تطوّر إرهاب الجماعات الدينية المتشددة وإستراتيجيات مكافحته... الحالة الفرنسية أنموذجاً

3406
عدد القراءات

2019-04-21

ترجمة: علي نوار


مع دخول العقد السادس والسابع من القرن الماضي، وفي أعقاب اندحار الحركات الاشتراكية في الشرق الأوسط، طفت على السطح التيارات الإسلاموية الأكثر تشدّداً، ومن بين الجماعات المختلفة التي تدعو لتأويل متطرّف ومنغلق للدين، تبرز جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي كانت إحدى أبرز الجماعات التي تضفي الشرعية على العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، ومتّهمة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية بالفساد وتحميلها مسؤولية انهيار العالم الإسلامي.

اقرأ أيضاً: اقتراح عراقي جديد بخصوص الجهاديين الأجانب المعتقلين لدى الأكراد

ورغم أنّ معركة هذه الجماعات ركّزت على "العدو القريب"، إلّا أنّ جماعات إرهابية أخرى، مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، بدأت بعد ذلك بأعوام في وضع أهداف غربية نصب أعينها، في إطار الدعوة لما عُرف باسم "الجهاد ضدّ العدو البعيد"، لكن إثر التدخّل الروسي في أفغانستان، وضع تنظيم القاعدة إستراتيجيته المناوئة للغرب، ما أدّى لاحقًا إلى شنّ مزيد من الهجمات، وضرب الولايات المتحدة على أراضيها، عن طريق هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه

كانت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحوّل في الفكر الجهادي؛ حيث أصبح عالمياً، وبات تهديداً دولياً، فبالنسبة إلى الدول الغربية؛ كان هذا الاعتداء دليلاً على مدى خطورة الإرهاب الجهادي، ليس لفداحة الكارثة فحسب؛ بل بسبب الدرجة العالية من الإعداد لها ومدى تعقيدها، فقد شمل اعتداءات نُفّذت في وقت متزامن على عدد من الأهداف في عمق أكبر قوة عظمى في العالم.
ورغم أنّ تنظيم القاعدة استغل حالة الدعاية الهائلة المصاحبة لهذه الفاجعة،
في بثّ دعايته الخاصة، كاسياً إياها بغلاف معاداة الإمبريالية، ذي لمسة سلفية..، إلّا أنّ الحادث تسبّب على المدى البعيد في شنّ المجتمع الدولي حرباً بلا هوادة.

وفي أعقاب تلك الهجمات، شنّت الولايات المتحدة، وبدعم قطاع واسع من المجتمع الدولي، حروباً في كلٍّ من أفغانستان والعراق، الأمر الذي نتج عنه تغيّراً في إستراتيجيات الجماعات الإرهابية.

بدأت القاعدة، التي كانت تمتلك قواعد في أفغانستان وباكستان، في التراجع على خلفية الضغط الدولي، بيد أنّها عرفت كيفية التكيّف مع الظروف الجديدة، شرعت في الدخول بتحالفات مع الجماعات السلفية في منطقة القوقاز، خاصة بإقليم إفريقيا، كما أنّ الضغط الدولي نتج عنه تغيير في الهيكل التنظيمي للقاعدة، وقد تخلّى التنظيم عن بنيويته الهرمية لاحقاً، ليتبنّى أنموذج الخلايا المستقلة بذاتها، والتي يصعب رصدها ومكافحتها، فضلاً عن قدراتها، من حيث تكتيك الحرب الخفية، وكلّما ازدادت وطأة الضغط العالمي كانت القاعدة تعيد تأهيل ذاتها، تشكّلت في البداية خلايا خصّيصاً لكلّ هجوم على حدة؛ حيث لا تصبح هناك صلة بتاتاً داخل التنظيم بين المهاجم الإرهابي والقيادات، وفق فرضيات منظّره مصطفى عبد القادر نصار (أبو مصعب السوري)، أصبح الإرهاب عالمياً ودولياً ولا مركزياً إلى أبعد حدّ، ويقول نصار: "الجهاد فرض والقتل شريعة؛ ينبغي أن يكون كلّ شاب مسلم إرهابياً"، كانت هذه دعوة لما يعرف باسم (الذئاب المنفردة)، التي تتحرّك أحياناً في مجموعات صغيرة، وفي كثير من الأحيان بدافع وجود صلة ما، يعدّ هذا التحوّر منطقياً وخطيراً في الوقت ذاته، فبدون وجود هيكل تنظيمي واضح، تصبح الصلات بين أعضاء التنظيم غير ذات أهمية على الإطلاق، وتُستخدم فحسب من أجل شنّ هجمات ضخمة، وبالتبعية يصبح عبء المكافحة أثقل على عاتق قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات، وأيضاً استحالة فكرة التسلّل إلى داخل صفوف هذه المجموعات الضئيلة، واتّبعت جماعات إرهابية أخرى هذه الإستراتيجية كذلك.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟

وربما يكون أهم وأخطر هذه الجماعات في يومنا هذا: تنظيم داعش، الذي ظهر استغلالاً لحالة فراغ السلطة في أعقاب سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ثم الاقتتال الأهلي الدامي الذي خيّم على البلاد، فيما بعد، وبدعم من القبائل السنّية، التي لطالما كانت في السلطة قبل أن تتعرّض للإقصاء، وعقب التدخّل الأمريكي، تمكّن داعش، شيئاً فشيئاً، من اكتساب قدر متزايد من القوة، ونجحت جماعة (التوحيد والجهاد) في حشد الدعم الشعبي بالمناطق الغربية من العراق، وبعد مبايعتها لتنظيم القاعدة، عام 2004، تبيّن بعدها بقليل أنّ إستراتيجيتها وأيديولوجيتها تحملان أوجه اختلافات كبيرة عن (القاعدة).

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

فهذه الجماعة، وعلاوة على كراهيتها للحضارة الغربية، وخلافاً للقاعدة، تحمل في طيات أيديولوجيتها الفكر التكفيري؛ حيث تضع في خانة المرتدّ كلّ مسلم لا يقبل أفكارها. تبنّت (التوحيد والجهاد) مجدّداً العنف ضدّ "العدو القريب"، لكن العدو هذه المرة كان أقليات غير سنّية، وفور وفاة زعيمها، أبو مصعب الزرقاوي، أصبح الانفصال الفكري أمراً واقعاً، لتعلن الجماعة تغيير اسمها إلى (الدولة الإسلامية في العراق).
استغل الزعيم الجديد للتنظيم، أيوب المصري، المشهد الداخلي في العراق، كي يزيد من نفوذ تنظيمه، حاشداً قدراً أكبر من الدعم، بفضل المجتمع السنّي، كما نجح فوق كلّ شيء في ضمّ عسكريين سابقين، وكذلك أعضاء في جهاز الاستخبارات التابع لحزب (البعث) بين صفوف تنظيمه، كانت الخبرة الكبيرة التي يتمتّع بها العسكريون السابقون في الجيش العراقي لا غنى عنها بالنسبة إلى التوسّع والانتصارات العسكرية التي حقّقها التنظيم.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال

سمح هذا التوسّع للتنظيم ببسط نفوذه على الأراضي الواقعة تحت سيطرته، وارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له، من منطلق رؤيته للشريعة في منطقة بعينها، مع إقامة حكومته ومؤسساتها، يعدّ ذلك عاملاً رئيساً، يميّزه عن تنظيمات جهادية أخرى؛ لأنّه يعتمد على الغزو والسلب كمصادر أساسية للتمويل، لكنّ التنظيم يحتاج، قبل كلّ ذلك، إلى فضاء يخلو من السيادة ويعاني توتّرات داخلية عنيفة، على نحو تصبح معه ممارسة أقصى درجات العنف بحق المسلمين غير السنّة أمراً مقبولاً، كما أنّ مصادر التمويل متنوّعة، ولا تدخل في حساباتها أيّة معايير أخلاقية؛ فتبدأ من بيع النساء والأطفال، بما في ذلك تجارة الأعضاء، إلى فرض الضرائب على السكان المحليين، فضلاً عن نهب المصارف والمتاحف أو بيع النفط بشكل غير مشروع.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
كان بثّ الرعب أداة رئيسة، سواء من أجل تخويف الأعداء أو الحيلولة دون تمرد المحليين، الذين يسيطر التنظيم على المناطق التي يعيشون بها.

ارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له

على أنّ أكثر ما يثير القلق؛ هو قدرة التنظيم الإرهابي على التكيف، وعلى توفيق أوضاعه بحسب الظروف والبيئة المحيطة، ولعل الفترة بين عامي 2013 و2017، حافلة بالنماذج التي تكشف عن تمتّعه بهذه المزية، فخلال الأعوام الأربعة هذه؛ استغلّ التنظيم انسحاب القوات الأمريكية كي يصبح أبرز جماعة إرهابية، ويوسّع سيطرته على الأراضي؛ بل وصل إلى مشارف بغداد، إلّا أنّ تحالفاً مكوّناً من قبائل شيعية مختلفة، فضلاً عن الدعم الإيراني تمكّن في النهاية من إيقاف تقدمه.
عاود داعش إظهار قدرته على التكيّف حين استفاد من وضع لا يحظى فيه بالأفضلية، وأدرك زعيمه سريعاً أنّه إذا كان يريد مواصلة تعزيز قوته فيتعيّن عليه الاستحواذ على مساحات أكبر من الأراضي، وأنّ هذا الأمر ممكن فحسب في المناطق التي يقطنها مسلمون سنّة.

اقرأ أيضاً: حلّ 4 جمعيات شيعية في فرنسا.. لهذه الأسباب

وبفضل شبكة من الاتصالات في البلد المجاور، مستغلاً مرة أخرى حالة الفوضى القائمة في سوريا، عبر التنظيم الحدود العراقية ليدخل الأراضي السورية، وكان تمدّد داعش سريعاً؛ نظراً إلى أنّ أغلب فصائل المعارضة للنظام الحاكم كانت سنّية المذهب، وهو ما ساعده على تأسيس نموذج دولة تقع على أراضي بلدين، كسرت الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو. كان لهذا الحدث أبلغ الأثر الدعائي في تمكين داعش من الظهور في صورة قائد الجماعات السلفية الجهادية، وقدّم التنظيم نفسه على أنّه في مصاف هؤلاء، الذين نجحوا في إزالة الحدود التي فرضها الاستعمار، ومدّعياً سعيه نحو إعلان قيام خلافة تجمع كافة الأراضي التي كانت تحت الحكم الإسلامي في الماضي، تحت راية واحدة، ووفق تفسير إقصائي للإسلام.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول

بذلك أصبح داعش جماعة جهادية تقاتل العدو القريب، وكذلك البعيد، في الوقت ذاته، قادراً على إعادة ترتيب أولوياته طبق ما يفرضه الموقف، ويستطيع، كما رأينا فيما بعد، الاستفادة من مشكلات الاندماج والعدمية لدى الشباب المسلم في أوروبا.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف واضح؛ هو استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه.
توجد أعداد كبيرة من الأوروبيين بين هؤلاء؛ ففي كانون الثاني (يناير) 2015، قُدّر الرقم بأربعة آلاف مقاتل، أي ما يمثّل 20% من إجمالي عدد أعضاء داعش، لعب هؤلاء المقاتلون دوراً كبيراً في التنظيم، ويشكّلون تهديداً كبيراً بالنسبة إلى بلدانهم الأصلية، وجّه التنظيم الإرهابي جزءاً كبيراً من أمواله لغرض الدعاية ونشر مميزات خلافته المزعومة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف استقدام الأجانب، الذين ترى دولهم أنّ مسألة إعادة توطينهم بعد انتهاء الحرب في سوريا والعراق تعدّ تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى السلطات، التي تعمل ليس فقط على استئصال التشدّد لدى هؤلاء الشباب، بل دشّنت برامج عدة لجعل خطابهم أقل جاذبية، وتفكيك دعايتهم، لكن كل ذلك لا يُغني عن ضرورة دراسة عملية التلقين الأصولي، التي تعرّضوا لها، لتجنب تحوّلات جديدة تصبح أشدّ مقاومة وأكثر صعوبة في مواجهتها؛ لذا من المهم تحليل آليات دعاية داعش، والوسائل التي اتبعها لتجنيد أعضائه، وسبل نشر فكره.

الراديكالية ونزع الأصولية عن المقاتلين الأجانب

رغم الحرب بلا هوادة، التي شُنّت ضدّ داعش، والتي أتت بثمارها وسقوط خلافة التنظيم عملياً، إلّا أنّ التهديد الأمني الذي يمثّله المقاتلون الأجانب بالنسبة إلى 86 دولة، لديها، أو كان لديها، مواطنون منخرطون في جبهات القتال بسوريا أو العراق، مرتفع للغاية؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) 2015؛ كان هناك 30 ألف مقاتل أجنبي على جبهات القتال في صفوف التنظيم الإرهابي، على درجة عالية من التطرّف، وبلا أدنى خوف من الموت، كانوا هم رأس الحربة في الحرب غير المتكافئة والعنيفة، كما أنّ إمكاناتهم ساعدت داعش في دعايته، بدرجة كبيرة؛ حيث دأب على إبراز مهاراتهم اللغوية والمعلوماتية، فضلًا عن تحرير مقاطع الفيديو والأغنيات ...إلخ، التي كان يبثّها لاحقاً عبر الشبكات الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ ارتكابهم جميع أنواع الفظائع، وهو ما نزع عنهم آخر وازع من ضمير أو أخلاق.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة

وبعودتهم؛ يصبح هؤلاء المقاتلون جاهزين لشنّ هجمات أو الترويج للعنف أو تجنيد أهداف ضعيفة، كي يتحوّلوا هم أيضاً إلى أصوليين، كما أنّ، وفق هيجهامر، خبير الإسلاموية الأصولية ومؤلّف عدد من الكتب في هذا المجال، وجود مخضرمين في هجوم ما يرفع احتمالات سقوط ضحايا قتلى، وكذلك يزيد إمكانية نجاح الاعتداء الإرهابي؛ فالخبرة العسكرية تساهم في تدريب المجندّين الجدد مباشرة على الأراضي الأوروبية، ونتيجة ارتفاع أعدادهم، وقربهم من مناطق القتال؛ فإنّ هذه معضلة أمنية كبرى، ورغم تنوّع التركيبة المكوّنة لهذه الفئة، سواء من حيث المستوى الاجتماعي أو التعليمي، أو حتى الدوافع، إلّا أنّه بوسعنا تكوين فكرة عامة عن الفئات الأكثر ضعفاً، التي يسهل جرّها إلى مستنقع الأصولية، وكذلك الوقائع التي تؤدّي لتسريع هذه العملية.

اقرأ أيضاً: صحيفة فرنسية: إيران تتجسس على الدبلوماسيين الأجانب

نُفّذت الهجمات الجهادية، التي وقعت في أوروبا خلال الفترة بين عامي 2004 و2016، بالكامل، على أيدي ذكور، أغلبهم من الطبقة المتوسطة الدنيا، ترعرع الكثيرون من المرتكبين في مناطق تعاني من محدودية الفرص، ومدن في الضواحي وأحياء مُهمّشة، ...إلخ، كما أنّ الغالبية العظمى منهم هم مواطنون أوروبيون من الجيل الثاني؛ أي إنّهم وُلدوا لأبوين مهاجرين، من أصول عربية أو إفريقية، ...إلخ، لكنّهم نشؤوا في أوروبا، إلّا أنّ هناك اختلافات عميقة تظهر عند وصولنا لهذه النقطة، فالجهاديون في فرنسا أو إنجلترا، الدولتان اللتان تشهدان وجوداً ضخماً للمهاجرين، هم في أغلب الحالات من الجيل الثاني، على الجانب الآخر، وفي إسبانيا، وُلد أغلب الجهاديين في المغرب.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة

على أيّة حال؛ من الواضح بجلاء، أنّ ظاهرة الجيل الثاني هي الأكثر شيوعاً، منذ صعود نجم داعش كأبرز منظمة إرهابية، ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى أسباب عديدة، على رأسها؛ إستراتيجية التنظيم في استخدام الشبكات الاجتماعية ووسائل تواصل أخرى، مثل: مجلته "رومية"، كمصدر لنشر فكره والدعوة للجهاد ضدّ الكفار.

وفيما يتعلّق بالمقاتلين الأجانب، فليسوا جميعاً من الذكور؛ بل إنّ النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي، وقد شهد الرقم تصاعداً على مدار الأعوام الأخيرة، بيد أنّ وظيفتهنّ الأساسية ظلّت أن يكنّ أمهات، أو زوجات، للجهاديين، وتتشابه مواصفات المقاتلين الأجانب إلى حدّ بعيد مع خصائص الشباب الإرهابيين، الذين جرى التطرّق لهم، كما أنّ هناك نسبة صغيرة، تُقدّر بـ 6%، من المتحوّلين للإسلام، ويُلاحظ هنا أنّ الروابط الأسرية مهمة؛ حيث تحدث عملية الأصولية بين الأخوة أو يتحرّكون معاً.

 النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي

ومن حيث دوافع السفر إلى سوريا، فقد شهدت تغيّرات بمرور الوقت. كان السبب في البداية هو رفض نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أن يظهر دافع آخر وباضطراد مستمر؛ كراهية الغرب. كذلك يتّضح أنّ متوسط الأعمار يقلّ بصورة طفيفة عن متوسط أعمار الجهاديين الذين يشنّون اعتداءات على الأراضي الأوروبية، وهو ما بين 20 و29 عامًا، ويبدو هذا أمرًا منطقيًا، لا سيما أنّ الكثيرين من الإرهابيين شرعوا في التحرّك بعد مدة من التواجد في العراق وسوريا. كما أنّ 30% منهم يعودون إلى بلادهم، رغم أنّ أغلبهم يفعلون ذلك في ظل حالة من الإحباط، لذا يرى خبراء مثل توماس هيجهامر أنّ أقلية منهم فقط يمثّلون خطرًا، لكنّه خطر محدق.

إنّ الدعاية الهادفة لتجنيد هؤلاء الشباب بسيطة وفعالة في نفس الوقت. تحترف مؤسسة (مركز الحياة للإعلام) إنتاج مواد ناجعة في اللعب على تطلّعات هذا الجيل من المسلمين، الذي نشأ في ظل غياب الروابط الأسرية التي عاش والداه في كنفها وبدون صلات قوية بمسقط رأسه، ليجد في الإسلام الأصولي شعوراً بالانتماء.
شباب لا يشعرون بأنّهم جزء من هوية ذويهم ولا بلدانهم، نظراً إلى ولادتهم في أوروبا، لكنّهم في الوقت عينه يشعرون بعدم التقدير أو غياب الفرص، ويعزّز ذلك الإحساس خطاب سياسي معادٍ للإسلام، هنا يصبح شعور الضحية أحد المداخل الذهبية بالنسبة إلى داعش، كي يعمل عبرها على تلقين وملء أدمغة هؤلاء الشباب بالفكر الأصولي، ويستخدم لهذا الغرض خطاب يضع المسلمين في دور الضحية بشكل مزدوج؛ فهم ضحايا الغرب، المسؤول عن حالة الانحدار في الدول العربية، وهم ضحايا كذلك في المجتمعات الغربية، التي تهمّش وتقصي المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيها.

وإن كان هذا هو الأساس الفكري وراء الخطاب المشار إليه؛ فإنّ المستحدث حقًا هو معرفة داعش كيفية استغلال أجواء العدمية التي تخيّم على بعض هؤلاء الشباب، عن طريق رسائل مُفرّغة، تدّعي أنّها تعرض عليهم تحقيق أحلامهم، التي لم يستطيعوا تحويلها إلى واقع في أوروبا؛ وعود بالمال والحياة المرفّهة، ونساء حسناوات يظهرن في مقاطع فيديو دعائية، بثّها التنظيم الإرهابي، صوّرت هذه المقاطع أيضاً المقاتل الأجنبي، على أنّه شخص قوي يمتلك جسداً ممشوقاً، يحمل الكثير من معايير الجمال الغربية، بشكل يفوق تلك السائدة في مجتمعات الشرق الأوسط، كما طعّم التنظيم رسائله بأنّ المقاتل سيصبح بطلاً في مجتمعه، وأنّه بأفعاله سينال النعيم الأبدي، صورة مشوّشة بالكامل، تُكتشَف حقيقتها فقط حين يصبحون على الأرض.

إلّا أنّ وسائل الإغراء لا تقف فقط عند الصور البديعة أو الجمال الحسّي، بل تمتدّ بالمثل إلى أشياء أخرى، مثل الأناشيد الغنائية، التي تحمل إيقاعاتها وكلماتها وأنغامها تأثيراً يشبه التنويم المغناطيسي؛ بهذه الطريقة، وفي إطار مقاطع فيديو سابقة، يحدث ترويج لحياة هانئة بين جنبات الخلافة.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب، أمّا الهجمات؛ فقد دعا داعش لشنّ اعتداءات بشكل منفرد؛ حيث شجّع التنظيم أنصاره، عبر مجلة "رومية"، إلى نسب مسؤولية هجماتهم إليه، بهدف بثّ الرعب، بالمثل، وفي المجلة نفسها؛ كشف داعش الأسلحة المفضلة بالنسبة إليه، مثل العربات ذات الحمولة الضخمة والسكاكين، مما يجعل من الصعب على أجهزة الأمن ليس اكتشاف أمر الإرهابيين فقط، بل وإحداث أثر هائل في الشعوب الأوروبية؛ حيث يصبح كلّ مسلم إرهابياً محتملاً، وهذا بالضبط ما يرمي إليه التنظيم: توليد الشقاق الداخلي في المجتمع لكسر التعايش في الدول الديمقراطية.

لكنّ المواقع الاجتماعية ليست هي الرابط الوحيد؛ فهناك قنوات تقليدية، مثل السجون ومساجد بعينها، تعدّ مراكز تجنيد رئيسة، خاصة للمقاتلين الأجانب؛ فقد شارك الكثير من الذين تعرّضوا لعملية الأصولية فيما بعد في هجمات أعلى من حيث التنظيم بالمتفجّرات وأسلحة من مختلف الأعيرة.
هناك أمثلة عديدة على ذلك، نذكر منها؛ مهدي نموش، مدبّر الهجوم على المتحف اليهودي في بلجيكا، عام 2014، الذي تشبّع بالفكر الأصولي خلال وجوده بالسجن لخمسة أعوام، بعد إدانته بجريمة سرقة، رغم كلّ ذلك ما تزال شبكات التواصل الاجتماعي تأتي في المرتبة الأولى كرابط ووسيلة اتصال بين الإرهابيين.

ومكافحة عمليات تلقين الفكر الأصولي هذه، اقترحت الدول الأوروبية عدة إجراءات؛ ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تتمّ مكافحة أيديولوجية داعش بمعقلها، وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الخطاب المضاد يكتسب قوة كبيرة كعنصر ردع فعّال، فعقب نشر أهرام بيريز مقطع فيديو يهدّد فيه إسبانيا، نجح المغرّدون في الفضاء الإلكتروني، عن طريق الاستهزاء والمحاكاة الساخرة، ليس فقط في تجريد المقطع من أيّة أهمية؛ بل أيضاً في إجبار بيريز على عدم نشر أيّ محتوى آخر، ربما لشعوره بالخجل.

هناك طرق أخرى تستهدف السيطرة على العناصر الأصولية بالفعل، ومنها تلك المعتمدة في إيطاليا؛ حيث يخضع السلفيون المتشدّدون لمتابعة الشرطة في كل مرة يسافرون فيها إلى البلاد؛ فقد تتبّعت أجهزة الأمن الإيطالي مغربي الأصل، يوسف زغبة، وتوجّهت إلى المطار لاستقباله؛ بل وتحيّته بحرارة، لكنّها لم تغفل عينيها عنه مطلقاً، وقد تسبّبت هذه الرقابة اللصيقة في رحيله إلى الخارج، وتحديداً لندن؛ حيث تجاهلت السلطات البريطانية توصيات نظيرتها في إيطاليا، ما أعطى الفرصة لزغبة كي يرتكب اعتداء، في حزيران (يونيو) 2017.
إنّ الخبرة الطويلة التي تتمتّع بها إيطاليا في مجال مكافحة الجريمة المنظّمة، تمثّل كنزاً هائلاً لمختلف أجهزة الشرطة في أوروبا، وهناك أمثلة أخرى ناجحة وعديدة لاستئصال التطرّف في أوروبا، وإجراءات متنوعة تتبنّاها دولها، كلّ منها وفق فائدتها من وجهة نظر السلطات المحلية أو السياق الوطني.

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة

دراسة للإرهاب في فرنسا... العدمية والانعزال كعوامل تساهم في استفحال خطر الأصولية

يرى الفرنسيون أضخم فئة من المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا، أو ما يزالون نشطين في صفوف داعش؛ فبحسب أحدث إحصائيات حزيران (يونيو) 2018، وصل عددهم إلى 1910 مقاتلين على جبهات الصراع في سوريا ومناطق نزاع أخرى، كما أنّها أكثر دولة غربية تعرّضت لهجمات جهادية وسقط فيها أكبر عدد من الضحايا خلال الأعوام الأخيرة، هناك أسباب متباينة لكل ذلك، ورغم وجود عوامل مشتركة مع دول أوروبية أخرى، إلّا أنّ الحالة الفرنسية، على وجه الخصوص، تتميّز بعناصر ينبغي تسليط الضوء عليها.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة، فماضيها الاستعماري واحتياجاتها في مجال البناء بعد الحرب العالمية الثانية، شجّعا على توافد أعداد كبيرة من المهاجرين، سيما من دول مثل الجزائر والسنغال، أو المناطق التابعة لها في أعالي البحار وأجزاء أخرى، وأدّى عدم توافر أماكن سكنية ملائمة إلى اعتماد الحكومة سياسة بناء انتهت بحدوث فصل عرقي واضح؛ فخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات؛ كانت هناك حركة بناء سريعة الوتيرة لأحياء في ضواحي المدن الكبرى، لكن هذه المنازل تفتقر لأبسط التجهيزات، ليحدث نوع من الفصل. لا تعاني القرى الصغيرة والمناطق السكنية والراقية في المدن الفرنسية من هذه المشكلة؛ حيث بالكاد تمكن ملاحظة وجود المهاجرين، لكن في الأحياء الجديدة كان وجود هذه الفئة واضحاً للعيان، ليتجاوز في بعض الأحيان نصف تعداد السكان المحليين، وبمرور الوقت؛ أخذ بعض المهاجرين في اكتساب سمعة سيئة، نظراً إلى ارتفاع معدّلات الجريمة والاشتباك مع قوات الأمن، نتج عن ذلك أنّ المهاجر، لا سيما المنحدر من أصول مغاربية، بات يتعرّض للتهميش وأسبغت عليه ثنائية، عربي ومجرم، فيما اقتصر استخدام مصطلح الضواحي على الإشارة إلى المناطق خارج المدن التي تخرج عن سيادة القانون أو (بونليو).

اقرأ أيضاً: "الإنتربول" يبحث أزمة المقاتلين الأجانب المتسللين بين الدول

لم يستمر هذا المفهوم مع الوقت فحسب؛ بل ساهمت أحداث وخطابات سياسية في تعميق الانقسام الذي استغلته جماعات سلفية في تجنيد أتباع لها، وطوال حقبة التسعينيات؛ انتقل النشاط الإرهابي لـ "الجماعة الإسلامية المسلحة"، من الجزائر إلى فرنسا، بسلسلة من الاعتداءات، أثارت حالة من الهلع بين الفرنسيين، تعرّض الجزائريون، أكبر شريحة من المهاجرين في فرنسا، والذين يسكنون على الأغلب أحياء الضواحي، سريعاً، للوصم بالإرهاب، أما في الوقت الحالي؛ فلم ينتج عن الخطر الداهم الذي تمثّله (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي ترتبط بصلات بتنظيم القاعدة والتي كان أغلب رؤوسها قياديين سابقين في (الجماعة الإسلامية المسلحة)، سوى تعزيز حالة العزلة.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب، بين قبضة الأمن وإعادة الإدماج

هناك حدثان مهمّان للغاية أيضاً، من أجل فهم الانفراط الاجتماعي القائم حالياً في فرنسا، التأثير الذي تركته هجمات 11 سبتمبر، والصعود الحثيث لحزب (الجبهة الوطنية) اليميني المتشدّد، الذي بدأ منذ حقبة التسعينيات في تحقيق نسبة لا تقل عن 15% في الانتخابات، ويُعزى استمرار نجاح هذا الحزب إلى الخطاب القومي مع التركيز على رفض المهاجرين والمسلمين، وقد لخّص الزعيم السابق للحزب، جان ماري لوبان، الموقف وقتذاك من وجهة نظره، بعبارة "لدينا مليون عاطل، ومليون مهاجر".

ظلّت حالة الربط بين الهجرة - البطالة وغياب الأمن مستمرّة، وفي ازدياد، وانتشر هذا الخطاب المعادي للإسلام إلى قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الفرنسي؛ بل وامتد كذلك إلى سياسيين معتدلين (نيكولا ساركوزي)، الذين لم يستطيعوا سوى إدراج الخطاب الهوياتي ضمن إستراتيجيتهم للانتخابات، تسبّبت كلمات ساركوزي غير اللائقة قبلها بعامين، عام 2005، حين كان ما يزال وزيراً للداخلية، عندما دعا لتطهير الأحياء الفرنسية من "الحثالة"، في خلق مناخ متوتّر أفضى في النهاية إلى أعمال عنف دامية بنهاية العام نفسه.

اقرأ أيضاً: غوانتانامو.. هل سيكون معتقل الداعشيين الأجانب؟

كانت هذه هي الأجواء الاجتماعية التي عاشتها فرنسا قبل بدء أولى الهجمات الإرهابية، على يد القاعدة أولاً، ثم داعش فيما بعد، لكن لا يسعنا إجراء تحليل سطحي عن طريق وضع الجناة في موقف الضحية، خاصة أنّ تصاعد الإرهاب الجهادي والسلفي بفرنسا جاء إثر انقسام بين الأجيال؛ لذا فأعمال الشغب العنيفة، التي وقعت عام 2005، لم تكن سوى عرض آخر لمشكلة مجتمع يعاني انقساماً تستغلّه التيارات الأكثر تشدّداً من الإسلام للتغلغل أكثر في البلاد؛ فمنذ العام 1996 تواجه فرنسا ظاهرة واضحة بجلاء؛ ألا وهي تفشّي الأصولية بين فئتين من الشباب: هؤلاء الذين ينتمون للجيل الثاني، وهم الأكبر عدداً، والمتحوّلون للإسلام، لا وجود للأصوليين تقريباً من الجيل الأول، كما لم تظهر، حتى الآن، أيّة بوادر أصولية بين أبناء الجيلين الثالث والرابع.

اقرأ أيضاً: الأكراد يرفضون محاكمة زوجات الجهاديين الأجانب

ترتبط الأصولية الإسلاموية في فرنسا، مثلما هو الحال في أوروبا عموماً، بشعور الانتماء، وهو نوع من أن يصبح المرء مسلماً أكثر من والديه نفسهما، والسعي نحو الوصول إلى اللبّ الأكثر "نقاء" من الإسلام، ما يُترجم في الحقيقة إلى التوجّه نحو الإسلام الراديكالي والعنف، ورغم تأثير الإسلام السياسي بفرنسا، إلّا أنّ عدداً قليلاً فقط من الإرهابيين، كان لهم باع ديني طويل، وينحدر الإرهابيون عادة من عائلة مفكّكة، مثل "مراح"، أو تورّطوا في مشكلات مع القضاء حين كانوا مراهقين، مثل كوليبالي ونموش، أو حتى في فترة شبابهم، مثل الأخوة كواشي، فترات عصيبة في الماضي لكنها نائية تماماً عن الإسلام الأصولي.

ويأتي الكثير من هؤلاء من أحياء خارج محيط المدن الكبرى؛ حيث توجد مشكلات وجرائم، كما أنّ ميولهم قبل الانزلاق نحو الأصولية حسبما تكشف حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إعجابهم بالنساء والمشروبات، كما أنّ العنف المهيمن على الأحياء المهمّشة التي يعيشون فيها، يظهر أيضاً ضمن اهتماماتهم، وهو ما انعكس في تحوّل شخصيات، مثل القاتل الشهير جاك مسرين، الذي أصبح خلال عقد الثمانينيات العدو الأول للدولة الفرنسية، أو فيلم "الوجه ذو الندبة"، بطولة آل باتشينو، إلى أيقونات بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، تأثّر الجانب الأعمّ من الأصوليين بهذه الشخصيات أكثر من الإسلام نفسه، قرأ محمد مراح، على سبيل المثال، قبل تنفيذ هجماته قصة فيلم "الوجه ذو الندبة".

لكن كلّ هذا العنف، حتى مع إضافة التشويه والانقسام الاجتماعي، لا يقدم وحده تفسيراً لاعتناق الأفكار الجهادية؛ بل ثمة عوامل تزيد خطر الأصولية، إنّها الموجة العاتية التي تستغلّها التنظيمات الإرهابية، كانت القاعدة أولاً، ثم تلاها داعش، في تجنيد الإرهابيين والمقاتلين؛ لذا تبرز الحاجة الماسة إلى تحليل الوضع وفهمه من أجل صياغة سياسات متوسطة وبعيدة المدى، تسهم في الحدّ من مخاطر الأصولية، كما أنّه، انطلاقاً من الأحداث السابقة، يمكننا تفهّم الرقم المرتفع من المقاتلين الأجانب ذوي الجنسية الفرنسية، حتى لو كان مسلمو فرنسا هم الأكبر عدداً على مستوى أوروبا، بيد أنّ ذلك لا يفسّر، في حدّ ذاته، ما وراء الأرقام المرتفعة. المعدّلات النسبية مطّردة هي الأخرى؛ فمن بين كلّ مليون مسلم، أو شخص ينحدر من جذور مسلمة في فرنسا، تحوّل 334 فرداً إلى مقاتلين أجانب، مقابل 173 في إسبانيا، و45 في إيطاليا.

لذا؛ من الضروري للغاية الانتباه إلى أنّ إدماج هؤلاء الشباب والحوار بين الأجيال أمران لا غنى عنهما، للحدّ من عدد الذين يتعرّضون لعملية الأصولية، وبالتالي تقليص احتمالات وقوع اعتداءات، وقد بدأت سلطات عدة دول أوروبية بالفعل تلتفت إلى أنّ إعادة الإدماج عنصر رئيس، فضلاً عن العمل على التقارب مع العائلات، ومنحها دعماً نفسياً ودينياً ومدنياً.

اقرأ أيضاً: هل يعود الأطفال الجهاديون الأجانب إلى أوطانهم؟

على أنّ الحالة الفرنسية تتضمن عوامل خطر أخرى أكثر تفرّداً؛ فالجانب الأكبر من عناصر داعش تعرّفوا داخل السجن أو الحي الذي يقطنون به، أو المسجد، أو على الشبكات الاجتماعية، إلى مقاتل سابق، أو رجل دين سلفي أصولي، أقنعهم باتخاذ خطوة في ذلك الاتجاه، وتعدّ حالة السجون الفرنسية نموذجاً مثيراً للجدل؛ فـ 60% من النزلاء هم مسلمون، والكثير منهم يعتنق الفكر السلفي، ويسهّل وجودهم إجراء الاتصالات المطلوبة لتنفيذ رحلتهم إلى الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، وإزاء ظاهرة الأصولية في السجون، اتخذت الحكومة الفرنسية بعض الإجراءات المتّبعة في دول أخرى، ويشهد سجن (فرسن) بمقاطعة فال دو مارن، منذ عام 2015، تطبيق مشروع يهدف للحيلولة دون تجمّع السجناء المصنّفين بـأنهم (أصوليون إسلاميون) في مكان واحد، مع مراقبتهم وإبقائهم معزولين عن باقي المحبوسين، فضلاً عن إيداع النزلاء الأشدّ خطورة بزنازين انفرادية.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟

ختاماً: إنّ حالة فرنسا تكشف بوضوح مؤشرات مهمّة في الحرب ضدّ ديناميكيات الإرهاب الدولي الجديد؛ فبلاد الغال باتت نقطة انطلاق للمقاتلين الأجانب، فضلاً عن أنّها ساحة خصبة كي يبثّ فيها تنظيم مثل داعش إرهابه، خاصة مع هزيمته في آخر معاقله بسوريا، والتخوّفات من تحرّكاتهم بعد عودتهم إلى بلادهم، لا سيما في ظروف أكثر تعقيداً، مثل الحالة اللبنانية، التي أظهرت أنّ المقاتلين العائدين قد ينخرطون مجدّداً في صفوف تنظيمات أصولية، على المستويين المتوسط والبعيد.


المصدر: تحليل لميجل فريرو، الباحث بالمعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:

هذا ما قاله أردوغان عن الفصل بين الجنسين في الجامعات

2019-07-18

ترجمة: محمد الدخاخني


أدلى الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، بتعليق مثير للجدل خلال خطاب ألقاه في قمّة "مجموعة العشرين"، في أوساكا. تضمّن الخطاب مقطعاً يمتدح نظام التّعليم اليابانيّ لفصله بين الجنسين في بعض الجامعات. وقال أردوغان إنّ الجامعات النّسائيّة، والبالغ عددها 80 جامعة، في اليابان عُدّت "شيئاً مهمّاً للغاية"، وإنّه يمكن أن يتخيّل إدخال شيء مماثل في تركيا.

اقرأ أيضاً: انتقد ديكتاتورية أردوغان .. نعوم تشومسكي يتضامن مع "أكاديميّي السلام"

وفي أنقرة، وبُعيد عودته من القمّة، أكّد أردوغان مجدّداً على مزايا النُّظُم التّعليميّة الّتي تُقرّ الفصل بين الجنسين على طريقة النّموذج اليابانيّ. وقال إنّه يمكن أن يتخيّل تطبيق الفصل بين الجنسين في الجامعات التّركيّة، أيضاً، وإنّه طلب من "المجلس التّركيّ للتّعليم العالي" اتّخاذ الخطوات الّلازمة لبدء ذلك.

يجادل أردوغان وقيادة حزب "العدالة والتّنمية" بأنّ الفصل بين الجنسين في المؤسسات التعليمية من شأنه أن يحسّن أداء الطالبات

هذا، وانتقدت بحدّة قطاعات عديدة من الشّعب التّركيّ، بما في ذلك نسويّات وناشطات في مجال حقوق المرأة، أفكار الرّئيس التّركيّ حول عمليّة الإصلاح التّعليميّ. ويعتقد الكثيرون أنّه من غير المناسب تماماً أخذ اليابان، من بين كافّة البلدان، باعتبارها نموذجاً لإصلاح التّعليم: فاليابان لا تُعتبر بأيّ شكل من الأشكال من البلدان المثاليّة فيما يتعلّق بقضايا المساواة بين الجنسين. وكان تقرير يبحث مسألة الّلامساواة بين الجنسين على صعيد عالميّ، صدر عام 2018 عن "المنتدى الاقتصاديّ العالميّ"، قد وضع اليابان في المرتبة 110 من أصل 149 دولة - فيما جاءت تركيا بعدها بـ 20 مركزاً.

رفض نسويّ
تذكّرنا فاطمة-غول بركتاي، وهي عالمة سياسيّة وخبيرة في مجال حقوق المرأة، بأنّ هدف الجامعات القائمة على الفصل بين الجنسين في القرن التّاسع عشر كان إتاحة فرصة أكبر للمرأة للوصول إلى التّعليم. وكان هذا، أيضاً، هو الهدف منها عندما تأسّست في اليابان.

فاطمة-غول بركتاي
لكن في أيامنا هذه وعصرنا هذا، كما تعلّق بركتاي، يُعدّ الفصل بين الجنسين بشكل أكبر فعلاً من أفعال التّمييز. ووفقاً لها، فإنّ جودة النّظام التّعليميّ التّركيّ قد تراجعت بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة، ممّا يعني أنّ هناك مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً. تقول بركتاي: "إنّ نظامنا التّعليميّ معطوب بشكل جوهريّ. ونحن بحاجة ماسّة لتحسين تعليمنا. ومن ثمّ، فإنّ الحديث عن جامعات تفصل بين الجنسين في هذه المرحلة هو محض هراء".

اقرأ أيضاً: سلطة أردوغان تتهاوى لهذه الأسباب
وتشير بركتاي إلى نتائج دراسة نُشرت الأسبوع الماضي وتناولت الأداء التّعليميّ لأطفال المدارس التّركيّة، شأنها شأن دراسات تعاطت مع بلدان أخرى. وقد خَلُصَت إلى أنّ أداء العديد من تلاميذ المدارس التّركيّة سيئ للغاية في مادتي الرّياضيّات والّلغة التّركيّة.

اقرأ أيضاً: هل تقوّض إسطنبول إمبراطورية أردوغان؟
ويجادل أردوغان وقيادة حزب "العدالة والتّنمية"، حزبه الحاكم الإسلاميّ المحافظ، بأنّ الفصل بين الجنسين في المؤسّسات التّعليميّة من شأنه أن يحسّن أداء الطّالبات. من جانبها، تقول بيركاي إنّه ما من شيء من المنطق في كلامهم هذا. "إذا نظرت إلى درجات الفتيات في المدارس الابتدائيّة، فسترى أنّ الأداء المدرسيّ لديهنّ أفضل ممّا كان عليه الوضع في أيّ وقت مضى - بالرّغم من أنّهنّ يتعلّمن إلى جانب الأولاد".

حتّى يومنا هذا يؤمن معظم النّاس في تركيا بشدّة بمبدأ العلمانيّة

انتهاك مبدأ العلمانيّة

الأكاديميّة النّسويّة أكسو بورا، من جامعة هاجيتيبي في أنقرة، تصف مبادرة الرّئيس التّركيّ بأنّها "فانتازيا قوامها الحنين إلى الماضي": "في القرن الواحد والعشرين، لا تريد أيّ امرأة، ولا حتّى النّسوة الميّالات إلى النّزعة المحافظة، الدّراسة في مثل هذه الجامعات القائمة على الفصل بين الجنسين". وتعتقد بورا أيضاً أنّ هناك مخاوف أكبر الآن من الفصل بين الجنسين في الجامعات. تقول: "من العبث أن نتحدّث عن جامعات نسائيّة في وقت يتمّ خلاله طرد الأكاديميّين من الجامعات بشكل جماعيّ". وفي هذا إشارة إلى العديد من المعلّمين والأساتذة الأتراك الّذين فقدوا وظائفهم بموجب حالة الطّوارئ الّتي أُعلِنت في أعقاب محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016. وقد حُكِم على بعضهم بالسّجن.

بركتاي: نظامنا التعليمي معطوب ونحن بحاجة ماسّة لتحسينه والحديث عن جامعات تفصل بين الجنسين بهذه المرحلة محض هراء

ينفر العديد من أعضاء المعارضة في تركيا من الخطابات والسّياسات الدّينيّة المتزايدة للرّئيس. وغالباً ما يُتّهم أردوغان بالتّدخل في النّظام التّعليميّ بهدف غرس القِيَم المحافظة بقوّة أكبر في جيل الشّباب في تركيا. وتعتقد النّاشطة في مجال حقوق المرأة، ظِلال أيمن، أيضاً، أنّ مبادرات الرّئيس التّركيّ جزء من خطّة طويلة الأجل. وتقول: "تُعدّ الجامعات النّسائيّة خطوة نحو تلقيح الشّعب بمزيد من التّدين. ولكنّها خطوة في الاتّجاه الخاطئ. يجب أن نمضي قدماً في العلمنة بدلاً من ذلك. فالجامعات النّسائيّة ستجلبنا إلى الوراء، وليس إلى الأمام".

اقرأ أيضاً: تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟
كانت العلمانيّة - الفصل بين الدّولة والدّين - واحدة من المبادئ الأساسيّة لتركيا منذ تأسيس الدّولة في عام 1923. وبالتّالي، لم تكن هناك جامعات قائمة على الفصل بين الجنسين. ورأى مصطفى كمال أتاتورك، مؤسّس تركيا الحديثة، فصل الدّولة عن الدّين باعتباره أحد "أركان الدّولة التّركيّة السّتّة".
وحتّى يومنا هذا، يؤمن معظم النّاس في تركيا بشدّة بمبدأ العلمانيّة. وبالتّالي، يُنظَر إلى الفصل بين الجنسين في المؤسّسات التّعليميّة بشكل بالغ النّقد - في النّهاية، يَعتبر العديد من الأتراك في ذلك انتهاكاً لهذا المبدأ. كذلك، مبدأ المساواة بين الجنسين منصوص عليه في القانون. وببساطة، تقول إحدى مواد "القانون الأساسيّ للتّعليم الوطنيّ" الّذي صدر عام 1973: "يُعدّ التّعليم الّذي يشارك فيه كلا الجنسين أمراً جيّداً".


المصدر: بورجو كاراكاس، دويتشه فيله

للمشاركة:

أفغانستان: جحيم للنساء.. والرجال أيضاً

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-07-17

ترجمة: مدني قصري


في جميع الأزمنة، وأياً كان الدين المؤسسي المهيمن، ما انفك مكان المرأة يتأرجح بين الجحيم والحبس. لقد تطور وضعها في أفغانستان في الوقت الذي كان فيه اليسار في السلطة.

اقرأ أيضاً: أفغانستان ولواء "فاطميون"
ومع ذلك، كان المجاهدون المسلحون من قبل الولايات المتحدة وحلفائها يُفجرّون مدارس الفتيات، لأنّ عدم تعليمهنّ مبدأ رباني. هذه الحقيقة وحدها كان ينبغي أن تدفع القادة السياسيين ووسائل الإعلام الغربية إلى توخّي الحذر في دعم هؤلاء الأصوليين. لقد ارتكب الأصوليون الجهاديون، أمثال؛ قلب الدين حكمتيار (غلبدين حكمتيار)، ورباني، ومسعود، وسياف، وخليلي، وأكبري، ومزاري، وشريكهم الإجرامي دوستم، أكثر الجرائم بشاعة ضد النساء الأفغانيات.

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال

تشير حقيقة حديثة إلى درجة تخلف هؤلاء الأصوليين "المعتدلين" المزعومين المهيمنين حالياً على السلطة في كابول، بفضل الدعم الغربي. اقترح نواب، مؤخراً، قانوناً لمعاقبة العنف ضد المرأة. لكنهم أجبِروا على سحب نصهم الذي اعتبره المجاهدون "مؤثرات غربية نمطية تنتهك الشريعة".

تصنَّف أفغانستان الآن كأخطر بلد بالنسبة للنساء، تليها جمهورية الكونغو الديمقراطية وباكستان والهند والصومال.

كان المجاهدون المسلحون يُفجرّون مدارس الفتيات

مصير النساء الفظيع في أفغانستان

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي، بينما تعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب، أو للتشويه والاغتصاب معاً. فهنّ يشهدن للإنسانية على مصير النساء الفظيع في أفغانستان، حيث تتزوج 57٪ منهنّ قسراً قبل سن السادسة عشرة.

تعرضت شابات متزوجات قسراً للتشويه الجسدي وتعرّض البعض الآخر منهنّ للاغتصاب

في شهادة جمعتها "هيومن رايتس ووتش"، قالت الناشطة النسائية الأفغانية وازما فروغ: "بعد مرور ثمانية أعوام على سقوط طالبان وتأسيس حكومة كرزاي، ما تزال حالة النساء الأفغانيات واحدة من أسوأ الحالات في العالم. ما تزال الفصائل السياسية التي تهيمن على أفغانستان معادية أيديولوجياً لكثير من الحقوق التي بدأ العديد من النساء يتمتعن بها منذ سقوط طالبان، مثل حرية الحركة وحرية العمل والحق في التعليم. تقدر اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان في أفغانستان أنّ 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية في أفغانستان، وأنّ حوالي 57٪ من الفتيات متزوجات قبل سن السادسة عشرة".

اقرأ أيضاً: ملامح إستراتيجية داعش الجديدة في أفغانستان

في آذار (مارس) 2006، شددت لجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة على أنّ "الاختطاف وما يسمى بجرائم الشرف، وتبادل الفتيات والنساء لتسوية الديون أو المشاجرة ظل جزءاً مهماً من حياة النساء والفتيات في أفغانستان، من بين العديد من العقبات التي تحول دون تمكينهنّ. وارتبط عدم كفاية الدعم والمساعدة للنساء، ضحايا العنف، بتكرار الانتحار بالنيران (...) في عام 2005. وغالباً ما يتم تشجيع النساء أو منعهن من ممارسة الأنشطة خارج المنازل. كما وردت تقارير عن الدعارة القسرية والاتجار بالنساء الأجنبيات والنساء والأطفال الأفغان".

النساء يهربن من جحيم أفغانستان

الحياة المروعة للمرأة الأفغانية في ظل نظام طالبان

وفقاً لطالبان، ليس للمرأة دور آخر تلعبه سوى الإنجاب أو تلبية احتياجات الرجال أو القيام بالمهام المنزلية.

وتشمل قيود ووحشية طالبان ما يلي:

1- الحظر التام لعمل المرأة خارج منزلها، بما في ذلك بالنسبة للمعلمات والمهندسات ومعظم المهن. يُسمح فقط لعدد قليل من الطبيبات والممرضات بالعمل في عدد قليل من المستشفيات في كابول.
2 - الحظر التام لنشاط المرأة خارج منزلها إذا لم يكن مصحوباً بمحرم.
3 - منع المرأة من التعامل مع التجار الذكور.
4 - منع المرأة من العلاج بواسطة طبيب ذكر.
5. حظر الالتحاق بالمدرسة أو الجامعة أو أي مؤسسة تعليمية أخرى. (حولت طالبان مدارس البنات إلى حلقات دراسية).
6- الالتزام بارتداء حجاب طويل يغطي المرأة من الرأس إلى القدم.

اقرأ أيضاً: اعترافات جهادي سابق: صهر عبد الله عزام يروي قصة الجهاد من الجزائر إلى أفغانستان
7- النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرم يتعرضن للجلد والضرب والإهانة.
8- النساء اللواتي يظهرن كعبيهنّ يتم جلدهن في الأماكن العامة.
9- حظر وضع الماكياج. (لقد قاموا بتقطيع أصابع العديد من النساء بسبب طلاء الأظافر).
10- حظر التحدث أو مصافحة رجال غير محرم.
11- حظر الضحك بصوت مسموع. (لا ينبغي لأي شخص غريب في العائلة أن يسمع صوت المرأة).
12- حظر ارتداء الأحذية ذات الكعب، وعدم الإزعاج أثناء المشي. (يجب ألا يَسمع الرجل خُطى المرأة).
13- حظر التنقل بسيارة أجرة بدون محرم.
14- حظر التواجد في الراديو أو التلفزيون، أو خلال المناسبات العامة من أي نوع كانت.
15- حظر ممارسة الرياضة أو دخول نادٍ أو مركز رياضي.
16- حظر ركوب الدراجة الهوائية أو الدراجة النارية، حتى لو رافقها محرم.
17. حظر ارتداء الملابس ذات الألوان الزاهية، تعتقد طالبان أنّ هذه "ألوان مثيرة".
18- حظر التجمع في المهرجانات الشعبية أو لأي أسباب ترفيهية.
19- حظر غسل الملابس بالقرب من الأنهار أو في الأماكن العامة.
20- تعديل جميع أسماء الأماكن التي تحمل كلمة "امرأة". على سبيل المثال، تم تغيير اسم "حديقة النساء" إلى "حديقة الربيع".
21- حظر ظهور المرأة على شرفة منزلها أو شقتها.
22- الالتزام بطلاء جميع النوافذ لتفادي مشاهدة النساء من الخارج.
23- يحظر على الخياطين الرجال أخذ قياسات المرأة أو خياطة ملابسها.
24- حظر استحمام النساء في الأماكن العامة.
25 - الفصل بين الرجل والمرأة في وسائل النقل العام. تحمل الحافلات إشارة "للرجال فقط" أو "للنساء فقط".
26- حظر ارتداء السراويل الواسعة، حتى تحت البرقع.
27- حظر تصوير النساء.
28- حظر طباعة صور النساء في الصحف والكتب أو تعليقها على جدران المنازل أو المتاجر.
النساء اللواتي لا يرتدين الحجاب أو لا يرافقهنّ محرمٌ يتعرضن للجلد والضرب والإهانة

بالإضافة إلى هذه القيود المفروضة على النساء، قامت طالبان بـ:
- منع الاستماع إلى الموسيقى، لكل من الرجال والنساء.
- منع مشاهدة الأفلام والتلفزيون ومقاطع الفيديو، ويشمل المنع الجميع.
- منع الاحتفال بالعام الجديد التقليدي (النوروز) في 21 آذار (مارس)، الذي أعلن عطلة غير إسلامية.

اقرأ أيضاً: هل تعود طالبان لحكم أفغانستان من جديد؟

- إلغاء يوم عيد العمال 1 أيار (مايو) ، الذي أطلقوا عليه "العيد الشيوعي".
- إلزام الأشخاص الذين ليس لديهم اسم إسلامي بتغيير أسمائهم.
- فرض تسريحات شعر معيّنة على الأفغان الشباب.
- يُشترط أن يرتدي الرجال ملابس إسلامية ويغطون رؤوسهم.
-  يُشترط ألا يحلق الرجال، ويحلقون لحاهم طالما أنّها لا تنزل قيد قبضة يد عند نهاية الذقن.
- يُشترط أن يحضر الجميع الصلوات الخمس في المساجد.
- حظر تربية الحمام واللعب مع الطيور؛ لأنها عادة غير إسلامية، يتم سجن من لا يحترم هذا الحظر، وقتل الطيور، ويحظر أيضاً ممارسة لعب الطائرة الورقية.

- مطلوب من المتفرجين في الأحداث الرياضية أن يشجعوا عن طريق ترديد الله أكبر مع حظر التصفيق.

- حظر بعض الألعاب، مثل الطائرات الورقية، التي تعتبر "غير إسلامية" من قبل طالبان.
- إعدام أي شخص بحوزته كتابات مرفوضة.
- إعدام أي مسلم يتحول إلى دين آخر.
- يجب على جميع تلاميذ المدارس والطلاب (الذكور) ارتداء عمامة "لا عمامة، لا تعليم".
- يجب على الأقليات غير المسلمة ارتداء شارة مميزة أو خياطة قطعة قماش صفراء على ملابسها.

وضع النساء في أفغانستان أسوأ مما كان عليه في ظل طالبان

حول الوضع في أفغانستان تقول الناشطة الأفغانية، مالايا جويا، في مقابلة مع موقع rawa.org إنّ مسؤولية الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. وعن المرأة الأفغانية تحديداً تقول إنّ وضع المرأة في أفغانستان، للأسف، أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان.

الحياة مروعة في ظل حكم طالبان

ما هو وضع المرأة في أفغانستان؟ هل تشعرن بالتحرر؟

مالايا جويا: وضع المرأة في أفغانستان للأسف أكثر سوءاً وخطورة مما كان عليه في عهد طالبان. النساء والرجال الأفغان لم يتحرّروا على الإطلاق. إنّهم يعانون من الظلم وانعدام الأمن والفساد والبطالة والفقر. النساء والأطفال هم الأسوأ حالاً. إذا كان الوضع المأساوي للمرأة ذريعة جيدة لحلف الناتو لاحتلال بلدنا، فإنّ نظام أمراء الحرب، الذي حلّ محلّ نظام طالبان، لا يقل شؤماً علينا جميعاً. إنّهم يسيران جنباً إلى جنب مع طالبان، ويخدعون الشعب الأفغاني، متنكرين في زيّ الديمقراطيين.

اقرأ أيضاً: هل تشهد أفغانستان تحولها "ما بعد الإسلاموي"؟

قبل 15 عاماً، كان لدى النساء والرجال في بلدنا عدوّ، وهُم طالبان، ولكن مع الاحتلال، يواجه شعبنا أربعة أعداء: أمراء الحرب، وطالبان، وقوات الاحتلال، وداعش. صحيح أنه في بعض المدن الكبرى، مثل كابول، أو حيرات، أو مزار الشريف، يمكن لبعض النساء الوصول إلى العمل والتعليم، لا سيما لإضفاء الشرعية على الاحتلال. لكن في المناطق الريفية، لم يقدّم النظام للمرأة شيئاً.

كيف تغيرت حياتك منذ الاحتلال؟

خلال فترة طالبان، كنت مُدرّسة سريّة، وأرتدي البرقع. واليوم، ما زلت أرتدي هذا اللباس. أعتقد أنه رمزٌ للقمع، لكنه يمنحني الأمن، مثلما يمنحه لآلاف من النساء الأخريات، لا سيما النساء الناشطات. لأنه يتيح لهنّ إخفاء هُويتهنّ.

اقرأ أيضاً: نساء أفغانستان يخشين من عودة الزمن إلى الوراء

حظيتْ النساءُ الأفغانيات ببعض الحقوق في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، كنّ يرتدين ملابس على الطريقة الغربية إلى حدّ ما، وكان لهنّ دور في المجتمع، وكنّ يسلكن الشارع دون حجاب. بعد أربعة عقود من الحرب، صرن أكثر معاناة من غيرهنّ. فهنّ يتعرضنّ لكثير من المخاطر، خاصة الناشطات منهنّ.

وفق حقوق الإنسان في أفغانستان فإن 60٪ إلى 80٪ من جميع الزيجات هي زيجات قسرية

حاولوا اغتيالي عدة مرات. لا أستطيع البقاء في مكان واحد، لا بد لي من الانتقال من منزل إلى آخر، ولا أستطيع العيش مع عائلتي. هذه قضايا تؤثر على جميع الناشطات الأفغانيات الأخريات. لقد أرادوا إسكاتي؛ لأنني أشجب هؤلاء الأصوليين وأفضحهم للناس، وأكشف جرائمهم التي ترعاها الولايات المتحدة والناتو، اللذان يدعمان السلطة في أفغانستان.
في مكتب أحد أمراء الحرب الأصوليين، عطا محمد نور، حاكم مزار الشريف في شمال أفغانستان. إنه أحد أمراء الحرب الأقوياء الذين شاركوا في الحرب الأهلية من عام 1992 إلى عام 1996. لقد أصبح الآن يحلق ذقنه ويلبس بذلة وربطة عنق. يتلقى ملايين الدولارات من الحكومات الغربية. لديه الآن نوع من الحكومة داخل الحكومة. ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أنه تاجر مخدرات شهير، ورجل فاسد سرق ملايين الدولارات من "المجتمع الدولي" لإعادة الإعمار والتعليم. لقد سُرقت مئات الملايين من الدولارات التي تلقتها الحكومة من الغربيين من قِبل السياسيين الفاسدين الموجودين في السلطة، وكذلك من قِبل المنظمات غير الحكومية، الأفغانية والأجنبية.

 الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً

لماذا يفرّ الناس من أفغانستان ويصبحون لاجئين؟

الوضع في أفغانستان كارثي. خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل. 60٪ من السكان عاطلون عن العمل، وربما أكثر. يغادرون البلاد للعيش حياة آمنة، والحصول على وظيفة. عندما يهاجرون عبر طرق خطرة، يتعرّضون للتمييز والقسوة. وهذا ليس فقط في الدول الغربية، ولكن أيضاً في الدول المجاورة. عليهم مواجهة ديكتاتورية إيران وباكستان. ما نريده هو احترام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان واللاجئين واللجوء. عند إعادتهم إلى أفغانستان، فإنّ هؤلاء يجدون أنفسهم مجبَرين على الاختيار بين الانضمام إلى صفوف طالبان أو داعش، الذين يدفعون لهم  600 يورو شهرياً، أو أن يصبحوا مدمني مخدرات.

الوضع في أفغانستان كارثي خاصة بسبب انعدام الأمن ونقص فرص العمل فـ 60٪ من السكان عاطلون عن العمل

مسؤولية هذه الأزمة، ليس في أفغانستان فقط، ولكن أيضاً في دول أخرى، مثل العراق أو اليمن أو الصومال أو ليبيا، مسؤولية تتحملها الولايات المتحدة وحلف الناتو. لقد استخدِم الإرهاب من قبل رجال السياسة لخدمة إستراتيجيتهم الخاصة، ولصالحهم السياسي والاقتصادي. الشعب هو الضحية. طوال 15 عاماً، لعبوا بمصير الأفغان. لقد غزوا أفغانستان باسم الحرب على الإرهاب، وقتلوا الأبرياء في حرب مزعومة ضد طالبان. إنهم يستخدمون أفغانستان لمصالحهم الخاصة، وللتحكم في القوى الآسيوية الأخرى، مثل الصين وإيران وروسيا وغيرها، وللحصول بسهولة أكبر على الغاز والنفط من الدول الآسيوية. وفي الوقت نفسه، يكسبون مئات الملايين من الدولارات من الاتجار بالأفيون. فهذا الاتجار أكثر خطورة من القاعدة والإرهاب؛ لأن هناك أكثر من ثلاثة ملايين أفغاني مدمنون على الأفيون، وخاصة بين الشباب.

هل يبدي الناس غضبهم من هذا الوضع؟

لدينا مثلٌ في أفغانستان يقول: "حيثما توجد قسوة، هناك أيضاً مقاومة". لقد سئم الناس من هذا الوضع الكارثي. كل يوم، ترتفع أصوات أكثر فأكثر ضد الاحتلال والنظام. في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015، على سبيل المثال، تمّت تعبئة تاريخية في أفغانستان، عقب قطع رأس فتاة عمرها تسعة أعوام و6 شبان آخرين من أقلية الهزارة العرقية. المسؤولون عن هذه الجرائم هم طالبان وداعش. عندما أعيدت جثثهم إلى كابول عند منتصف الليل، سار عشرات الآلاف من الأشخاص من مختلف الأعراق إلى القصر الرئاسي للاحتجاج. لكن لم يستمع أحدٌ إليهم. على الرغم من الأمطار، بقوا هناك حتى اليوم التالي، إلى أن قدّمت الحكومة، التي حاولت التلاعب بالتعبئة، ببعض الوعود الفارغة.

جويا: قبل 15 عاماً كان لدينا عدوّ واحد طالبان ولكن مع الاحتلال يواجه شعبنا: أمراء الحرب وقوات الاحتلال وداعش

كل يوم، يزداد هذا النوع من المقاومة، الحرب في أفغانستان ليست مسألة غزو عسكري فحسب، وإنما هي أيضاً دعاية. نحن نؤمن بأنه لا يمكن لأي دولة أن تجلب التحرير إلى دولة أخرى. التحرير لن يأتي إلا من قبل الأفغان. لكن يجب على الولايات المتحدة وحلف الناتو أن يتركانا وشأننا، وأن يتوقف عن وضع مجرمي الحرب في السلطة والتفاوض مع إرهابيي طالبان. الناس يكرهون هؤلاء الأصوليين. فإذا توقفوا عن دعمهم، فإننا نعتقد أنّهم سيصبحون "أيتاماً" بدون دعامة أساسية. البديل الوحيد لمستقبل السلام في أفغانستان يكمن في القوى التقدمية؛ أي المثقفين.

يمثل حزب تضامن أفغانستان، على سبيل المثال، أملاً للشباب الذي كان الضحية الأولى للحرب. إنه حزب علماني يحارب الاحتلال والأصولية. إنه ينظم مظاهرات، ويضم نشطاء فاعلين وشجعاناً للغاية، يخاطرون بحياتهم. من الضروري أن يمارس الأشخاص التقدميون في إسبانيا أو الولايات المتحدة أو أعضاء الناتو الآخرون ضغوطاً على حكوماتهم. نحتاج إلى دعم التحالفات اليسارية في هذه البلدان، لا سيما فيما يتعلق بالتعليم، فهو المفتاح ضد الاحتلال وضد الجهل.


المصدر: gauchemip.org

للمشاركة:



الجيش الألماني في مواجهة التطرف..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

كشف الجيش الألماني؛ أنّه رفض، عام 2017، طلبات 63 شخصاً للانضمام إليه؛ بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد، وجاهزيتهم لارتكاب أعمال عنف.

وأثبتت الإحصاءات التي نشرها الجيش؛ أنّ من بين 63 متقدماً، رفضت طلباتهم؛ يوجد 21 من النازيين الجدد، ضمن مجموعة "مواطنو الرايخ"، و12 إسلامياً، ومتطرفان يساريان متشددان، وبضعة أشخاص وصفوا بأنّهم "مستعدون لارتكاب أعمال عنف"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

الجيش الألماني يكشف أنّه رفض طلبات 63 للانضمام إليه بسبب أفكارهم المتطرفة والتشدّد

 وتجري الآن عملية تقييم لوضع "حركة الهويات" للمرفوضين، الذين صنفتهم مؤسسة حماية الدستور (هيئة الاستخبارات الداخلية) يمينيين متطرفين.

وطبقاً للتقرير؛ فإنّه بين تموز (يوليو) 2017 وحزيران (يونيو) 2019؛ قامت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بفحص طلبات تقدم بها 43,775 متقدم، جرى ذلك بناء على طلب من وزارة الدفاع، بعد تسريبات أفادت بتسرب عناصر من اليمين المتطرف داخل الجيش الاتحادي، وذهبت بعض تلك التقارير لوصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف".

 لكنّ الفحص كشف أنّ "في 1173 حالة كانت مجرد اتهامات غير واضحة، وغير مؤكدة"، وصدر التقييم بعد أن فحصت الهيئة الحربية لمكافحة التجسس (MAD) بدقة الحالات المشار إليها.

تقرير الهيئة الحربية لمكافحة التجسّس (MAD) يصف الجيش بأنّه "مرتع لليمين المتطرف"

ورأت السياسية اليسارية، أولا يلبكه، في تصريحات صحفية لـ "فرانس برس"؛ أنّ "الفحوصات الأمنية المشار إليها تمثل عامل ردع مؤثر على النازيين الجدد، لكنّها أشارت في الوقت نفسه، إلى أنّ الفحوص لم تشمل العسكريين المنخرطين قديماً في الخدمة، وقالت: إنّ "مدى فاعلية عملية التقييم الجديدة لن يصبح ملموساً إلا بعد مرور أعوام، لكنّ السؤال هو؛ هل تتناقص أعداد الحوادث المرتكبة من قبل عناصر اليمين المتشدد، وأعمال العنف التي يمارسها رفاق الخدمة ضدّ زملائهم".

بدورها، ردّت وزيرة الدفاع، آنيغريت كرامب-كارينباور، على الاتهامات التي طالت الجيش الألماني بشأن عناصر اليمين المتطرف، بالقول: "لا يوجد شكّ يحوم على وجه العموم، حول جنودنا، فهؤلاء الجنود يعرضون حياتهم للخطر أثناء أدائهم للواجب، ولهذا تليق بهم ثقتنا ودعمنا، ولكن هذا لا يعني أنّ على المرء ألّا يتحرى بدقة عن الأشياء التي تحتاج إلى تناول نقدي، لكن لا يجب أن تتسبب مجموعة صغيرة بإساءة لسمعة كلّ الجيش الألماني".

 

 

للمشاركة:

جهادية بريطانية سابقة تكافح التطرف بهذه الأساليب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

نشطت البريطانية، تانيا جويا، التي تعرّف عن نفسها بأنّها "جهادية إسلامية سابقة"، على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم.

تانيا جويا تنشط على "إعادة تأهيل" المقاتلين المتطرفين بهدف إعادة دمجهم في مجتمعاتهم

وعرضت جويا، في مقابلة أجرتها معها وكالة "فرانس برس" في واشنطن، مشروعها لمنع العنف والتطرف، قائلة: "هدفي هو أن يشعروا بالندم، وتدريبهم ليكونوا مواطنين صالحين بعد خروجهم من السجن حتى يستعيدوا مكانهم في المجتمع".

وأضافت تانيا: "أدركت أنّه من المهم إبعادهم عن التطرف وإعادة تأهيلهم"، مشدّدة على ضرورة إعادة برمجتهم وإعطائهم أملاً في العملية السياسية.

وتابعت أنّه "يتعين أيضاً أن تشرح لهم "العوامل النفسية والوسائل، التي قادتهم إلى التطرف والرفض الذي عانوه أثناء نشأتهم في أوروبا أو أمريكا، والصراع الثقافي، والأزمات التي مروا بها."

وأردفت "إذا تمّ توضيح ذلك لهم بشكل منطقي جداً، سيتقبلون الأمر، كما حدث معي".

 كما أيدت عودة المقاتلين المقبوض عليهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم فيها، وهذه ما تدعو إليه الولايات المتحدة، لكنّ دولاً أوروبية، منها فرنسا، تفضل أن يحاكَموا في العراق.

وهي تناضل أيضاً من أجل عودة شميمة بيغوم، التي انضمت إلى تنظيم داعش في 2015؛ حين كان عمرها 15 عاماً، وتودّ العودة إلى لندن، لكنّ عدم إبدائها أيّ ندم على ما فعلت، شكّل صدمة للرأي العام البريطاني، وأسقطت الحكومة عنها الجنسية البريطانية.

وترى تانيا أنّ الدول الغربية "مسؤولة عن هؤلاء الأشخاص، ولا يمكنها تركهم في الشرق الأوسط بأيدي الأكراد، والعنف الذي يتعرضون له في تلك المخيمات سيزيد من تمسّكهم بعقيدتهم المتطرفة".

جويا تؤيد عودة المقاتلين إلى بلدانهم وتؤكّد أنّ العنف في المخيمات يزيد تمسّكهم بالتطرف

ولدت تانيا جويا، عام 1984، في لندن، لأسرة من بنغلادش، وواجهت العنصرية وصعوبات الاندماج. وفي سنّ 17 عاماً، اعتنقت الأفكار المتطرفة، بعد اعتداءات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، ودعوة زعيم تنظيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، للجهاد العالمي.

تزوجت عام 2004 من مسلم أمريكي، كان اسمه جون جورجيلاس، واتّخذ لقب يحيى البهرومي، وباتت تدعو لإقامة دولة إسلامية، يكون أطفالها الثلاثة جنوداً لها.

لكن في 2013، اقتادها زوجها "رغماً عنها" إلى شمال غرب سوريا للانضمام إلى الجهاديين، فوشت به للسلطات الأمريكية، وفرّت بعد ثلاثة أسابيع وعادت إلى الولايات المتحدة.

وبعد أن عادت إلى ولاية تكساس، التي ينحدر منها زوجها، تخلت عن أفكارها المتطرفة وغيّرت نمط حياتها، وتطلقت وتزوجت من جديد.

في الأثناء؛ انضمّ زوجها السابق إلى تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر بعد وقت قصير على مناطق واسعة من العراق وسوريا، وتولى دعاية التنظيم المتطرف باللغة الإنكليزية، وقالت إنّه "أصبح أكبر مسؤول أمريكي في التنظيم، وقتل في 2017 في معركة الميادين، شمال سوريا".

ويعتقل الأكراد حالياً حوالي 12 ألف مقاتل أجنبي، من أربعين دولة، في معسكرات في مناطق سيطرتهم، شمال شرق سوريا، بينهم أربعة آلاف امرأة وثمانية آلاف من أطفال الجهاديين.

وهي تشارك في برنامج منع التطرف العنيف الذي تديره منظمة "مشروع كلاريون" الأمريكية، بغرض "منع الشباب من اقتراف الأخطاء التي ارتكبناها أنا وزوجي السابق".

ويتضمّن البرنامج "نماذج اتصالات" و"رسائل مضادة" موجهة للشباب؛ "لتفادي أن يقعوا في براثن التطرف الديني والأيديولوجي"، بحسب ما أوضحت المنسّقة الوطنية للبرنامج، شيرين القدسي.

رحيل رضا: لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنّها مجرد أفكار

ورأت رئيسة الجمعية الكندية "مسلمون في مواجهة المستقبل"، رحيل رضا؛ أنّ "لا أحد يولد متطرفاً عنيفاً؛ بل يتم صنعه والتلاعب به (ليكون كذلك) إنها أيديولوجيا ومجرد أفكار".

وأضافت أنّه يجب بالتالي؛ "منع هذه الأفكار من الانتقال إلى الشبان."

وأشارت إلى أنّ أسلوب التجنيد لدى دعاة تفوق العرق الأبيض والإسلاميين "واحد"، ويقوم على دمج شبان ذوي "شخصية هشّة" في "جماعة".

وتشبه شيرين القدسي الأيديولوجيتين بـ "نارين تغذي كلّ منهما الأخرى" موردة، مثل: مجزرة المسجدين في نيوزيلندا، في آذار (مارس) 2019، حين قتل متطرف أسترالي 51 مصلياً في مسجدين.

 

للمشاركة:

الحوثيون يقتلون بعضهم... لماذا؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

وقعت، اشتباكات بين عناصر ميليشيات الحوثي؛ أمس، إثر خلاف نشب بينهم على تقسيم منهوبات.

وأعلنت ميليشيات الحوثي، مقتل 9 من عناصرها، بينهم القيادي مجاهد قشيرة الغولي، ومدير الأمن السياسي في محافظة عمران، كما جرح 11 شخصاً آخرين، في اشتباكات درات بين "عناصر أمنية" تابعة للانقلابيين والغولي.

مقتل 9 عناصر من ميليشيات الحوثي في محافظة عمران إثر خلاف على منهوبات

وأفادت مصادر محلية، وفق ما نقلت "العربية"؛ بأنّ "الغولي نصب كميناً لمدير أمن محافظة عمران لاستعادة ما أخذه منه من منهوبات، وقتل اثنين من مرافقي مدير الأمن، فتمّ استدعاء عشرات العناصر الحوثية من مديرية سفيان إلى عمران، ومحاصرة الغولي في منزله، ودارت اشتباكات لساعات عدة انتهت بمقتل الغولي ومدير الأمن السياسي في عمران، و6 عناصر من "أمن" الميليشيات".

ووفق شهود عيان؛ سحل الحوثيون جثمان الغولي، بعد مقتله في شوارع عمران.

كذلك أوضحت مصادر قبلية؛ أنّ "الغولي كان أحد العناصر القبلية التي انضمت إلى ميليشيات الحوثي في وقت مبكر، وشاركت في اقتحام مدينة عمران، عام 2014، وفي قتل العميد حميد القشيبي، قائد اللواء 310 مدرع".

مقتل طفلتين وإصابة والدتهما في قصف حوثي طال منزلاً بمنطقة دار النصر

في سياق متصل بجرائم ميليشيات الحوثي الإرهابية؛ قُتلت طفلتان وأصيبت والدتهما في قصف طال منزلا بمنطقة دار النصر، مساء أمس.

وأطلقت ميليشيا الحوثي الانقلابية قذيفة باتجاه جبل صبر، تسببت بدمار جزئي لمنزل المواطن محمد أحمد سعيد جوار دار النصر، وأدت لمقتل طفلتيه وإصابة زوجته بجروح عدة.

وأكّدت مصادر طبية وصول الطفلتين؛ هبة محمد أحمد، وهيام محمد أحمد، متوفتين، إثر إصابتهما بشظايا القذيفة، فيما وصلت مسك سعيد محمد مصابة بعدة جروح في جسمها، إثر إصابتها بشظايا القذيفة.

 

للمشاركة:



لماذا يخاف أردوغان من باباجان أكثر من داود أوغلو؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

عبد الله منصور

رجب طيب أردوغان… أو كما يحب أن يناديه من حوله بالطيب أردوغان؛ اسم لن يكون من السهل على تركيا أن تنساه، خاصة أنه كان نجم المشهد السياسي في تركيا لنحو ربع قرن، منذ أن تولى رئاسة بلدية إسطنبول في عام 1994، ومنها قفز إلى رئاسة الوزراء، ثم رئاسة الجمهورية التي ما لبث أن حولها إلى عرش سلطنة ذات صلاحيات غير مسبوقة.

مع مطلع الألفية الجديدة وصَّل أردوغان ورفاقه التيار الكهربائي إلى “مصباح” حزب العدالة والتنمية، الذي مهَّد لهم الطريق لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم السياسية ليحتكروا المشهد السياسي في تركيا، إلى أن جاء عام النكسة 2019، الذي يعتبر أطول وأصعب الفترات على أردوغان ورفاقه، بعد أن تلقوا خسارة فاضحة في انتخابات المحليات التي خرجوا منها عراة بدون البلديات الكبرى، وعلى رأسها إسطنبول وأنقرة وإزمير وأنطاليا.

لم تكن هذه كلمة النهاية وإنما كان لأردوغان قرار آخر، إذ ضغط على الجهاز القضائي لإلغاء نتائج بلدية إسطنبول التي يحتكرها ورفاقه منذ أن كان عمدتها، لتعاد الانتخابات على مقعد رئاسة بلدية إسطنبول الكبرى في 23 يونيو/ حزيران الماضي، والتي بدأت تطفئ “مصباح” العدالة والتنمية رويدًا رويدًا.

الخسارة هذه المرة لم تكن فادحة وإنما فاضحة ومخزية، تبعها مفاجئات عديدة لم يكن يحلم بها أردوغان. استمرت الشائعات حول نية وزير الاقتصاد السابق علي باباجان تأسيس حزب سياسي خاص به، إلى أن أعلن بنفسه استقالته من الحزب بشكل رسمي، مع توجيه انتقادات حادة ولاذعة لسياسات الحزب وأردوغان، مع الكشف عن تحركه لتأسيس حزبه مع عدد من الأصدقاء المنشقين عن حزب العدالة والتنمية.

أردوغان لا يبالي بالأسماء التي ستعلن انشقاقها عن الحزب، قدر خوفه من باباجان، ولكن لماذا باباجان المختفي عن المشهد السياسي من عام 2015؟

في الوقت الذي يحاول فيه أردوغان استجماع قواه وإعادة ترتيب صفوفه بعد الهزيمة، ظهر هذا الاسم الذي بات يؤرق نوم أردوغان. علي باباجان هو أحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية، ومثَّل الحزب داخل البرلمان في أربع دورات منذ 14 نوفمبر 2002، وحتى 7 يونيو/ حزيران 2015. خلال هذه الفترة شغل عدة حقائب وزارية، تنوعت بين وزير الدولة المسؤول عن الاقتصاد في أول حكومة برئاسة عبد الله جول (2002-2007)، بعدها تولى منصب وزير الخارجية في حكومة طيب أردوغان الأولى (2007-2009)، ثم عاد مرة أخرى وزيرًا للدولة لشؤون الاقتصاد (2009-2011)، وفي الفترة بين عامي 2009 و2015 كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء آنذاك أردوغان، وعينه أيضًا كبير المفاوضين للانضمام للاتحاد الأوروبي.

لهذه الدرجة كان الرجل مقربا من أردوغان ومحل ثقة، إلا أن انشقاقه عن الحزب تسبب في حالة من الفزع لأردوغان؛ إذ إنه كان مهندس التنمية الاقتصادية التي شهدتها تركيا في عهد حزب العدالة والتنمية، ومن بعده بدأت الأمور تزداد سوءًا إلى أن بات الأتراك يذوق مرارة الأوضاع الاقتصادية السيئة.

خوف أردوغان وفزعه مُبرر ومعقول، خاصة أنه تمكن من سحر الرأي العام التركي بنجاحاته الاقتصادية، ليدخل التاريخ بأنه أطول حزب يسيطر على السلطة في البلاد. كذلك حالة الغضب التي تسيطر على الشارع التركي الذي بات يبحث عن حلول اقتصادية، دون أن يبالي بالسياسة، وأن المواطنين قد يعقدون آمالهم على باباجان النجم الجديد ليعيد الأمجاد الاقتصادية لبلادهم مرة أخرى؛ خاصة وأنه أكد أكثر من مرة أن حزبه لن يقتصر على المنشقين عن حزب العدالة والتنمية والتيار الإسلامي فقط، وإنما سيفتح أحضانه للجميع العلماني والليبرالي والكردي والمحافظ واليساري.

حتى إن أردوغان فضح نفسه بنفسه، وكشف في تصريحات صحفية له خلال رحلة العودة من زيارته لدولة البوسنة والهرسك، أنه كان ينوي التخلص من باباجان وإبعاده عن المشهد السياسي، قائلًا: “عرضت عليه مهمة رسمية في دولة أوزباكستان، لكنه رفض”، مما يدل على أنه اطلع على نيته الحقيقية وتخطيطه لإبعاده من المشهد السياسي في تركيا.

الدليل على أن أردوغان يخاف من ورقة باباجان الاقتصادية أكثر من أوراقه السياسية، أنه عقد عدة لقاءات واجتماعات مع وزير الاقتصاد السابق أيضًا محمد شيمشك، الذي تثار حوله ادعاءات عن نيته الانشقاق عن الحزب والانضمام لجبهة باباجان.

أما رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو فلا يشغل حيزا كبيرا من تفكير أردوغان، خاصة وأنه معروف عنه انتمائه للتيار الإسلامي المحافظ، فضلًا عن شعبيته التي تآكلت على يد أردوغان منذ أن نقله من وزارة الخارجية إلى رئاسة الوزراء، لينهي مسيرته السياسية وسط اتهامات توجه له بالتسبب في توريط تركيا في أزماتها الخارجية مع دول الجوار والدول العربية بشكل خاص.

وفي تطور سريع كشفت الدائرة المقربة من داود أوغلو، خلال الأسبوع الماضي، أنه يخطط للظهور في لقاء تليفزيوني لكشف الستار عن عدد من أخطاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية، من بينها الحديث أن السياسات التي اتبعت خلال فترة رئاسته للوزراء كانت بتوجيه من أردوغان وحزبه ولا علاقة له بها.

الفترة المقبلة ستكشف عما إذا كانت كلمة “النهاية” في يد مهندس التنمية الاقتصادية أم أن أردوغان سيقلب الطاولة مرة أخرى.

عن "الزمان" التركية

للمشاركة:

لا مكان للقوة في الخليج

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-21

فاروق يوسف

ليست المشكلة في أن تحتجز إيران ناقلة نفط بريطانية. ذلك حدث تمكن تفادي تداعياته عن طريق الإسراع في الافراج عن الناقلة.

المشكلة تكمن في طريقة تفكير الإيرانيين في أن لهم الحق في التحكم بحركة الملاحة عبر مضيق هرمز. وهو ممر مائي دولي ليست لأحد يد عليا عليه. ذلك التفكير الخاطئ قد يجر إيران إلى مناطق مظلمة.

ما هو مطلوب من إيران وسواها من الدول التي تشترك معها في الاطلالة على مضيق هرمز أن تكون مصدر أمان لحركة الملاحة لا مصدر تهديد.

والامر لا يقبل اللعب أو المزاح الثقيل.

هناك خطوة خاطئة قد لا يؤدي التراجع عنها إلى محوها. وهو ما فعلته إيران في محاولة منها للرد على الاجراء البريطاني في جبل طارق.

ليس من حق إيران أن ترد بتلك الطريقة. ذلك لأنها تنتقل من موقع حراسة الأمن في الخليج إلى موقع، تكون من خلاله مصدر تهديد للأمن. وهو ما لا يتعلق ببريطانيا وحدها بل بجميع الدول التي لها مصلحة في أن تكون الملاحة في الخليج مضمونة وآمنة.

كان على إيران أن تبحث عن حل آخر لأزمتها مع بريطانيا غير أن تستعرض عضلاتها في المكان الخطأ. فإذا كانت بريطانيا قد أخطأت حين احتجزت الناقلة الإيرانية في جبل طارق وهو أمر قابل للنقاش فقد كان على إيران أن لا ترتكب خطأ مشابها يدفعها إلى مواجهة مع العالم.

ومع ذلك فقد كان التصرف البريطاني قانونيا. فالناقلة الإيرانية المحتجزة في جبل طارق كانت ذاهبة إلى سوريا وهو ما لا يسمح به قانون المقاطعة الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا لا تزال واحدة منها.

بريطانيا إذاً تملك ما يسند موقفها قانونيا. في حين أن إيران لم تتصرف إلا باعتبارها دولة قراصنة. 

هناك فرق بين القانون والقرصنة.

لا أعتقد أن الإيرانيين يدركون ذلك الفرق.

كان من المتوقع أن ترمي إيران حجرا في الفراغ من أجل إثارة المجتمع الدولي واعادته إلى الاهتمام بأزمتها بعد أن بدا واضحا أن أوروبا قد سحبت يدها في ما يتعلق بمساعيها للتخفيف من أثر العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران.

ولقد زاد من عزلة إيران الدولية أن الإدارة الأميركية كانت قد قررت أن لا تلجأ إلى الخيار العسكري في المرحلة الراهنة وهو ما يعني أن الكرة صارت في الملعب الإيراني. فإذا كان الإيرانيون راغبين فعلا في إنهاء العقوبات فما عليهم سوى الذهاب إلى المفاوضات المباشرة، من غير البحث عن وسطاء. وهو ما رفضته إيران وما لا تزال ترفضه.

ذلك موقف لا يشجع أحدا لمد يد العون إليها. فالواضح أن القيادة الإيرانية ترغب بسبب تقديرات خاطئة أن يرضخ العالم للواقع الذي صنعته في منطقة بالرغم من تعارض ذلك الواقع مع القوانين الدولية.

ولكي تؤكد أنها دولة لا تعترف بالقانون الدولي فقد قامت باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتؤكد إنها قادرة على تنفيذ تهديداتها بغلق مضيق هرمز ضاربة عرض الحائط الالتزامات التي يفرضها عليها قانون الممرات الدولية.

كان الأولى بإيران أن تحل أزمة ناقلتها المحتجزة في جبل طارق في سياق قانوني. ذلك لأن هناك محكمة هي التي أقرت التحفظ على الناقلة ولم يتم الاستيلاء عليها من قبل قراصنة.

غير أن إيران التي لا تعترف أصلا بالقانون تصرفت من منطلق كونها في حالة حرب. وهي ترغب في حل أزماتها من خلال منطق الحرب. وهو ما يستدعي من موقع الحرج أن يقوم المجتمع الدولي برعاية مصالحه في الخليج وذلك عن طريق اجبار إيران بالقوة على الخضوع للقانون الدولي.

سيكون ذلك الحل مكلفا وخطرا. غير أنه الحل الوحيد الذي يمكن أن تفهم إيران من خلاله أن لا مكان للقوة في الخليج.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

عودة ستالين… هكذا يسعى بوتين إلى تبييض سمعة الزعيم السوفييتي

2019-07-21

ترجمة: محمد الدخاخني


تميّز عام 1989 بتوقّعات كبيرة، وغنّت في روسيا فرقة الرّوك "كينو"، "إنّنا في انتظار التّغييرات"! وفي تجمّعات عامّة ضخمة ملأت شوارع موسكو، طالب الملايين بالحرّيّة والدّيمقراطيّة. لقد أحدث عصر غورباتشوف موجة من التّغيير، وشهد النّاس أحداثاً مُذهلة بشكل أسبوعيّ: فانتزعوا الصّحف، وعلّقوا على كلّ كلمة تُبث على شاشة التّلفزيون، ومع كلّ يوم يمرّ شعروا بمزيد من الحيويّة والحرّيّة.

نبش سجل ستالين الأسود

لقد أدرك الكثيرون أيضاً أنّه لتغيير النّظام السوفييتي الفاسد، فإنّه على المرء معرفة حقيقة ماضيه الستالينيّ. وهو ما تحقّق في العام الذي تأسّست فيه منظمّة "ميموريال" لحقوق الإنسان، التي جمعت مئات الناشطين من كافة أنحاء الاتحاد السوفييتي، وكان بعضهم قد عاش حياة الغولاغ (معسكرات العمل)، وبعضهم من المنشقّين الذين عادوا مؤخراً من معسكرات العمل أو المنافي، مثل الفيزيائيّ النّوويّ أندريه ساخاروف. كانت المهمّة واضحة: "سوف نستعيد ذكرى ضحايا ستالين ونقدّمها للعلَن".

 احتفال بعيد ميلاد ستالين في موسكو عام 2015

في ربيع 1989، حدث شيء لم أكن لأتخيله أبداً في أشد أحلامي جموحاً، لقد دُعيتُ إلى معهد التّاريخ والمحفوظات في موسكو لإلقاء محاضرة على الطلاب حول مصير السجناء السابقين في الغولاغ. وبعد ذلك، سألني أحدهم إن كنت قد قابلت مؤيداً فعلياً لستالين من قبل، كانت ردّة فعلي الأولى هي الضّحك، لكنّني توقّفت وتساءلت: هل وصلنا أخيراً إلى نقطة زمنيّة حيث يفكّر أولئك الذين في العشرينيات من عمرهم بأنّه لم يَعُد ثمّة وجود للستالينيين؟ بعد مرور ثلاثين عاماً، ها أنا أتذكر تلك اللحظة بشعور مرير.

أدرك الكثيرون أنّه لتغيير النظام السوفييتي الفاسد فعلى المرء معرفة حقيقة ماضيه الستاليني

في أوائل التسعينيات، تدفق الزوار على المنزل الصغير الذي توجد به مكاتب منظمة "ميموريال". لقد أحضروا معهم مستندات، ومذكّرات من السّجون ومعسكرات العمل، وخطابات من الغولاغ، ورسائل قصيرة أُلقيت من سيّارات الشّحن العابرة ووصلت بأعجوبة إلى المُرسَل إليهم المقصودين. وأشياء أخرى من الغولاغ، كان بينها صناديق مصنوعة من خشب الأبلكاش وُجدت في معسكرات العمل، وسُترات سجن مبطّنة مطبوع عليها أرقام السّجناء، وملاعق وأوعية متعرّجة. وأحضر بعض الزّوار كُتباً خُطّت يدويّاً، وتطريزات، ورسومات، وألواناً مائيّة، وكلّها أشياء تمكّنوا من إخفائها أثناء تفتيش زنازينهم. وقد أدّى ذلك إلى إنشاء أرشيف في "ميموريال"، وهو عبارة عن مجموعة من آلاف الشّظايا المرتبطة بالذكريات العائلية.

اقرأ أيضاً: قمة بوتين وأردوغان.. هذه أهم ملفاتها

في ذلك الوقت، كنّا نظنّ أنّ هذه مجرّد بداية لعمليّة طويلة، وأنّ قادتنا السّياسيين الجدد أدركوا أنّ الوصول إلى الماضي يُعدّ مهمّة أساسية. لكن الإصلاحيّين افتقروا إلى الاهتمام بالتّاريخ؛ فقد كانوا في عجلة من أمرهم لبناء اقتصاد السّوق. لم يروا الصّلة بين الإصلاحات الاقتصاديّة النّاجحة والحاجة إلى مجتمع مدنيّ نَشِط. ومن جانبها، لم تذكر حكومة بوريس يلتسين القمع السّياسي السّوفييتي إلا قبل الانتخابات من أجل التصدّي للشيوعيّين.

عودة رسميّة إلى ستالين

بعد فترة وجيزة، في ظل الأزمة الاقتصادية الحادّة، أصبحت "الدّيمقراطيّة" كلمة قذرة بالنسبة إلى العديد من الرّوس. لقد أُحبِطوا، وشعروا بأنّ الإصلاحات لم تتحقّق البتّة. واستسلم المجتمع الرّوسي للتعب واللامبالاة. إنّ الجرائم الستالينيّة، الّتي اعتُقِد أنه من الأفضل مناقشتها على الملأ، كانت مروِّعة إلى درجة أنّ النّاس لم يرغبوا في قضاء الوقت في التّفكير فيها.

وصف فلاديمير بوتين سقوط الاتحاد السوفيتي بأنه أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين

بحلول منتصف التسعينيات، بدأ الحنين إلى الحقبة السّوفييتية يتسلّل إلى نفوس الناس، وبدأت استعادة رمادية عصر بريجنيف، بطوابيره التي لا تنتهي ومحلاته الفارغة، باعتباره عصراً يسوده السلام والازدهار. وتدريجيّاً، تحقّق شيء كان مستحيلاً خلال البيريسترويكا: تعاظَم ظِلّ ستالين مجدداً.

تعد ميموريال المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي للحفاظ على الذاكرة

جاء صعود فلاديمير بوتين إلى السّلطة مصحوباً بنسخة جديدة من الوطنيّة تعتمد على الجوانب "البطوليّة" و"المُشرِقة" من الماضي السوفييتي. وعادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية وقاد قوّة عظمى سوفيتية. وعملت الدّعاية التلفزيونية مرّة أخرى بجديّة على خلق تلك الصّورة. والملايين الذين قضوا نحبهم في موجات من القمع السّياسي دُفِعوا إلى هوامش الوعي الجماعي.

اليوم، أصبحت أحداث من قبيل تحرير أوروبا الشّرقيّة عام 1989، وسقوط جدار برلين، ونهاية الحرب الباردة مفهومة من جانب العديد من الرّوس على أنّها أشكال من الهزيمة، بل كوارث. ولا عجب، بالنظر إلى أنّ بوتين وصف سقوط الاتحاد السّوفييتي بأنّه "أكبر كارثة جيوسياسية" في القرن العشرين. اليوم، يُطالعك وجه ستالين على نحو كلّي الوجود في كل مكان، من الّلوحات الإعلانية إلى جدران قطارات الأنفاق ونوافذ المكتبات. كذلك، تنتشر العشرات من المعالم الأثريّة الخاصّة بستالين في كافّة أنحاء روسيا.

ستالين ضيّع أملنا

ليس الأمر أنّ الرّوس نسوا العلاقة المباشرة بين اسم ستالين والقمع السّياسي الّذي أثّر على كلّ أسرة تقريباً. فهم بالأحرى لا يريدون التفكير في الإرهاب أو في من ارتكبوه أو ما الذي كان وراءه. كما أنّهم ليسوا مستعدين للاعتراف بأنّ هذا كان الرّكن الأساسي للنّظام بأكمله.

عادت للظهور صورة لستالين باعتباره قائداً قويّاً كفل الانتصار في الحرب العالمية الثانية

لقد أصبحت العمليّة الحالية لتمجيد انتصاراتنا وتبييض سمعة ستالين ممكنة لأنّ روسيا اليوم، في الواقع، ليس لديها أي مفهوم على الإطلاق عن المستقبل. أي بلد نريد العيش فيه؟ بلد "نهض من الجلوس على ركبتيه" ويتبع مساره الخاص والفريد؟ ولكن ما هذا المسار؟ لقد فشل أيديولوجيّو الكرملين في تحديد أيّ شيء بوضوح.

ينضم كثير من المتطوعين والشّباب في مبادرات ميموريال بالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في طريقهم

إنّه من الصعب اليوم أن نتذكّر عام 1989 دون شعور عميق بالفرصة الضائعة والأمل المدمّر. في أعوام بوتين الأولى، بادلت الأغلبية الصّامتة إمكانية الحريّة بوعود "الاستقرار"، وفيما بعد بالفخر الوطنيّ بـ"روسيا العظيمة"، باعتبارها قوّة ترسم الحدود حولها وتشعر بأنّها حصن مطوَّق.

يبدو أنّ حرّيّتنا تتقلّص كل يوم بالسرعة نفسها التي توسّعت بها قبل 30 عاماً. و"ميموريال" هي المنظّمة الوحيدة التي عملت طوال عقود، بلا كلل ودون أيّ دعم حكومي، على الحفاظ على الذاكرة. وفي عام 2016، وصفتها السّلطات بأنّها "عميل أجنبي"، تماماً مثل عشرات المنظمات غير الحكومية الأخرى. ويوري ديمترييف، أحد مؤرّخينا من منطقة كاريليا، محتجز منذ ما يقرب من ثلاثة أعوام بتهم ملفقة، وقد تعرّض النّاشط الحقوقي، أويب تيتيف، للاضطهاد بسبب عمله في الشيشان.

اقرأ أيضاً: راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية
ومع ذلك، هناك قوى في المجتمع الرّوسي تُقاوم ذلك. فالناس يريدون معرفة مصير أسلافهم. ومن جانبها، تتلقّى "ميموريال"، شأن وضعها قبل أعوام عديدة مضت، الدعم مرّة أخرى من العديد من الجهات. وينضم المزيد من المتطوعين ويشارك المزيد من الشّباب في مبادراتنا، وبالرّغم من كافّة العقبات الّتي تضعها السّلطات في وجهنا، حيث يتم إطلاق مشاريع جديدة لاستكشاف الذّاكرة التاريخية.

إنّ التّاريخ لن تُعاد كتابته بالكامل. وقد يكون بوتين محطّ اهتمام كبير في كافة أنحاء العالم، ولكن في روسيا، من الواضح للكثيرين منّا أنّ عودة بلدنا إلى الدّيمقراطية ستكون مستحيلة طالما فشلنا في إدانة ستالين والنّظام الّذي أنشأه.


المصدر: إرينا شيرباكوفا، الغارديان

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية