تطوّر إرهاب الجماعات الدينية المتشددة وإستراتيجيات مكافحته... الحالة الفرنسية أنموذجاً

تطوّر إرهاب الجماعات الدينية المتشددة وإستراتيجيات مكافحته... الحالة الفرنسية أنموذجاً
4498
عدد القراءات

2019-04-21

ترجمة: علي نوار


مع دخول العقد السادس والسابع من القرن الماضي، وفي أعقاب اندحار الحركات الاشتراكية في الشرق الأوسط، طفت على السطح التيارات الإسلاموية الأكثر تشدّداً، ومن بين الجماعات المختلفة التي تدعو لتأويل متطرّف ومنغلق للدين، تبرز جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي كانت إحدى أبرز الجماعات التي تضفي الشرعية على العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، ومتّهمة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية بالفساد وتحميلها مسؤولية انهيار العالم الإسلامي.

اقرأ أيضاً: اقتراح عراقي جديد بخصوص الجهاديين الأجانب المعتقلين لدى الأكراد

ورغم أنّ معركة هذه الجماعات ركّزت على "العدو القريب"، إلّا أنّ جماعات إرهابية أخرى، مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، بدأت بعد ذلك بأعوام في وضع أهداف غربية نصب أعينها، في إطار الدعوة لما عُرف باسم "الجهاد ضدّ العدو البعيد"، لكن إثر التدخّل الروسي في أفغانستان، وضع تنظيم القاعدة إستراتيجيته المناوئة للغرب، ما أدّى لاحقًا إلى شنّ مزيد من الهجمات، وضرب الولايات المتحدة على أراضيها، عن طريق هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه

كانت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحوّل في الفكر الجهادي؛ حيث أصبح عالمياً، وبات تهديداً دولياً، فبالنسبة إلى الدول الغربية؛ كان هذا الاعتداء دليلاً على مدى خطورة الإرهاب الجهادي، ليس لفداحة الكارثة فحسب؛ بل بسبب الدرجة العالية من الإعداد لها ومدى تعقيدها، فقد شمل اعتداءات نُفّذت في وقت متزامن على عدد من الأهداف في عمق أكبر قوة عظمى في العالم.
ورغم أنّ تنظيم القاعدة استغل حالة الدعاية الهائلة المصاحبة لهذه الفاجعة،
في بثّ دعايته الخاصة، كاسياً إياها بغلاف معاداة الإمبريالية، ذي لمسة سلفية..، إلّا أنّ الحادث تسبّب على المدى البعيد في شنّ المجتمع الدولي حرباً بلا هوادة.

وفي أعقاب تلك الهجمات، شنّت الولايات المتحدة، وبدعم قطاع واسع من المجتمع الدولي، حروباً في كلٍّ من أفغانستان والعراق، الأمر الذي نتج عنه تغيّراً في إستراتيجيات الجماعات الإرهابية.

بدأت القاعدة، التي كانت تمتلك قواعد في أفغانستان وباكستان، في التراجع على خلفية الضغط الدولي، بيد أنّها عرفت كيفية التكيّف مع الظروف الجديدة، شرعت في الدخول بتحالفات مع الجماعات السلفية في منطقة القوقاز، خاصة بإقليم إفريقيا، كما أنّ الضغط الدولي نتج عنه تغيير في الهيكل التنظيمي للقاعدة، وقد تخلّى التنظيم عن بنيويته الهرمية لاحقاً، ليتبنّى أنموذج الخلايا المستقلة بذاتها، والتي يصعب رصدها ومكافحتها، فضلاً عن قدراتها، من حيث تكتيك الحرب الخفية، وكلّما ازدادت وطأة الضغط العالمي كانت القاعدة تعيد تأهيل ذاتها، تشكّلت في البداية خلايا خصّيصاً لكلّ هجوم على حدة؛ حيث لا تصبح هناك صلة بتاتاً داخل التنظيم بين المهاجم الإرهابي والقيادات، وفق فرضيات منظّره مصطفى عبد القادر نصار (أبو مصعب السوري)، أصبح الإرهاب عالمياً ودولياً ولا مركزياً إلى أبعد حدّ، ويقول نصار: "الجهاد فرض والقتل شريعة؛ ينبغي أن يكون كلّ شاب مسلم إرهابياً"، كانت هذه دعوة لما يعرف باسم (الذئاب المنفردة)، التي تتحرّك أحياناً في مجموعات صغيرة، وفي كثير من الأحيان بدافع وجود صلة ما، يعدّ هذا التحوّر منطقياً وخطيراً في الوقت ذاته، فبدون وجود هيكل تنظيمي واضح، تصبح الصلات بين أعضاء التنظيم غير ذات أهمية على الإطلاق، وتُستخدم فحسب من أجل شنّ هجمات ضخمة، وبالتبعية يصبح عبء المكافحة أثقل على عاتق قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات، وأيضاً استحالة فكرة التسلّل إلى داخل صفوف هذه المجموعات الضئيلة، واتّبعت جماعات إرهابية أخرى هذه الإستراتيجية كذلك.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟

وربما يكون أهم وأخطر هذه الجماعات في يومنا هذا: تنظيم داعش، الذي ظهر استغلالاً لحالة فراغ السلطة في أعقاب سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ثم الاقتتال الأهلي الدامي الذي خيّم على البلاد، فيما بعد، وبدعم من القبائل السنّية، التي لطالما كانت في السلطة قبل أن تتعرّض للإقصاء، وعقب التدخّل الأمريكي، تمكّن داعش، شيئاً فشيئاً، من اكتساب قدر متزايد من القوة، ونجحت جماعة (التوحيد والجهاد) في حشد الدعم الشعبي بالمناطق الغربية من العراق، وبعد مبايعتها لتنظيم القاعدة، عام 2004، تبيّن بعدها بقليل أنّ إستراتيجيتها وأيديولوجيتها تحملان أوجه اختلافات كبيرة عن (القاعدة).

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

فهذه الجماعة، وعلاوة على كراهيتها للحضارة الغربية، وخلافاً للقاعدة، تحمل في طيات أيديولوجيتها الفكر التكفيري؛ حيث تضع في خانة المرتدّ كلّ مسلم لا يقبل أفكارها. تبنّت (التوحيد والجهاد) مجدّداً العنف ضدّ "العدو القريب"، لكن العدو هذه المرة كان أقليات غير سنّية، وفور وفاة زعيمها، أبو مصعب الزرقاوي، أصبح الانفصال الفكري أمراً واقعاً، لتعلن الجماعة تغيير اسمها إلى (الدولة الإسلامية في العراق).
استغل الزعيم الجديد للتنظيم، أيوب المصري، المشهد الداخلي في العراق، كي يزيد من نفوذ تنظيمه، حاشداً قدراً أكبر من الدعم، بفضل المجتمع السنّي، كما نجح فوق كلّ شيء في ضمّ عسكريين سابقين، وكذلك أعضاء في جهاز الاستخبارات التابع لحزب (البعث) بين صفوف تنظيمه، كانت الخبرة الكبيرة التي يتمتّع بها العسكريون السابقون في الجيش العراقي لا غنى عنها بالنسبة إلى التوسّع والانتصارات العسكرية التي حقّقها التنظيم.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال

سمح هذا التوسّع للتنظيم ببسط نفوذه على الأراضي الواقعة تحت سيطرته، وارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له، من منطلق رؤيته للشريعة في منطقة بعينها، مع إقامة حكومته ومؤسساتها، يعدّ ذلك عاملاً رئيساً، يميّزه عن تنظيمات جهادية أخرى؛ لأنّه يعتمد على الغزو والسلب كمصادر أساسية للتمويل، لكنّ التنظيم يحتاج، قبل كلّ ذلك، إلى فضاء يخلو من السيادة ويعاني توتّرات داخلية عنيفة، على نحو تصبح معه ممارسة أقصى درجات العنف بحق المسلمين غير السنّة أمراً مقبولاً، كما أنّ مصادر التمويل متنوّعة، ولا تدخل في حساباتها أيّة معايير أخلاقية؛ فتبدأ من بيع النساء والأطفال، بما في ذلك تجارة الأعضاء، إلى فرض الضرائب على السكان المحليين، فضلاً عن نهب المصارف والمتاحف أو بيع النفط بشكل غير مشروع.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
كان بثّ الرعب أداة رئيسة، سواء من أجل تخويف الأعداء أو الحيلولة دون تمرد المحليين، الذين يسيطر التنظيم على المناطق التي يعيشون بها.

ارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له

على أنّ أكثر ما يثير القلق؛ هو قدرة التنظيم الإرهابي على التكيف، وعلى توفيق أوضاعه بحسب الظروف والبيئة المحيطة، ولعل الفترة بين عامي 2013 و2017، حافلة بالنماذج التي تكشف عن تمتّعه بهذه المزية، فخلال الأعوام الأربعة هذه؛ استغلّ التنظيم انسحاب القوات الأمريكية كي يصبح أبرز جماعة إرهابية، ويوسّع سيطرته على الأراضي؛ بل وصل إلى مشارف بغداد، إلّا أنّ تحالفاً مكوّناً من قبائل شيعية مختلفة، فضلاً عن الدعم الإيراني تمكّن في النهاية من إيقاف تقدمه.
عاود داعش إظهار قدرته على التكيّف حين استفاد من وضع لا يحظى فيه بالأفضلية، وأدرك زعيمه سريعاً أنّه إذا كان يريد مواصلة تعزيز قوته فيتعيّن عليه الاستحواذ على مساحات أكبر من الأراضي، وأنّ هذا الأمر ممكن فحسب في المناطق التي يقطنها مسلمون سنّة.

اقرأ أيضاً: حلّ 4 جمعيات شيعية في فرنسا.. لهذه الأسباب

وبفضل شبكة من الاتصالات في البلد المجاور، مستغلاً مرة أخرى حالة الفوضى القائمة في سوريا، عبر التنظيم الحدود العراقية ليدخل الأراضي السورية، وكان تمدّد داعش سريعاً؛ نظراً إلى أنّ أغلب فصائل المعارضة للنظام الحاكم كانت سنّية المذهب، وهو ما ساعده على تأسيس نموذج دولة تقع على أراضي بلدين، كسرت الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو. كان لهذا الحدث أبلغ الأثر الدعائي في تمكين داعش من الظهور في صورة قائد الجماعات السلفية الجهادية، وقدّم التنظيم نفسه على أنّه في مصاف هؤلاء، الذين نجحوا في إزالة الحدود التي فرضها الاستعمار، ومدّعياً سعيه نحو إعلان قيام خلافة تجمع كافة الأراضي التي كانت تحت الحكم الإسلامي في الماضي، تحت راية واحدة، ووفق تفسير إقصائي للإسلام.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول

بذلك أصبح داعش جماعة جهادية تقاتل العدو القريب، وكذلك البعيد، في الوقت ذاته، قادراً على إعادة ترتيب أولوياته طبق ما يفرضه الموقف، ويستطيع، كما رأينا فيما بعد، الاستفادة من مشكلات الاندماج والعدمية لدى الشباب المسلم في أوروبا.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف واضح؛ هو استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه.
توجد أعداد كبيرة من الأوروبيين بين هؤلاء؛ ففي كانون الثاني (يناير) 2015، قُدّر الرقم بأربعة آلاف مقاتل، أي ما يمثّل 20% من إجمالي عدد أعضاء داعش، لعب هؤلاء المقاتلون دوراً كبيراً في التنظيم، ويشكّلون تهديداً كبيراً بالنسبة إلى بلدانهم الأصلية، وجّه التنظيم الإرهابي جزءاً كبيراً من أمواله لغرض الدعاية ونشر مميزات خلافته المزعومة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف استقدام الأجانب، الذين ترى دولهم أنّ مسألة إعادة توطينهم بعد انتهاء الحرب في سوريا والعراق تعدّ تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى السلطات، التي تعمل ليس فقط على استئصال التشدّد لدى هؤلاء الشباب، بل دشّنت برامج عدة لجعل خطابهم أقل جاذبية، وتفكيك دعايتهم، لكن كل ذلك لا يُغني عن ضرورة دراسة عملية التلقين الأصولي، التي تعرّضوا لها، لتجنب تحوّلات جديدة تصبح أشدّ مقاومة وأكثر صعوبة في مواجهتها؛ لذا من المهم تحليل آليات دعاية داعش، والوسائل التي اتبعها لتجنيد أعضائه، وسبل نشر فكره.

الراديكالية ونزع الأصولية عن المقاتلين الأجانب

رغم الحرب بلا هوادة، التي شُنّت ضدّ داعش، والتي أتت بثمارها وسقوط خلافة التنظيم عملياً، إلّا أنّ التهديد الأمني الذي يمثّله المقاتلون الأجانب بالنسبة إلى 86 دولة، لديها، أو كان لديها، مواطنون منخرطون في جبهات القتال بسوريا أو العراق، مرتفع للغاية؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) 2015؛ كان هناك 30 ألف مقاتل أجنبي على جبهات القتال في صفوف التنظيم الإرهابي، على درجة عالية من التطرّف، وبلا أدنى خوف من الموت، كانوا هم رأس الحربة في الحرب غير المتكافئة والعنيفة، كما أنّ إمكاناتهم ساعدت داعش في دعايته، بدرجة كبيرة؛ حيث دأب على إبراز مهاراتهم اللغوية والمعلوماتية، فضلًا عن تحرير مقاطع الفيديو والأغنيات ...إلخ، التي كان يبثّها لاحقاً عبر الشبكات الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ ارتكابهم جميع أنواع الفظائع، وهو ما نزع عنهم آخر وازع من ضمير أو أخلاق.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة

وبعودتهم؛ يصبح هؤلاء المقاتلون جاهزين لشنّ هجمات أو الترويج للعنف أو تجنيد أهداف ضعيفة، كي يتحوّلوا هم أيضاً إلى أصوليين، كما أنّ، وفق هيجهامر، خبير الإسلاموية الأصولية ومؤلّف عدد من الكتب في هذا المجال، وجود مخضرمين في هجوم ما يرفع احتمالات سقوط ضحايا قتلى، وكذلك يزيد إمكانية نجاح الاعتداء الإرهابي؛ فالخبرة العسكرية تساهم في تدريب المجندّين الجدد مباشرة على الأراضي الأوروبية، ونتيجة ارتفاع أعدادهم، وقربهم من مناطق القتال؛ فإنّ هذه معضلة أمنية كبرى، ورغم تنوّع التركيبة المكوّنة لهذه الفئة، سواء من حيث المستوى الاجتماعي أو التعليمي، أو حتى الدوافع، إلّا أنّه بوسعنا تكوين فكرة عامة عن الفئات الأكثر ضعفاً، التي يسهل جرّها إلى مستنقع الأصولية، وكذلك الوقائع التي تؤدّي لتسريع هذه العملية.

اقرأ أيضاً: صحيفة فرنسية: إيران تتجسس على الدبلوماسيين الأجانب

نُفّذت الهجمات الجهادية، التي وقعت في أوروبا خلال الفترة بين عامي 2004 و2016، بالكامل، على أيدي ذكور، أغلبهم من الطبقة المتوسطة الدنيا، ترعرع الكثيرون من المرتكبين في مناطق تعاني من محدودية الفرص، ومدن في الضواحي وأحياء مُهمّشة، ...إلخ، كما أنّ الغالبية العظمى منهم هم مواطنون أوروبيون من الجيل الثاني؛ أي إنّهم وُلدوا لأبوين مهاجرين، من أصول عربية أو إفريقية، ...إلخ، لكنّهم نشؤوا في أوروبا، إلّا أنّ هناك اختلافات عميقة تظهر عند وصولنا لهذه النقطة، فالجهاديون في فرنسا أو إنجلترا، الدولتان اللتان تشهدان وجوداً ضخماً للمهاجرين، هم في أغلب الحالات من الجيل الثاني، على الجانب الآخر، وفي إسبانيا، وُلد أغلب الجهاديين في المغرب.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة

على أيّة حال؛ من الواضح بجلاء، أنّ ظاهرة الجيل الثاني هي الأكثر شيوعاً، منذ صعود نجم داعش كأبرز منظمة إرهابية، ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى أسباب عديدة، على رأسها؛ إستراتيجية التنظيم في استخدام الشبكات الاجتماعية ووسائل تواصل أخرى، مثل: مجلته "رومية"، كمصدر لنشر فكره والدعوة للجهاد ضدّ الكفار.

وفيما يتعلّق بالمقاتلين الأجانب، فليسوا جميعاً من الذكور؛ بل إنّ النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي، وقد شهد الرقم تصاعداً على مدار الأعوام الأخيرة، بيد أنّ وظيفتهنّ الأساسية ظلّت أن يكنّ أمهات، أو زوجات، للجهاديين، وتتشابه مواصفات المقاتلين الأجانب إلى حدّ بعيد مع خصائص الشباب الإرهابيين، الذين جرى التطرّق لهم، كما أنّ هناك نسبة صغيرة، تُقدّر بـ 6%، من المتحوّلين للإسلام، ويُلاحظ هنا أنّ الروابط الأسرية مهمة؛ حيث تحدث عملية الأصولية بين الأخوة أو يتحرّكون معاً.

 النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي

ومن حيث دوافع السفر إلى سوريا، فقد شهدت تغيّرات بمرور الوقت. كان السبب في البداية هو رفض نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أن يظهر دافع آخر وباضطراد مستمر؛ كراهية الغرب. كذلك يتّضح أنّ متوسط الأعمار يقلّ بصورة طفيفة عن متوسط أعمار الجهاديين الذين يشنّون اعتداءات على الأراضي الأوروبية، وهو ما بين 20 و29 عامًا، ويبدو هذا أمرًا منطقيًا، لا سيما أنّ الكثيرين من الإرهابيين شرعوا في التحرّك بعد مدة من التواجد في العراق وسوريا. كما أنّ 30% منهم يعودون إلى بلادهم، رغم أنّ أغلبهم يفعلون ذلك في ظل حالة من الإحباط، لذا يرى خبراء مثل توماس هيجهامر أنّ أقلية منهم فقط يمثّلون خطرًا، لكنّه خطر محدق.

إنّ الدعاية الهادفة لتجنيد هؤلاء الشباب بسيطة وفعالة في نفس الوقت. تحترف مؤسسة (مركز الحياة للإعلام) إنتاج مواد ناجعة في اللعب على تطلّعات هذا الجيل من المسلمين، الذي نشأ في ظل غياب الروابط الأسرية التي عاش والداه في كنفها وبدون صلات قوية بمسقط رأسه، ليجد في الإسلام الأصولي شعوراً بالانتماء.
شباب لا يشعرون بأنّهم جزء من هوية ذويهم ولا بلدانهم، نظراً إلى ولادتهم في أوروبا، لكنّهم في الوقت عينه يشعرون بعدم التقدير أو غياب الفرص، ويعزّز ذلك الإحساس خطاب سياسي معادٍ للإسلام، هنا يصبح شعور الضحية أحد المداخل الذهبية بالنسبة إلى داعش، كي يعمل عبرها على تلقين وملء أدمغة هؤلاء الشباب بالفكر الأصولي، ويستخدم لهذا الغرض خطاب يضع المسلمين في دور الضحية بشكل مزدوج؛ فهم ضحايا الغرب، المسؤول عن حالة الانحدار في الدول العربية، وهم ضحايا كذلك في المجتمعات الغربية، التي تهمّش وتقصي المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيها.

وإن كان هذا هو الأساس الفكري وراء الخطاب المشار إليه؛ فإنّ المستحدث حقًا هو معرفة داعش كيفية استغلال أجواء العدمية التي تخيّم على بعض هؤلاء الشباب، عن طريق رسائل مُفرّغة، تدّعي أنّها تعرض عليهم تحقيق أحلامهم، التي لم يستطيعوا تحويلها إلى واقع في أوروبا؛ وعود بالمال والحياة المرفّهة، ونساء حسناوات يظهرن في مقاطع فيديو دعائية، بثّها التنظيم الإرهابي، صوّرت هذه المقاطع أيضاً المقاتل الأجنبي، على أنّه شخص قوي يمتلك جسداً ممشوقاً، يحمل الكثير من معايير الجمال الغربية، بشكل يفوق تلك السائدة في مجتمعات الشرق الأوسط، كما طعّم التنظيم رسائله بأنّ المقاتل سيصبح بطلاً في مجتمعه، وأنّه بأفعاله سينال النعيم الأبدي، صورة مشوّشة بالكامل، تُكتشَف حقيقتها فقط حين يصبحون على الأرض.

إلّا أنّ وسائل الإغراء لا تقف فقط عند الصور البديعة أو الجمال الحسّي، بل تمتدّ بالمثل إلى أشياء أخرى، مثل الأناشيد الغنائية، التي تحمل إيقاعاتها وكلماتها وأنغامها تأثيراً يشبه التنويم المغناطيسي؛ بهذه الطريقة، وفي إطار مقاطع فيديو سابقة، يحدث ترويج لحياة هانئة بين جنبات الخلافة.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب، أمّا الهجمات؛ فقد دعا داعش لشنّ اعتداءات بشكل منفرد؛ حيث شجّع التنظيم أنصاره، عبر مجلة "رومية"، إلى نسب مسؤولية هجماتهم إليه، بهدف بثّ الرعب، بالمثل، وفي المجلة نفسها؛ كشف داعش الأسلحة المفضلة بالنسبة إليه، مثل العربات ذات الحمولة الضخمة والسكاكين، مما يجعل من الصعب على أجهزة الأمن ليس اكتشاف أمر الإرهابيين فقط، بل وإحداث أثر هائل في الشعوب الأوروبية؛ حيث يصبح كلّ مسلم إرهابياً محتملاً، وهذا بالضبط ما يرمي إليه التنظيم: توليد الشقاق الداخلي في المجتمع لكسر التعايش في الدول الديمقراطية.

لكنّ المواقع الاجتماعية ليست هي الرابط الوحيد؛ فهناك قنوات تقليدية، مثل السجون ومساجد بعينها، تعدّ مراكز تجنيد رئيسة، خاصة للمقاتلين الأجانب؛ فقد شارك الكثير من الذين تعرّضوا لعملية الأصولية فيما بعد في هجمات أعلى من حيث التنظيم بالمتفجّرات وأسلحة من مختلف الأعيرة.
هناك أمثلة عديدة على ذلك، نذكر منها؛ مهدي نموش، مدبّر الهجوم على المتحف اليهودي في بلجيكا، عام 2014، الذي تشبّع بالفكر الأصولي خلال وجوده بالسجن لخمسة أعوام، بعد إدانته بجريمة سرقة، رغم كلّ ذلك ما تزال شبكات التواصل الاجتماعي تأتي في المرتبة الأولى كرابط ووسيلة اتصال بين الإرهابيين.

ومكافحة عمليات تلقين الفكر الأصولي هذه، اقترحت الدول الأوروبية عدة إجراءات؛ ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تتمّ مكافحة أيديولوجية داعش بمعقلها، وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الخطاب المضاد يكتسب قوة كبيرة كعنصر ردع فعّال، فعقب نشر أهرام بيريز مقطع فيديو يهدّد فيه إسبانيا، نجح المغرّدون في الفضاء الإلكتروني، عن طريق الاستهزاء والمحاكاة الساخرة، ليس فقط في تجريد المقطع من أيّة أهمية؛ بل أيضاً في إجبار بيريز على عدم نشر أيّ محتوى آخر، ربما لشعوره بالخجل.

هناك طرق أخرى تستهدف السيطرة على العناصر الأصولية بالفعل، ومنها تلك المعتمدة في إيطاليا؛ حيث يخضع السلفيون المتشدّدون لمتابعة الشرطة في كل مرة يسافرون فيها إلى البلاد؛ فقد تتبّعت أجهزة الأمن الإيطالي مغربي الأصل، يوسف زغبة، وتوجّهت إلى المطار لاستقباله؛ بل وتحيّته بحرارة، لكنّها لم تغفل عينيها عنه مطلقاً، وقد تسبّبت هذه الرقابة اللصيقة في رحيله إلى الخارج، وتحديداً لندن؛ حيث تجاهلت السلطات البريطانية توصيات نظيرتها في إيطاليا، ما أعطى الفرصة لزغبة كي يرتكب اعتداء، في حزيران (يونيو) 2017.
إنّ الخبرة الطويلة التي تتمتّع بها إيطاليا في مجال مكافحة الجريمة المنظّمة، تمثّل كنزاً هائلاً لمختلف أجهزة الشرطة في أوروبا، وهناك أمثلة أخرى ناجحة وعديدة لاستئصال التطرّف في أوروبا، وإجراءات متنوعة تتبنّاها دولها، كلّ منها وفق فائدتها من وجهة نظر السلطات المحلية أو السياق الوطني.

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة

دراسة للإرهاب في فرنسا... العدمية والانعزال كعوامل تساهم في استفحال خطر الأصولية

يرى الفرنسيون أضخم فئة من المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا، أو ما يزالون نشطين في صفوف داعش؛ فبحسب أحدث إحصائيات حزيران (يونيو) 2018، وصل عددهم إلى 1910 مقاتلين على جبهات الصراع في سوريا ومناطق نزاع أخرى، كما أنّها أكثر دولة غربية تعرّضت لهجمات جهادية وسقط فيها أكبر عدد من الضحايا خلال الأعوام الأخيرة، هناك أسباب متباينة لكل ذلك، ورغم وجود عوامل مشتركة مع دول أوروبية أخرى، إلّا أنّ الحالة الفرنسية، على وجه الخصوص، تتميّز بعناصر ينبغي تسليط الضوء عليها.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة، فماضيها الاستعماري واحتياجاتها في مجال البناء بعد الحرب العالمية الثانية، شجّعا على توافد أعداد كبيرة من المهاجرين، سيما من دول مثل الجزائر والسنغال، أو المناطق التابعة لها في أعالي البحار وأجزاء أخرى، وأدّى عدم توافر أماكن سكنية ملائمة إلى اعتماد الحكومة سياسة بناء انتهت بحدوث فصل عرقي واضح؛ فخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات؛ كانت هناك حركة بناء سريعة الوتيرة لأحياء في ضواحي المدن الكبرى، لكن هذه المنازل تفتقر لأبسط التجهيزات، ليحدث نوع من الفصل. لا تعاني القرى الصغيرة والمناطق السكنية والراقية في المدن الفرنسية من هذه المشكلة؛ حيث بالكاد تمكن ملاحظة وجود المهاجرين، لكن في الأحياء الجديدة كان وجود هذه الفئة واضحاً للعيان، ليتجاوز في بعض الأحيان نصف تعداد السكان المحليين، وبمرور الوقت؛ أخذ بعض المهاجرين في اكتساب سمعة سيئة، نظراً إلى ارتفاع معدّلات الجريمة والاشتباك مع قوات الأمن، نتج عن ذلك أنّ المهاجر، لا سيما المنحدر من أصول مغاربية، بات يتعرّض للتهميش وأسبغت عليه ثنائية، عربي ومجرم، فيما اقتصر استخدام مصطلح الضواحي على الإشارة إلى المناطق خارج المدن التي تخرج عن سيادة القانون أو (بونليو).

اقرأ أيضاً: "الإنتربول" يبحث أزمة المقاتلين الأجانب المتسللين بين الدول

لم يستمر هذا المفهوم مع الوقت فحسب؛ بل ساهمت أحداث وخطابات سياسية في تعميق الانقسام الذي استغلته جماعات سلفية في تجنيد أتباع لها، وطوال حقبة التسعينيات؛ انتقل النشاط الإرهابي لـ "الجماعة الإسلامية المسلحة"، من الجزائر إلى فرنسا، بسلسلة من الاعتداءات، أثارت حالة من الهلع بين الفرنسيين، تعرّض الجزائريون، أكبر شريحة من المهاجرين في فرنسا، والذين يسكنون على الأغلب أحياء الضواحي، سريعاً، للوصم بالإرهاب، أما في الوقت الحالي؛ فلم ينتج عن الخطر الداهم الذي تمثّله (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي ترتبط بصلات بتنظيم القاعدة والتي كان أغلب رؤوسها قياديين سابقين في (الجماعة الإسلامية المسلحة)، سوى تعزيز حالة العزلة.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب، بين قبضة الأمن وإعادة الإدماج

هناك حدثان مهمّان للغاية أيضاً، من أجل فهم الانفراط الاجتماعي القائم حالياً في فرنسا، التأثير الذي تركته هجمات 11 سبتمبر، والصعود الحثيث لحزب (الجبهة الوطنية) اليميني المتشدّد، الذي بدأ منذ حقبة التسعينيات في تحقيق نسبة لا تقل عن 15% في الانتخابات، ويُعزى استمرار نجاح هذا الحزب إلى الخطاب القومي مع التركيز على رفض المهاجرين والمسلمين، وقد لخّص الزعيم السابق للحزب، جان ماري لوبان، الموقف وقتذاك من وجهة نظره، بعبارة "لدينا مليون عاطل، ومليون مهاجر".

ظلّت حالة الربط بين الهجرة - البطالة وغياب الأمن مستمرّة، وفي ازدياد، وانتشر هذا الخطاب المعادي للإسلام إلى قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الفرنسي؛ بل وامتد كذلك إلى سياسيين معتدلين (نيكولا ساركوزي)، الذين لم يستطيعوا سوى إدراج الخطاب الهوياتي ضمن إستراتيجيتهم للانتخابات، تسبّبت كلمات ساركوزي غير اللائقة قبلها بعامين، عام 2005، حين كان ما يزال وزيراً للداخلية، عندما دعا لتطهير الأحياء الفرنسية من "الحثالة"، في خلق مناخ متوتّر أفضى في النهاية إلى أعمال عنف دامية بنهاية العام نفسه.

اقرأ أيضاً: غوانتانامو.. هل سيكون معتقل الداعشيين الأجانب؟

كانت هذه هي الأجواء الاجتماعية التي عاشتها فرنسا قبل بدء أولى الهجمات الإرهابية، على يد القاعدة أولاً، ثم داعش فيما بعد، لكن لا يسعنا إجراء تحليل سطحي عن طريق وضع الجناة في موقف الضحية، خاصة أنّ تصاعد الإرهاب الجهادي والسلفي بفرنسا جاء إثر انقسام بين الأجيال؛ لذا فأعمال الشغب العنيفة، التي وقعت عام 2005، لم تكن سوى عرض آخر لمشكلة مجتمع يعاني انقساماً تستغلّه التيارات الأكثر تشدّداً من الإسلام للتغلغل أكثر في البلاد؛ فمنذ العام 1996 تواجه فرنسا ظاهرة واضحة بجلاء؛ ألا وهي تفشّي الأصولية بين فئتين من الشباب: هؤلاء الذين ينتمون للجيل الثاني، وهم الأكبر عدداً، والمتحوّلون للإسلام، لا وجود للأصوليين تقريباً من الجيل الأول، كما لم تظهر، حتى الآن، أيّة بوادر أصولية بين أبناء الجيلين الثالث والرابع.

اقرأ أيضاً: الأكراد يرفضون محاكمة زوجات الجهاديين الأجانب

ترتبط الأصولية الإسلاموية في فرنسا، مثلما هو الحال في أوروبا عموماً، بشعور الانتماء، وهو نوع من أن يصبح المرء مسلماً أكثر من والديه نفسهما، والسعي نحو الوصول إلى اللبّ الأكثر "نقاء" من الإسلام، ما يُترجم في الحقيقة إلى التوجّه نحو الإسلام الراديكالي والعنف، ورغم تأثير الإسلام السياسي بفرنسا، إلّا أنّ عدداً قليلاً فقط من الإرهابيين، كان لهم باع ديني طويل، وينحدر الإرهابيون عادة من عائلة مفكّكة، مثل "مراح"، أو تورّطوا في مشكلات مع القضاء حين كانوا مراهقين، مثل كوليبالي ونموش، أو حتى في فترة شبابهم، مثل الأخوة كواشي، فترات عصيبة في الماضي لكنها نائية تماماً عن الإسلام الأصولي.

ويأتي الكثير من هؤلاء من أحياء خارج محيط المدن الكبرى؛ حيث توجد مشكلات وجرائم، كما أنّ ميولهم قبل الانزلاق نحو الأصولية حسبما تكشف حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إعجابهم بالنساء والمشروبات، كما أنّ العنف المهيمن على الأحياء المهمّشة التي يعيشون فيها، يظهر أيضاً ضمن اهتماماتهم، وهو ما انعكس في تحوّل شخصيات، مثل القاتل الشهير جاك مسرين، الذي أصبح خلال عقد الثمانينيات العدو الأول للدولة الفرنسية، أو فيلم "الوجه ذو الندبة"، بطولة آل باتشينو، إلى أيقونات بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، تأثّر الجانب الأعمّ من الأصوليين بهذه الشخصيات أكثر من الإسلام نفسه، قرأ محمد مراح، على سبيل المثال، قبل تنفيذ هجماته قصة فيلم "الوجه ذو الندبة".

لكن كلّ هذا العنف، حتى مع إضافة التشويه والانقسام الاجتماعي، لا يقدم وحده تفسيراً لاعتناق الأفكار الجهادية؛ بل ثمة عوامل تزيد خطر الأصولية، إنّها الموجة العاتية التي تستغلّها التنظيمات الإرهابية، كانت القاعدة أولاً، ثم تلاها داعش، في تجنيد الإرهابيين والمقاتلين؛ لذا تبرز الحاجة الماسة إلى تحليل الوضع وفهمه من أجل صياغة سياسات متوسطة وبعيدة المدى، تسهم في الحدّ من مخاطر الأصولية، كما أنّه، انطلاقاً من الأحداث السابقة، يمكننا تفهّم الرقم المرتفع من المقاتلين الأجانب ذوي الجنسية الفرنسية، حتى لو كان مسلمو فرنسا هم الأكبر عدداً على مستوى أوروبا، بيد أنّ ذلك لا يفسّر، في حدّ ذاته، ما وراء الأرقام المرتفعة. المعدّلات النسبية مطّردة هي الأخرى؛ فمن بين كلّ مليون مسلم، أو شخص ينحدر من جذور مسلمة في فرنسا، تحوّل 334 فرداً إلى مقاتلين أجانب، مقابل 173 في إسبانيا، و45 في إيطاليا.

لذا؛ من الضروري للغاية الانتباه إلى أنّ إدماج هؤلاء الشباب والحوار بين الأجيال أمران لا غنى عنهما، للحدّ من عدد الذين يتعرّضون لعملية الأصولية، وبالتالي تقليص احتمالات وقوع اعتداءات، وقد بدأت سلطات عدة دول أوروبية بالفعل تلتفت إلى أنّ إعادة الإدماج عنصر رئيس، فضلاً عن العمل على التقارب مع العائلات، ومنحها دعماً نفسياً ودينياً ومدنياً.

اقرأ أيضاً: هل يعود الأطفال الجهاديون الأجانب إلى أوطانهم؟

على أنّ الحالة الفرنسية تتضمن عوامل خطر أخرى أكثر تفرّداً؛ فالجانب الأكبر من عناصر داعش تعرّفوا داخل السجن أو الحي الذي يقطنون به، أو المسجد، أو على الشبكات الاجتماعية، إلى مقاتل سابق، أو رجل دين سلفي أصولي، أقنعهم باتخاذ خطوة في ذلك الاتجاه، وتعدّ حالة السجون الفرنسية نموذجاً مثيراً للجدل؛ فـ 60% من النزلاء هم مسلمون، والكثير منهم يعتنق الفكر السلفي، ويسهّل وجودهم إجراء الاتصالات المطلوبة لتنفيذ رحلتهم إلى الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، وإزاء ظاهرة الأصولية في السجون، اتخذت الحكومة الفرنسية بعض الإجراءات المتّبعة في دول أخرى، ويشهد سجن (فرسن) بمقاطعة فال دو مارن، منذ عام 2015، تطبيق مشروع يهدف للحيلولة دون تجمّع السجناء المصنّفين بـأنهم (أصوليون إسلاميون) في مكان واحد، مع مراقبتهم وإبقائهم معزولين عن باقي المحبوسين، فضلاً عن إيداع النزلاء الأشدّ خطورة بزنازين انفرادية.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟

ختاماً: إنّ حالة فرنسا تكشف بوضوح مؤشرات مهمّة في الحرب ضدّ ديناميكيات الإرهاب الدولي الجديد؛ فبلاد الغال باتت نقطة انطلاق للمقاتلين الأجانب، فضلاً عن أنّها ساحة خصبة كي يبثّ فيها تنظيم مثل داعش إرهابه، خاصة مع هزيمته في آخر معاقله بسوريا، والتخوّفات من تحرّكاتهم بعد عودتهم إلى بلادهم، لا سيما في ظروف أكثر تعقيداً، مثل الحالة اللبنانية، التي أظهرت أنّ المقاتلين العائدين قد ينخرطون مجدّداً في صفوف تنظيمات أصولية، على المستويين المتوسط والبعيد.


المصدر: تحليل لميجل فريرو، الباحث بالمعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يطيح العمال الإيرانيون بنظام الملالي؟

2020-02-19

ترجمة: محمد الدخاخني


إنّنا نعيش في عصر المعلومات. لكن حين يتعلّق الأمر بالتّغيير الجوهريّ في المجتمع، يظلّ العمّال الصّناعيّون المنظَّمون قوّة أساسيّة هائلة. وذلك صحيح تماماً في إيران كما هو في دولٍ حديثة أخرى.
قد تبدو الحركة العمّاليّة الإيرانيّة موضوعاً بعيداً في وقتٍ تُهيمن فيه على الأخبار موضوعات مثل عزل ترامب وبداية الانتخابات التّمهيديّة الرّئاسيّة الأمريكيّة، ناهيك عن خطر حصول وباء عالميّ من جرّاء فيروس كورونا. لكن ما تزال إيران قُمرةً للقيادة فيما يتعلّق بعددٍ من الأحداث المزعزعة للاستقرار في العالم - وقد يكون الاحتجاج العمّاليّ هو العامل المُتغيّر (إكس فاكتور) صاحب التّأثير الأكثر أهميّة على النّتيجة هناك.

اقرأ أيضاً: هل سيعزز فوز المتشددين في الانتخابات الإيرانية احتمالات الصفقة مع أمريكا؟
تتحرّك إيران ببطءٍ وبشكل غير منظّم نحو نقطة انعطاف محتملة. وثورة 1979 تشيخ، شأنها شأن قادة النّظام. ويعمل رجال الدّين الحاكمون في الدّاخل والخارج من خلال الحرس "البرتيوريّ" المعروف باسم الحرس الثّوريّ الإسلاميّ، الّذي تلاشت جاذبيّته الكاريزميّة مع رحيل الّلواء قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الشّهر الماضي.

شهدت إيران إضرابات متقطّعة لسائقي الحافلات وسائقي الشّاحنات وعمّال التّكرير وغيرهم
يُعدّ الحرس الثّوريّ الإيرانيّ اليوم طليعة دولة بوليسيّة تَحكم بالخوف. وبالنّظر إلى مهارة هذا الجهاز في قمع المعارضة، فإنّ الرّكود السّياسيّ في إيران قد يستمرّ لعقد آخر. لكن من الصّعب تخيّل أن يَحكم مثل هذا النّظام إلى الأبد أمّةً تتمتّع بثراء ثقافيّ واجتماعيّ. إذاً، كيف يمكن أن تتغيّر إيران؟
غالباً ما تُتَجاهل الحركة العماليّة الإيرانيّة في أيّ تقييمات تخصّ البلاد. لكن الاحتجاجات العمّاليّة كانت صاخبة وذات قاعدة عريضة وصَعُب قمعها لمدّة عقدين. وفي الواقع، قد يكون العمّال الغاضبون القوّة السّياسيّة الأكثر إخافة لنظام الملالي.

تتحرّك إيران ببطءٍ وبشكل غير منظّم نحو نقطة انعطاف محتملة. وثورة 1979 تشيخ، شأنها شأن قادة النّظام

شهدت إيران إضرابات متقطّعة لسائقي الحافلات وسائقي الشّاحنات وعمّال التّكرير وغيرهم. وقادة العمّال لَحِق بهم السّجن والتّعذيب، لكنّهم استمرّوا في العودة. ومن المؤكّد أنّ الشّكاوى الّتي تُغذّي احتجاجات الطّبقة العاملة قد تفاقمت مؤخّراً بسبب العقوبات الاقتصاديّة الأمريكيّة، لكن الإضرابات في إيران تسبق إدارة ترامب بفترة طويلة. ويبدو أنّها تعكس الغضب الشّعبيّ من الفساد الدّاخليّ وعدم المساواة وسوء الإدارة، وليست مجرّد ردّة فعل على الضّغوط الخارجيّة.
هذا، وقد استطاعت النّسخة الفارسيّة من تلفزيون "بي بي سي" التقاط قلق النّظام من الاضطّرابات العمّاليّة، وذلك في مقالة نُشرت في كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي ونقلت بضعة تصريحات عن الرّئيس السّابق محمّد خاتمي. "إذا انضمّت الطّبقة الوسطى والطّبقة العليا إلى المتظاهرين من الطّبقة العاملة، فلا يمكن لأيّ قدرٍ من القوّة العسكريّة والأمنيّة أن يفعل أيّ شيء. سيكون النّظام في ناحية والشّعب في ناحية"، قال خاتمي، وفقاً للتّرجمة الّتي أجراها علي رضا نادر، محلّل الشّأن الإيرانيّ في مؤسّسة الدّفاع عن الدّيمقراطيّات.

اقرأ أيضاً: إيران و"تصدير الثورة"... أي مفهوم "ثوري"؟
وجاءت تعليقات خاتمي في أعقاب احتجاجات دراميّة في كافّة أنحاء البلاد في تشرين الثّاني (نوفمبر)، بعد أن زاد النّظام أسعار البنزين. وكانت المواجهة الأكثر دمويّة في مدينة معشور، في جنوب غرب إيران. فهناك، خرج المتظاهرون، بما في ذلك عمّال البتروكيماويّات، إلى الشّوارع، وردّ النّظام بوحشيّة، من خلال، كما يُزعَم، نيران الأسلحة الآليّة والمدرّعات. ونقلت إيران واير، وهي منظّمة إخباريّة مستقلّة تغطّي الشّأن الإيرانيّ، عن مسؤول من المنطقة قوله إنّ 148 متظاهراً قُتِلوا خلال خمسة أيّام.

يُعدّ الحرس الثوري طليعة دولة بوليسيّة تَحكم بالخوف، وبالنّظر لمهارته بقمع المعارضة، فالرّكود السياسي بإيران قد يستمرّ لعقد آخر

ومن جانبه، يقول بهنام بن طالبلو، المحلّل في مؤسّسة الدّفاع عن الدّيمقراطيّات: "يخشى النّظام العمّال المنظّمين، ويعلم جيّداً أنّ إضرابات عمّال النّفط كانت ضروريّة لإسقاط الشّاه في عامي 1978 و1979". وخلال مقابلة معها، أوضحت مريم ميمارساديغي، الّتي تُتابع أوضاع النّقابات العمّاليّة الإيرانيّة والّتي شاركت في تأسيس مبادرة مجتمع مدنيّ تدعى تافانا، أنّ هناك "تآزراً بين الإضرابات العمّاليّة والاحتجاجات الموجودة في الشّوارع".
وأنتجت الحركة العمّاليّة الإيرانيّة بعض الزّعماء الشّجعان على مدار العقدين الماضيين، بمن فيهم منصور أوسانلو، الّذي سُجن في عام 2005 بعد أن شكّل اتّحاداً لسائقي الحافلات عبّر عن احتجاجه من خلال رفض تحصيل أجرة الرّكّاب، ومحمّد حسين سبهري، وهو منظّم أحد نقابات المعلّمين وقائد احتجاجات لأكثر من عقد، بالرّغم من الاعتقالات المتكرّرة.

استمرّت الاحتجاجات العمّاليّة في النّموّ بالرّغم من القمع، وفقاً للبيانات الّتي جمعها كلّ من كيفان هاريس وزيب كالب من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس. فمن خلال رصدهما الصّحف الإيرانيّة، وجدا أنّ الاحتجاجات ارتفعت من عام 2012 إلى عام 2016 وأنّ الإضرابات خارج طهران زادت بشكل حادٍّ خلال ذلك الوقت، كما كتبا لصحيفة ذي بوست في عام 2018.

أنتجت الحركة العمّاليّة الإيرانيّة بعض الزّعماء الشّجعان على مدار العقدين الماضيين، بمن فيهم منصور أوسانلو ومحمّد حسين سبهري

أظهر إضراب سائقي الشّاحنات في عام 2018 التّأثيرات المحتملة على المستوى الوطنيّ للاحتجاجات العمّاليّة. وكان بعض مسؤولي إدارة ترامب متحمّسين لدرجة أنّهم كانوا يأملون في تفاقم التّوتّرات الاقتصاديّة الّتي تسبّبت في الإضراب - بل وتنظيم شهادات لسائقي الشّاحنات الإيرانيّين في أمريكا. (واتّضح أنّه لم يكن هناك الكثير منها).
لكن حذار: الطّريقة الوحيدة المؤكّدة لتسميم الحركة العمّاليّة الإيرانيّة هي الدّعم القويّ من جانب الحكومة الأمريكيّة. بدلاً من ذلك، هذا التّحدي يقع في ملعب النّقابات العمّاليّة على مستوى العالم. وأذكر هنا بروز "حركة تضامن" في بولندا، عندما دعم نشطاء النّقابات في كافّة أنحاء العالم الحركة الّتي ساعدت في النّهاية على إخراج الشّيوعيّة عن مسارها في أوروبا الشّرقيّة. ومن شأن تعبئة دوليّة مماثلة لدعم العمّال الإيرانيّين أن تستحضر شعار "تضامن" الخالد.
يقود العمّال الغاضبون التّغيير السّياسيّ في إيران والصّين وحتّى في أمريكا دونالد ترامب. وعندما ترى موجة من الإضرابات تنتشر في كافّة أنحاء إيران، بالرّغم من القمع الوحشيّ، ستعرف أنّ إيران قد تدخل أخيراً حقبة جديدة.


ديفيد إغنيشوس، الواشنطن بوست

مصدر  الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.washingtonpost.com/opinions/global-opinions/political-change...

للمشاركة:

هل فقد الفلسطينيون الحشد وعليهم أن يقبلوا بصفقة القرن؟

2020-02-18

ترجمة: إسماعيل حسن


يرى كتّاب وخبراء سياسيون إسرائيليون؛ أنّ القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية، وبعد إعلان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تفاصيل صفقة القرن، قد سقطت ورقتهم بعد أن فقدوا الحشد والدعم الحقيقي في محاولة التصدي لقرارات الصفقة، في حين أنّه قد آن الأوان كي تفرض إسرائيل سيطرتها الكاملة على بلاد اليهود التاريخية، دون إذن من الفلسطينيين.

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية جداً ومع ذلك رفضوها

وفي هذا الإطار يقول الكاتب والمحلل السياسي، أفرايم غانور: "لقد فقدت القيادة الفلسطينية والحركات الوطنية كافة أوراقها الأخيرة، فلا داعي للرفض ومحاولة حشد الدعم العربي الرافض للخطة، الرئيس أبو مازن خلق وراءه ناراً أشعلها في خطابه الكفاحي، أقلع إلى الجمعية العمومية بالأمم المتحدة في نيويورك ليعمل ما هو جيد فيه أكثر من أيّ شيء آخر، فيخطب أمام ممثلي الأسرة الدولية، ويطلب تأييدهم الذي لم يجده حتى الآن؛ لا في الشارع الفلسطيني ولا في العالم العربي المحيط به، بالتالي ليس هناك ما يحسد أبو مازن ورفاقه في القيادة الفلسطينية عليه، لقد بقوا بلا أوراق وبلا خيارات عمل، التوجه للأسرة الدولية لن يجدي نفعاً في ضوء الوقوف الذي لا لبس فيه من إدارة ترامب إلى جانب إسرائيل، وللحقيقة؛ الحديث لا يدور فقط عن ترامب وإدارته، فمعظم دول العالم امتنعت عن رفض خطة ترامب، ولا ترى فيها سبباً لتحطيم القواعد التي يهدّد فيها أبو مازن إسرائيل، من يدّعي أنّ ترامب ونتنياهو لم يتركا أمام الفلسطينيين غير طريق واحد، وهو طريق العنف، لكنّ أبو مازن يعرف أكثر منهما أنّ هذا الطريق مآله الفشل، ولن يؤدي إلى أيّة نتائج.

ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه
يصعب الافتراض أنّ ما فشل الفلسطينيون في تحقيقه في أيام الانتفاضة في بداية أعوام الألفين، التي خلّفت أكثر من ألف قتيل إسرائيلي، يمكنهم تحقيقه اليوم في ضوء التفاوض الأمني والاستخباري الإسرائيلي، مثلما هو الحال دوماً، تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو الولايات المتحدة، في أعقاب الانتخابات القريبة في الدولتين، وكما هو الحال دوماً؛ يفضّل الفلسطينيون أن يعيشوا انطلاقاً من الخيار بين خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة وخطاب في جلسة مجلس الأمن، وبين انتخابات وانتخابات، ليكتشفوا وليخيب أملهم في كلّ مرة من جديد، أنّ شيئاً لن يحصل مهما يكن من أمر، وحتى حين لا يفعلون شيئاً غير الحديث والخطابة، فلعدم الفعل دينامية خاصة به، ولا يمكن إبقاء السلطة والحركة الوطنية الفلسطينية على قيد الحياة فقط، وعلى أساس الخطابات والأحلام والترقب لنتائج الانتخابات، فالسلطة كفيلة بأن تتفكك في نهاية اليوم، وستكون النتيجة اندفاعاً من الفلسطينيين نحو الإسرائيلية والمواطنة الإسرائيلية".

اقرأ أيضاً: غالبية الإسرائيليين يرفضونها: هل ستبوء "صفقة القرن" بالفشل؟
ويتابع غانور مقالته قائلاً: "الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون ويؤيدون ادّعاءاتهم المحقة، والذين يقفون إلى جانبهم في المظاهرات والكفاح؛ ففي المظاهرات التي جرت في تل أبيب ضدّ خطة الضمّ، بمبادرة ومشاركة منظمات اليسار والمئات من عرب إسرائيل، رفعت أعلام فلسطين بينما هتف حاملوها هتافات لا تتوقف، فلسطين مئة في المئة من البحر حتى النهر، الرسالة معروفة ومشهود لها، وتشكل جزءاً لا يتجزأ من عقيدة كفاح منظمة الإرهاب حماس، ثمة كثير من الحقيقة والحقّ في ادّعاءات عرب إسرائيل ضدّ البند الوارد في خطة ترامب، الذي يتحدث عن نقل جزء من بلدات وادي عارة إلى السلطة الفلسطينية المستقبلية.

عرب إسرائيل
الواضح أنّ عرب إسرائيل لا يحتاجون دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، وإذا كان هذا بالفعل هو حلمهم؛ فإنّ هذا البند بالذات في خطة ترامب سيساعدهم في تجسيد الحلم من خلال ضمّهم إلى الدولة الفلسطينية، لكن لماذا يتظاهرون؟ فالموضوع كلّه عن العلم الفلسطيني إلى جانب التطلع إلى دولة من البحر إلى النهر مكانه ليس هنا، بمعونة المظاهرات وهتافات كهذه، يقطع عرب إسرائيل الفرع اليهودي الإسرائيلي الذي يدعمهم ويحملهم، كلّ يهودي في هذه الدولة يفهم معنى هتاف يدعو إلى دولة فلسطينية من البحر إلى النهر، بفضل هتافات كهذه تطرأ على رأس كلّ يهودي صور قاسية تحت عنوان "لن تكون هناك مرة أخرى أبداً"، وإذا لم يسارع عرب إسرائيل إلى الإصلاح والاعتذار عن هذا المشهد، فسيكتشفون في الأيام القريبة المقبلة أنّ الكثير من اليهود الذين يؤيدون تلك البنود التي تضمنتها خطة ترامب وتظاهروا واحتجوا ضدّها، من غير المستبعد أن نسمع في الأيام المقبلة ادّعاءات من اتجاهات مختلفة في الوسط العربي، بأنّ هذا لا يعكس موقف كلّ عرب إسرائيل، وأنّ الأمور لم تفهم كما ينبغي، التوقعات مختلفة ومتنوعة ليس فيها ما يقلل خطورة هذه الظاهرة، لقد حان الوقت لأن يفهم كلّ عربي يعيش هنا ويحمل بطاقة هوية زرقاء ويتطلع ويحلم بدولة فلسطينية من البحر إلى النهر، أنّ مكانه ليس هنا، ليس في دولة اليهود، إلى جانب هذا؛ على قيادة عرب إسرائيل، بكلّ تركيبتها، ولا سيما لجنة المتابعة ونوابها في الكنيست؛ أن يستوعبوا أنّ المسؤولية تقع على من يطلب من المؤسسة اليهودية المساواة الكاملة لعرب إسرائيل، ملزم قبل كلّ شيء بأن يكون موالياً وملتزماً بالدولة التي يطلبون منها مطالبهم وحقوقهم، لو جرت مظاهرة لرجال اليمين من حملة أعلام إسرائيل في بلدات وادي عارة، ودعا المشاركون فيها إلى نقل جلجوليا وباقة الغربية، وأم الفحم، وعرعرة، إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية، لانطلقت هنا صرخة رهيبة مع ادّعاءات بالعنصرية وما شابه خطاب أبو مازن في اجتماع الجامعة العربية، الذي عرض فيه حقائق كاذبة ومثيرة للحفيظة عن يهود رابطة الشعوب وأثيوبيا، تعزّز الرأي بأنّه لا يوجد مع من ووفق ماذا سيكون الحديث، لو كانت هناك حكمة في الطرف الفلسطيني لكان بوسعهم أن يصدوا ويغيروا خطة ترامب بسهولة، كان عليهم ببساطة أن يقولوا نعم للخطة ويرفقونها بعدة تحفظات لديهم، والاستعداد للبحث فيها في اللحظة نفسها؛ فإنّ عرض هذه الخطة كما عرضت كان سيتوقف أو ينزل عن جدول الأعمال، وحتى نتنياهو نفسه كان سيحرص على وقفها؛ لمعرفته أنّ شركاءه من اليمين لن يكونوا مستعدين لسماع وقبول خطة مع بند يتحدث بشكل واضح وقاطع عن دولة فلسطينية، بل وعن دولة يستعدّ الفلسطينيون لقبولها، هكذا هو الحال حين يحرص الفلسطينيون دوماً على ألا يفوتوا أيّة فرصة ليفوتوها.

أفضل الخطط السياسية الأمنية
في المقابل؛ يقول الكاتب الإسرائيلي، عاموس جلبوع: "إعلان تفاصيل خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يعدّ من أفضل الخطط السياسية الأمنية التي سبق أن طرحت على إسرائيل في الموضوع الفلسطيني، وعلى إسرائيل أن تتبناها جملة وتفصيلاً بما فيها البنود التي قد لا تكون مريحة لها، لعدة اعتبارات:

الواقع الحالي يثبت أنّ عرب إسرائيل لا يفوتون أيّة فرصة لأن يثيروا ضدّهم حتى الإسرائيليين الذين يتضامنون معهم

أولاً: هذه الخطة تحطم المنظومة الفكرية الكونية دولة فلسطينية في حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وإخلاء المستوطنات التي ترسخت في العالم منذ المحادثات التي جرت سابقاً بين باراك وياسر عرفات، وفي أوساط ما كان عليه اليسار الإسرائيلي، هذه الخطة تلقى في سلة القمامة، بحدود 67 تسمح لإسرائيل بأن تقرر حدودها على أساس اعتراف أمريكي بالاحتجاجات الأمنية لإسرائيل، تعترف بالقدس الموحدة وتعترف بشرعية المستوطنات، وهكذا يخرج من الخطاب السياسي مصطلح الاحتلال، هذه خطة لها إجماع واسع في الحياة العامة الإسرائيلية، باستثناء الأغبياء وغريبي الأطوار في الهوامش المتطرفة من اليمين واليسار.

اقرأ أيضاً: وثيقة فلسطينية ترصد 300 تجاوز قانوني في "صفقة القرن"
ثانياً: هذه الخطة تعيد الحركة الوطنية الفلسطينية إلى نقطة الصفر؛ لا حدود 67، ولا حق عودة، ولا ما تلقوه كهدايا من باراك وأولمرت، السيطرة على نحو 95% من أراضي يهودا والسامرة وإخلاء مستوطنات وعودة رمزية للاجئين وسيطرة على الحرم والحوض المقدس، صحيح أنّ الخطة تتحدث عن دولة فلسطينية بعد أربعة أعوام، عاصمتها شرق القدس، بمعنى القرى مثل أبو ديس وقلنديا، لكن من أجل نيل هذه الجائزة على الفلسطينيين أن ينفذوا سلسلة من الشروط، وعلى رأسها الاعتراف بدولة إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية الفلسطينيين فهذا تنكر للأمر الأهم وخيانة للجوهر وللهوية الفلسطينية، فضلاً عن ذلك؛ فإنّ دولتهم ستكون محدودة جداً في سيادتها، ولن تكون لها رقابة على الحدود، وكلّ ما قلته حتى الآن يذكّرني بالإرث الذي تركه إسحق رابين في خطابه في الكنيست قبل شهر من اغتياله، لن نعود إلى حدود 67، القدس ستبقى موحدة والكتل الاستيطانية ستضمّ، وغور الأردن بالمعنى الأوسع سيكون حدودنا الأمنية، ولن تكون دولة فلسطينية، بل شيئاً ما أقلّ من دولة.

ثالثاً: قطاع غزة وحماس، تتحدث الخطة عن نزع سلاح حماس وتجريد القطاع وربطه بيهود السامرة بواسطة نفق أرضي، برأيي هذا أمر مستحيل، وأحلام لا يمكن تحقيقها، من سينزع سلاح حماس؟ هذه المحاولات وبمجرد الحديث فيها فهي تنذر بالشر للخطة، نتنياهو يساوم حماس ويفتح المطارات والمعابر لإدخال الأموال القطرية إليها، إطلاق الصواريخ ما يزال متواصلاً، وهو ما يزال قيد التفاوض، وليس بيده قرار أو حلّ لنزع السلاح.
رابعاً: لقد جاءت الخطة في وقت توجد فيه إسرائيل في موقع قوة إقليمية، والدول العربية مشغولة في مشاكل كبيرة والولايات المتحدة في موقع تأثير في المنطقة، لم يكن لها في الماضي، وفوق كلّ ذلك لا يمكن أن ننسى ولو لأيّة لحظة؛ أنّ المشكلة الحقيقية في المنطقة هي إيران.

اقرأ أيضاً: "كورونا" و"بريكست"و"صفقة القرن" والهشاشة
خامساً: أبو مازن والقيادة الفلسطينية لن يرفضا الخطة فقط، بل وسيحاولان القتال ضدّها وتهديداتهما تناطح السحاب لهم، فمن الصعب اليوم تجنيد الشارع العربي لعنف بعيد المدى، من يمكنه أن يمارس العنف هما حماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة، فهل ستنتج خطة القرن عنفاً كهذا من قطاع غزة إلى أن يرفعنا هذا إلى لحظة الحقيقة بالنسبة إلى مستقبل حماس في القطاع؟ أرى خطرين آخرين محتملين؛ الأول: ألا يعرف سياسيون كيف سيتصدون للتحدي الأكبر الذي يواجه الدولة الآن، والخطر الثاني؛ ألّا ينتخب ترامب مرة أخرى في تشرين الثاني (نوفمبر)؛ لذلك ينبغي الصلاة من أجل انتخابه.

اقرأ أيضاً: "صفقة القرن"... إطار للحل أم توطئة للانفجار؟!
أما الكاتب والمراسل العسكري، يوسى هدار، فقد أشار معقباً على ما سبق إلى أنّه لا توجد هناك خطة سياسية تساوي الورق الذي كتبت عليه، إلا إذا كانت منخرطة جيداً في الواقع اليومي، ومنسقة ومتعاطية مع القوى العاملة في المنطقة نفسها، على الساحة السياسية ومدعومة من القوى العظمى، صفقة القرن، التي هي ثمرة عمل كدّ لإدارة ترامب وإنجاز سياسي لا بأس به لحكومة نتنياهو، تقترب من المقاييس العملية التي ذكرت هنا، رغم أنّها لا تحظى في هذه اللحظة بموافقة كلّ الأطراف، على السطح تبدو هذه خطة ممتازة لإسرائيل، خطة تاريخية تمنح الدولة حدوداً قابلة للدفاع وبسط السيادة على غور الأردن والمناطق المأهولة في يهودا والسامرة اعترافاً بالقدس عاصمة لإسرائيل، بما فيها البلدة القديمة في شرقها، ومزايا عديدة أخرى إضافة إلى ذلك.

الجدير بالذكر؛ أنّ إسرائيل مطالبة بأن توافق على إقامة دولة فلسطينية، وإن كانت مجردة وبشروط مقيدة، إلّا أنّها ما تزال دولة تمتد على نحو 70% من المناطق التي يحسبها كثيرون من الجمهور الإسرائيلي مناطق من الوطن، وفي نظرة تاريخية، ينبغي القول: إنّ الفلسطينيين يحصلون في خطة ترامب على أكثر بكثير مما ينبغي إعطاؤهم إياه، عليهم أن يتذكروا أنّ التطلعات القومية للعرب سبق أن تحققت في نحو 20 دولة في أرجاء الشرق الأوسط، بينما التطلعات القومية والأخلاقية والشرعية للشعب اليهودي لم تجد تعبيرها إلا في دولة قومية واحدة صغيرة ومحوطة بالأعداء، وعليه فليس هناك مكان آخر لتنازلات بعيدة الأثر.
مشروع تقسيم متجدد
إنّ خطة ترامب عملياً هي مشروع تقسيم متجدد، وينبغي أن نرى فيها الخطوة الأقرب لتحقيق العدالة التاريخية، والاعتراف بالحقوق التاريخية والقانونية للشعب اليهودي على بلاد إسرائيل، وبسبب التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الكبرى، وبسبب أهمية احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، ينبغي السماح للفلسطينيين بإدارة المنطقة بأنفسهم، لكنّ الحلّ الأكثر عدلاً هو حكم ذاتي فلسطيني وكونفدرالية مع الأردن.

تدمن القيادة الفلسطينية على الأمل العابث، وتعلّق آمالها على الأسرة الدولية، أو على تغيير يقع في إسرائيل أو أمريكا

إنّ معارضة الفلسطينيين لخطة القرن ليست مفاجئة؛ فقد سبق أن تلقوا اقتراحات سخية، وسخية جداً، بعضها ليست من حكومات باراك وأولمرت، ومع ذلك رفضوها في ظلّ إصرارهم على تقاليد تفويت الفرص التي تعود إلى المشروع التقسيمي.
لا مفرّ من النظر على نحو سليم، والقول إنّ الفلسطينيين غير معنيين بالاعتراف بدولة يهودية، وعملياً هم معنيون بكلّ الأرض من النهر وحتى البحر، لم يعد ممكناً انتظار الفلسطينيين، وتحمّل رفضهم، والإرهاب الذي يمارسونه، فضلاً عن الولايات المتحدة التي تؤيد مبدئياً فرض السيادة الإسرائيلية، يحتمل أن يكون ممكناً ربط المحور السنّي بمثل هذه الخطة، كذلك الدول العربية المعتدلة، ورغم التصريحات التلقائية التي انطلقت من الاتحاد الأوروبي, يبدو أنّ بريطانيا وألمانيا وفرنسا لم يستبعدوا الخطة تماماً، وقد تؤيد أيضاً هي مثل هذه الخطوة، على إسرائيل أن تعلن الخروج من دائرة الرفض الفلسطيني، وتحدّد حدودها دون انتظار أكثر من ما مضى.


مصدر الترجمة عن العبرية: معاريف
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-747896
https://www.maariv.co.il/journalists/Article-744152
https://www.maariv.co.il/journalists/opinions/Article-745049

للمشاركة:

اشتباك مع روسيا في رقعة الشطرنج السورية.. تركيا الحائرة تبحث عن ذاتها

2020-02-17

ترجمة: علي نوار


تعدّ تركيا الحالية وريثة للقبائل المغولية التي قادها جنكيز خان والإمبراطورية العثمانية والدولة العلمانية التي أرسى قواعدها مصطفى كمال أتاتورك، في نفس الوقت. تمسكت تركيا برفض أي محاولات لإعادة ترسيم حدودها في اتفاقية سيفر الموقعة عام 1920 وفرضت بالقوة تعديلات دخلت لاحقاً في 1923 ضمن اتفاقية لوزان، لكنّها لا تزال غير مقبولة حتى اليوم خاصة فيما يتعلّق بأراضٍ يونانية وقبرصية وسورية تصرّ تركيا على انتسابها لها. وفضلاً عن كل ذلك تتمسّك تركيا برفضها لجميع الجرائم التي ارتكبتها في الماضي مثل؛ المذابح التي نفّذتها بحقّ غير المسلمين.

اقرأ أيضاً: روسيا وتركيا تتعارضان في ليبيا وتلتقيان حول أنبوب للغاز

وبعد ما يربو عن قرن كامل من عدم إيجاد تصنيف لنفسها، تنتهج تركيا سياسة خارجية تتكوّن من ردود أفعال متتالية تجاه العلاقات المتبادلة مع القوى الإقليمية والدولية، وتبدو للوهلة الأولى كما لو كانت متضاربة.

لكن التغيير الحاد في موقف تركيا إزاء روسيا ليس نتيجة مصالح لحظية؛ بل على العكس تماماً، فهو انعكاس لاستمرار بحثها عن هويتها في محيط متقلّب وغير مستقرّ، مرّ أيضاً بمحطات عديدة.

1. تفكّك الاتحاد السوفييتي (1991)

وجدت تركيا، التي أخطأت باختيار المعسكر الخاسر في الحرب الباردة، نفسها بلا دور يذكر بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في 26 كانون الأول (ديسمبر) 1991.

اقرأ أيضاً: تركيا وروسيا ماضيتان في علاقة مشوشة

حاولت تركيا الاتجاه نحو التحديث عن طريق الانضمام إلى الكتلة الأوروبية، إلّا أنّها اصطدمت برفض الأوروبيين لها وعدم وجود أي نيّة حقيقية لديهم لقبول عضويتها ضمن النادي الأوروبي، واكتفوا بتمديد، وبلا نهاية واضحة، المفاوضات من أجل الانضمام، ووافقوا فقط على فكرة كون تركيا دولة شريكاً للسوق الأوروبية المشتركة في 1963، ثم دولة مرشحة للانضمام للاتحاد الأوروبي منذ 1987.

ظنّت تركيا أنّ بوسعها استغلال موجة ثورات الربيع العربي التي مرّت بعدد من دول الشرق الأوسط

كان أمام تركيا، في الوقت ذاته، خيار ثانٍ هو قيادة العالم الإسلامي واتّباع خُطى الدولة العثمانية. بيد أنّ السعوديين، الذين يرأسون منظمة المؤتمر الإسلامي عارضوا ذلك. وهنا ظهر الخيار الثالث للأتراك: استعادة علاقاتهم بالشعوب الناطقة باللغة التركية من أبناء الثقافة المنغولية والذين كانوا قد حصلوا على استقلال دولهم في آسيا الوسطى.

ونتيجة لعدم حسم أمرها سريعاً، أضاعت تركيا فرصة مواتية في الاتجاه الثالث. في الوقت عينه ومع قيادة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش لعملية عاصفة الصحراء من أجل طرد العراق خارج الأراضي الكويتية، أنشأ بوش نظاماً إقليمياً مستقرّاً يقوم على أساس محور ثلاثي يضمّ كل من المملكة العربية السعودية ومصر وسوريا. وفي محاولة منها للظفر بمزيد من الأراضي، أقامت تركيا وقتها علاقات مع دولة يتيمة أخرى في الشرق الأوسط هي إسرائيل التي تتشارك مع تركيا في سعيها نحو اكتساب أراضي.

2. هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001

بعد انهيار العدوّين اللدودين لإيران- أفغانستان والعراق- سمح جورج بوش للجمهورية الإسلامية بالعودة للعب دور إقليمي. ومن هنا أصبحت طهران جزءاً من "محور المقاومة" الذي يشمل إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، أمام دول المنطقة الأخرى. وبعيداً عن المظاهر وعلى عكس الرؤية السطحية السائدة للشرق الأوسط، لم يكن الأمر يتعلّق بمواجهة بين المعسكر الموالي للولايات المتحدة وذلك المناهض للولايات المتحدة، ولا حتى صدام بين الشيعة والسنّة، بل نزاع إقليمي زائف يؤجّجه البنتاغون وفي استمرار لنفس النموذج الذي كانت وزارة الدفاع الأمريكية قد طبّقته خلال عقد الحرب عديمة الجدوى بين العراق وإيران. لكن الهدف هذه المرة لم يكن إضعاف الطرفين، بل أن تعمل شعوب المنطقة على إسقاط الأنظمة الحاكمة في بلدانها، وفقاً لاستراتيجية رامسفيلد/سيبروفسكي.

اقرأ أيضاً: موقع "الخلافة الإسلامية" بين مشاريع إيران وتركيا وداعش

ومع إدراكها مبكّراً لاستراتيجية البنتاغون، فضّلت تركيا حماية نفسها عن طريق إقامة علاقات طيبة مع المعسكرين والترويج للنموّ الاقتصادي بدلاً من الحرب الأهلية الإقليمية. وبالتالي ابتعدت عن إسرائيل.

في العام 2006 حين نشر العقيد رالف بيترز خريطة لخطط رئاسة هيئة الأركان الأمريكية، أمكن رؤية أنّ الولايات المتحدة سعت لتفكيك تركيا عن طريق تأسيس "كردستان حرّة" على أساس دولة كردستان التي كان مقرّراً إعلان قيامها في البداية عام 1920. حينها تساءل عدد من الجنرالات الأتراك حول مغزى انتماء تركيا لمعسكر واشنطن وأوصوا بتشكيل تحالف آخر. وفضّل هؤلاء الجنرالات الاتجاه نحو بكين؛ حيث إنّ موسكو لم تكن قد استعادت عافيتها العسكرية على المستوى العالمي بعد وقتها. واتّخذ بعضهم الخطوة وفتحوا قناة تواصل مع الصين واشتروا عتاداً عسكرياً من العملاق الآسيوي، لكن أُلقي القبض عليهم عام 2008 مع مسؤولي حزب العمال ذي التوجّهات الكمالية، بداعي انضمامهم لمنظمة إرجنكون. وأدين أغلب ضباط هيئة الأركان التركية ووقّعت بحقّهم عقوبات طويلة بالسجن، على الأغلب، بسبب التجسّس لحساب الولايات المتحدة، قبل أن تظهر الحقيقة إلى النور، وأسقطت جميع التهم عنهم.

اقرأ أيضاً: "داعش" والشراكة مع تركيا

كان هذا التوقيت هو الذي شهد قرار أنقرة بتدشين سوق مشتركة مع جارتها سوريا، من أجل حماية نفسها من أي انتقاص محتمل من أراضيها والتخلّص من شبح "كردستان الحرة".

3. "الربيع العربي"

ظنّت تركيا أنّ بوسعها استغلال موجة ثورات الربيع العربي التي مرّت بعدد من دول الشرق الأوسط، لذا "أيقظت" القبائل ذات الأصول التركية في ليبيا وساعدت حلف شمال الأطلسي "ناتو" في إسقاط نظام الزعيم معمر القذافي رغم أنّه كان حليفاً لأنقرة. بعدها، دخلت تركيا في حرب مع سوريا، التي كانت أيضاً شريكاً تجارياً. إلّا أنّ هاتين المغامرتين كانت لهما تأثيرات سلبية على الاقتصاد التركي المزدهر وقتها.

تعدّ الأزمة السورية تطبيقاً حياً للخلاف التركي الروسي، حيث يشنّ الجيش التركي عملية عسكرية تسبّبت باتساع الهوة بين أنقرة وموسكو

ومع دخول روسيا في اللعبة من أجل تقديم الدعم لنظام الرئيس السوري بشار الأسد وإنزال الهزيمة بتنظيم داعش، ارتأت تركيا النأي بنفسها عن القوى الغربية. وسعت أنقرة لاكتساب ودّ موسكو بشراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية "إس-400" ومحطة الطاقة النووية أكويو، فضلاً عن المشاركة في محادثات السلام بشأن سوريا التي عُقدت بكل من سوتشي في روسيا وأستانة في كازاخستان. وردّت الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" بورقة المنظمة التي يقودها رجل الدين فتح الله كولن وتمويل "حزب الشعوب الديمقراطي" الذي يمثّل الأقلّيات في تركيا أمام "حزب العدالة والتنمية" الإسلاموية بقيادة الرئيس أردوغان. يُضاف إلى ذلك إسقاط مقاتلة روسية طراز "سوخوي-24" على الحدود التركية-السورية، ومحاولة واحدة، على الأقل، لاغتيال أردوغان، ومحاولة فاشلة للانقلاب عليه، وكذلك اغتيال السفير الروسي أندريه كارلوف، ضمن وقائع أخرى.

اقرأ أيضاً: تركيا تتحالف مع أنظمة استبدادية لتوسيع تمدّدها في أفريقيا

كل ذلك دفع السلطات التركية لشن حملة تطهير كانت نتيجتها إيداع نصف مليون شخص تقريباً في السجون بداعي محاولة الانقلاب الفاشل.

وهنا قرّرت تركيا إمساك العصا من المنتصف والوقوف في الوسط بين واشنطن وموسكو بحثاً عن استقلاليتها رغم استمرار وجود التهديد المتمثّل في إمكانية التضحية بها في أي اتفاق قد تبرمه القوتان العظميان. وفي نفس الوقت، حاولت تركيا مساعدة وعرقلة واشنطن وموسكو في التوقيت ذات؛ مثل الاشتراك في الحرب ضد سوريا وبالتزامن مع ذلك دعم إيران وإنشاء قواعد عسكرية لها في كل من قطر والكويت والسودان.

اقرأ أيضاً: تركيا من "الرئيس" إلى "الخليفة"

ونظراً لصعوبة الحفاظ على هذا الموقف لوقت طويل، اضطرت تركيا لتوزيع مجهودها على خمس جبهات مختلفة في نفس الوقت ألا وهي الاتحاد الأوروبي؛ والذي وقّعت معه اتفاقاً فيما يخص المهاجرين، والعالم العربي؛ الذي تدّعي دفاعها عنه في مواجهة إسرائيل، وآسيا الوسطى؛ التي تسعى لوضعها ضمن دائرة نفوذها، وحلف شمال الأطلسي "ناتو" الذي لا تزال عضوة فيه، وروسيا؛ التي تحاول مغازلتها.

4. اغتيال الجنرال قاسم سليماني

اعتقد العالم أجمع، وهو ما ثبت عدم صحّته، أنّ الولايات المتحدة بصدد الخروج من الشرق الأوسط تاركة المجال لروسيا. وفي الحقيقة أنّ الولايات المتحدة كانت تسحب قواتها فقط، لكن مع استمرار نيّتها بالاحتفاظ بسيطرتها على المنطقة عن طريق وكلائها المسلّحين والمدرّبين والكثيرين، الإرهابيين.

وإزاء سعي واشنطن لمواصلة انتهاج سياساتها الهدّامة في شمال أفريقيا، ومع اغتيال سليماني، بدأت تركيا في مراجعة حساباتها.

اقرأ أيضاً: تركيا واستنساخ الميليشيات الإيرانية

وتعود تركيا للدوران في فلك الولايات المتحدة. فبعد مفاوضات السلام بشأن سوريا التي جرت في 13 كانون الثاني (ديسمبر) الماضي في موسكو، تتحدّى أنقرة وبشكل سافر الآن روسيا وهو ما يتجلّى في صورة قتل أربعة ضباط من الاستخبارات الروسية في محافظة حلب السورية.

وتعدّ الأزمة السورية تطبيقاً حياً لهذا الخلاف التركي الروسي، حيث يشنّ الجيش التركي منذ أسابيع عملية عسكرية تسبّبت في اتساع الهوة بين أنقرة وموسكو أكثر وأكثر، ويتزامن ذلك مع بدء الجيش النظامي السوري أيضاً لعملية عسكرية بدعم من الطيران الحربي الروسي. وفي أسبوع واحد قُتل 14 جندياً تركياً.

وفي خطاب حاد اللهجة مؤخراً، هدّد أردوغان بـ"استهداف النظام السوري" في جميع أرجاء البلاد إذا تعرّضت قواته في إدلب لاعتداءات من جديد. بالمثل، جدّد تحذيراته لحكومة دمشق وطالبها بالانسحاب من عدة مواقع في إدلب قبل انتهاء شباط (فبراير) الجاري، وهدّد بـ"فعل كل ما يلزم سواء برياً أو جوياً" لتحقيق ذلك.

ما الذي حدث؟

عزّزت تركيا على مدار الأيام المنصرمة بشكل كبير تواجدها العسكري في محافظة إدلب السورية حيث حقّقت قوات الأسد وروسيا مؤخّراً نجاحات عسكرية على حساب الجماعات المعارضة والجهادية.

وبحسب الصحافة التركية، فقد أرسلت أنقرة ألف عربة مدرّعة إلى هذه المحافظة في غضون يومين فقط. كما كشف مراسل لوكالة (ا ف ب) الفرنسية أنّه شاهد قافلة مدرّعات تركية تصل إلى إدلب.

التوتر يتصاعد بين أنقرة وموسكو

تشعر تركيا بالقلق لسبب رئيس ألا وهو اللاجئون. فكلّما اقترب النزاع من حدودها، يحاول المزيد من الأشخاص الفرار من سوريا نحو الأراضي التركية التي تستضيف حالياً ثلاثة ملايين و700 ألف لاجئ بالفعل.

لذا فإنّ تصعيد التوتّر في إدلب يضرب الاتفاق المُبرم بين روسيا وتركيا في مقتل، واللتين نجحتا رغم مصالحهما المتعارضة في سوريا، في تعزيز تعاونهما منذ 2016. وجاءت ثمرة هذه الشراكة والعلاقات الطيبة بين أردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين متمثّلة في رعاية أنقرة وموسكو عام 2018 لاتفاق يقضي بوقف كافة صور العنف في إدلب.

اقرأ أيضاً: أزمة صامتة بين المغرب وتركيا بسبب ليبيا وقمة كوالالمبور

دفع ذلك أردوغان للتخلّي عن ضبط النفس الذي لطالما التزم به تجاه روسيا ليوجّه لها الاتهامات بارتكاب "مذابح" بحقّ المدنيين في إدلب بالتعاون مع قوات النظام السوري، ومنتقداً الإخلال بالوعود. وأكد الرئيس التركي "لن يصبح بوسع الطائرات التي تقصف السكان المدنيين في إدلب القيام بهذه الأفعال دون أي ردّ فعل مثلما كان يحدث من قبل"، دون أن يفصح عن الوسائل التي سيلجأ لها في هذا الصدد.

روسيا تردّ

من جانبه، رد المتحدث باسم الكرملين دميتري بسكوف بإلقاء اللائمة على أنقرة متهماً إياها بعدم فعل شيء لمواجهة الإرهابيين في إدلب، وهو الوضع الذي اعتبر أنّه "غير مقبول" في هذه المحافظة التي تعدّ آخر معاقل المعارضة ضد نظام الأسد وتسيطر عليها الجماعات الجهادية وحيث لقي 380 ألف شخص، على الأقل، حتفهم هناك بعد تسعة أعوام من النزاع، علاوة على ملايين اللاجئين.

اقرأ أيضاً: هل تورّطت قطر بعلاقة غير متكافئة مع تركيا؟

وتؤكّد كل من دمشق وموسكو أنّهما تواجهان "إرهابيين"، إلّا أنّ أردوغان يتّهمهما بمهاجمة "المدنيين على نطاق واسع" لدفعهم باتجاه الحدود التركية. وتحاول أنقرة تسوية الوضع عن طريق الجهود الدبلوماسية مع موسكو لتلافي كارثة إنسانية جديدة في إدلب قرب حدودها.

وبعد التوجّه شرقاً نحو روسيا في الأعوام الأخيرة، تحاول تركيا اكتساب ودّ أوروبا من جديد إزاء ما ترى أنّه انحياز روسي في الأزمة السورية، وبالفعل فقد توقّفت منذ الثالث من شباط (فبراير) عن المساهمة في الدوريات المشتركة مع روسيا في شمال سوريا.

اقرأ أيضاً: تركيا تجدد حيوية داعش وترعى انتقال الإرهابيين من سوريا والصومال إلى ليبيا

وبعد تصريحات أردوغان الحادة ضد موسكو، وصل المبعوث الأمريكي لسوريا جيمس جيفري إلى أنقرة للقاء وزير الدفاع التركي خلوص آكار ونائب وزير الخارجية سيدات أونال، ومن الأراضي التركية شدّد جيفري "يجب على روسيا تغيير سياساتها، وكذلك الإيرانيين وحزب الله، الذين يدعمون عملية قوات النظام السوري"، مؤكّداً دعمه لأنقرة كعضو في الناتو أمام "التهديدات الكبرى" التي تواجهها في إدلب.

السوريون بين شقّي الرحى

يواجه الروائي الحلبي ماهر دعبول معضلة عصيّة على الحل: البقاء مع أسرته في قريته وربّما الموت تحت الغارات العنيفة التي يشنّها النظام السوري، أو الهرب نحو تركيا والمخاطرة أيضاً بالموت برصاص الجنود الأتراك الذين يغلقون الحدود. والحقيقة أنّ هذا هو الواقع اليومي لعدد كبير من المدنيين السوريين. فبينما ينزح الكثيرون بما يستطيعون حمله من منازلهم، لا سيما مع التقدّم الحثيث للقوات الموالية لحكومة بشار الأسد، أصبح آخرون مثل دعبول، والذين سبق لهم النزوح، عالقين بين نيران قوات الأسد والقوات التركية.

تحذّر منظمات حقوقية من أنّ الأسبوعين الماضيين شهدا اضطرار 150 ألف شخص للنزوح من منازلهم جراء القصف في إدلب

يسرد دعبول "أنا واحد من القلائل المحظوظين الذين يبيتون تحت سقف بيت ملك لهم. لكن هناك الكثير من العائلات الأخرى الذين يقضون ليلهم في الخيام، أو داخل المدارس أو حتى في الشارع في العراء" وذلك في الشتاء قارس البرودة بشمال سوريا في شهر شباط (فبراير) لتظهر مأساة إنسانية أخرى نتيجة للحرب الدموية.

وتحذّر منظمات عدّة تنشط في مجال حقوق الإنسان من أنّ الأسبوعين الماضيين شهدا اضطرار 150 ألف شخص للنزوح من منازلهم جراء القصف في إدلب التي يقطنها ثلاثة ملايين نسمة، ليرتفع إجمالي الأشخاص الذين يحتمون بالمناطق الحدودية إلى نصف مليون شخص.

وفي محاولاته لتضييق الخناق على المعارضة بغية استعادة سيطرته على كامل أراضي البلاد، وصل الأمر بالجيش السوري وحلفائه- الطيران الروسي والميليشيات الشيعية المدعومة من إيران- إلى تدمير الطرق التي يسلكها النازحون من المدنيين، بينما تتكفّل تركيا بالجزء الباقي من المهمة عن طريق إغلاق حدودها للحيلولة دون دخول المزيد من اللاجئين إلى أراضيها.

ورغم أنّ أنقرة دأبت على مدار أعوام على الترويج لفكرة أنّها تفتح الباب في وجه جميع "الضيوف" وهو الأمر الذي كان يروق لرئيسها، لكن يبدو أنّه اكتشف فجأة أنّ الهجرة تخصم من رصيده من الأصوات ليتراجع عن هذه السياسة ويصبح على شفا الدخول في مواجهة مفتوحة مع سوريا وروسيا، والثمن سيدفعه المدنيون الأبرياء الذين تتفاقم أزمتهم الإنسانية ومعاناتهم.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2uQpmK5
https://bit.ly/2uNvfrx
https://bit.ly/2wmsOwD

للمشاركة:



محاولة اغتيال وزير الدفاع اليمني.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

نجا وزير الدفاع اليمني، اليوم، من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته أثناء تفقده جبهات القتال شرق البلاد.

 

 

وأضافت مصادر، نقل عنها موقع "المشهد" اليمني؛ أنّ محاولة الاغتيال بعبوة ناسفة استهدفت موكب وزير الدفاع، الفريق محمد المقدشي، نتجت عنها وفاة عدد من مرافقيه.

وزير الدفاع اليمني ينجو من محاولة اغتيال بعبوة حوثية ناسفة استهدفت سيارته

هذا وقد تمكنت قوات الجيش الوطني من إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي، باتجاه مواقع محررة، جنوب محافظة الجوف.

وأكّد موقع الجيش "سبتمبر نت"، نقلاً عن مساعد قائد المنطقة العسكرية السادسة، العميد محمد بن راسيه؛ أنّ "قوات الجيش مستمرة في مطاردتها للمليشيا الحوثية، في الجبال المحاذية لمحافظة صنعاء، وتكبدها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد على امتداد جبهات محافظة الجوف".

قوات الجيش الوطني تعلن إحباط محاولة تسلل لميليشيا الحوثي جنوب الجوف

إلى ذلك أعلن التحالف العربي، الذي تقوده السعودية، تنفيذه عملية ناجحة ضدّ جماعات تهريب البشر والجريمة المنظمة في محافظة المهرة اليمنية.

وأكّد المتحدث باسم قوات التحالف، العقيد الركن تركي المالكي، في بيان نشرته، أمس، وكالة الأنباء السعودية الرسمية "واس"؛ أنّ تلك الجماعات التي تشكل أنشطتها "خطراً أمنياً حقيقياً يقوض جهود الحكومة اليمنية الشرعية (المعترف بها دولياً) في فرض الأمن والاستقرار بالمحافظة"، حاولت، الإثنين الماضي، تعطيل جهود الأجهزة الأمنية الحكومية في مجال وقف وضبط عمليات التهريب بالمحافظة.

التحالف العربي في اليمن يعلن إجراءات ضدّ "خطر أمني حقيقي" في المهرة

وأوضح المتحدث؛ أنّ "الشخصيات معروفة في المحافظة والمتزعمة لتلك الجماعات" حاولت بذلك "تسهيل هذه العمليات باستخدام العنف والقوة المميتة باستهداف الوحدات الأمنية وقوات التحالف للمحافظة على مصالحها التخريبية"، ما أسفر عن وقوع بعض الإصابات في صفوف عناصر الأجهزة الأمنية الحكومية والإضرار بالأمن العام ومصالح المواطنين.

وشدّد المالكي على أنّ الأجهزة الأمنية وقوات التحالف اضطرت في هذه الظروف إلى اتخاذ "الإجراءات المناسبة، وبحسب ما يقتضيه الموقف للدفاع عن النفس والمحافظة على الأمن"، مؤكداً أنّ العملية أدت إلى ضبط العديد من الأسلحة بحوزة المنفذين.

 

للمشاركة:

بهذه الطريقة يواجه المرشد الإيراني عزوف الشباب عن الانتخابات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

اتخذ المرشد الإيراني، علي خامنئي، خطوة استباقية من الضغط لضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية، المقررة هذا الأسبوع، بوصفها "واجباً دينياً" على الإيرانيين، مشهراً الورقة الدينية لمواجهة عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقررة، الجمعة المقبلة.

 وقال خامنئي أمام حشد من أنصاره، أمس، وفق ما نقلت "رويترز": "التصويت ليس فقط مسؤولية ثورية ووطنية، بل هو أيضاً واجب ديني".

وقال خامنئي: "الانتخابات وسيلة لتقوية البلاد، ووجود برلمان ضعيف ستكون له تبعات طويلة الأمد، وجود برلمان ضعيف سيؤثر سلباً على حربنا مع الأعداء".

وتابع المرشد الإيراني: "الانتخابات ستحيّد النيات الأمريكية السيئة، ستثبت الانتخابات مجدداً أنّ الشعب إلى جانب النظام".

خامنئي يحاول ضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية بوصفها "واجباً دينياً"

ورفض "مجلس صيانة الدستور"، المسؤول عن مراجعة طلبات الراغبين في الترشح، تأهل 6850 من المعتدلين، مما صبّ في صالح المحافظين الذين يتمتعون غالباً بأفضلية في عدد المرشحين خلال الانتخابات الإيرانية، ولم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً، وبينهم نواب بارزون.

وتجري الانتخابات البرلمانية بإيران، في 21 شباط (فبراير) الجاري، وتأتي الانتخابات هذا العام في توقيت سيئ للإصلاحيين والمعتدلين الذين يواجهون سخطاً شعبياً بعد تعثر الوعود التي تعهد بها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في انتخابات الرئاسة 2017.

ومن المرجح أن يهيمن المحافظون، وهم التيار الأقرب للمرشد الإيراني مقارنة بالتيار المنافس، على المجلس المؤلف من 290 مقعداً؛ بسبب العدد الكبير من راغبي الترشح الذين رفض مجلس صيانة الدستور طلباتهم، ويحقّ لنحو 58 مليوناً التصويت من بين 83 مليوناً هم عدد سكان إيران.

 

للمشاركة:

مؤتمر دولي في بروكسل يدين أردوغان وسياساته.. البيان الختامي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

دان التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب التدخل التركي في شرق المتوسط، وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخّل التركي العسكري المباشر في ليبيا، مندداً بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، مع الحكومة التركية، معتبراً أنّ هاتين الاتفاقيتَين تهددان الاستقرار في المتوسط، ويمكن أن تحولا ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

وأضاف المشاركون في المؤتمر، الذي استضافه البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس، تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، أنّ سياسة الخارجية التركية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان غير واضحة، وقد تضع أنقرة في مخاطر جمّة؛ بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، لافتين إلى أنّ سياسة أردوغان كانت سبباً رئيساً في خسارة ثقة الأوروبيين منذ أعوام.

التجمّع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب يدين التدخل التركي في شرق المتوسط وفي ليبيا

وقال المشاركون في كلمات منفصلة: "أردوغان وقّع اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس، التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية"، لافتين إلى أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابيين في ليبيا أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق.

وندّد المشاركون في المؤتمر، الذي عقد بمشاركة أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية، كداعش والنصرة وجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة أيضاً في الكثير من الدول كجماعة إرهابية، وذلك على الملأ، عبر الدعم اللوجستي والعسكري وكذلك السياسي في المحافل الدولية.

متسائلين: كيف لأوروبا أن تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي ضمن سياساته العثمانية التوسعية التي يطبقها يومياً؟ ولافتين إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة لم تستخدم منذ الحقبة النازية، أو حتى خلالها.

تالياً نصّ البيان الصحفي الكامل الذي صدر عن المؤتمر في بروكسل:

مؤتمر بروكسيل يحذّر من خطر التدخل التركي في المتوسط:

  • وزير الخارجية التركية الأسبق يشار ياكيش: "سياسات أردوغان قد تحوّل ليبيا إلى سوريا جديدة".
  • كوستاس مافريديس: "أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية لم تستخدم منذ الحقبة النازية".
  • نيازي كيزيليورك: "أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية".
  • ماغنوس نوريل: "أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق".
  • جان فالير بالداكينو: "تركيا تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين في المتوسط".

الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٠

تحت إطار التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب استضاف البرلمان الأوروبي في بروكسل، يوم الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير)٢٠٢٠، مؤتمراً أوروبياً تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، وقد تحدث في هذا المؤتمر عدد من النواب والسياسيين والخبراء يمثلون مختلف التوجهات السياسية من عدة دول أوروبية ومتوسطية، وهم: معالي يشار ياكيش (وزير الخارجية التركية الأسبق)، ود. كوستاس مافريديس (النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان)، البروفيسور نيازي كيزيليورك (النائب في البرلمان الأوروبي من قبرص)، إضافة إلى الدكتور ماغنوس نوريل (الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، وجان فالير بالداكينو (رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس).

وضمّ هذا المؤتمر أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً، يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، وقد ركزت الكلمات على شقّين أساسيين، هما: التدخل التركي في شرق المتوسط وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخل التركي العسكري المباشر في ليبيا؛ حيث ندّد عدد من المشاركين بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، مع الحكومة التركية اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، معتبرين أنّ هاتين الاتفاقيَّتين تهدّدان الاستقرار في المتوسط، كما عبروا عن خشيتهم من التدخل التركي في المتوسط مما له تداعيات إقليمية وعالمية، ومن تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

بداية قدم وزير الخارجية التركية الأسبق، يشار ياكيش، عرضاً تاريخياً مفصلاً للحدود الجغرافية البحرية في المتوسط، ورأى أنّ طول الحدود البحرية التي يبلغ 1700 كلم مع اليونان وباقي دول المتوسط هو أحد الأسباب التي دفعت بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتوقيع الاتفاق مع الحكومة الليبية.

التنديد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين

ياكيش رأى أنّ لتركيا مطالبات بتقسيم الحدود البحرية وحرية الوصول إلى ثرواته، وهذا هو الهدف الذي يسعى من خلاله أردوغان إلى الحصول على حقّ قانوني بخصوص الحدود البحرية، بالتالي؛ تمّ التوقيع على اتفاق أحادي مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية دون التشاور مع باقي دول المتوسط، وزير الخارجية التركي الأسبق، قال إنّ أردوغان وقع أيضاً اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس لكنّ مشكلة هذه الحكومة، على حدّ تعبيره، أنّها مسيطر عليها من قبل حركة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية. مؤكداً أنّ عمق المشكلة أنّ السياسة المتبعة من قبل حكومة أردوغان "تجعلنا نطرح تساؤلات عن الأخطار التي تحدق بتركيا من خلال انغماسها في ليبيا".

يشار ياكيش حذّر من أنّ ليبيا قد تتحول إلى سوريا جديدة بسبب ثرواتها البترولية، خاصة أنّ تركيا في هذا المشهد ليس لديها أيّة سياسة واضحة المعالم للخروج من هذه الأزمة، ومن أنّ السياسة الخارجية التركية غير الواضحة من قبل أردوغان قد تضع تركيا في مخاطر جمة، بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، وفي الختام؛ رأى ياكيش أنّ السلطة تفسد في إشارة إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، "الذي خسر ثقة الأوروبيين منذ أعوام"، على حدّ قوله.

من جهته، تحدّث الدكتور كوستاس مافريديس، النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان عن "الموت الإستراتيجي"، وهو عنوان كتاب لمفكر تركي، أحد المنظرين الذين يجلّهم أردوغان ويحاول تطبيق نظريته فيما خصّ السياسة الخارجية عبر إعادة إحياء السياسة العثمانية التوسعية.

 د. مافيرديس رأى أنّ هذا النموذج هو بسيط جداً بالنسبة إلى أردوغان؛ حيث إنّ البرلمان التركي يدعمه ويصوّت له بقوانين هدفها حماية الشعوب التي لها أصول عثمانية في المنطقة، كما حصل مع المسلمين في قبرص.

مضيفاً أنّ هذه هي السياسة التي يطبقها أردوغان بحذافيرها في العالم الإسلامي منذ عدة أعوام، وهي تضعه في مواجهة مباشرة مع باقي دول المنطقة، بالتالي؛ فإنّ هذه السياسة التوسعية هي جوهر المشكلة عبر هذه السياسات الهجومية التي لا تراعي القوانين الدولية.

رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي ندّد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه، الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين، وذلك على الملأ عبر الدعم اللوجستي والعسكري، وكذلك السياسي في المحافل الدولية، وسأل مافريديس كيف لأوروبا أنّ تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي وهذه السياسات العثمانية، التوسعية التي يطبقها يومياً.

مشيراً إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة، لم تستخدم منذ وحتى خلال الحقبة النازية، الدكتور كوستاس مافريديس شدّد على أنّ الاتفاقات التي وقعها أردوغان مع ليبيا، لا تتطابق مع قوانين الأمم المتحدة أو القوانين الأوروبية، لأنّ تركيا لا تعترف بقبرص وهي بلد عضو في الأمم المتحدة وعضو في الاتحاد الأوروبي. وختم حديثه بالقول؛ إنّ سياسات أردوغان تهدّد استقرار المتوسط، مؤكداً أنّ لا دور لتركيا في ليبيا، بالتالي؛ فإنّ تدخّلها هناك سيحول ليبيا إلى سوريا أخرى.

أما د. نيازي كيزيليورك، النائب في البرلمان الأوروبي، عن قبرص فوضع التدخل التركي في ليبيا في خانة الصراع على مصادر الطاقة، ورأى أنّ أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية، وأضاف أنّ لقبرص الحق الكامل في استثمار مواردها من الطاقة ضمن حدودها البحرية لكن تركيا ترفض أن تعترف بهذه السيادة وبهذا الحق.

د. كيزيليورك تساءل في هذا الإطار عن سبب رفض أردوغان للتفاوض مع دول المنطقة للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويسمح بتوزيع الثروات من الطاقة ضمن القوانين المعمول بها دولياً.

النائب القبرصي أكّد أنّ رفض اردوغان لإجراء مثل هذه المفاوضات يحرم حتى القبارصة من الشطرين بهذه الثروات، محذراً من خطر التمادي في هذه السياسات على منطقة المتوسط، ومشيراً إلى فشل السياسة الخارجية التركية.

في المقابل؛ تحدّث الدكتور ماغنوس نوريل، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عن السياسة الخارجية التركية لنظام أردوغان، ورأى أنّ "التدخّل التركي في ليبيا يجسد مرحلة ما بعد سياسة صفر المشاكل، وهي مرحلة مليئة بالمشاكل، وصفها بالسياسة التوسعية التي تهدّد الأمن والاستقرار.

الدكتور نوريل رأى أنّ "هذه الخيارات التوسعية باتت تشكل عبأ على تركيا، وخلقت لها مشاكل مع دول المنطقة كإيران ومصر. كما شدّد الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على ضرورة تدخل أوروبا لمنع تصدير السلاح إلى ليبيا، وخصوصاً السلاح القادم من تركيا؛ لأنّه يتسبب بزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، ويشكل خطراً على بلدان المتوسط لقرب نظام أردوغان من الميلشيات المرتبطة بالإخوان المسلمين، بالتالي المجموعات الإرهابية.

وختم الدكتور نوريل بالتحذير من خطر الإسلام السياسي، الذي ما يزال يتمدّد في شمال أفريقيا، على الرغم من سقوط ما يعرف بخلافة داعش، معتبراً أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي، أكثر مما كانوا عليه سابقاً في سوريا والعراق، ومؤكداً أنّ تركيا، وبلا شك، تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين.

جان فالير بالداكينو، رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس، تحدث أيضاً عن السياسة التوسعية لتركيا في ليبيا، وركّز على مدى خطرها على الحرب التي تخوضها فرنسا على الإرهاب في أفريقيا، ومالي تحديداً.

ورأى جان؛ أنّ لتركيا أطماع في مصادر الطاقة في منطقة المتوسط، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية، متمثلة في سياسة هجومية توسعية تستخدم الإسلام السياسي والقومية العثمانية لتبرير تدخلها في البلدان المجاورة.

رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس تأسف لعدم تعامل أوروبا بحزم مع حكومة أردوغان، خاصة في ملف النازحين وتسلل الإرهابيين إلى أوروبا من سوريا، بالتالي تحول هذا الملف إلى مصدر ابتزاز استغله أردوغان في تعامله مع أوروبا، مؤكداً أنّ أوروبا لديها مشكلة كبيرة مع تركيا، بسبب دعمها للإسلاميين بشكل واضح وصريح، وأنّ طموحات أردوغان هي وراء التوتر في المتوسط.

 

للمشاركة:



سنقصف سوريا حتى آخر جندي إيراني

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

عبد الرحمن الراشد

إن داومت إسرائيل على قصف المواقع الإيرانية في سوريا كما تفعل، فإن إيران ستغادر وينتهي بذلك شبه الاحتلال للدولة الضعيفة المدمرة. فالقوات الإيرانية وميليشياتها لا ترد على الهجمات الإسرائيلية الموجعة، ولم يبدِ الروس، الشريك الأول، بدورهم اعتراضا، إلا تصاريح إعلامية عبروا فيها عن عدم رضاهم، قائلين إنه تصعيد خطير من جانب إسرائيل ضد المدنيين في دمشق ومحيطها، وإن هجماتها كادت تتسبب في إسقاط طائرة مدنية إيرانية.
وأقوى تصريح إسرائيلي ما قاله وزير الدفاع الجديد، نفتالي بينيت: «سنتحول من العمل الوقائي إلى العمل الهجومي، فهو الإجراء الوحيد الذي يضمن لنا طرد إيران خارج سوريا. وإننا نقول لهم، أي الإيرانيين، سنجعل سوريا فيتنام الإيرانية، وستواصلون النزف حتى مغادرة آخر جندي إيراني الأراضي السورية». ما يدور ليس حرباً بالمفهوم التقليدي، بل ضربات نوعية ومطاردة مستمرة.
ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي الملحوظ عن الهجمات الأميركية في سوريا، وإعادة تسليح بعض فصائل المقاومة السورية، وتزويدها بصواريخ كانت وراء إسقاط طائرتي هليكوبتر للنظام السوري.
وتبدو العمليات الأميركية الإسرائيلية المستمرة في سياق عمل مشترك للضغط على إيران حتى تخرج من سوريا، ودفعها إلى الخلف في العراق. وكان اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس»، ومسؤول العمليات العسكرية الإيرانية في سوريا، قد تم في السياق نفسه، أي إخراج الإيرانيين من سوريا.
لكنّ في القصة سطوراً غير واضحة، حيث لا نرى لنظام دمشق أثراً، وفيما إذا كانت للاشتباكات المتعددة الجنسية في الحدود الشمالية مع تركيا علاقة بذلك! لا نرى نظام دمشق متحمساً للدفاع عن حليفه الإيراني، ولا الروسي مهتماً أيضاً، وتركت إيران معزولة تحارب وحدها. أما المعارك التي تدور رحاها بالقرب من حدود تركيا، فهي جزء من التصفيات النهائية للوضع السوري ذات الموضوعات المتعددة، منها نظام الحكم في الحل النهائي، واللاجئون، والتنظيمات المسلحة، وإخراج الأتراك والإيرانيين. لكن الجزء الذي يهم عدداً من دول المنطقة، وكذلك الولايات المتحدة وإسرائيل، بشكل أكثر هو إخراج إيران. وهي لن تخرج إلا بعد المزيد من النزف، وخروجها سيسهل عملية الحل النهائي للأزمة السورية.
وبالنسبة لدمشق وروسيا فإن دور إيران انتهى، فقد موّلت الحرب وقاتلت حتى حمت النظام من الانهيار التام، والآن أصبحت إيران عبئاً على حليفيها. والفارق بين وجود روسيا وإيران في سوريا، أن الأولى تريد دمشق ضمن منظومتها في المنطقة، أما إيران فلها أهداف أوسع في سوريا؛ تريد أن تجعلها مثل لبنان، دولة تابعة ومنصة عسكرية في مواجهة إسرائيل، وتستخدم سوريا لتأمين وجودها في العراق، ضمن صراع النفوذ الإقليمي.
إن تم إخراج إيران من سوريا فسيكون أهم إنجاز سياسي وعسكري، حيث سيضعف نفوذها سريعاً في كل من العراق ولبنان، لهذا الهدف استراتيجي، والمهمة لن تكون سهلة.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

حزب الله يسوّق بضاعة إيران الكاسدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي قاسم

لم تتوقف إيران منذ عودة الخميني من منفاه عام 1979، بعد أن أطاحت ثورة حدثت هناك بحكم الشاه، عن التهديد يوميا برمي إسرائيل في البحر، وتدمير الولايات المتحدة.

لا جديد في ذلك، المشكلة أن تصدّقَ أطراف عربية هذه الادعاءات وتسمح لإيران بإطلاق التهديدات من فوق أرضها.

وليست المشكلة أيضا، أن إيران وحكامها يصدقون أنهم أولياء الله على الأرض، فهم أولا وأخيرا يخدمون مصالحهم على حساب غيرهم من الشعوب، ولكن الكارثة أن تصدّقَ جهات عربية تلك الادعاءات.

بعد أيام من استهداف غارات إسرائيلية مقارّ تابعة لها في محيط مطار دمشق، اعتبر الحرس الثوري الإيراني أن الظروف الآن غير ملائمة لمواجهة إسرائيل. وقال حسين سلّامي، قائد الحرس الثوري في مقابلة تلفزيونية الاثنين، إن هناك إمكانات كبيرة للقضاء على إسرائيل “لكن الظروف ما زالت غير ملائمة”.

سلّامي نصح الإسرائيليين بعدم الاعتماد على الأميركيين، وأخذ العبرة من آخرين قال إنهم فعلوا ذلك ولم يحققوا أي نتيجة، وقال إن طهران بنت قدراتها على مستوى عالمي، لتصل إلى مستوى القوة العسكرية الأكبر في العالم، وأن هدف إيران يتمحور حول انهيار الكيان الصهيوني والقضاء على وجوده وعلى الوجود الأميركي في المنطقة.

إيران، حسب سلّامي، مستعدة لمواجهة سيناريوهات الحرب المختلفة مع الولايات المتحدة، وللانتقام من عملية اغتيال القيادي بالحرس الثوري قاسم سليماني.

وبالطبع لن تقوم إيران بهذه المهمة بنفسها، بل ستنيط بها وكلاء لها في المنطقة، وعلى رأسهم حزب الله، فهو كما يقول سلّامي أقوى اليوم بعشرات الأضعاف مما كان عليه في حرب عام 2006، واستطاع التغلب على “التكفيريين” بعد أن بات أكثر تسلحا ومناعة وخبرة.

حزب الله، الذي يستمد شروط بقائه من خرافات يسوّقها آيات الله، لم يكذّب خبرا، وكشف عن نصب تمثال جديد لقائد ميليشيا “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، في بلدة “مارون الراس” على الحدود اللبنانية.

وتداولت مواقع لبنانية لقطات تظهر تجمعا للعشرات من مناصري ميليشيا “حزب الله”، أثناء إزالة الستار عن التمثال وهو يشير إلى الأراضي المحتلّة من إسرائيل وخلفه العلم الفلسطيني، في بادرة رمزية، لا تخفى دلالاتها، أُريدَ من خلالها إيصال رسالة، ليس لإسرائيل فقط، بل لمخدوعين من العرب اعتقدوا طويلا أن غاية حزب الله هي تحرير فلسطين.

وكان سلّامي قد هدد خلال مراسم أربعينية قاسم سليماني في طهران التي جرت الأسبوع الماضي، بأن إيران “ستضرب إسرائيل والولايات المتحدة إذا ارتكبتا أقل خطأ”.

استهداف إسرائيل لن يكون من إيران فقط، كما أكد سلّامي، وكان الأجدر به أن يقول إن الاستهداف لن يكونَ من إيران مطلقا. وكما جرت العادة كانت أطراف أخرى موالية لطهران، وفي مقدمتها حزب الله، تقوم بالمهمة نيابة عن نظام الملالي، غير عابئة بالأضرار التي ستلحق بلبنان واللبنانيين، الذين يعانون من أزمة اقتصادية خانقة، أثارت غضب الشارع اللبناني.

ولم ينسَ سلّامي أن يؤكد شرعية التواجد الإيراني في سوريا، الذي تم بدعوة من الحكومة السورية حسب قوله، لمحاربة الجماعات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، مؤكدا أن طهران لن تتوانى ولن تتسامح في الدفاع عن أمنها القومي.

استطاعت طهران أن تسوّق بضاعتها الكاسدة في المنطقة العربية، مستعينة بحزب الله، ومستغلة غضب الكثيرين من احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية، ولكنها فشلت في تسويق نفس البضاعة للدول الكبرى والمحافل الدولية، التي صنفت إيران بين الدول المتعاطفة إن لم تكن الداعمة للإرهاب.

حزب الله اليوم حسب دراسة صادرة عن “مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية” بواشنطن، هو الفاعل غير الحكومي الأكثر تسلحا في العالم، وتستشهد الدراسة بأرقام تشير إلى أن الحزب امتلك خلال حرب 2006، 15 ألف صاروخ بينما يمتلك حاليا 130 ألف صاروخ، حاولت الدراسة أن تقنعنا أنها تشكل تحديا لسلاح الجو الإسرائيلي، وتجبر إسرائيل على استخدام قوات المشاة في أي حرب قد تقع بين الطرفين، وهذا ما ينشده حزب الله.

قد يكون رأس أفعى الشر مستوطن في طهران، ولكن الحل لن يكون إلا في عواصم دول عربية، عملت إيران كل جهدها على توتير الأوضاع الداخلية فيها، بدءا من بغداد ومرورا بدمشق وبيروت، وصولا إلى صنعاء.

ماذا قدمت طهران للعراق وسوريا ولبنان واليمن، سوى المساهمة في خلق الأزمات وتأجيجها؟

باتت الغالبية العظمى في تلك الدول تدرك أن الحل لن يكون إلا صناعة محلية، وأن إيران لن تكون أحن عليهم من أنفسهم.

هناك أكثر من سبب يدفع إيران إلى القلق، بدءا من العراق، حيث اقترب فيه العراقيون من تجاوز خلافاتهم الطائفية، التي سوّق لها ملالي طهران، وصولا إلى سوريا التي تشير فيها خارطة المعارك إلى سيطرة القوات الحكومية على الوضع، في وقت لم يعد يذكر فيه السوريون اسم إيران إلا للتعبير عن التذمر.

وفي اليمن يبحث الجميع عن مخرج لأزمة افتعلتها إيران هناك، ويتساءل اليمنيون عن سبب للاقتتال في ما بينهم، فلا يجدون من سبب لذلك سوى وهمٍ وأكاذيب سوّقتها طهران وصدقوها في غفلة منهم.

عزل إيران وعودة الوعي لهذه الدول الثلاث، سيحيي الأمل في أن يراجع حزب الله، الذي اختطف الدولة في لبنان، سياساته الخاطئة ويدرك أن عاصمة لبنان هي بيروت وليست طهران.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي الدين هلال
المتابع لحركة السياسة التركية داخليا وخارجيا، لا بد أن يتضح له أنها تعبر عن رؤية للمستقبل كما يتصوره الرئيس أردوغان، وأنها رؤية تخالف الأسس التي قامت عليها دولة تركيا الحديثة وأسسها كمال أتاتورك، وأنها تسعى لاستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية أو ما يسمى باسم "العثمانية الجديدة"، وهي مجموعة من الأفكار التي تزاوج بين المبادئ التي قامت عليها تركيا الحديثة والتقاليد الإمبراطورية العثمانية.

من أهم مظاهر هذا التفكير الدعوة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمعاهدات الدولية التي تم توقيعها وقتذاك والتي مثلت الأساس القانوني لنشأة الجمهورية التركية، بحجة أنها ترتيبات مجحفة بحق الأتراك. ولكي نفهم ذلك، نتذكر أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 دارت بين طرفين؛ الأول تحالف كان أبرز دوله المملكة المتحدة وإيرلندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، والثاني تحالف بين ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية.

وانتهت الحرب بانتصار الطرف الأول وفرض شروطه على الدول المهزومة، ووضع الأسس للعلاقات بين الدول وإقامة منظمة عصبة الأمم. كان من هذه الشروط، استقلال بعض الولايات والأقاليم التي كانت خاضعة لهذه الدول أو وضعها تحت نظام الانتداب، وفقا لميثاق عصبة الأمم.

وبالنسبة للإمبراطورية العثمانية اتخذت هذه الترتيبات عدة أشكال. كان أولها معاهدة سيفر الموقعة في أغسطس/آب 1920، والتي بمقتضاها قُسمت أقاليم الإمبراطورية، ومنح الاستقلال للقوميات غير التركية وفرض النفوذ الغربي عليها، ومثل ذلك صدمة مروعة للأتراك وبالذات فيما يخص الحدود مع اليونان فشنوا حربا ضدها خلال الفترة 1922-1923.

وانتهت بانتصار القوات التركية، ودعوة الحلفاء إلى مؤتمر دولي في مدينة لوزان السويسرية 1923، ورأس الوفد التركي عصمت أنونو (1884-1973) أحد أبرز الساسة الأتراك الذي أصبح الرئيس الثاني للجمهورية بعد وفاة أتاتورك عام 1938. واستمرت جلسات المؤتمر لمدة ثلاثة شهور، وفي نهايته تم التوقيع على معاهدة لوزان الثانية، التي أنشئت دولة تركيا الحديثة في حدودها الراهنة.

تتكون هذه المعاهدة من 143 مادة موزعة على 17 وثيقة بين اتفاقية وميثاق وملحق، وتناولت ترتيبات الصلح بين الدول أطراف المعاهدة وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا الحديثة والحلفاء، وفقا لقواعد القانون الدولي.

ونصت المعاهدة على رسم حدود الدولة التركية مع اليونان وبلغاريا وأصبحت أرمينيا الجمهورية دولة مستقلة، وحلت النزاعات الإقليمية بينها والدول الأوروبية الأخرى. وبالنسبة للمنطقة العربية فقد أنهت أي صلة سياسية أو قانونية مع قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام التي ضمت سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ووضعت قواعد لتنظيم التجارة والإقامة والقضاء، فنصت على ضرورة التزام الدولة التركية الجديدة بحماية حقوق جميع مواطنيها والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللون والدين،

وبعدم وضع أي قيود على اختيار أي لغة يختارونها، وأنهت العمل بنظام الامتيازات الأجنبية الذي تمتعت به الدول الأوروبية، ووضعت القواعد الخاصة بتقسيط الديون العثمانية وقواعد المرور في المضائق المائية التركية واعتبارها ممرات دولية لا يجوز لتركيا تحصيل رسوم مرور من السفن العابرة فيها. وقد نصت المعاهدة أيضا على حماية حقوق الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان.

تحدث أردوغان في هذا الأمر أكثر من مرة وعبر عن رغبته في مراجعة آثار هذه الاتفاقية واستعادة الحقوق التي اغتصبتها الدول المنتصرة في الحرب الأولى، فقال إن خصوم تركيا أجبروها على توقيع معاهدة سيفر 1920 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وترتب على ذلك تنازل تركيا عن جزر تابعة لها في بحر إيجة، ووصف معاهدة سيف بأنها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها.

وحسب اعتقاده، فإنه بعد مرور قرن من توقيع الاتفاقية ونشأة الدولة التركية الحديثة، فإنه يجوز إعادة النظر في هذه الترتيبات؛ ومنها مثلا فرض رسوم على السفن المارة في مضيق البسفور، والتفكير في حفر قناة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة التي كانت تحظرها معاهدة لوزان. وهو اعتقاد لا يوجد له أساس في المعاهدة.

وتبقى قضية ولاية الموصل، التي تدعي تركيا وجود علاقة خاصة معها، وذلك بسبب خضوعها للإدارة العثمانية لمدة 4 قرون من عام 1534 إلى عام 1918، ولوجود أعداد كبيرة من التركمان الذين ينتسبون لأصول تركية ويعيشون فيها. والحقيقة أن وضع "الموصل" تعرض لتغيرات تستحق التسجيل، ففي اتفاقية "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916، كانت الموصل ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1918، احتلت القوات البريطانية الموصل، وألحقتها بأراضي العراق التي احتلتها خلال سنوات الحرب.

وأثار ذلك غضب فرنسا، وحدثت مقايضة بين الدولتين، فتخلت فرنسا عن الموصل مقابل لواء الإسكندرونة شمال غربي سوريا. رفضت تركيا هذه الإجراءات مؤكدة حقها في الموصل مدعية أن قواتها انسحبت منها طواعية. فقامت عصبة الأمم ببحث الموضوع ومحاولة الوصول إلى تسوية مرضية للطرفين، ولكنها لم تنجح فاتخذت قرارا في 1925 بتبعية الموصل إلى العراق. لم تقبل تركيا بالقرار، وبدأت مفاوضات تركيا بريطانية انتهت بتوقيع اتفاقية أنقرة التي وقعت عليها أيضا المملكة العراقية في مايو/أيار 1926.

أقرت الاتفاقية بتبعية الولاية للعراق وتنازل تركيا عن ادعاءاتها فيها، وترسيم الحدود بين البلدين. وإثر ذلك اعترفت تركيا بالعراق في مارس/آذار 1927. نصت الاتفاقية أيضا على حصول تركيا على 10% من عائدات نفط الولاية لمدة 25 سنة، وأعطت تركيا حق التدخل العسكري في الموصل وشمالي العراق لحماية الأقلية التركمانية إذا تعرضت لاعتداء أو تهددت وحدة الدولة العراقية.

ورغم ما يبدو أن معاهدة أنقرة قد أنهت الوضع القانوني لولاية الموصل، فإن ذلك غير صحيح فقد كانت هناك معارضة في البرلمان أثناء عرضها للموافقة عليه، ووقتها قال كمال أتاتورك إن تركيا سوف تعمل على استعادة الموصل في الوقت المناسب، أي عندما نكون أقوياء.

وتحدث الرئيس تورجوت اوزال الذي حكم تركيا خلال الفترة من 1989 إلى 1993 عن ضرورة إقامة حكم ذاتي للأقلية التركمانية في العراق. وطالب الرئيس سليمان ديميريل في عام 1995، بضرورة تعديل الحدود بين البلدين لأسباب تتعلق بالأمن التركي، وأن الموصل ما زالت مرتبطة بتركيا. وفي 2003، صرح وزير الخارجية عبد الله جل – الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- بأن تركيا سوف تحصل على حقوقها من النفط بالأساليب القانونية.

تعتبر تركيا اليوم أن هذه الاتفاقية أقرت بالعلاقة الخاصة بينها والموصل، وأن ما يحدث فيها يرتبط بالأمن التركي، وكان من تجليات ذلك أن أردوغان صرح في سبتمبر/أيلول 2016، بأن العراق يحتاج إلى عمل عسكري مشابه لعملية "درع الفرات" التي نفذتها تركيا في سوريا، وطلبت الحكومة التركية من العراق المشاركة في معركة تحرير الموصل من سيطرة "داعش".

وتشير كل هذه التصريحات إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في تركيا تعتقد أن اتفاقية أنقرة تم فرضها على الجمهورية التركية الوليدة وهي في مرحلة ضعف وفي حاجة لمساعدة الدول الغربية، وأنها اتفاقية غير عادلة ومن الضروري تعديلها، وأن من حقهم التدخل في شمال العراق إذا تعرض الأمن القومي التركي لتهديدات نابعة من هذه المنطقة، وأن الاتفاقية تقوم على أساس أن هناك "وحدة العراق"، وأنه إذا تعرضت هذه الوحدة للتهديد فإن الاتفاقية تكون قد فقدت أساسها وأصبحت ملغاة.

من الواضح أن أردوغان يشعر أن لديه "فائض قوة" يتيح له الفرصة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إن لم يكن من الناحية القانونية فمن خلال خلق واقع جديد على الأرض.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية