفتح جبهات أخرى للصراع.

اقرأ أيضاً: إحصائية رسمية.. كم عدد الداعشيين العائدين إلى فرنسا؟

هناك مناطق أكثر جاذبية للجماعات الجهادية، الآن، مثل إفريقيا، وتحديداً ليبيا وتونس، ونيجيريا، والصحراء الإفريقية، ولعلّها هي الأقرب لعودة هؤلاء المسلحين للعمل فيها، حيث سيعود (السريون)، وهم الذين ليست لهم ملفات لدى الأمن، للتواصل مع خلايا وشبكات إسناد التنظيمات، وبعض القواعد في الداخل.

من السيناريوهات المتوقعة هي التفجيرات

بروز الذئاب المنفردة

على سبيل الإستراتيجيات: سنكون أمام نشوء جماعات (سرية – وقُطرية – وهرَمية)، وجبهات مفتوحة وجبهات مغلقة، كما ستعود الذئاب المنفردة للعمل بقوة، وسنشهد خلايا كامنة في أوروبا وأمريكا.

اقرأ أيضاً: بلجيكا.. معضلة التعامل مع مقاتلي داعش العائدين

من السيناريوهات المتوقعة هي التفجيرات، والتي يتم التحضير لها سراً، كما حدث من جماعة (خراسان) التي استهدفتها الطائرات الأمريكية بالقصف في حلب، وتفجيرات 2005 في لندن، وهو سيناريو الإعداد لعمليات تتطلب مهارات تدريبية خاصة، مثل صناعة المتفجرات، وهجمات منخفضة المستوى والتي تتم بجهود فردية، يمكن أن يقوم بها المتأثرون .

الانزواء النشط

على سبيل الأفكار والرموز، فهناك شخصيات من العائدين لن يكرروا ما فعلوه، فهؤلاء كان لديهم الحماس الشديدة للانخراط في القتال "دفاعاً عن الدين" لكنهم اكتشفوا بعد ذلك مدى بشاعة القتال، وقرروا عدم تكرار ما فعلوه مرة أخرى، وهذا النمط لا يمثل خطورة.

سيستغل العائدون أية حالة لفقدان السيطرة الأمنية في أية منطقة، ومنها على سبيل المثال اليمن، لاستثمار الطائفية هناك

أمّا النمط الثاني: فهو "الانزواء النشط"، وهؤلاء لا يقتصرون فقط على الانزواء والندم، لكنهم يحاولون منع ذويهم من الانضمام لتلك المجموعات. في حين يشمل النمط الثالث، السياح العابرين للقارات، وهؤلاء يحملون في البداية أفكاراً مثالية عن القتال، ثم يصطدمون بالأمر الواقع، ولكنهم يحاولون خداع الآخرين بنشر أفكار عن "عظمة" الجهاد عند عودتهم إلى ديارهم، وهذا النمط يشكل خطورة. أما النمط الأخطر، فهم المكلفون بالعودة لبلدانهم، لتشكيل مجموعات وخلايا جديدة، وهم في ذات الوقت ليس لديهم ملفات أمنية.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحذر: نساء وأطفال داعش العائدون خطيرون

من المؤكد أنّ طبيعة العائدين، ستتوقف على مدى استمرار الدعم لهم، وعلى مدى إمكانية أنْ تشكل سوريا ملاذاً آمنا لهم في حال أيّ اتفاق، أما إذا تمّ الاحتياج لهم في إشعال صراعات أخرى، فإنه من المرجح أن ينخرطوا في صراعات طائفية، وهذا هو المتوقع، من خلال فتح جبهات للصراع مع مجموعات طائفية في الداخل السوري أو قد تدخل في صراعات إقليمية في حال ازدياد الانخراط الإيراني في الشأن الداخلي السوري والوجود الأرضي المباشر.

اقرأ أيضاً: الجزائر تحذّر من مقاتلي داعش العائدين إلى البلاد

الخليج، بلا شك، سيواجه مشكلة كبيرة في ذلك، وقد نقلت صحيفة "لوس أنجلوس تايم" عن المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي فى لندن أنّ هناك المئات في "داعش"، استغلوا ظروف الاضطرابات التى انتابت بعض الدول وعادوا لبلدانهم كأعضاء كآمنين، وبصرف النظر عن هذه الأعداد، وتقديرها، إلا أنهم يشكلون خطراً كبيراً على المنطقة.

يحملون في البداية أفكاراً مثالية عن القتال، ثم يصطدمون بالأمر الواقع

بناء السرايا الصغيرة

إذا فقدت داعش والقاعدة أماكن الجبهات المفتوحة فلن يعود لديها من سبيل سوى اعتماد إستراتيجية "بناء السرايا الصغيرة" ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها، والعمل بصورة منفردة حتى بعيداً عن الأمير المؤسس لها، وهذا هو المحور الأهم في عقلية الجهاديين الإستراتيجية.

توسيع ساحة المواجهة

توسيع ساحة المواجهة، هو أخطر ما يمكن تصوّره؛ لأنها ستجعل بلدان العالم الإسلامي مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب على ذلك من كوارث، كما أنها أسقطت نظرية مصر أولاً أو فلسطين أولاً أو أفغانستان أولاً من فكر التيارات الجهادية، وأحلّتْ فكرة ساحة المواجهة أولاً، أو فكرة الحفاظ على التماس مع العدو، وهي فكرة فعلتها القاعدة في وثيقتها الإستراتيجية لخطتها النظرية التى كانت مدتها 20 عاماً، إذ تبدأ بتوريط أمريكا في حرب مفتوحة مع الجماعات المسلحة، والمسماة الإفاقة، وتنتهى بإقامة دولة الخلافة.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هي إستراتيجية أم تكتيك؟

إنّ خلق الفوضى ومساحات شاسعة للتحرك، هو المرحلة الأخطر التي تمر بها الأمة، وفق ما كتبه منظرو القاعدة، وفي هذا الصدد أصدر بن لادن من قبلُ فتوى بضرب واستهداف المؤسسات النفطية، لخلق فوضى عالمية عارمة وللحيلولة دون استفادة الدول من عائداتها، من أجل صناعة مساحات شاسعة للتحرك حتى لا يتم التمكن من محاصرة التنظيم، ممّا يعني أنّ المواجهة القادمة بين التيار الجهادي السلفي ونموذجه الداعشي أو القاعدي، سيطال دولا وشعوباً لطالما اعتبرت نفسها بعيدة عن ساحة الصراع المباشر، أو أنها اكتفت بمواقف سياسية أو أيديولوجية أو تقديم دعم مالي.

خلق الفوضى ومساحات شاسعة للتحرك، هو المرحلة الأخطر

العودة للقتال المحلي

من قرأ ما كتبه أبو بصير الطرطوسي، الشيخ الروحي للجهاديين، ونقده للظواهري، يلمس أنّ القاعدة المعولمة انتهت، وأنّ الصعيدين الأيديولوجي والواقعي يؤكدان ذلك، حيث إنّ الأيديولوجيا الملتبسة التي تم تأسيس التنظيم عليها، وهي الحرب الشاملة للعالم، جعلها تتحرك في مساحة رمادية، بين المحلي والعالمي، أو بين قتال العدو البعيد والقريب، وجاءت الظروف الواقعية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، لتحسم لدى بعض الفصائل خيارات أخرى، وكان هذا أشبه بعملية تفجّر داخلي للانشقاقات داخل التنظيم .

اقرأ أيضاً: إرهاب الذئاب المنفردة لدي سيمون: صرخة إنذار

تمثلتْ معضلة القاعدة الأولى، بأنها ليست جماعة واحدة، بل مجموعة من الجماعات، يمكن أن نصنفها كالتالي؛ جماعات حليفة (متحالفة مع التنظيم فقط)، وجماعات شريكة (متشاركة معه في الأهداف) وجماعات متماهية (أصبحت في صلب النواة للتنظيم).

يقول الطرطوسي: لو عزم الشيخ على إزالة العقبة (الكأداء)، وهي ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة، وبإستراتيجيتها، التي لا تناسب قط جهاد وتطلعات الأمم والدول، والشعوب، والتي بات الارتباط بها ضرراً محضاً لا مرية ولا شك فيه، ولا يُقبل من الشيخ ولا غيره أنْ ينادي بالوحدة.. ثم هو في نفس الوقت يحرص على الأسباب التي تمنع من تحقيق هذه الوحدة، التي منها إلزام أهل الشام ومجاهديهم بأن يتّحدوا تحت مسمى وإستراتيجية القاعدة، فيكون مثله مثل من يقول بالشيء وضده معاً، وهذا لا يليق!.

اقرأ أيضاً: "الشباب" و"داعش"... حرب المواجهة المفتوحة في الصومال

الطرطوسي يريد "استرضاء المجتمع"، عبر ما يسمى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من قيادات القاعدة الآن، بل وتؤمن بها فصائل مثل (أحرار الشام)، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح القاعدة المعولم، ومشايخ التنظيم، مثل "أبو قتادة" و"أبو محمد المقدسي".

بعضهم عائدون حاملون للأفكار لكنهم ناقمون على التنظيم

ما هو الحل؟

بخصوص الوضع في سوريا، فإنّ دول الخليج تواجه حالياً تهديدات أمنية إذ يتوقع أنْ يشكل ملف "المقاتلين العائدين من سوريا" أحد المكامن المحتملة لعدم الاستقرار داخل عدد من دول العالم، ومنها دول الخليج، لاسيّما السعودية والكويت والبحرين، خلال المرحلة المقبلة، على غرار التهديد الذي واجهته هذه الدول، وبصفة رئيسية؛ السعودية، من ظاهرة سابقة ومماثلة هي (العائدون من أفغانستان والعراق والشيشان والبوسنة وكوسوفو).

اقرأ أيضاً: إعادة أطفال داعش من العراق إلى روسيا..تفاصيل

إنّ هذا لا ينفى الحاجة إلى اتباع إستراتيجيات منسّقة، عبر تعزيز الإجراءات الأمنية، حتى لا تمثل هذه الظاهرة تكراراً للغفلة الأمنية التي سمحت بخروج هؤلاء المواطنين للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، بما يعنيه ذلك من ضرورات تكثيف التعاون الاستخباراتي لمكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود القومية والأوطان، سيّما وأنّ عودة عناصر هذه الجماعات قد تكون عبر أنماط مختلفة، وتتضمن جنسيات متنوعة، وتشمل ما يطلق عليه دولة المصدر و"الترانزيت" والمرور والعودة، وهو ما يتطلب تبنّي إستراتيجيات أمنيّة مشتركة، وإجراءات وقائية متفق عليها، عبر مبادرات إقليمية متعددة، تضمن الفاعلية، وتحقق الحصانة الفكرية الأمنية، على حد سواء.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تلاحق داعشية..هذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها

في الختام، فإنه في المرحلة الثالثة، أصبح لهذه التنظيمات أذرع وأفرع خارجية، وممولون عالميون، ودول للمرور، وارتكازات وسيطرة على الأرض، ومن هنا سيصبح العائدون كالتالي:

(1) عائدون مؤمنون بجل أفكار التنظيمات الإرهابية، ومرتبطون تنظيمياً، وهم خطر كبير.

(2) عائدون حاملون للأفكار لكنهم ناقمون على التنظيم، وهؤلاء يمكن أن يعودوا للارتباط بتنظيماتهم القديمة، أو إنشاء تنظيمات وخلايا جديدة، وهم خطر كبير.

(3) عائدون  نقموا وكفروا بهذه التنظيمات.

التقسيمات الثلاث تحتاج إلى إعادة فرز، وهو ما يضع دول الخليج أمام خطر ومعضلة في ذات الوقت.

اقرأ المزيد...

الوسوم:

المتطرفون العائدون من مناطق التوتر إلى الخليج.. ما حجم خطرهم؟

2646
عدد القراءات

2019-01-03

مع الحديث المتواصل، عن وضع حلول سياسية أو عسكرية للأزمة السورية، وتفكيك داعش بالعراق، وما آلت إليه الأزمة الليبية، تختلف الرؤى حول مواجهة العائدين، بين بعض الدول المعنية مع تلك التنظيمات، ويُطرح السؤالان التاليان:

(1) كيف ستتعامل المنطقة مع العائدين من سوريا والعراق؟

(2) ما تأثير ظاهرة العائدين على الاستقرار في الخليج العربي، من ناحية الحالة الاجتماعية، والإستراتيجيات، والعمليات، والتنظيمات؟.

يندرج العائدون تحت عدة فئات، يعرض كل منها مستوى مختلفاً

العائدون.. من هم؟

يندرج قتال من ذهبوا إلى جبهات التوتر، بدءاً من أفغانستان والشيشان، وصولاً إلى البوسنة.. إلخ، تحت إستراتيجية المقاتلين المحليين، الذين يقاتلون بعقلية عالمية، لكنهم في حال انتهى التوتر عادوا بنفس الإستراتيجية القديمة، وهي القتال المحلي وبعقلية محلية تريد أنْ تصل للسلطة عن طريق العنف المسلّح، وهم من يطلَقُ عليهم "العائدون".

48 % من الذين قاتلوا في صفوف داعش لا يزالون متمسكين بأفكار التنظيم بعد عودتهم

يندرج العائدون، بشكل عام، تحت عدة فئات، يعرض كل منها مستوى مختلفاً، فلدينا أولاً، أولئك الذين انسحبوا في وقت مبكر أو ظلوا لمدة قصيرة فقط، ولم يندمجوا بشكل كبير. وثانياً، هناك أولئك الذين ظلوا لفترة أطول، لكنّهم لم يوافقوا على كل ما تقوم به هذه التنظيمات. والفئة الثالثة هم أولئك الذين ليست لديهم أية شكوك حول دور أو تكتيك هذه التنظيمات؛ وإستراتيجيتها، لكنّهم قرروا العودة عقب انهزام التنظيم، الذي ينتمون إليه؛ حيث يتحولون إلى كامنين، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أقسام:

الأول: من عاد وهو يحمل أفكار التنظيم ويتواصل معه.

الثاني: من ترك التنظيم ولم يترك الفكر.

الثالث: من ترك الفكر والتنظيم معاً.

اقرأ أيضاً: المقاتلون "العائدون".. هل يحتاج المصطلح لإعادة تعريف؟

تشير دراسة ألمانية، أُجريت على العائدين من سورية ونشرتها صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، إلى أنّ 48 في المئة من الذين قاتلوا في صفوف "داعش" لا يزالون متمسكين بأفكار التنظيم بعد عودتهم، على الرغم من برامج إعادة التأهيل والإدماج، ربما لشعورهم المتنامي بالإحباط بعد فشل مشروع إقامة "الدولة الإسلامية" الذي زحفوا وقاتلوا من أجل تحقيقه، علاوةً على العزلة التي يتعرضون لها بعد عودتهم، إما بسبب توجس الناس منهم، أو نتيجة عدم استيعابهم الفارق الشاسع بين نمط الحياة الذي عايشوه في معاقل التنظيمات الجهادية التكفيرية، وأجواء الاستقرار النسبي والحياة الطبيعية في بلدانهم الأصلية، فيما يتوقع أن يفضي صدامهم المرتقب مع الأجهزة الأمنية، في بلدانهم الأصلية، إلى تغليب ميلهم لمواصلة العنف على إمكان تأهيلهم وإعادة إدماجهم، وهناك عمليات إرهابية عدة نفّذها مواطنون ومقيمون أو لاجئون ومهاجرون غير شرعيين سبق لهم الانضواء تحت لواء "داعش" وأخواته، في بؤر التوتر، أو تواصلوا معها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

شعور متنامٍ بالإحباط بعد فشل إقامة "الدولة الإسلامية" الذي قاتلوا من أجله

العائدون والخليج.. أين الخطر؟

تشير مجموعة "صوفان جروب" للأبحاث، وهو مركز أبحاث يتخصص في المشاكل الأمنية، إلى أنّ نحو 1200 سعودي انضمّوا إلى المعارك الدائرة في سوريا والعراق، من ضمن نحو 11 ألف مقاتل أجنبي، ينتمون لنحو 70 دولة، الامر الذي قد يشكل خطراً كبيراً على أمن دول مجلس التعاون في حالة عودة هـؤلاء الى بلدانهم.

تشير مجموعة "صوفان جروب" للأبحاث إلى أنّ نحو 1200 سعودي انضمّوا إلى المعارك الدائرة بسوريا والعراق

حتى عام 2011 كان هناك 300 متطرف، من جميع الدول العربية، ينتمون للقاعدة كجوالين، والآن بعد (الفرصة غير المسبوقة) التى تحدث عنها الظواهري، أصبح للمملكة وحدها أكثر من 1000 عنصر، وكل هؤلاء سيتحولون من الملاذات الآمنة في العرق وسوريا وليبيا، وغيرها، إلى ملاذات مؤقتة، ينتقلون منها للمحطة الأخيرة، وهى الداخل.

بحسب تقرير من "صوفان جروب"، فهناك أزمة ستحدث في آسيا، بسبب من يقاتلون مع داعش حيث يتوقّع بأنهم سيعودون للداخل.

سيستغل العائدون أية حالة لفقدان السيطرة الأمنية في أية منطقة، ومنها على سبيل المثال اليمن، لاستثمار الطائفية هناك، ورفع رايات الطائفية ستكون هدفاً جهادياً جديداً، سيفتح جبهات أخرى للصراع.

اقرأ أيضاً: إحصائية رسمية.. كم عدد الداعشيين العائدين إلى فرنسا؟

هناك مناطق أكثر جاذبية للجماعات الجهادية، الآن، مثل إفريقيا، وتحديداً ليبيا وتونس، ونيجيريا، والصحراء الإفريقية، ولعلّها هي الأقرب لعودة هؤلاء المسلحين للعمل فيها، حيث سيعود (السريون)، وهم الذين ليست لهم ملفات لدى الأمن، للتواصل مع خلايا وشبكات إسناد التنظيمات، وبعض القواعد في الداخل.

من السيناريوهات المتوقعة هي التفجيرات

بروز الذئاب المنفردة

على سبيل الإستراتيجيات: سنكون أمام نشوء جماعات (سرية – وقُطرية – وهرَمية)، وجبهات مفتوحة وجبهات مغلقة، كما ستعود الذئاب المنفردة للعمل بقوة، وسنشهد خلايا كامنة في أوروبا وأمريكا.

اقرأ أيضاً: بلجيكا.. معضلة التعامل مع مقاتلي داعش العائدين

من السيناريوهات المتوقعة هي التفجيرات، والتي يتم التحضير لها سراً، كما حدث من جماعة (خراسان) التي استهدفتها الطائرات الأمريكية بالقصف في حلب، وتفجيرات 2005 في لندن، وهو سيناريو الإعداد لعمليات تتطلب مهارات تدريبية خاصة، مثل صناعة المتفجرات، وهجمات منخفضة المستوى والتي تتم بجهود فردية، يمكن أن يقوم بها المتأثرون .

الانزواء النشط

على سبيل الأفكار والرموز، فهناك شخصيات من العائدين لن يكرروا ما فعلوه، فهؤلاء كان لديهم الحماس الشديدة للانخراط في القتال "دفاعاً عن الدين" لكنهم اكتشفوا بعد ذلك مدى بشاعة القتال، وقرروا عدم تكرار ما فعلوه مرة أخرى، وهذا النمط لا يمثل خطورة.

سيستغل العائدون أية حالة لفقدان السيطرة الأمنية في أية منطقة، ومنها على سبيل المثال اليمن، لاستثمار الطائفية هناك

أمّا النمط الثاني: فهو "الانزواء النشط"، وهؤلاء لا يقتصرون فقط على الانزواء والندم، لكنهم يحاولون منع ذويهم من الانضمام لتلك المجموعات. في حين يشمل النمط الثالث، السياح العابرين للقارات، وهؤلاء يحملون في البداية أفكاراً مثالية عن القتال، ثم يصطدمون بالأمر الواقع، ولكنهم يحاولون خداع الآخرين بنشر أفكار عن "عظمة" الجهاد عند عودتهم إلى ديارهم، وهذا النمط يشكل خطورة. أما النمط الأخطر، فهم المكلفون بالعودة لبلدانهم، لتشكيل مجموعات وخلايا جديدة، وهم في ذات الوقت ليس لديهم ملفات أمنية.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تحذر: نساء وأطفال داعش العائدون خطيرون

من المؤكد أنّ طبيعة العائدين، ستتوقف على مدى استمرار الدعم لهم، وعلى مدى إمكانية أنْ تشكل سوريا ملاذاً آمنا لهم في حال أيّ اتفاق، أما إذا تمّ الاحتياج لهم في إشعال صراعات أخرى، فإنه من المرجح أن ينخرطوا في صراعات طائفية، وهذا هو المتوقع، من خلال فتح جبهات للصراع مع مجموعات طائفية في الداخل السوري أو قد تدخل في صراعات إقليمية في حال ازدياد الانخراط الإيراني في الشأن الداخلي السوري والوجود الأرضي المباشر.

اقرأ أيضاً: الجزائر تحذّر من مقاتلي داعش العائدين إلى البلاد

الخليج، بلا شك، سيواجه مشكلة كبيرة في ذلك، وقد نقلت صحيفة "لوس أنجلوس تايم" عن المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي فى لندن أنّ هناك المئات في "داعش"، استغلوا ظروف الاضطرابات التى انتابت بعض الدول وعادوا لبلدانهم كأعضاء كآمنين، وبصرف النظر عن هذه الأعداد، وتقديرها، إلا أنهم يشكلون خطراً كبيراً على المنطقة.

يحملون في البداية أفكاراً مثالية عن القتال، ثم يصطدمون بالأمر الواقع

بناء السرايا الصغيرة

إذا فقدت داعش والقاعدة أماكن الجبهات المفتوحة فلن يعود لديها من سبيل سوى اعتماد إستراتيجية "بناء السرايا الصغيرة" ذاتية النشأة والتكوين والدفع والمنقطعة عن بعضها، والعمل بصورة منفردة حتى بعيداً عن الأمير المؤسس لها، وهذا هو المحور الأهم في عقلية الجهاديين الإستراتيجية.

توسيع ساحة المواجهة

توسيع ساحة المواجهة، هو أخطر ما يمكن تصوّره؛ لأنها ستجعل بلدان العالم الإسلامي مجتمعة أو منفردة ساحة مواجهة حقيقية بكل ما يترتب على ذلك من كوارث، كما أنها أسقطت نظرية مصر أولاً أو فلسطين أولاً أو أفغانستان أولاً من فكر التيارات الجهادية، وأحلّتْ فكرة ساحة المواجهة أولاً، أو فكرة الحفاظ على التماس مع العدو، وهي فكرة فعلتها القاعدة في وثيقتها الإستراتيجية لخطتها النظرية التى كانت مدتها 20 عاماً، إذ تبدأ بتوريط أمريكا في حرب مفتوحة مع الجماعات المسلحة، والمسماة الإفاقة، وتنتهى بإقامة دولة الخلافة.

اقرأ أيضاً: الذئاب المنفردة: هل هي إستراتيجية أم تكتيك؟

إنّ خلق الفوضى ومساحات شاسعة للتحرك، هو المرحلة الأخطر التي تمر بها الأمة، وفق ما كتبه منظرو القاعدة، وفي هذا الصدد أصدر بن لادن من قبلُ فتوى بضرب واستهداف المؤسسات النفطية، لخلق فوضى عالمية عارمة وللحيلولة دون استفادة الدول من عائداتها، من أجل صناعة مساحات شاسعة للتحرك حتى لا يتم التمكن من محاصرة التنظيم، ممّا يعني أنّ المواجهة القادمة بين التيار الجهادي السلفي ونموذجه الداعشي أو القاعدي، سيطال دولا وشعوباً لطالما اعتبرت نفسها بعيدة عن ساحة الصراع المباشر، أو أنها اكتفت بمواقف سياسية أو أيديولوجية أو تقديم دعم مالي.

خلق الفوضى ومساحات شاسعة للتحرك، هو المرحلة الأخطر

العودة للقتال المحلي

من قرأ ما كتبه أبو بصير الطرطوسي، الشيخ الروحي للجهاديين، ونقده للظواهري، يلمس أنّ القاعدة المعولمة انتهت، وأنّ الصعيدين الأيديولوجي والواقعي يؤكدان ذلك، حيث إنّ الأيديولوجيا الملتبسة التي تم تأسيس التنظيم عليها، وهي الحرب الشاملة للعالم، جعلها تتحرك في مساحة رمادية، بين المحلي والعالمي، أو بين قتال العدو البعيد والقريب، وجاءت الظروف الواقعية التي أعقبت ثورات الربيع العربي، لتحسم لدى بعض الفصائل خيارات أخرى، وكان هذا أشبه بعملية تفجّر داخلي للانشقاقات داخل التنظيم .

اقرأ أيضاً: إرهاب الذئاب المنفردة لدي سيمون: صرخة إنذار

تمثلتْ معضلة القاعدة الأولى، بأنها ليست جماعة واحدة، بل مجموعة من الجماعات، يمكن أن نصنفها كالتالي؛ جماعات حليفة (متحالفة مع التنظيم فقط)، وجماعات شريكة (متشاركة معه في الأهداف) وجماعات متماهية (أصبحت في صلب النواة للتنظيم).

يقول الطرطوسي: لو عزم الشيخ على إزالة العقبة (الكأداء)، وهي ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة، وبإستراتيجيتها، التي لا تناسب قط جهاد وتطلعات الأمم والدول، والشعوب، والتي بات الارتباط بها ضرراً محضاً لا مرية ولا شك فيه، ولا يُقبل من الشيخ ولا غيره أنْ ينادي بالوحدة.. ثم هو في نفس الوقت يحرص على الأسباب التي تمنع من تحقيق هذه الوحدة، التي منها إلزام أهل الشام ومجاهديهم بأن يتّحدوا تحت مسمى وإستراتيجية القاعدة، فيكون مثله مثل من يقول بالشيء وضده معاً، وهذا لا يليق!.

اقرأ أيضاً: "الشباب" و"داعش"... حرب المواجهة المفتوحة في الصومال

الطرطوسي يريد "استرضاء المجتمع"، عبر ما يسمى تكوين الجبهات والتحالفات الداخلية، وهي أفكار يؤمن بها عدد كبير من قيادات القاعدة الآن، بل وتؤمن بها فصائل مثل (أحرار الشام)، وهو ما أوجد صراعاً عميقاً مع جناح القاعدة المعولم، ومشايخ التنظيم، مثل "أبو قتادة" و"أبو محمد المقدسي".

بعضهم عائدون حاملون للأفكار لكنهم ناقمون على التنظيم

ما هو الحل؟

بخصوص الوضع في سوريا، فإنّ دول الخليج تواجه حالياً تهديدات أمنية إذ يتوقع أنْ يشكل ملف "المقاتلين العائدين من سوريا" أحد المكامن المحتملة لعدم الاستقرار داخل عدد من دول العالم، ومنها دول الخليج، لاسيّما السعودية والكويت والبحرين، خلال المرحلة المقبلة، على غرار التهديد الذي واجهته هذه الدول، وبصفة رئيسية؛ السعودية، من ظاهرة سابقة ومماثلة هي (العائدون من أفغانستان والعراق والشيشان والبوسنة وكوسوفو).

اقرأ أيضاً: إعادة أطفال داعش من العراق إلى روسيا..تفاصيل

إنّ هذا لا ينفى الحاجة إلى اتباع إستراتيجيات منسّقة، عبر تعزيز الإجراءات الأمنية، حتى لا تمثل هذه الظاهرة تكراراً للغفلة الأمنية التي سمحت بخروج هؤلاء المواطنين للانضمام إلى الجماعات الإرهابية، بما يعنيه ذلك من ضرورات تكثيف التعاون الاستخباراتي لمكافحة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود القومية والأوطان، سيّما وأنّ عودة عناصر هذه الجماعات قد تكون عبر أنماط مختلفة، وتتضمن جنسيات متنوعة، وتشمل ما يطلق عليه دولة المصدر و"الترانزيت" والمرور والعودة، وهو ما يتطلب تبنّي إستراتيجيات أمنيّة مشتركة، وإجراءات وقائية متفق عليها، عبر مبادرات إقليمية متعددة، تضمن الفاعلية، وتحقق الحصانة الفكرية الأمنية، على حد سواء.

اقرأ أيضاً: ألمانيا تلاحق داعشية..هذه الجريمة الفظيعة التي ارتكبتها

في الختام، فإنه في المرحلة الثالثة، أصبح لهذه التنظيمات أذرع وأفرع خارجية، وممولون عالميون، ودول للمرور، وارتكازات وسيطرة على الأرض، ومن هنا سيصبح العائدون كالتالي:

(1) عائدون مؤمنون بجل أفكار التنظيمات الإرهابية، ومرتبطون تنظيمياً، وهم خطر كبير.

(2) عائدون حاملون للأفكار لكنهم ناقمون على التنظيم، وهؤلاء يمكن أن يعودوا للارتباط بتنظيماتهم القديمة، أو إنشاء تنظيمات وخلايا جديدة، وهم خطر كبير.

(3) عائدون  نقموا وكفروا بهذه التنظيمات.

التقسيمات الثلاث تحتاج إلى إعادة فرز، وهو ما يضع دول الخليج أمام خطر ومعضلة في ذات الوقت.

اقرأ المزيد...

الوسوم: