تطوّر إرهاب الجماعات الدينية المتشددة وإستراتيجيات مكافحته... الحالة الفرنسية أنموذجاً

4008
عدد القراءات

2019-04-21

ترجمة: علي نوار


مع دخول العقد السادس والسابع من القرن الماضي، وفي أعقاب اندحار الحركات الاشتراكية في الشرق الأوسط، طفت على السطح التيارات الإسلاموية الأكثر تشدّداً، ومن بين الجماعات المختلفة التي تدعو لتأويل متطرّف ومنغلق للدين، تبرز جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي كانت إحدى أبرز الجماعات التي تضفي الشرعية على العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، ومتّهمة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية بالفساد وتحميلها مسؤولية انهيار العالم الإسلامي.

اقرأ أيضاً: اقتراح عراقي جديد بخصوص الجهاديين الأجانب المعتقلين لدى الأكراد

ورغم أنّ معركة هذه الجماعات ركّزت على "العدو القريب"، إلّا أنّ جماعات إرهابية أخرى، مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، بدأت بعد ذلك بأعوام في وضع أهداف غربية نصب أعينها، في إطار الدعوة لما عُرف باسم "الجهاد ضدّ العدو البعيد"، لكن إثر التدخّل الروسي في أفغانستان، وضع تنظيم القاعدة إستراتيجيته المناوئة للغرب، ما أدّى لاحقًا إلى شنّ مزيد من الهجمات، وضرب الولايات المتحدة على أراضيها، عن طريق هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه

كانت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحوّل في الفكر الجهادي؛ حيث أصبح عالمياً، وبات تهديداً دولياً، فبالنسبة إلى الدول الغربية؛ كان هذا الاعتداء دليلاً على مدى خطورة الإرهاب الجهادي، ليس لفداحة الكارثة فحسب؛ بل بسبب الدرجة العالية من الإعداد لها ومدى تعقيدها، فقد شمل اعتداءات نُفّذت في وقت متزامن على عدد من الأهداف في عمق أكبر قوة عظمى في العالم.
ورغم أنّ تنظيم القاعدة استغل حالة الدعاية الهائلة المصاحبة لهذه الفاجعة،
في بثّ دعايته الخاصة، كاسياً إياها بغلاف معاداة الإمبريالية، ذي لمسة سلفية..، إلّا أنّ الحادث تسبّب على المدى البعيد في شنّ المجتمع الدولي حرباً بلا هوادة.

وفي أعقاب تلك الهجمات، شنّت الولايات المتحدة، وبدعم قطاع واسع من المجتمع الدولي، حروباً في كلٍّ من أفغانستان والعراق، الأمر الذي نتج عنه تغيّراً في إستراتيجيات الجماعات الإرهابية.

بدأت القاعدة، التي كانت تمتلك قواعد في أفغانستان وباكستان، في التراجع على خلفية الضغط الدولي، بيد أنّها عرفت كيفية التكيّف مع الظروف الجديدة، شرعت في الدخول بتحالفات مع الجماعات السلفية في منطقة القوقاز، خاصة بإقليم إفريقيا، كما أنّ الضغط الدولي نتج عنه تغيير في الهيكل التنظيمي للقاعدة، وقد تخلّى التنظيم عن بنيويته الهرمية لاحقاً، ليتبنّى أنموذج الخلايا المستقلة بذاتها، والتي يصعب رصدها ومكافحتها، فضلاً عن قدراتها، من حيث تكتيك الحرب الخفية، وكلّما ازدادت وطأة الضغط العالمي كانت القاعدة تعيد تأهيل ذاتها، تشكّلت في البداية خلايا خصّيصاً لكلّ هجوم على حدة؛ حيث لا تصبح هناك صلة بتاتاً داخل التنظيم بين المهاجم الإرهابي والقيادات، وفق فرضيات منظّره مصطفى عبد القادر نصار (أبو مصعب السوري)، أصبح الإرهاب عالمياً ودولياً ولا مركزياً إلى أبعد حدّ، ويقول نصار: "الجهاد فرض والقتل شريعة؛ ينبغي أن يكون كلّ شاب مسلم إرهابياً"، كانت هذه دعوة لما يعرف باسم (الذئاب المنفردة)، التي تتحرّك أحياناً في مجموعات صغيرة، وفي كثير من الأحيان بدافع وجود صلة ما، يعدّ هذا التحوّر منطقياً وخطيراً في الوقت ذاته، فبدون وجود هيكل تنظيمي واضح، تصبح الصلات بين أعضاء التنظيم غير ذات أهمية على الإطلاق، وتُستخدم فحسب من أجل شنّ هجمات ضخمة، وبالتبعية يصبح عبء المكافحة أثقل على عاتق قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات، وأيضاً استحالة فكرة التسلّل إلى داخل صفوف هذه المجموعات الضئيلة، واتّبعت جماعات إرهابية أخرى هذه الإستراتيجية كذلك.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟

وربما يكون أهم وأخطر هذه الجماعات في يومنا هذا: تنظيم داعش، الذي ظهر استغلالاً لحالة فراغ السلطة في أعقاب سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ثم الاقتتال الأهلي الدامي الذي خيّم على البلاد، فيما بعد، وبدعم من القبائل السنّية، التي لطالما كانت في السلطة قبل أن تتعرّض للإقصاء، وعقب التدخّل الأمريكي، تمكّن داعش، شيئاً فشيئاً، من اكتساب قدر متزايد من القوة، ونجحت جماعة (التوحيد والجهاد) في حشد الدعم الشعبي بالمناطق الغربية من العراق، وبعد مبايعتها لتنظيم القاعدة، عام 2004، تبيّن بعدها بقليل أنّ إستراتيجيتها وأيديولوجيتها تحملان أوجه اختلافات كبيرة عن (القاعدة).

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

فهذه الجماعة، وعلاوة على كراهيتها للحضارة الغربية، وخلافاً للقاعدة، تحمل في طيات أيديولوجيتها الفكر التكفيري؛ حيث تضع في خانة المرتدّ كلّ مسلم لا يقبل أفكارها. تبنّت (التوحيد والجهاد) مجدّداً العنف ضدّ "العدو القريب"، لكن العدو هذه المرة كان أقليات غير سنّية، وفور وفاة زعيمها، أبو مصعب الزرقاوي، أصبح الانفصال الفكري أمراً واقعاً، لتعلن الجماعة تغيير اسمها إلى (الدولة الإسلامية في العراق).
استغل الزعيم الجديد للتنظيم، أيوب المصري، المشهد الداخلي في العراق، كي يزيد من نفوذ تنظيمه، حاشداً قدراً أكبر من الدعم، بفضل المجتمع السنّي، كما نجح فوق كلّ شيء في ضمّ عسكريين سابقين، وكذلك أعضاء في جهاز الاستخبارات التابع لحزب (البعث) بين صفوف تنظيمه، كانت الخبرة الكبيرة التي يتمتّع بها العسكريون السابقون في الجيش العراقي لا غنى عنها بالنسبة إلى التوسّع والانتصارات العسكرية التي حقّقها التنظيم.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال

سمح هذا التوسّع للتنظيم ببسط نفوذه على الأراضي الواقعة تحت سيطرته، وارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له، من منطلق رؤيته للشريعة في منطقة بعينها، مع إقامة حكومته ومؤسساتها، يعدّ ذلك عاملاً رئيساً، يميّزه عن تنظيمات جهادية أخرى؛ لأنّه يعتمد على الغزو والسلب كمصادر أساسية للتمويل، لكنّ التنظيم يحتاج، قبل كلّ ذلك، إلى فضاء يخلو من السيادة ويعاني توتّرات داخلية عنيفة، على نحو تصبح معه ممارسة أقصى درجات العنف بحق المسلمين غير السنّة أمراً مقبولاً، كما أنّ مصادر التمويل متنوّعة، ولا تدخل في حساباتها أيّة معايير أخلاقية؛ فتبدأ من بيع النساء والأطفال، بما في ذلك تجارة الأعضاء، إلى فرض الضرائب على السكان المحليين، فضلاً عن نهب المصارف والمتاحف أو بيع النفط بشكل غير مشروع.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
كان بثّ الرعب أداة رئيسة، سواء من أجل تخويف الأعداء أو الحيلولة دون تمرد المحليين، الذين يسيطر التنظيم على المناطق التي يعيشون بها.

ارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له

على أنّ أكثر ما يثير القلق؛ هو قدرة التنظيم الإرهابي على التكيف، وعلى توفيق أوضاعه بحسب الظروف والبيئة المحيطة، ولعل الفترة بين عامي 2013 و2017، حافلة بالنماذج التي تكشف عن تمتّعه بهذه المزية، فخلال الأعوام الأربعة هذه؛ استغلّ التنظيم انسحاب القوات الأمريكية كي يصبح أبرز جماعة إرهابية، ويوسّع سيطرته على الأراضي؛ بل وصل إلى مشارف بغداد، إلّا أنّ تحالفاً مكوّناً من قبائل شيعية مختلفة، فضلاً عن الدعم الإيراني تمكّن في النهاية من إيقاف تقدمه.
عاود داعش إظهار قدرته على التكيّف حين استفاد من وضع لا يحظى فيه بالأفضلية، وأدرك زعيمه سريعاً أنّه إذا كان يريد مواصلة تعزيز قوته فيتعيّن عليه الاستحواذ على مساحات أكبر من الأراضي، وأنّ هذا الأمر ممكن فحسب في المناطق التي يقطنها مسلمون سنّة.

اقرأ أيضاً: حلّ 4 جمعيات شيعية في فرنسا.. لهذه الأسباب

وبفضل شبكة من الاتصالات في البلد المجاور، مستغلاً مرة أخرى حالة الفوضى القائمة في سوريا، عبر التنظيم الحدود العراقية ليدخل الأراضي السورية، وكان تمدّد داعش سريعاً؛ نظراً إلى أنّ أغلب فصائل المعارضة للنظام الحاكم كانت سنّية المذهب، وهو ما ساعده على تأسيس نموذج دولة تقع على أراضي بلدين، كسرت الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو. كان لهذا الحدث أبلغ الأثر الدعائي في تمكين داعش من الظهور في صورة قائد الجماعات السلفية الجهادية، وقدّم التنظيم نفسه على أنّه في مصاف هؤلاء، الذين نجحوا في إزالة الحدود التي فرضها الاستعمار، ومدّعياً سعيه نحو إعلان قيام خلافة تجمع كافة الأراضي التي كانت تحت الحكم الإسلامي في الماضي، تحت راية واحدة، ووفق تفسير إقصائي للإسلام.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول

بذلك أصبح داعش جماعة جهادية تقاتل العدو القريب، وكذلك البعيد، في الوقت ذاته، قادراً على إعادة ترتيب أولوياته طبق ما يفرضه الموقف، ويستطيع، كما رأينا فيما بعد، الاستفادة من مشكلات الاندماج والعدمية لدى الشباب المسلم في أوروبا.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف واضح؛ هو استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه.
توجد أعداد كبيرة من الأوروبيين بين هؤلاء؛ ففي كانون الثاني (يناير) 2015، قُدّر الرقم بأربعة آلاف مقاتل، أي ما يمثّل 20% من إجمالي عدد أعضاء داعش، لعب هؤلاء المقاتلون دوراً كبيراً في التنظيم، ويشكّلون تهديداً كبيراً بالنسبة إلى بلدانهم الأصلية، وجّه التنظيم الإرهابي جزءاً كبيراً من أمواله لغرض الدعاية ونشر مميزات خلافته المزعومة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف استقدام الأجانب، الذين ترى دولهم أنّ مسألة إعادة توطينهم بعد انتهاء الحرب في سوريا والعراق تعدّ تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى السلطات، التي تعمل ليس فقط على استئصال التشدّد لدى هؤلاء الشباب، بل دشّنت برامج عدة لجعل خطابهم أقل جاذبية، وتفكيك دعايتهم، لكن كل ذلك لا يُغني عن ضرورة دراسة عملية التلقين الأصولي، التي تعرّضوا لها، لتجنب تحوّلات جديدة تصبح أشدّ مقاومة وأكثر صعوبة في مواجهتها؛ لذا من المهم تحليل آليات دعاية داعش، والوسائل التي اتبعها لتجنيد أعضائه، وسبل نشر فكره.

الراديكالية ونزع الأصولية عن المقاتلين الأجانب

رغم الحرب بلا هوادة، التي شُنّت ضدّ داعش، والتي أتت بثمارها وسقوط خلافة التنظيم عملياً، إلّا أنّ التهديد الأمني الذي يمثّله المقاتلون الأجانب بالنسبة إلى 86 دولة، لديها، أو كان لديها، مواطنون منخرطون في جبهات القتال بسوريا أو العراق، مرتفع للغاية؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) 2015؛ كان هناك 30 ألف مقاتل أجنبي على جبهات القتال في صفوف التنظيم الإرهابي، على درجة عالية من التطرّف، وبلا أدنى خوف من الموت، كانوا هم رأس الحربة في الحرب غير المتكافئة والعنيفة، كما أنّ إمكاناتهم ساعدت داعش في دعايته، بدرجة كبيرة؛ حيث دأب على إبراز مهاراتهم اللغوية والمعلوماتية، فضلًا عن تحرير مقاطع الفيديو والأغنيات ...إلخ، التي كان يبثّها لاحقاً عبر الشبكات الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ ارتكابهم جميع أنواع الفظائع، وهو ما نزع عنهم آخر وازع من ضمير أو أخلاق.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة

وبعودتهم؛ يصبح هؤلاء المقاتلون جاهزين لشنّ هجمات أو الترويج للعنف أو تجنيد أهداف ضعيفة، كي يتحوّلوا هم أيضاً إلى أصوليين، كما أنّ، وفق هيجهامر، خبير الإسلاموية الأصولية ومؤلّف عدد من الكتب في هذا المجال، وجود مخضرمين في هجوم ما يرفع احتمالات سقوط ضحايا قتلى، وكذلك يزيد إمكانية نجاح الاعتداء الإرهابي؛ فالخبرة العسكرية تساهم في تدريب المجندّين الجدد مباشرة على الأراضي الأوروبية، ونتيجة ارتفاع أعدادهم، وقربهم من مناطق القتال؛ فإنّ هذه معضلة أمنية كبرى، ورغم تنوّع التركيبة المكوّنة لهذه الفئة، سواء من حيث المستوى الاجتماعي أو التعليمي، أو حتى الدوافع، إلّا أنّه بوسعنا تكوين فكرة عامة عن الفئات الأكثر ضعفاً، التي يسهل جرّها إلى مستنقع الأصولية، وكذلك الوقائع التي تؤدّي لتسريع هذه العملية.

اقرأ أيضاً: صحيفة فرنسية: إيران تتجسس على الدبلوماسيين الأجانب

نُفّذت الهجمات الجهادية، التي وقعت في أوروبا خلال الفترة بين عامي 2004 و2016، بالكامل، على أيدي ذكور، أغلبهم من الطبقة المتوسطة الدنيا، ترعرع الكثيرون من المرتكبين في مناطق تعاني من محدودية الفرص، ومدن في الضواحي وأحياء مُهمّشة، ...إلخ، كما أنّ الغالبية العظمى منهم هم مواطنون أوروبيون من الجيل الثاني؛ أي إنّهم وُلدوا لأبوين مهاجرين، من أصول عربية أو إفريقية، ...إلخ، لكنّهم نشؤوا في أوروبا، إلّا أنّ هناك اختلافات عميقة تظهر عند وصولنا لهذه النقطة، فالجهاديون في فرنسا أو إنجلترا، الدولتان اللتان تشهدان وجوداً ضخماً للمهاجرين، هم في أغلب الحالات من الجيل الثاني، على الجانب الآخر، وفي إسبانيا، وُلد أغلب الجهاديين في المغرب.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة

على أيّة حال؛ من الواضح بجلاء، أنّ ظاهرة الجيل الثاني هي الأكثر شيوعاً، منذ صعود نجم داعش كأبرز منظمة إرهابية، ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى أسباب عديدة، على رأسها؛ إستراتيجية التنظيم في استخدام الشبكات الاجتماعية ووسائل تواصل أخرى، مثل: مجلته "رومية"، كمصدر لنشر فكره والدعوة للجهاد ضدّ الكفار.

وفيما يتعلّق بالمقاتلين الأجانب، فليسوا جميعاً من الذكور؛ بل إنّ النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي، وقد شهد الرقم تصاعداً على مدار الأعوام الأخيرة، بيد أنّ وظيفتهنّ الأساسية ظلّت أن يكنّ أمهات، أو زوجات، للجهاديين، وتتشابه مواصفات المقاتلين الأجانب إلى حدّ بعيد مع خصائص الشباب الإرهابيين، الذين جرى التطرّق لهم، كما أنّ هناك نسبة صغيرة، تُقدّر بـ 6%، من المتحوّلين للإسلام، ويُلاحظ هنا أنّ الروابط الأسرية مهمة؛ حيث تحدث عملية الأصولية بين الأخوة أو يتحرّكون معاً.

 النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي

ومن حيث دوافع السفر إلى سوريا، فقد شهدت تغيّرات بمرور الوقت. كان السبب في البداية هو رفض نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أن يظهر دافع آخر وباضطراد مستمر؛ كراهية الغرب. كذلك يتّضح أنّ متوسط الأعمار يقلّ بصورة طفيفة عن متوسط أعمار الجهاديين الذين يشنّون اعتداءات على الأراضي الأوروبية، وهو ما بين 20 و29 عامًا، ويبدو هذا أمرًا منطقيًا، لا سيما أنّ الكثيرين من الإرهابيين شرعوا في التحرّك بعد مدة من التواجد في العراق وسوريا. كما أنّ 30% منهم يعودون إلى بلادهم، رغم أنّ أغلبهم يفعلون ذلك في ظل حالة من الإحباط، لذا يرى خبراء مثل توماس هيجهامر أنّ أقلية منهم فقط يمثّلون خطرًا، لكنّه خطر محدق.

إنّ الدعاية الهادفة لتجنيد هؤلاء الشباب بسيطة وفعالة في نفس الوقت. تحترف مؤسسة (مركز الحياة للإعلام) إنتاج مواد ناجعة في اللعب على تطلّعات هذا الجيل من المسلمين، الذي نشأ في ظل غياب الروابط الأسرية التي عاش والداه في كنفها وبدون صلات قوية بمسقط رأسه، ليجد في الإسلام الأصولي شعوراً بالانتماء.
شباب لا يشعرون بأنّهم جزء من هوية ذويهم ولا بلدانهم، نظراً إلى ولادتهم في أوروبا، لكنّهم في الوقت عينه يشعرون بعدم التقدير أو غياب الفرص، ويعزّز ذلك الإحساس خطاب سياسي معادٍ للإسلام، هنا يصبح شعور الضحية أحد المداخل الذهبية بالنسبة إلى داعش، كي يعمل عبرها على تلقين وملء أدمغة هؤلاء الشباب بالفكر الأصولي، ويستخدم لهذا الغرض خطاب يضع المسلمين في دور الضحية بشكل مزدوج؛ فهم ضحايا الغرب، المسؤول عن حالة الانحدار في الدول العربية، وهم ضحايا كذلك في المجتمعات الغربية، التي تهمّش وتقصي المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيها.

وإن كان هذا هو الأساس الفكري وراء الخطاب المشار إليه؛ فإنّ المستحدث حقًا هو معرفة داعش كيفية استغلال أجواء العدمية التي تخيّم على بعض هؤلاء الشباب، عن طريق رسائل مُفرّغة، تدّعي أنّها تعرض عليهم تحقيق أحلامهم، التي لم يستطيعوا تحويلها إلى واقع في أوروبا؛ وعود بالمال والحياة المرفّهة، ونساء حسناوات يظهرن في مقاطع فيديو دعائية، بثّها التنظيم الإرهابي، صوّرت هذه المقاطع أيضاً المقاتل الأجنبي، على أنّه شخص قوي يمتلك جسداً ممشوقاً، يحمل الكثير من معايير الجمال الغربية، بشكل يفوق تلك السائدة في مجتمعات الشرق الأوسط، كما طعّم التنظيم رسائله بأنّ المقاتل سيصبح بطلاً في مجتمعه، وأنّه بأفعاله سينال النعيم الأبدي، صورة مشوّشة بالكامل، تُكتشَف حقيقتها فقط حين يصبحون على الأرض.

إلّا أنّ وسائل الإغراء لا تقف فقط عند الصور البديعة أو الجمال الحسّي، بل تمتدّ بالمثل إلى أشياء أخرى، مثل الأناشيد الغنائية، التي تحمل إيقاعاتها وكلماتها وأنغامها تأثيراً يشبه التنويم المغناطيسي؛ بهذه الطريقة، وفي إطار مقاطع فيديو سابقة، يحدث ترويج لحياة هانئة بين جنبات الخلافة.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب، أمّا الهجمات؛ فقد دعا داعش لشنّ اعتداءات بشكل منفرد؛ حيث شجّع التنظيم أنصاره، عبر مجلة "رومية"، إلى نسب مسؤولية هجماتهم إليه، بهدف بثّ الرعب، بالمثل، وفي المجلة نفسها؛ كشف داعش الأسلحة المفضلة بالنسبة إليه، مثل العربات ذات الحمولة الضخمة والسكاكين، مما يجعل من الصعب على أجهزة الأمن ليس اكتشاف أمر الإرهابيين فقط، بل وإحداث أثر هائل في الشعوب الأوروبية؛ حيث يصبح كلّ مسلم إرهابياً محتملاً، وهذا بالضبط ما يرمي إليه التنظيم: توليد الشقاق الداخلي في المجتمع لكسر التعايش في الدول الديمقراطية.

لكنّ المواقع الاجتماعية ليست هي الرابط الوحيد؛ فهناك قنوات تقليدية، مثل السجون ومساجد بعينها، تعدّ مراكز تجنيد رئيسة، خاصة للمقاتلين الأجانب؛ فقد شارك الكثير من الذين تعرّضوا لعملية الأصولية فيما بعد في هجمات أعلى من حيث التنظيم بالمتفجّرات وأسلحة من مختلف الأعيرة.
هناك أمثلة عديدة على ذلك، نذكر منها؛ مهدي نموش، مدبّر الهجوم على المتحف اليهودي في بلجيكا، عام 2014، الذي تشبّع بالفكر الأصولي خلال وجوده بالسجن لخمسة أعوام، بعد إدانته بجريمة سرقة، رغم كلّ ذلك ما تزال شبكات التواصل الاجتماعي تأتي في المرتبة الأولى كرابط ووسيلة اتصال بين الإرهابيين.

ومكافحة عمليات تلقين الفكر الأصولي هذه، اقترحت الدول الأوروبية عدة إجراءات؛ ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تتمّ مكافحة أيديولوجية داعش بمعقلها، وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الخطاب المضاد يكتسب قوة كبيرة كعنصر ردع فعّال، فعقب نشر أهرام بيريز مقطع فيديو يهدّد فيه إسبانيا، نجح المغرّدون في الفضاء الإلكتروني، عن طريق الاستهزاء والمحاكاة الساخرة، ليس فقط في تجريد المقطع من أيّة أهمية؛ بل أيضاً في إجبار بيريز على عدم نشر أيّ محتوى آخر، ربما لشعوره بالخجل.

هناك طرق أخرى تستهدف السيطرة على العناصر الأصولية بالفعل، ومنها تلك المعتمدة في إيطاليا؛ حيث يخضع السلفيون المتشدّدون لمتابعة الشرطة في كل مرة يسافرون فيها إلى البلاد؛ فقد تتبّعت أجهزة الأمن الإيطالي مغربي الأصل، يوسف زغبة، وتوجّهت إلى المطار لاستقباله؛ بل وتحيّته بحرارة، لكنّها لم تغفل عينيها عنه مطلقاً، وقد تسبّبت هذه الرقابة اللصيقة في رحيله إلى الخارج، وتحديداً لندن؛ حيث تجاهلت السلطات البريطانية توصيات نظيرتها في إيطاليا، ما أعطى الفرصة لزغبة كي يرتكب اعتداء، في حزيران (يونيو) 2017.
إنّ الخبرة الطويلة التي تتمتّع بها إيطاليا في مجال مكافحة الجريمة المنظّمة، تمثّل كنزاً هائلاً لمختلف أجهزة الشرطة في أوروبا، وهناك أمثلة أخرى ناجحة وعديدة لاستئصال التطرّف في أوروبا، وإجراءات متنوعة تتبنّاها دولها، كلّ منها وفق فائدتها من وجهة نظر السلطات المحلية أو السياق الوطني.

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة

دراسة للإرهاب في فرنسا... العدمية والانعزال كعوامل تساهم في استفحال خطر الأصولية

يرى الفرنسيون أضخم فئة من المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا، أو ما يزالون نشطين في صفوف داعش؛ فبحسب أحدث إحصائيات حزيران (يونيو) 2018، وصل عددهم إلى 1910 مقاتلين على جبهات الصراع في سوريا ومناطق نزاع أخرى، كما أنّها أكثر دولة غربية تعرّضت لهجمات جهادية وسقط فيها أكبر عدد من الضحايا خلال الأعوام الأخيرة، هناك أسباب متباينة لكل ذلك، ورغم وجود عوامل مشتركة مع دول أوروبية أخرى، إلّا أنّ الحالة الفرنسية، على وجه الخصوص، تتميّز بعناصر ينبغي تسليط الضوء عليها.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة، فماضيها الاستعماري واحتياجاتها في مجال البناء بعد الحرب العالمية الثانية، شجّعا على توافد أعداد كبيرة من المهاجرين، سيما من دول مثل الجزائر والسنغال، أو المناطق التابعة لها في أعالي البحار وأجزاء أخرى، وأدّى عدم توافر أماكن سكنية ملائمة إلى اعتماد الحكومة سياسة بناء انتهت بحدوث فصل عرقي واضح؛ فخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات؛ كانت هناك حركة بناء سريعة الوتيرة لأحياء في ضواحي المدن الكبرى، لكن هذه المنازل تفتقر لأبسط التجهيزات، ليحدث نوع من الفصل. لا تعاني القرى الصغيرة والمناطق السكنية والراقية في المدن الفرنسية من هذه المشكلة؛ حيث بالكاد تمكن ملاحظة وجود المهاجرين، لكن في الأحياء الجديدة كان وجود هذه الفئة واضحاً للعيان، ليتجاوز في بعض الأحيان نصف تعداد السكان المحليين، وبمرور الوقت؛ أخذ بعض المهاجرين في اكتساب سمعة سيئة، نظراً إلى ارتفاع معدّلات الجريمة والاشتباك مع قوات الأمن، نتج عن ذلك أنّ المهاجر، لا سيما المنحدر من أصول مغاربية، بات يتعرّض للتهميش وأسبغت عليه ثنائية، عربي ومجرم، فيما اقتصر استخدام مصطلح الضواحي على الإشارة إلى المناطق خارج المدن التي تخرج عن سيادة القانون أو (بونليو).

اقرأ أيضاً: "الإنتربول" يبحث أزمة المقاتلين الأجانب المتسللين بين الدول

لم يستمر هذا المفهوم مع الوقت فحسب؛ بل ساهمت أحداث وخطابات سياسية في تعميق الانقسام الذي استغلته جماعات سلفية في تجنيد أتباع لها، وطوال حقبة التسعينيات؛ انتقل النشاط الإرهابي لـ "الجماعة الإسلامية المسلحة"، من الجزائر إلى فرنسا، بسلسلة من الاعتداءات، أثارت حالة من الهلع بين الفرنسيين، تعرّض الجزائريون، أكبر شريحة من المهاجرين في فرنسا، والذين يسكنون على الأغلب أحياء الضواحي، سريعاً، للوصم بالإرهاب، أما في الوقت الحالي؛ فلم ينتج عن الخطر الداهم الذي تمثّله (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي ترتبط بصلات بتنظيم القاعدة والتي كان أغلب رؤوسها قياديين سابقين في (الجماعة الإسلامية المسلحة)، سوى تعزيز حالة العزلة.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب، بين قبضة الأمن وإعادة الإدماج

هناك حدثان مهمّان للغاية أيضاً، من أجل فهم الانفراط الاجتماعي القائم حالياً في فرنسا، التأثير الذي تركته هجمات 11 سبتمبر، والصعود الحثيث لحزب (الجبهة الوطنية) اليميني المتشدّد، الذي بدأ منذ حقبة التسعينيات في تحقيق نسبة لا تقل عن 15% في الانتخابات، ويُعزى استمرار نجاح هذا الحزب إلى الخطاب القومي مع التركيز على رفض المهاجرين والمسلمين، وقد لخّص الزعيم السابق للحزب، جان ماري لوبان، الموقف وقتذاك من وجهة نظره، بعبارة "لدينا مليون عاطل، ومليون مهاجر".

ظلّت حالة الربط بين الهجرة - البطالة وغياب الأمن مستمرّة، وفي ازدياد، وانتشر هذا الخطاب المعادي للإسلام إلى قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الفرنسي؛ بل وامتد كذلك إلى سياسيين معتدلين (نيكولا ساركوزي)، الذين لم يستطيعوا سوى إدراج الخطاب الهوياتي ضمن إستراتيجيتهم للانتخابات، تسبّبت كلمات ساركوزي غير اللائقة قبلها بعامين، عام 2005، حين كان ما يزال وزيراً للداخلية، عندما دعا لتطهير الأحياء الفرنسية من "الحثالة"، في خلق مناخ متوتّر أفضى في النهاية إلى أعمال عنف دامية بنهاية العام نفسه.

اقرأ أيضاً: غوانتانامو.. هل سيكون معتقل الداعشيين الأجانب؟

كانت هذه هي الأجواء الاجتماعية التي عاشتها فرنسا قبل بدء أولى الهجمات الإرهابية، على يد القاعدة أولاً، ثم داعش فيما بعد، لكن لا يسعنا إجراء تحليل سطحي عن طريق وضع الجناة في موقف الضحية، خاصة أنّ تصاعد الإرهاب الجهادي والسلفي بفرنسا جاء إثر انقسام بين الأجيال؛ لذا فأعمال الشغب العنيفة، التي وقعت عام 2005، لم تكن سوى عرض آخر لمشكلة مجتمع يعاني انقساماً تستغلّه التيارات الأكثر تشدّداً من الإسلام للتغلغل أكثر في البلاد؛ فمنذ العام 1996 تواجه فرنسا ظاهرة واضحة بجلاء؛ ألا وهي تفشّي الأصولية بين فئتين من الشباب: هؤلاء الذين ينتمون للجيل الثاني، وهم الأكبر عدداً، والمتحوّلون للإسلام، لا وجود للأصوليين تقريباً من الجيل الأول، كما لم تظهر، حتى الآن، أيّة بوادر أصولية بين أبناء الجيلين الثالث والرابع.

اقرأ أيضاً: الأكراد يرفضون محاكمة زوجات الجهاديين الأجانب

ترتبط الأصولية الإسلاموية في فرنسا، مثلما هو الحال في أوروبا عموماً، بشعور الانتماء، وهو نوع من أن يصبح المرء مسلماً أكثر من والديه نفسهما، والسعي نحو الوصول إلى اللبّ الأكثر "نقاء" من الإسلام، ما يُترجم في الحقيقة إلى التوجّه نحو الإسلام الراديكالي والعنف، ورغم تأثير الإسلام السياسي بفرنسا، إلّا أنّ عدداً قليلاً فقط من الإرهابيين، كان لهم باع ديني طويل، وينحدر الإرهابيون عادة من عائلة مفكّكة، مثل "مراح"، أو تورّطوا في مشكلات مع القضاء حين كانوا مراهقين، مثل كوليبالي ونموش، أو حتى في فترة شبابهم، مثل الأخوة كواشي، فترات عصيبة في الماضي لكنها نائية تماماً عن الإسلام الأصولي.

ويأتي الكثير من هؤلاء من أحياء خارج محيط المدن الكبرى؛ حيث توجد مشكلات وجرائم، كما أنّ ميولهم قبل الانزلاق نحو الأصولية حسبما تكشف حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إعجابهم بالنساء والمشروبات، كما أنّ العنف المهيمن على الأحياء المهمّشة التي يعيشون فيها، يظهر أيضاً ضمن اهتماماتهم، وهو ما انعكس في تحوّل شخصيات، مثل القاتل الشهير جاك مسرين، الذي أصبح خلال عقد الثمانينيات العدو الأول للدولة الفرنسية، أو فيلم "الوجه ذو الندبة"، بطولة آل باتشينو، إلى أيقونات بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، تأثّر الجانب الأعمّ من الأصوليين بهذه الشخصيات أكثر من الإسلام نفسه، قرأ محمد مراح، على سبيل المثال، قبل تنفيذ هجماته قصة فيلم "الوجه ذو الندبة".

لكن كلّ هذا العنف، حتى مع إضافة التشويه والانقسام الاجتماعي، لا يقدم وحده تفسيراً لاعتناق الأفكار الجهادية؛ بل ثمة عوامل تزيد خطر الأصولية، إنّها الموجة العاتية التي تستغلّها التنظيمات الإرهابية، كانت القاعدة أولاً، ثم تلاها داعش، في تجنيد الإرهابيين والمقاتلين؛ لذا تبرز الحاجة الماسة إلى تحليل الوضع وفهمه من أجل صياغة سياسات متوسطة وبعيدة المدى، تسهم في الحدّ من مخاطر الأصولية، كما أنّه، انطلاقاً من الأحداث السابقة، يمكننا تفهّم الرقم المرتفع من المقاتلين الأجانب ذوي الجنسية الفرنسية، حتى لو كان مسلمو فرنسا هم الأكبر عدداً على مستوى أوروبا، بيد أنّ ذلك لا يفسّر، في حدّ ذاته، ما وراء الأرقام المرتفعة. المعدّلات النسبية مطّردة هي الأخرى؛ فمن بين كلّ مليون مسلم، أو شخص ينحدر من جذور مسلمة في فرنسا، تحوّل 334 فرداً إلى مقاتلين أجانب، مقابل 173 في إسبانيا، و45 في إيطاليا.

لذا؛ من الضروري للغاية الانتباه إلى أنّ إدماج هؤلاء الشباب والحوار بين الأجيال أمران لا غنى عنهما، للحدّ من عدد الذين يتعرّضون لعملية الأصولية، وبالتالي تقليص احتمالات وقوع اعتداءات، وقد بدأت سلطات عدة دول أوروبية بالفعل تلتفت إلى أنّ إعادة الإدماج عنصر رئيس، فضلاً عن العمل على التقارب مع العائلات، ومنحها دعماً نفسياً ودينياً ومدنياً.

اقرأ أيضاً: هل يعود الأطفال الجهاديون الأجانب إلى أوطانهم؟

على أنّ الحالة الفرنسية تتضمن عوامل خطر أخرى أكثر تفرّداً؛ فالجانب الأكبر من عناصر داعش تعرّفوا داخل السجن أو الحي الذي يقطنون به، أو المسجد، أو على الشبكات الاجتماعية، إلى مقاتل سابق، أو رجل دين سلفي أصولي، أقنعهم باتخاذ خطوة في ذلك الاتجاه، وتعدّ حالة السجون الفرنسية نموذجاً مثيراً للجدل؛ فـ 60% من النزلاء هم مسلمون، والكثير منهم يعتنق الفكر السلفي، ويسهّل وجودهم إجراء الاتصالات المطلوبة لتنفيذ رحلتهم إلى الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، وإزاء ظاهرة الأصولية في السجون، اتخذت الحكومة الفرنسية بعض الإجراءات المتّبعة في دول أخرى، ويشهد سجن (فرسن) بمقاطعة فال دو مارن، منذ عام 2015، تطبيق مشروع يهدف للحيلولة دون تجمّع السجناء المصنّفين بـأنهم (أصوليون إسلاميون) في مكان واحد، مع مراقبتهم وإبقائهم معزولين عن باقي المحبوسين، فضلاً عن إيداع النزلاء الأشدّ خطورة بزنازين انفرادية.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟

ختاماً: إنّ حالة فرنسا تكشف بوضوح مؤشرات مهمّة في الحرب ضدّ ديناميكيات الإرهاب الدولي الجديد؛ فبلاد الغال باتت نقطة انطلاق للمقاتلين الأجانب، فضلاً عن أنّها ساحة خصبة كي يبثّ فيها تنظيم مثل داعش إرهابه، خاصة مع هزيمته في آخر معاقله بسوريا، والتخوّفات من تحرّكاتهم بعد عودتهم إلى بلادهم، لا سيما في ظروف أكثر تعقيداً، مثل الحالة اللبنانية، التي أظهرت أنّ المقاتلين العائدين قد ينخرطون مجدّداً في صفوف تنظيمات أصولية، على المستويين المتوسط والبعيد.


المصدر: تحليل لميجل فريرو، الباحث بالمعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أردوغان يوظف الإنتربول لملاحقة معارضيه .. هذا ما يفعله

2019-11-14

ترجمة: محمد الدخاخني


الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم. ومنذ محاولة الانقلاب في تمّوز (يوليو) 2016، تواصلت أنقرة مع الإنتربول 1,252 مرّة، من أجل تسلُّم أو تقديم معلومات عن مواطنين أتراك يعيشون في ألمانيا.
وكُشِف عن هذه المعلومات في أعقاب تحقيقٍ برلمانيّ قام به حزب اليسار الاشتراكيّ.

اقرأ أيضاً: أردوغان وإنتاج التطرف
وينقسم هذا الرّقم، وفق تحليلات "دويتشه فيله"، إلى 1,168 إشعار أحمر - طلبات إلقاء القبض على مواطن تركيّ وتسليمه إلى تركيا - و84 إشعاراً أزرق، أو طلبات جمع معلومات حول هويّة الشّخص أو موقعه أو أنشطته.
ويعدّ هذا الرّقم المرتفع بشكل غير مألوف مصدر قلق عميق للنّائب عن حزب اليسار أندريه هونكو، الّذي يعتقد أنّ "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم. ويقول إنّ الهدف الوحيد للإنتربول يتمثّل في مكافحة الجريمة، وإطاره القانونيّ يحظر التّحقيقات الّتي تُجرى على أُسس سياسيّة.

 "الإنتربول يُوظَّف" لملاحقة المعارضين الأتراك وإسكاتهم

انتهاك دستور الإنتربول

تنصّ المادّة (3) من دستور الإنتربول على أنّه "ممنوع منعاً باتًّا على المنظّمة القيام بأيّ تدخّل أو أنشطة ذات طابع سياسيّ أو عسكريّ أو دينيّ أو عرقيّ".
ومع ذلك، فإنّ الإنتربول يُدرك تماماً خطر إمكانيّة إساءة استخدام الإشعارات الحمراء لأسباب سياسيّة من قِبل الدّول الأعضاء. ولهذا السّبب، في عام 2018، أنشأت المنظّمة "فرقة العمل المعنيّة بالإشعارات والانتشار"، والّتي تتألّف من سبعة خبراء قانونيّين من سلوفاكيا وكرواتيا وأوكرانيا والسّويد وألمانيا.

الحكومة التّركيّة تستخدم الإنتربول بشكل موسّع لإصدار مذكّرات اعتقال بحقّ مواطنين أتراك في ألمانيا وجمع معلومات عنهم

وتتمثّل مهمّتهم في التّدقيق في مذكّرات التّوقيف الفرديّة الّتي يبلغ عددها 80,000 والّتي قُدّمت إلى الإنتربول وتحديد ما إذا كان أيّ منها ينتهك المادّة (3). وفي العام الماضي، أعلنت الحكومة الألمانيّة أنّ الإنتربول وجد بالفعل 130 حالة تنتهك هذه المادّة وتعود إلى كانون الثّاني (يناير) 2014.
لكن هونكو يريد من الإنتربول أن يفعل أكثر من مجرّد مراجعة كافّة الإشعارات الحمراء؛ إنّه يدعو المنظّمة إلى فحص الإشعارات الزّرقاء أيضاً، والّتي تطلب السّلطات عبرها جمع معلومات حول مكان وجود الشّخص وأنشطته. ويقول إنّ أنقرة قد أساءت استخدام هذا الخيار الثّاني من أجل تعقّب واختطاف المعارضين الأتراك في الخارج.

أنقرة تتعقّب معارضيها

لقد أُلقي القبض بشكل متكّرر على ألمان من أصل تركيّ في الخارج بناء على أوامر اعتقال دوليّة نيابةً عن تركيا. والعديد من هذه الحالات تصدّرت عناوين الصّحف في الأعوام الأخيرة.

نائب وزير الداخلية التركي: الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة منها 462 استهدفت مؤيّدي فتح الله غولن

ومن بين هؤلاء كان عصمت كيليج (54 عاماً)، الّذي حصل على حقّ الّلجوء السّياسيّ في ألمانيا منذ أكثر من 20 عاماً ويعيش الآن في دويسبورغ. وجرى اعتقاله في سلوفينيا في تمّوز (يوليو) بناءً على طلب تركيّ، لكن الإنتربول قرّر أنّ اعتقاله غير قانونيّ في أيلول (سبتمبر). وفي هذه الأثناء، احتُجِز كيليج حتّى منتصف تشرين الأوّل (أكتوبر).
وكان "مكتب الشّرطة الجنائيّة الفيدراليّة" في ألمانيا قد تلقّى مذكّرة التّوقيف الدّوليّة الخاصّة بكيليج في صيف عام 2013، لكنّه فشل في إبلاغه أو تحذيره بخطر الاعتقال في الخارج.
وقضيّة الرّوائيّ الّذي يتّخذ من كولونيا مقرّاً له، دوغان أخانلي، مُشابِهة. ففي عام 2017، أُلقي القبض عليه في إسبانيا بناءً على طلب تركيّ. وبالرّغم من أنّ أخانلي يحمل الجنسيّة الألمانيّة، فإنّه قد مُنع من مغادرة إسبانيا لمدّة شهرين.

أنقرة تتّهم الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة

يوم الإثنين، قال نائب وزير الدّاخليّة التّركيّ، إسماعيل كاتاكلي، إنّ الإنتربول رفض حتّى الآن 646 مذكّرة اعتقال تركيّة، منها 462 استهدفت مؤيّدي رجل الدّين فتح الله غولن، الّذي يتّخذ من الولايات المتّحدة مقرّاً له، والّذي ترى أنقرة أنّه العقل المدبّر للانقلاب الفاشل في عام 2016. وهناك 115 مذكّرة اعتقال جرى رفضها وكانت تستهدف أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ، الّذي يشنّ حرب عصابات داخل تركيا منذ الثّمانينيات.

اقرأ أيضاً: تقرير: طموحات تركيا في سوريا خير دليل على اتباع أردوغان النهج العثماني للتغيير العرقي
ووفقاً لكاتاكلي، لم يعترض الإنتربول، على كلّ حال، على 66 مذكّرة اعتقال تستهدف مقاتلي داعش. وقال أيضاً إنّه لا تزال هناك 784 مذكّرة اعتقال دوليّة عالقة تخصّ أعضاء في حزب العمّال الكردستانيّ.
وتعتبر الحكومة التّركيّة داعش وحركة غولن وحزب العمّال الكردستانيّ منظّمات إرهابيّة. ومن جانبه، اتّهم كاتاكلي الإنتربول باستخدام معايير مزدوجة عن طريق معاملة هذه الجماعات بشكل مختلف، ممّا يسهّل محاكمة البعض وليس الآخرين.


إلماس توبغو، دويتشه فيله
مصدر الترجمة عن الإنجليزية:

https://www.dw.com/en/turkey-using-interpol-to-track-down-dissidents/a-5...

للمشاركة:

لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

بيير كاريجي: لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة

صورة مدني قصري
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-12

ترجمة: مدني قصري


نظّمت وزارة الخارجية الأمريكية، في الفترة بين 16 إلى 18 تموز (يوليو) 2019، الاجتماع الثاني حول الحرية الدينية؛ فمنذ عام 2016، تنشر وزارة الخارجية تقارير سنوية عن حالة الحرية الدينية في العالم، حول هذا الموضوع؛ أجرى موقع "voaafrique.com" مقابلة مع الباحث بيير كاريجي. 

اقرأ أيضاً: هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية
حصل جان بيير كاريجي (Pierre Karegeye)، خريج جامعة كاليفورنيا في بيركلي، على درجة الدكتوراه في الأدب، ودرجة الماجستير في اللاهوت الأخلاقي، وهو يدرّس في جامعة ديكنسون، تنصبّ اهتماماته البحثية على ظاهرة الإبادة الجماعية، والجنود الأطفال، والتطرف الديني، ونشر وأدار بحوثاً جماعية، منها: "الشهود" (2016)، "مواقع الحديث عن الإبادة الجماعية في رواندا" (2015)، "الأطفال في النزاعات المسلحة" (2012)، "الدين في الحرب والسلام في أفريقيا" (2018)(1).
هنا نص الحوار:
شاركتَ مؤخراً في سلسلة من الاجتماعات التي نظمتها وزارة الخارجية الأمريكية؛ ماذا كان مضمون هذه اللقاءات؟

هذه اللقاءات جمعت العديد من الزعماء الدينيين والأكاديميين والسياسيين، ناقشنا التحديات وتعزيز حرية الدين، وحدّدنا أيضاً طرقاً لمكافحة الاضطهاد والتمييز الدينيَّين.
إنّ ما يهمني، من بين أمور أخرى؛ حقيقة أنّ السياسيين يُدمجون الحقيقة الدينية في تحليلهم للظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية، إنّ الفصل الضروري بين الدولة والدين لا يجعل من هذه الأخيرة ظاهرة إضافية للواقع الاجتماعي.
ترتبط الحرية الدينية في أمريكا بحرية التعبيركواحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين

ما هي مصلحة الولايات المتحدة في ذلك؟
الحرية الدينية في الولايات المتحدة تخضع لحقوق الإنسان التي يحميها القانون؛ فهي جزء من التاريخ والأخلاق الأمريكية، لكن قبل كلّ شيء، يعدّ البحث عن الحرية الدينية أحد الأفعال المؤسِّسة للولايات المتحدة، التعديل الأول لدستور الولايات المتحدة، الذي تمّ التصديق عليه عام 1791، يتناول الحرية الدينية، وفي التعديل نفسه توجد حرية التعبير، وهكذا ترتبط الحرية الدينية في الولايات المتحدة بحرية التعبير؛ إنّها في الأساس واحدة من الموروثات الأساسية للأمريكيين.
هناك إذاً علاقة بتاريخ الولايات المتحدة؟
بالتأكيد؛ لقد فرّ بعض المهاجرين من أصل إنجليزي من اضطهاد تشارلز الأول في القرن السادس عشر، واكتشف هؤلاء "المتشددون" نيو انغلاند؛ حيث أمكنهم أن يمارسوا حريتهم الدينية، أراد القادمون الجدد بناء مجتمع وفق معايير الكتاب المقدس تحت قيادة القسّ جون كوتون.
لكنّ تاريخ الحرية الدينية بُنِي خارج الولايات المتحدة؟
بدأ الإنسان، الآن، يدرك فكرة السموّ المرتبطة بحرية الاعتقاد والتفكير، الولايات المتحدة لم تخترع مفهوم حرية الدين، حوار الأديان دعوة لحرية الدين، في حالة الغرب المسيحي، كانت ولادة البروتستانتية، خاصة فكرة الإصلاح، المقدمة الأولى حول خطاب جديد حول الله المتجذر الراسخ من بين أمور أخرى، في حرية الفرد، كانت نقطة التحول هذه أساسية؛ حيث تمّ الاعتراف بالفرد كموضوع معرفة، خلافاً لبعض الكاثوليكية التي أسّست الإيمان والمعرفة على تجربة المجتمع وتقاليده.
هل تقتصر هذه اللقاءات في وزارة الخارجية الأمريكية على البعد الديني وحده؟
خطب الديمقراطيين والجمهوريين، التي استمعت إليها خلال هذه الاجتماعات، سواء من إنسي بيلوسي، أو مايك بومبيو، كانت تهاجم الصين وروسيا، اللتين لا "تحترمان" "الحرية الدينية، لكنّها لا تهاجم السعودية، نحن نميل إلى الاعتقاد بأنّ الاستثمار في المجال الديني هو، إلى حدّ ما، استخدام "القوة الناعمة" ضدّ الأنظمة ذات العضلات الضخمة، لكن، بشكل عام، وبحسن نية، فإنّ منظّمي هذه اللقاءات، مثل السفير الجمهوري سام براونباك، لديهم معتقدات دينية مسيحية قوية، من المثير للاهتمام أن يدعو المحافظون إلى الحرية الدينية، في هذه اللقاءات كان هناك مسلمون وبوذيون، وغيرهم كثيرون.
مايك بومبيو

هل يمكننا القول إنّ هناك المزيد والمزيد من اللجوء إلى الدين؟
هناك المزيد من المحاولات الدينية في الوقاية وحلّ النزاعات، كان إعلان مراكش لعام 2016 بشأن حقوق الأقليات الدينية، بِدعمٍ من ملك المغرب، قفزة من حيث التسامح الديني، خاصة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة، وفي عام 2017، كانت "الأمم المتحدة"، قد أطلقت أيضاً "خطة عمل فاس" الموجهة للزعماء الدينيين حول الوقاية من الإبادة الجماعية وجرائم الحرب؛ فالأديان نفسها منخرطة في مبادرات السلام.

وإذا فرضت أمريكا نفسها مدافعاً عن الحرية الدينية؛ فهل يمكننا القول إنّ ليس لديها ما توبَّخ عليه؟
كما سبق أن قلت؛ هناك أسباب جوهرية، أو أفضل من ذلك، أسباب تاريخية، تفسّر التزام الولايات المتحدة من أجل الحرية الدينية؛ فالمتشددون الذين لجؤوا إلى الولايات المتحدة أصبحوا غير متسامحين بشكل مثير للسخرية.
يرى جون كوتون أنّ التزمّت هو المعتقد الحقيقي الوحيد، وهنا ندرك أنّ البحث عن الحرية الدينية لا يضمن التسامح الديني، فلا يمكن ربط الاثنين إلا إذا كانت الحرية الدينية قائمة على الغيرية (أي ما يخصّ الآخر في مقابل الأنا).
ما هي رهانات الحرية الدينية في أفريقيا؟
مبدأ الحرية الدينية مهمٌّ أيضاً لأفريقيا، يتحدث الإنجيل، بحسب القديس ماثيو، عن العائلة المقدسة التي لجأت إلى مصر، هرباً من مذبحة الأبرياء، غالباً ما ينسى أنّ أتباع الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، لجؤوا عام 615 إلى أفريقيا، وبشكل أكثر تحديداً في أكسوم، شمال أثيوبيا وإريتريا، وكان موضع ترحيب من قبل ملك أفريقي ومسيحي، كانت هذه "الهجرة الأولى"، لحظة حاسمة في تطور الإسلام، وكانت أفريقيا، أرض الترحيب، مفتوحة للحرية الدينية أو السياسية، فكيف يتم للأديان الذي ولدت من الاضطهاد، الإسلام أو المسيحية، أن تستخدم لنشر العنف الشديد في أفريقيا؟ (جيش الربّ للمقاومة في أوغندا؛ سيليكا وأنتي بالاكا  (anti-Balaka)(2)، في جمهورية أفريقيا الوسطى، وحركة الشباب في الصومال وكينيا، وبوكو حرام في نيجيريا والنيجر وتشاد، وأنصار الدين في مالي، والمتطرفون الإسلامويون في مصر، وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والعديد من المجموعات الأفريقية يقسمون بولائهم للدولة الإسلامية.
إضافة إلى تصاعد التطرف الديني وعنف الهُويات، فإنّ الاستجابة التي يقدمها عالَمٌ ديني للأزمات الاجتماعية والاقتصادية في أفريقيا، يدعونا إلى إعادة التفكير في آثار الدين، لقد ابتكرت الأزمات الأفريقية ممارسات دينية غير عقلانية، قائمة على شكوك عقيمة، وطقوس غريبة، كالمحاكاة الصوتية(3)، والصراخات أحادية المقطع الصوتي.
من أين يأتي الخطر الواقع على الحرية الدينية؟
يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية، ويمكن أن يأتي أيضاً من صراع بين الأديان، لكن داخل الديانة نفسها أيضاً، يمكن للعلاقة المطلقة أن تستعبد الإنسان، بتحليل بعض الممارسات الدينية، يحذّر اللاهوتي والفيلسوف الكونغولي، كا مانا، مما يسمّيه "دكتاتورية الخفي والتورم اللاعقلاني".
"التطرف الديني" اليوم يتجاوز إلى حدّ كبير عالم الإيمان والعبادة

وماذا عن منطقة البحيرات الكبرى؟
لكلّ دولة حقائقها بالتأكيد، بالمعنى الدقيق للكلمة، يعدّ انتهاك حرية الدين محدوداً للغاية ومتقطعاً، الكونغو وبوروندي ورواندا تُعتبَر في الغالب بلداناً كاثوليكية، الكنيسة الكاثوليكية في هذه البلدان الثلاثة متواجدة في الخدمات الاجتماعية، في الكونغو، كان خطاب المؤتمر الأسقفي حاسماً في إدانة ديكتاتورية موبوتو وإرساء الديمقراطية في البلاد، وبصرف النظر عن الأزمة بين الكاردينال مالولا والرئيس موبوتو، في السبعينيات، فقد كان هناك، منذ التسعينيات، عنف حكومي ضدّ الالتزام الاجتماعي للكنيسة، وتمّ قمع المسيرات المسيحية من قبل كلّ من موبوتو وجوزيف كابيلا.

يمكن أن يأتي الخطر على الحرية الدينية من دولة ديكتاتورية أو دينية ومن صراع بين الأديان أو حتى داخل الديانة نفسها

وثمة خطر آخر يأتي من الحركات الدينية (...)؛ فأمام الأزمات الاجتماعية والجمود السياسي، يشكّل توسّع وتضخّم الحركات الدينية تهديداً لحرية الضمير، "دكتاتورية غير المرئي"، على حدّ تعبير كا مانا، والتي يصاحبها الخوف، لا يمكن أن تتعايش مع مفهوم الحرية؛ فالمؤمن الخاضع لأوامر زعيم ديني متسلط، يَعِد ويتوعّد بالسماء والأرض، متّهِماً أفراد العائلة نفسها بالسحر، ومحرّضاً على الكراهية، ليست له أيّة حرية، في بوروندي، في عهد باغازا، كانت هناك إجراءات قمعية ضدّ الكنيسة، نظام بيير نكورونزيزا اضطهد طائفة "أتباع إوسيبيا"، منذ عام 2012، وقد فرّ أكثر من 2000 من أتباع هذه الطائفة إلى الكونغو، ناهيك عن التجاوزات "الصوفية" من قبل الرئيس الذي أعلن نفسه "المرشد الأعلى الأبدي"؛ فالربّ الذي يتحدث إليه مباشرة، بحسب زعمه، لا يمنعه من إرسال جزء من سكانه إلى المنفى، تاريخ رواندا، يتميز بتواطؤ الكنيسة مع الأنظمة السابقة إلى حدّ اتهامها، خطأ أو عن حقّ، بالمشاركة في الإبادة الجماعية ضدّ قبيلة التوتسي.
هل تنتهك التدابير التي اتخذتها الحكومة الرواندية لإغلاق عدة أماكن للعبادة حرية الدين؟
لا أعتقد ذلك؛ فإذا سمحت الحكومة الرواندية لنفسها بانتهاك حرية الدين، فهي تنتهك بذلك دستور 2003، المعدَّل عام 2015، الذي يُدرج حرية الدين في المادة 33، في ترتيب حرية الفكر والرأي والضمير نفسه، هذه الحريات تعدّ حقوقاً أساسية، تُعرِّف المادة الأولى من الدستور نفسه الدولةَ الرواندية؛ بأنّها جمهورية علمانية، بمعنى أنّ حقيقة عدم خضوعها لمنظمة دينية معيّنة تضمن تعليمات المادة 33 من هذا الدستور.
ولكن تمّ اتخاذ إجراءات لإغلاق كنائس ومساجد؟
لكن لم يُمنَع أحدٌ من الصلاة، أو من اتّباع تعاليم دينه؛ لقد تعرّضت بعض أماكن العبادة للتلوث الصوتي (الضوضاء)، أو كانت معرضة للتداعي والانهيار، في أيّ وقت، أو لم تكن بها مراحيض، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
باختصار: لم تحترم أماكن العبادة هذه، وهي أماكن عامة بحكم الواقع، التدابيرَ الوقائية ومعايير السلامة والنظافة، ...إلخ؛ فكلّ حكومة مسؤولة لها الحقّ وواجب المنع؛ في نيجيريا، مثلاً، انهارت كنيستان، على الأقل، على المؤمنين، عام 2014، في لاغوس، وفي 2016 في مدينة أويو، يوجد في رواندا نظام تأمين صحيّ للجميع، وهو يمنح بشكل عام ضماناً اجتماعياً جيداً، ومثل هذا الاستثمار المُكلِف ينجح بشكل أفضل مع تدابير وقائية.

في الوقت نفسه؛ أليس فرضُ شهادات على الخطباء الدينيين من قبل الحكومات مشكلة؟
لا أحد يحتاج إلى دبلوم للعبادة والصلاة، لكنّ التكفّل بالآلاف من الناس، بالنسبة إليّ، يفترض بالتأكيد المهنية أو الكاريزما، ولكن أيضاً الخبرة، ومتطلباً أخلاقياً، وما يسميه جوزيف مينغت "المعرفة المنطقية" للإيمان، هناك مؤمنون يطلبون مساعدة روحية تشمل إرشاداً نفسياً، أو تسوية نزاع عائلي، وبعضهم يريدون استجابة فورية لمشاكل مالية، ليس متحدثاً وخطيباً جيداً، من يعالج عن بعد، من دون تدريب لاهوتي، ومن دون معرفة بالتخصصات الأخرى، المشكلات التي يطرحها أتباعه، هناك أيضاً حركات دينية مستقلة يمكن لأيّ قائد فيها أن يعلن نفسه رسولاً أو داعيةً أو حَوارياً أو مبشراً، أعرف بعض الذين يرون أنّهم تجسيد لـ "الروح القدس". الكتاب المقدس، أو القرآن الكريم، كتابان مهمان للغاية؛ لنأخذ مثال الكتاب المقدس، الذي هو مجرد مجموعة من الكتب المختلفة المكتوبة بالعبرية واليونانية، من قبل العديد من المؤلفين ولعدة قرون، هناك على الأقل 1500 عام تفصل الكتاب الأول عن الكتاب الثاني؛ ففي كلّ مجال، يعدّ التدريب أكثر من ضروري لتدريس الدين.
القائد الديني الذي يَحظُر ويحرم على المؤمنين من أتباعه، باسم الكتاب المقدس، إكمال علاجهم الطبي بعد دُعائهم بالشفاء، يمثل تهديداً لأنشطة الصحة العامة.
الإيمان ظاهرة معقدة، لكن ما يزال يلعب دوراً إيجابياً؟
هذا استنتاجي؛ ينتشر الدين من خلال تقلبات الواقع الإنساني، "التطرف الديني" اليوم يتجاوز، إلى حدّ كبير، عالم الإيمان والعبادة، يجب على الزعماء الدينيين، من مختلف المجتمعات الدينية، والأكاديميين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحفظة السلام والقادة السياسيين، العمل بالتآزر لإدانة العنف ومكافحته بشكل أفضل، والمشاركة في الإجراءات الوقائية ومبادرات السلام، يمكن أيضاً لنموذج "3P"، المقاضاة والحماية والوقاية، المستخدم في مكافحة الاتجار بالبشر، أن يُطبَّق ضدّ التطرف الديني والعنف، وضدّ حرية الدين، كما تعدّ هياكل التعليم والعدالة وسائل وقائية أيضاً.


الهوامش:
(1) Bearing Witnesses/Témoignages (2016), Lieux discursifs du génocide au Rwanda (Présence Francophone, Vol.83, June 2015), Children in Armed Conflicts (Peace Review, 2012), (With Ensign), Religion in War and Peace in Africa, 2018)
(2) ميليشيا أنتي بالاكا :مصطلح يستخدم للإشارة إلى تحالف من الميليشيات تشكلت في جمهورية أفريقيا الوسطى، بعد أن صعد ميشيل جوتوديا إلى السلطة، عام 2013، ويُقال إنّها تتكون أساساً من المسيحيين. ومع ذلك؛ فقد اعترض بعض قادة الكنيسة على الطابع المسيحي الحصري لمثل هذه الجماعات، وكما أشارت مؤسسة "توني بلير للإيمان" إلى وجود أتباع من الإحيائية بين جماعات أنتي بالاكا، وأفادت منظمة العفو الدولية، عام 2015، بأنّ بعض أعضاء جماعات "أنتي بالاكا" قاموا بتحويل بعض المسلمين قسراً إلى المسيحية، كما وقامت مجموعات من "أنتي بالاكا" بخطف وحرق ودفن نساء حوامل متّهمات بأنهنّ "مشعوذات".
(3) المحاكاة الصوتية: هي محاكاة الأصوات المسموعة في الطبيعة، مثل الضوضاء أو أصوات الحيوانات، منها أصوات الهواء والرياح: حفيف الريح بين أوراق الشجر، أصوات الماء: خرير المياه، أصوات الحيوان: صهيل الخيل ونقيق الضفادع، أصوات تحريك المعادن والمواد الأخرى: صليل السيوف وصرير الباب.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: voaafrique.com

للمشاركة:



تهدئة في غزة.. وهذه شروط الجهاد الإسلامي للقبول بوقف إطلاق النار

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

أعلنت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وإسرائيل وقف العمليات العسكرية عبر حدود قطاع غزة اليوم في أعقاب مساع بذلتها مصر والأمم المتحدة لإنهاء أسوأ موجة من الاشتباكات منذ شهور لكن الوضع بدا هشاً إذ اختلف الطرفان على شروط التهدئة، وفق ما ذكرت وكالة "رويترز" للأنباء.

وأكد الناطق باسم الجهاد الإسلامي، مصعب البريم، الالتزام بما تم الاتفاق عليه مع مصر بخصوص وقف إطلاق النار، مضيفاً أنّ هناك إجماعاً على استمرار التهدئة الحالية.

وفي وقت سابق من صباح اليوم، الخميس، قالت مصادر مصرية مسؤولة إنه تم الاتفاق على وقف لإطلاق النار بين إسرائيل وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة، بدأ فجر الخميس برعاية مصرية.

هدوء حذر

وساد الهدوء الحذر أجواء قطاع غزة، الخميس، بعد مرور أكثر من يوميْن دامييْن جراء الهجمات التي شنّتها طائرات حربية إسرائيلية على أهداف بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

رداً على اغتيال أبو العطا انطلقت عشرات الصواريخ باتجاه المدن الإسرائيلية في عملية أطلقت عليها سرايا القدس "صيحة الفجر"

وأكّد البريم في تصريح لوكالة "الأناضول" أنّ التوافق على وقف إطلاق النار تم تنفيذه وفقاً "لشروط المقاومة الفلسطينية والتي مثّلتها وقادتها حركة الجهاد الاسلامي".

وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد قالت، ليلة الأربعاء، إنها وضعت شروطاً محددة "للقبول بوقف إطلاق النار مع إسرائيل".

ومن بين الشروط، التي كشفت عنها وسائل إعلام، وقف إسرائيل للاغتيالات، ووقف استهداف مسيرات العودة الأسبوعية قرب حدود قطاع غزة، والتزام إسرائيل بتفاهمات كسر الحصار عن غزة.

ولم تعلق إسرائيل، رسمياً، على أنباء وقف إطلاق النار، لكنّ الجيش الإسرائيلي أعلن عن تخفيف القيود المفروض على تحرك السكان، في المناطق التي تعرضت لقصف صاروخي فلسطيني.

إسرائيل: من سيؤذينا، سنؤذيه

وقال مصدر سياسي إسرائيلي، لصحيفة معاريف: "الأفعال على الأرض ستحدد. إسرائيل لم تقدم شيئاً، من سيؤذينا، سنؤذيه، لا يوجد تغيير في السياسة".

من بين شروط وقف إطلاق النار، التي كشفت عنها وسائل إعلام وقف إسرائيل للاغتيالات ووقف استهداف مسيرات العودة

وشنّ الجيش الإسرائيلي، فجر الثلاثاء، عملية عسكرية على قطاع غزة، بدأها باغتيال بهاء أبو العطا، القيادي بسرايا القدس، الجناح المسلح لحركة الجهاد الإسلامي، وزوجته.

وتسببت هذه العملية باستشهاد 34 فلسطينياً، وإصابة 110 آخرين بجراح مختلفة، وفق وزارة الصحة الفلسطينية. ومن بين الشهداء، 8 أطفال و3 نساء.

ورداً على عملية الاغتيال، أطلقت فصائل فلسطينية، عشرات الصواريخ، باتجاه المدن الإسرائيلية، في عملية أطلقت عليها سرايا القدس، اسم "صيحة الفجر".

للمشاركة:

داعش ينوي قتل قادة عالميين.. هل من بينهم ترامب؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

كشف تنظيم داعش الإرهابي عن دليل لقتل قادة العالم؛ حيث نشرت إحدى القنوات الإعلامية الموالية لـ "داعش"، الأسبوع الجاري، ملصقاً بعنوان "طرق اغتيال القادة"، يشرح ثلاث طرق للإرهابيين المحتملين لإعدام "المسؤولين والقادة العسكريين"، وفقاً لتقرير نشره موقع صحيفة "ديلي ميل" البريطانية.

وحثّ التنظيم الإرهابي، وفق التقرير، "الذئاب المنفردة" على التنكر كصحافيين حتى يتمكنوا من وضع القنابل بالقرب من السياسيين مثل؛ الرئيس الأميركي، دونالد ترامب.

ويوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية في المؤتمرات الصحافية.

ويقول الملصق، بحسب ما أوردت صحيفة "الشرق الأوسط": "قد يشارك العنصر الذي يرتدي ملابس الصحافي في المؤتمرات والمنتديات والاجتماعات الصحافية التي قد تمكنه من استهداف شخصيات العدو الرئيسية. ويمكنه استخدام الكاميرا أيضاً كجهاز متفجر أو لإخفاء سلاح بداخلها".

يوفر الدليل طرقاً تشرح كيفية التصرف كصحافي وإخفاء سلاح داخل الكاميرا للقيام بأعمال إرهابية

وعرضت إحدى المؤسسات الإعلامية المرتبطة بـ"داعش" أمس، صورة مركبة لإرهابي في زي عسكري يقف خلف ترامب بينما يجلس الأخير على ركبتيه وكأنه يستعد للإعدام.

ورغم وفاة زعيم "داعش" أبو بكر البغدادي في غارة أمريكية بسوريا يوم 26 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، ما زال التنظيم يسعى إلى نشر فكره الإرهابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويوفر الدليل المكون من ثلاثة أجزاء طرقاً أخرى تتضمن استهداف قوافل الشخصيات المهمة.

ويحث التكتيك الثاني على استخدام بنادق قنص متوسطة وطويلة المدى لمهاجمة القوافل من نقاط عالية.

ويقول الملصق: "الذئب المنفرد قد يعطل قوافل القادة أو أماكن التجمع الخاصة بهم بمهاجمتهم باستخدام الرشاشات أو قنابل المولوتوف"، وتابع: "قد يقوم العناصر أيضاً بهذه العمليات باستخدام الأسلحة غير البارودية مثل؛ الشفرات والسكاكين والسيوف أو تنفيذ هذه المهمات من أماكن مرتفعة".

وأخيراً، يشير النص إلى تحديد منطقة محتملة لمهاجمة ومراقبة طريق القافلة لكشف العيوب الأمنية التي قد تسمح للمهاجم أيضاً بدراسة "خطة الانسحاب".

وكانت قنوات "داعش" الإعلامية هي التي حثت في وقت سابق من هذا الشهر أنصارها على إشعال حرائق الغابات في الولايات المتحدة وأوروبا للتسبب في فوضى بيئية، بحسب التقرير.

وشكل مقتل البغدادي ضربة كبيرة للتنظيم الذي فقد أراضيه في سوريا والعراق في سلسلة من الهزائم العسكرية من قبل التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.

وعيّن التنظيم خلفاً للبغدادي بعد أيام من مقتله، ولكن لا يُعرف عنه سوى القليل ولم يتضح كيف سيتأثر هيكل هذه الجماعة الإرهابية بالهزائم المتتالية التي لحقت بها.

للمشاركة:

الإمارات تواصل جهودها الإنسانية في اليمن .. هذا ما قدمته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية المتواصلة لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة 12 طناً من المساعدات الغذائية لأهالي منطقة "بئر علي" بمديرية رضوم في محافظة شبوة اليمنية.

عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية

فقد سيرت "هيئة الهلال الأحمر الإماراتي"، الذراع الإنسانية لدولة الإمارات، قافلة إغاثية إلى منطقة بئر علي شملت 150 سلة غذائية جرى توزيعها على الأسر غير القادرة، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

من جانبهم، عبر أهالي منطقة "بئر علي" عن شكرهم لدولة الإمارات قيادة وحكومة وشعباً على هذا العون الكبير واللفتة الإنسانية التي من شأنها التخفيف من معاناتهم.

جدير بالذكر أنّ عدد السلال الغذائية التي تم توزيعها منذ بداية عام التسامح 2019 في محافظة شبوة بلغت 33 ألفاً و174 سلة غذائية بمعدل 1900 طن و480 كيلوغراماً استهدفت حوالي 158 فرداً من الأسر غير القادرة.

للمشاركة:



السقوط المدوي لوكلاء خامنئي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سوسن الشاعر

الحكومات التي تشكلت نتيجة المحاصصة الطائفية أثبتت فشلها في إدارة الدولة ومواردها فشلاً ذريعاً، وإن لم تدرك الأحزاب التي وصلت للسلطة بفضل تحالفها مع وكلاء إيران سواء في لبنان أو العراق أن قطار إيران مسرع في طريق الصدام و الموت فإنهم يرتكبون الخطأ الأكبر في حق أنفسهم كأحزاب سياسية يفترض أنها تمتلك إرثاً سياسياً يؤهلها للتقييم السليم أولاً وترتكب الخطأ الأكبر في حق أوطانها ثانية.

الكل يعلم أن الأحزاب التي في السلطة الآن في لبنان والعراق ما وصلت إليها وما نجحت في الحصول على مقاعدها الرئاسية والنيابية وحقائبها الوزارية إلا بفضل تحالفها مع وكلاء إيران، وصحيح أنه لولا تلك الاتفاقيات الثنائية لم يصلوا لتلك المواقع، إذ تمت الموافقة على أسمائهم والتصديق عليها في إيران حتى سمح الثلث المعطل بتمريرها، ونعلم أنهم يشعرون بالامتنان لوكلاء خامنئي رغم حجم القيود التي وضعوها عليهم، ولكن رغم ذلك كله إلا أن المؤشرات والقراءات الحصيفة تؤكد أن المجتمع الدولي كله الآن في مواجهة إيران حتى أوروبا التي حاولت تأجيل المواجهة تجد نفسها الآن مضطرة لها وهي ترى إيران تخرق الاتفاق النووي دون مراعاة للحرج الأوروبي.

فإن كانت إيران متجهة للصدام مع العالم فإن ذلك سيسري حتماً على وكلائها في المنطقة، لذلك نرى تمسك الأحزاب الموالية لهؤلاء الوكلاء بالسلطة الآن في هذا التوقيت يعد قراراً يفتقد إلى الذكاء السياسي وغير منطقي بعد الاحتجاجات التي اجتاحت لبنان والعراق، إذ وصل الأمر برئيس الجمهورية اللبنانية إلى مطالبة المحتجين بالهجرة إن لم يقبلوا به رئيساً! ووصل الأمر بتمسك الرئيس العراقي بمقعده رغم ارتفاع عدد القتلى إلى 400 !!

الذكاء السياسي يتطلب قراءة المشهد قراءة استشرافية وبنظرة بانورامية تؤكد أن تأخير الضربة القاضية على وكلاء إيران هو لمزيد من التكسب من الحالة لا أكثر ولا أقل، وحين يجف الضرع سينتهي هذا النظام، لذلك من يصر على البقاء على تحالفاته مع وكلاء إيران أما أنه انتحاري أو أنه مقيد بابتزاز ما وغير قادر على المغادرة.

فماذا بعد أن وصف خامنئي الشعبين العراقي واللبناني بالخونة والعملاء وأمر بمواجهتهم بالرصاص، ما الذي يجبر تلك الأحزاب على السير في ذات الاتجاه والبقاء على المركب الإيراني رغم بوادر غرقه؟ وإلى أين سيقود وكلاء إيران القطار اللبناني والعراقي؟

ممكن أن نفهم بقاء وكلاء إيران مقيدين بالمصير الإيراني لدواعٍ عقائدية، ولكن ما الذي يجبر الأحزاب الأخرى على مواجهة شعوبها والتصادم معها وعدم التفكير في المستقبل السياسي لتلك الأحزاب ولمنح الفرصة للصف الثاني منها؟ أي غباء سياسي هذا الذي يجبرك على ربط مصيرك بمن يقف على حافة الهاوية؟!

عن "الوطن" البحرينية

للمشاركة:

الموت يتجول حاملاً منجله في غزة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

سما حسن

مثل كل مرة، تتلقى غزة الضربة في خاصرتها وتنزف، ولكنها تنهض من الرماد مثل العنقاء، كم مرة حدث ذلك؟ لا يمكن أن نعد ولا أن نحصي! فقط يحدث ذلك في غزة وعلى مر التاريخ...
ربما بدأت استوعب الأمر جيداً بأن هناك وطناً واحتلالاً في أوائل ثمانينات القرن الماضي، كنت اقترب من عامي العاشر وكان أبي مولعاً بمذياع صغير ولكن «فعله كبير»، وكان لا يفارقه وكنا نسمع منه الأخبار، حتى سمعت لأول مرة اسم ياسر عرفات، وسمعت اسم «حركة فتح» وكان ذلك من خلال نشرة أخبار صوت إسرائيل الناطق بالعربية، وفي كل مرة كانت المذيعة تقول «حركة فتح التخريبية»، كان يرد عليها أبي مع النشرة الصباحية في تمام السادسة والنصف صباحاً وهو يتناول إفطاره على عجل ليلحق بطابور الصباح في مدرسته» الله لا يصبح وجهك بخير، الله يخرب راسك»، واعتدنا هذه الشتيمة والتي كان يصحبها شرح مطول ودرس تاريخ لا يمل عن فلسطين وفتح وياسر عرفات.
كبرنا ومر العمر بنا وعشنا انتفاضة الحجارة، وكنت وقتها مراهقة صغيرة وقضيت سنواتها في بيت عائلتي، وعشت انتفاضة الأقصى، وكنت وقتها قد أصبحت أماً وتضاعف خوفي لأني أصبحت مصدر أمان لأطفالي، وقبل ذلك كنت أستمد أمني وأماني من أبي، فهو يسمع الأخبار ويهون الأمور، ويعوذنا بالله من كل شر، ويملأ البيت بالطعام والشراب لكي لا نشعر بحاجة لأي شيء في أيام منع التجول الطويلة، وكان يشعر ببهجة لأننا كنا نأكل خلال تلك الأيام أكثر من الأيام العادية، وكأن بقاءنا دون دوام مدرسي، واجتماعنا طيلة الوقت يفتح شهيتنا للطعام، وحيث لا شيء نفعله غير ذلك ومتابعة المذياع الصغير خاصة أبي، والانصات لمكبرات الصوت التي تعلن عن رفع حظر التجوال أو استمراره.
صرت أماً وكبر أولادي وبناتي وأصبحوا في سن الشباب، وعرف الشيب طريقه لرأسي، ولم نر أنا وهم أيام أمن وأمان، فحياتنا مهددة، وتحولت الأيام والأسابيع لصولات وجولات للموت والحياة، حتى اعتدنا الموت وكأن لا واقع غيره، وعشنا بدونه، وكأن الحياة في غزة أبدية، وكأن أي جنازة تمر لميت مات ميتة طبيعية هي غير المألوف، رغم أن المقابر تحوي من القتلى الذين سقطوا بالرصاص والقذائف الكثير، وربما كانوا الأغلبية بين الصامتين الراقدين الذين انتقلوا لهذا المكان وهم في ربيع عمرهم.
قررت اليوم والموت يحمل منجله حولنا ويطوف في الشوارع والبيوت، ويوقظ النائمين باحثاً عن ضحايا جدد، قررت أن أترك متابعة الأخبار جانباً، أن لا أنتظر هذا السائر بمنجله المرعب وأسلم بقضاء الله، وبأن الموت قد يكون في أي لحظة هادئاً وادعاً إن رحلت ومعك من تحبهم وتخشى عليهم من الحياة بعدك، ولذلك فقد أودعتُ هذه الأمنية في قلبي، ودلفت إلى مطبخي الصغير وصحت بابنتي الصغيرة: رح أعمل اليوم أقراص سبانخ، وهي الأكلة المميزة لهذا الجو الخريفي، فردت ابنتي الصغيرة مستغربة: غريبة يا ماما... في أيام تجدد الحرب بتصيري تقولي ايدي مربطة، وما بتقدري تعملي إشي...
لم أرد، وفي الحقيقة أن يديَّ مربوطتان، وعندما كانت امي رحمها الله تقول: ايديّ مربطة، يعني أن الحزن والألم قد بلغا مبلغهما بها، وربما الحيرة في أمر ما، أم هي مقبلة على قرار مصيري يخص أسرتنا، أو تنتظر خبراً هاماً، فهي لا تستطيع أن تفعل شيئاً، ونقضي الوقت حولها ولا تدخل المطبخ ولا تعد لنا طعاماً، وربما دفعت لنا بطعام اليوم السابق بعد تسخينه، أو بشطائر محشوة بالجبن وهي تردد: إيدي مربطة...
في الحقيقة ان «إيديّ مربطة» وقد قمت بفرم السبانخ كيفما اتفق ثم وضعته في البراد وتركت كل شيء وعاودت متابعة الأخبار، الموت يحمل منجله ويتنقل في القطاع ما بين الشمال والجنوب وأنا أنتظر، ما أصعب الانتظار وهو أبشع صور الموت في نظري، ولذلك أنا لا أفعل شيئاً، لا أستطيع أن أخبر أحداً خبراً عني وعن غزة... أنا فقط وليس أكثر «إيديّ مربطة»...

عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

كيف تستعد ألمانيا لاستقبال دواعشها؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-14

حسام حسن

تستعد أجهزة الأمن الألمانية بشكل مكثف لاستقبال رعاياها المنتمين لـتنظيم داعش، المنتظر ترحيلهم من تركيا إلى برلين، خلال الأيام المقبلة.

وأوضحت أجهزة الأمن أنها تقوم بدراسة كل حالة على حدة، وتضع سيناريوهات التعاطي معها، لدرء خطرها.

ومنذ أيام، أعلنت الحكومة التركية عزمها ترحيل الرعايا الأوروبيين المنتمين لـ"داعش"، والمحتجزين على أراضيها إلى بلادهم الأصلية.

والإثنين الماضي، وعد وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر الألمان بحفاظ الأمن على يقظته الكاملة لرصد أي خطر أمني يمثله عناصر "داعش" المنتظر عودتهم.

وتابع: "على الألمان أن يطمئنوا، فالسلطات تفحص كل حالة على حدة بعناية، وسنفعل كل ما في وسعنا لدرء أي خطر على ألمانيا".

ووفق تقرير لصحيفة بيلد الخاصة، تتوقع السلطات الألمانية استقبال عائلة ألمانية-عراقية، مُرحَّلة من تركيا، الخميس، وفحصت حالة كل فرد في العائلة بشكل استباقي.

وتتكون العائلة من زوجين يحملان الجنسيتين الألمانية والعراقية، و5 أطفال؛ طفلان مولودان في العراق، وطفلان في ألمانيا، وطفل آخر مولود في معسكر الاعتقال بتركيا.

وتعتبر السلطات الألمانية الزوجين "متشددين"، ولم ينضما لـ"داعش" في سوريا، حيث وصلا إلى تركيا في يناير/كانون الثاني الماضي، وألقت أنقرة القبض عليهما في مارس، وبقيا قيد الاعتقال منذ ذلك التاريخ.

ونقلت "بيلد" عن مصادر أمنية ألمانية لم تسمها أن "الزوجين العراقيين رفضا الحصول على مساعدة قانونية من القنصلية الألمانية خلال اعتقالهما في تركيا."

وأضافت المصادر: "لن تقوم السلطات الألمانية باعتقالهما بعد وصولهما المنتظر اليوم، لعدم وجود أي دليل على علاقتهما بـداعش".

وتختلف حالة هذه العائلة عن حالة امرأتين ألمانيتين، من المقرر أن تصلا برلين، الجمعة، بعد أن قررت تركيا ترحيلهما.

ووفق الصحيفة، فإن السيدتين هربتا قبل أشهر من معسكر اعتقال تابع لقوات سوريا الديمقراطية في سوريا إلى تركيا، لكن ألقي القبض عليهما، بسبب عضويتهما في تنظيم "داعش".

ونقلت الصحيفة عن مصادر في مكتب الادعاء العام في ألمانيا أن الأخير "يحقق حاليا في ملفات السيدتين، على خلفية اتهامهما بالانضمام لتنظيم داعش الإرهابي".

ورغم ذلك، لن تتعرض السيدتان للاعتقال عند وصولهما إلى برلين، وستكتفي الشرطة بتدابير احترازية، مثل البقاء قيد الاحتجاز المنزلي، وفق المصادر ذاتها التي أضافت: "بالتأكيد سنخضع السيدتين لتحقيقات مكثفة".

وبخلاف هذه الحالات، فإن تركيا تعتقل حاليا 14 بالغا ألمانياً على الأقل لانتمائهم لـ"داعش" في سوريا، بواقع 8 نساء و6 رجال، بالإضافة إلى 15 طفلا.

ومن المنتظر أن تقوم أنقرة بترحيلهم على دفعات خلال الفترة المقبلة، حسب "بيلد".

وذكرت الصحيفة الألمانية استنادا إلى مصادرها أن "1050 ألمانياً سافروا إلى سوريا منذ 2013، انضم أغلبهم لداعش، وقتل ثلثهم في المعارك التي دارت في الأراضي السورية، وعاد الثلث بالفعل لألمانيا، فيما تعتبر السلطات الألمانية عناصر الثلث الأخير إما محتجزين في سوريا والعراق وتركيا وإما مفقودين".

ونقلت الصحيفة عن هانز جورج ماسن، رئيس هيئة حماية الدستور (الاستخبارات الداخلية الألمانية) السابق قوله، إن "الحكومة الألمانية تتحمل المسؤولية الكاملة لهذا الوضع".

وتابع: "كان يمكننا تفادي هذا الوضع في حال قامت الحكومة خلال الفترة الماضية بإدخال تعديلات على قانون الجنسية، وإقرار سحب الجنسية الألمانية من مزدوجي الجنسية المرتبطين بتنظيمات إرهابية، وهو ما طالبنا به كثيرا، لكن الحكومة لم تستجب".

وأردف: "هذا الإهمال في حماية مصالحنا الأمنية تتحمل مسؤوليته الحكومة، وأي إجراءات حاليا لمواجهة هذا الخطر (الدواعش العائدين) ستحمل الأمن أعباء إضافية، وتعرض البلاد لأخطار من الصعب السيطرة عليها".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية