تطوّر إرهاب الجماعات الدينية المتشددة وإستراتيجيات مكافحته... الحالة الفرنسية أنموذجاً

3076
عدد القراءات

2019-04-21

ترجمة: علي نوار


مع دخول العقد السادس والسابع من القرن الماضي، وفي أعقاب اندحار الحركات الاشتراكية في الشرق الأوسط، طفت على السطح التيارات الإسلاموية الأكثر تشدّداً، ومن بين الجماعات المختلفة التي تدعو لتأويل متطرّف ومنغلق للدين، تبرز جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي كانت إحدى أبرز الجماعات التي تضفي الشرعية على العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها السياسية، ومتّهمة الأنظمة الحاكمة في الدول العربية بالفساد وتحميلها مسؤولية انهيار العالم الإسلامي.

اقرأ أيضاً: اقتراح عراقي جديد بخصوص الجهاديين الأجانب المعتقلين لدى الأكراد

ورغم أنّ معركة هذه الجماعات ركّزت على "العدو القريب"، إلّا أنّ جماعات إرهابية أخرى، مثل "الجماعة الإسلامية المسلحة" في الجزائر، بدأت بعد ذلك بأعوام في وضع أهداف غربية نصب أعينها، في إطار الدعوة لما عُرف باسم "الجهاد ضدّ العدو البعيد"، لكن إثر التدخّل الروسي في أفغانستان، وضع تنظيم القاعدة إستراتيجيته المناوئة للغرب، ما أدّى لاحقًا إلى شنّ مزيد من الهجمات، وضرب الولايات المتحدة على أراضيها، عن طريق هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه

كانت هجمات 11 سبتمبر نقطة تحوّل في الفكر الجهادي؛ حيث أصبح عالمياً، وبات تهديداً دولياً، فبالنسبة إلى الدول الغربية؛ كان هذا الاعتداء دليلاً على مدى خطورة الإرهاب الجهادي، ليس لفداحة الكارثة فحسب؛ بل بسبب الدرجة العالية من الإعداد لها ومدى تعقيدها، فقد شمل اعتداءات نُفّذت في وقت متزامن على عدد من الأهداف في عمق أكبر قوة عظمى في العالم.
ورغم أنّ تنظيم القاعدة استغل حالة الدعاية الهائلة المصاحبة لهذه الفاجعة،
في بثّ دعايته الخاصة، كاسياً إياها بغلاف معاداة الإمبريالية، ذي لمسة سلفية..، إلّا أنّ الحادث تسبّب على المدى البعيد في شنّ المجتمع الدولي حرباً بلا هوادة.

وفي أعقاب تلك الهجمات، شنّت الولايات المتحدة، وبدعم قطاع واسع من المجتمع الدولي، حروباً في كلٍّ من أفغانستان والعراق، الأمر الذي نتج عنه تغيّراً في إستراتيجيات الجماعات الإرهابية.

بدأت القاعدة، التي كانت تمتلك قواعد في أفغانستان وباكستان، في التراجع على خلفية الضغط الدولي، بيد أنّها عرفت كيفية التكيّف مع الظروف الجديدة، شرعت في الدخول بتحالفات مع الجماعات السلفية في منطقة القوقاز، خاصة بإقليم إفريقيا، كما أنّ الضغط الدولي نتج عنه تغيير في الهيكل التنظيمي للقاعدة، وقد تخلّى التنظيم عن بنيويته الهرمية لاحقاً، ليتبنّى أنموذج الخلايا المستقلة بذاتها، والتي يصعب رصدها ومكافحتها، فضلاً عن قدراتها، من حيث تكتيك الحرب الخفية، وكلّما ازدادت وطأة الضغط العالمي كانت القاعدة تعيد تأهيل ذاتها، تشكّلت في البداية خلايا خصّيصاً لكلّ هجوم على حدة؛ حيث لا تصبح هناك صلة بتاتاً داخل التنظيم بين المهاجم الإرهابي والقيادات، وفق فرضيات منظّره مصطفى عبد القادر نصار (أبو مصعب السوري)، أصبح الإرهاب عالمياً ودولياً ولا مركزياً إلى أبعد حدّ، ويقول نصار: "الجهاد فرض والقتل شريعة؛ ينبغي أن يكون كلّ شاب مسلم إرهابياً"، كانت هذه دعوة لما يعرف باسم (الذئاب المنفردة)، التي تتحرّك أحياناً في مجموعات صغيرة، وفي كثير من الأحيان بدافع وجود صلة ما، يعدّ هذا التحوّر منطقياً وخطيراً في الوقت ذاته، فبدون وجود هيكل تنظيمي واضح، تصبح الصلات بين أعضاء التنظيم غير ذات أهمية على الإطلاق، وتُستخدم فحسب من أجل شنّ هجمات ضخمة، وبالتبعية يصبح عبء المكافحة أثقل على عاتق قوات الأمن وأجهزة الاستخبارات، وأيضاً استحالة فكرة التسلّل إلى داخل صفوف هذه المجموعات الضئيلة، واتّبعت جماعات إرهابية أخرى هذه الإستراتيجية كذلك.

اقرأ أيضاً: هل يحاكم العراق معتقلي داعش الأجانب على أراضيه؟

وربما يكون أهم وأخطر هذه الجماعات في يومنا هذا: تنظيم داعش، الذي ظهر استغلالاً لحالة فراغ السلطة في أعقاب سقوط نظام الرئيس العراقي السابق، صدام حسين، ثم الاقتتال الأهلي الدامي الذي خيّم على البلاد، فيما بعد، وبدعم من القبائل السنّية، التي لطالما كانت في السلطة قبل أن تتعرّض للإقصاء، وعقب التدخّل الأمريكي، تمكّن داعش، شيئاً فشيئاً، من اكتساب قدر متزايد من القوة، ونجحت جماعة (التوحيد والجهاد) في حشد الدعم الشعبي بالمناطق الغربية من العراق، وبعد مبايعتها لتنظيم القاعدة، عام 2004، تبيّن بعدها بقليل أنّ إستراتيجيتها وأيديولوجيتها تحملان أوجه اختلافات كبيرة عن (القاعدة).

اقرأ أيضاً: هل سيحكم اليمين المتطرف فرنسا؟

فهذه الجماعة، وعلاوة على كراهيتها للحضارة الغربية، وخلافاً للقاعدة، تحمل في طيات أيديولوجيتها الفكر التكفيري؛ حيث تضع في خانة المرتدّ كلّ مسلم لا يقبل أفكارها. تبنّت (التوحيد والجهاد) مجدّداً العنف ضدّ "العدو القريب"، لكن العدو هذه المرة كان أقليات غير سنّية، وفور وفاة زعيمها، أبو مصعب الزرقاوي، أصبح الانفصال الفكري أمراً واقعاً، لتعلن الجماعة تغيير اسمها إلى (الدولة الإسلامية في العراق).
استغل الزعيم الجديد للتنظيم، أيوب المصري، المشهد الداخلي في العراق، كي يزيد من نفوذ تنظيمه، حاشداً قدراً أكبر من الدعم، بفضل المجتمع السنّي، كما نجح فوق كلّ شيء في ضمّ عسكريين سابقين، وكذلك أعضاء في جهاز الاستخبارات التابع لحزب (البعث) بين صفوف تنظيمه، كانت الخبرة الكبيرة التي يتمتّع بها العسكريون السابقون في الجيش العراقي لا غنى عنها بالنسبة إلى التوسّع والانتصارات العسكرية التي حقّقها التنظيم.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال

سمح هذا التوسّع للتنظيم ببسط نفوذه على الأراضي الواقعة تحت سيطرته، وارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له، من منطلق رؤيته للشريعة في منطقة بعينها، مع إقامة حكومته ومؤسساتها، يعدّ ذلك عاملاً رئيساً، يميّزه عن تنظيمات جهادية أخرى؛ لأنّه يعتمد على الغزو والسلب كمصادر أساسية للتمويل، لكنّ التنظيم يحتاج، قبل كلّ ذلك، إلى فضاء يخلو من السيادة ويعاني توتّرات داخلية عنيفة، على نحو تصبح معه ممارسة أقصى درجات العنف بحق المسلمين غير السنّة أمراً مقبولاً، كما أنّ مصادر التمويل متنوّعة، ولا تدخل في حساباتها أيّة معايير أخلاقية؛ فتبدأ من بيع النساء والأطفال، بما في ذلك تجارة الأعضاء، إلى فرض الضرائب على السكان المحليين، فضلاً عن نهب المصارف والمتاحف أو بيع النفط بشكل غير مشروع.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب: الجهاد في عصر مُعولم
كان بثّ الرعب أداة رئيسة، سواء من أجل تخويف الأعداء أو الحيلولة دون تمرد المحليين، الذين يسيطر التنظيم على المناطق التي يعيشون بها.

ارتكز اقتصاده على الغزو وإدارة المناطق الخاضعة له

على أنّ أكثر ما يثير القلق؛ هو قدرة التنظيم الإرهابي على التكيف، وعلى توفيق أوضاعه بحسب الظروف والبيئة المحيطة، ولعل الفترة بين عامي 2013 و2017، حافلة بالنماذج التي تكشف عن تمتّعه بهذه المزية، فخلال الأعوام الأربعة هذه؛ استغلّ التنظيم انسحاب القوات الأمريكية كي يصبح أبرز جماعة إرهابية، ويوسّع سيطرته على الأراضي؛ بل وصل إلى مشارف بغداد، إلّا أنّ تحالفاً مكوّناً من قبائل شيعية مختلفة، فضلاً عن الدعم الإيراني تمكّن في النهاية من إيقاف تقدمه.
عاود داعش إظهار قدرته على التكيّف حين استفاد من وضع لا يحظى فيه بالأفضلية، وأدرك زعيمه سريعاً أنّه إذا كان يريد مواصلة تعزيز قوته فيتعيّن عليه الاستحواذ على مساحات أكبر من الأراضي، وأنّ هذا الأمر ممكن فحسب في المناطق التي يقطنها مسلمون سنّة.

اقرأ أيضاً: حلّ 4 جمعيات شيعية في فرنسا.. لهذه الأسباب

وبفضل شبكة من الاتصالات في البلد المجاور، مستغلاً مرة أخرى حالة الفوضى القائمة في سوريا، عبر التنظيم الحدود العراقية ليدخل الأراضي السورية، وكان تمدّد داعش سريعاً؛ نظراً إلى أنّ أغلب فصائل المعارضة للنظام الحاكم كانت سنّية المذهب، وهو ما ساعده على تأسيس نموذج دولة تقع على أراضي بلدين، كسرت الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس-بيكو. كان لهذا الحدث أبلغ الأثر الدعائي في تمكين داعش من الظهور في صورة قائد الجماعات السلفية الجهادية، وقدّم التنظيم نفسه على أنّه في مصاف هؤلاء، الذين نجحوا في إزالة الحدود التي فرضها الاستعمار، ومدّعياً سعيه نحو إعلان قيام خلافة تجمع كافة الأراضي التي كانت تحت الحكم الإسلامي في الماضي، تحت راية واحدة، ووفق تفسير إقصائي للإسلام.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب... إرث يُقلق الدول

بذلك أصبح داعش جماعة جهادية تقاتل العدو القريب، وكذلك البعيد، في الوقت ذاته، قادراً على إعادة ترتيب أولوياته طبق ما يفرضه الموقف، ويستطيع، كما رأينا فيما بعد، الاستفادة من مشكلات الاندماج والعدمية لدى الشباب المسلم في أوروبا.

نجح التنظيم في تقديم دعاية مُعدّة بعناية، عبر الشبكات الاجتماعية ومنصات تواصل أخرى، بهدف واضح؛ هو استقطاب مقاتلين أجانب للانخراط في صفوفه.
توجد أعداد كبيرة من الأوروبيين بين هؤلاء؛ ففي كانون الثاني (يناير) 2015، قُدّر الرقم بأربعة آلاف مقاتل، أي ما يمثّل 20% من إجمالي عدد أعضاء داعش، لعب هؤلاء المقاتلون دوراً كبيراً في التنظيم، ويشكّلون تهديداً كبيراً بالنسبة إلى بلدانهم الأصلية، وجّه التنظيم الإرهابي جزءاً كبيراً من أمواله لغرض الدعاية ونشر مميزات خلافته المزعومة عن طريق شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف استقدام الأجانب، الذين ترى دولهم أنّ مسألة إعادة توطينهم بعد انتهاء الحرب في سوريا والعراق تعدّ تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى السلطات، التي تعمل ليس فقط على استئصال التشدّد لدى هؤلاء الشباب، بل دشّنت برامج عدة لجعل خطابهم أقل جاذبية، وتفكيك دعايتهم، لكن كل ذلك لا يُغني عن ضرورة دراسة عملية التلقين الأصولي، التي تعرّضوا لها، لتجنب تحوّلات جديدة تصبح أشدّ مقاومة وأكثر صعوبة في مواجهتها؛ لذا من المهم تحليل آليات دعاية داعش، والوسائل التي اتبعها لتجنيد أعضائه، وسبل نشر فكره.

الراديكالية ونزع الأصولية عن المقاتلين الأجانب

رغم الحرب بلا هوادة، التي شُنّت ضدّ داعش، والتي أتت بثمارها وسقوط خلافة التنظيم عملياً، إلّا أنّ التهديد الأمني الذي يمثّله المقاتلون الأجانب بالنسبة إلى 86 دولة، لديها، أو كان لديها، مواطنون منخرطون في جبهات القتال بسوريا أو العراق، مرتفع للغاية؛ ففي كانون الأول (ديسمبر) 2015؛ كان هناك 30 ألف مقاتل أجنبي على جبهات القتال في صفوف التنظيم الإرهابي، على درجة عالية من التطرّف، وبلا أدنى خوف من الموت، كانوا هم رأس الحربة في الحرب غير المتكافئة والعنيفة، كما أنّ إمكاناتهم ساعدت داعش في دعايته، بدرجة كبيرة؛ حيث دأب على إبراز مهاراتهم اللغوية والمعلوماتية، فضلًا عن تحرير مقاطع الفيديو والأغنيات ...إلخ، التي كان يبثّها لاحقاً عبر الشبكات الاجتماعية، والأهم من ذلك؛ ارتكابهم جميع أنواع الفظائع، وهو ما نزع عنهم آخر وازع من ضمير أو أخلاق.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب مع "داعش": تهديد يعود إلى الواجهة

وبعودتهم؛ يصبح هؤلاء المقاتلون جاهزين لشنّ هجمات أو الترويج للعنف أو تجنيد أهداف ضعيفة، كي يتحوّلوا هم أيضاً إلى أصوليين، كما أنّ، وفق هيجهامر، خبير الإسلاموية الأصولية ومؤلّف عدد من الكتب في هذا المجال، وجود مخضرمين في هجوم ما يرفع احتمالات سقوط ضحايا قتلى، وكذلك يزيد إمكانية نجاح الاعتداء الإرهابي؛ فالخبرة العسكرية تساهم في تدريب المجندّين الجدد مباشرة على الأراضي الأوروبية، ونتيجة ارتفاع أعدادهم، وقربهم من مناطق القتال؛ فإنّ هذه معضلة أمنية كبرى، ورغم تنوّع التركيبة المكوّنة لهذه الفئة، سواء من حيث المستوى الاجتماعي أو التعليمي، أو حتى الدوافع، إلّا أنّه بوسعنا تكوين فكرة عامة عن الفئات الأكثر ضعفاً، التي يسهل جرّها إلى مستنقع الأصولية، وكذلك الوقائع التي تؤدّي لتسريع هذه العملية.

اقرأ أيضاً: صحيفة فرنسية: إيران تتجسس على الدبلوماسيين الأجانب

نُفّذت الهجمات الجهادية، التي وقعت في أوروبا خلال الفترة بين عامي 2004 و2016، بالكامل، على أيدي ذكور، أغلبهم من الطبقة المتوسطة الدنيا، ترعرع الكثيرون من المرتكبين في مناطق تعاني من محدودية الفرص، ومدن في الضواحي وأحياء مُهمّشة، ...إلخ، كما أنّ الغالبية العظمى منهم هم مواطنون أوروبيون من الجيل الثاني؛ أي إنّهم وُلدوا لأبوين مهاجرين، من أصول عربية أو إفريقية، ...إلخ، لكنّهم نشؤوا في أوروبا، إلّا أنّ هناك اختلافات عميقة تظهر عند وصولنا لهذه النقطة، فالجهاديون في فرنسا أو إنجلترا، الدولتان اللتان تشهدان وجوداً ضخماً للمهاجرين، هم في أغلب الحالات من الجيل الثاني، على الجانب الآخر، وفي إسبانيا، وُلد أغلب الجهاديين في المغرب.

اقرأ أيضاً: الأردن وعودة المقاتلين الأجانب.. اتجاهات وسيناريوهات خطيرة

على أيّة حال؛ من الواضح بجلاء، أنّ ظاهرة الجيل الثاني هي الأكثر شيوعاً، منذ صعود نجم داعش كأبرز منظمة إرهابية، ويعود ذلك بنسبة كبيرة إلى أسباب عديدة، على رأسها؛ إستراتيجية التنظيم في استخدام الشبكات الاجتماعية ووسائل تواصل أخرى، مثل: مجلته "رومية"، كمصدر لنشر فكره والدعوة للجهاد ضدّ الكفار.

وفيما يتعلّق بالمقاتلين الأجانب، فليسوا جميعاً من الذكور؛ بل إنّ النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي، وقد شهد الرقم تصاعداً على مدار الأعوام الأخيرة، بيد أنّ وظيفتهنّ الأساسية ظلّت أن يكنّ أمهات، أو زوجات، للجهاديين، وتتشابه مواصفات المقاتلين الأجانب إلى حدّ بعيد مع خصائص الشباب الإرهابيين، الذين جرى التطرّق لهم، كما أنّ هناك نسبة صغيرة، تُقدّر بـ 6%، من المتحوّلين للإسلام، ويُلاحظ هنا أنّ الروابط الأسرية مهمة؛ حيث تحدث عملية الأصولية بين الأخوة أو يتحرّكون معاً.

 النساء يمثّلن نسبة تتراوح بين 10% إلى 15% من الإجمالي

ومن حيث دوافع السفر إلى سوريا، فقد شهدت تغيّرات بمرور الوقت. كان السبب في البداية هو رفض نظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل أن يظهر دافع آخر وباضطراد مستمر؛ كراهية الغرب. كذلك يتّضح أنّ متوسط الأعمار يقلّ بصورة طفيفة عن متوسط أعمار الجهاديين الذين يشنّون اعتداءات على الأراضي الأوروبية، وهو ما بين 20 و29 عامًا، ويبدو هذا أمرًا منطقيًا، لا سيما أنّ الكثيرين من الإرهابيين شرعوا في التحرّك بعد مدة من التواجد في العراق وسوريا. كما أنّ 30% منهم يعودون إلى بلادهم، رغم أنّ أغلبهم يفعلون ذلك في ظل حالة من الإحباط، لذا يرى خبراء مثل توماس هيجهامر أنّ أقلية منهم فقط يمثّلون خطرًا، لكنّه خطر محدق.

إنّ الدعاية الهادفة لتجنيد هؤلاء الشباب بسيطة وفعالة في نفس الوقت. تحترف مؤسسة (مركز الحياة للإعلام) إنتاج مواد ناجعة في اللعب على تطلّعات هذا الجيل من المسلمين، الذي نشأ في ظل غياب الروابط الأسرية التي عاش والداه في كنفها وبدون صلات قوية بمسقط رأسه، ليجد في الإسلام الأصولي شعوراً بالانتماء.
شباب لا يشعرون بأنّهم جزء من هوية ذويهم ولا بلدانهم، نظراً إلى ولادتهم في أوروبا، لكنّهم في الوقت عينه يشعرون بعدم التقدير أو غياب الفرص، ويعزّز ذلك الإحساس خطاب سياسي معادٍ للإسلام، هنا يصبح شعور الضحية أحد المداخل الذهبية بالنسبة إلى داعش، كي يعمل عبرها على تلقين وملء أدمغة هؤلاء الشباب بالفكر الأصولي، ويستخدم لهذا الغرض خطاب يضع المسلمين في دور الضحية بشكل مزدوج؛ فهم ضحايا الغرب، المسؤول عن حالة الانحدار في الدول العربية، وهم ضحايا كذلك في المجتمعات الغربية، التي تهمّش وتقصي المسلمين الذين يعيشون بين ظهرانيها.

وإن كان هذا هو الأساس الفكري وراء الخطاب المشار إليه؛ فإنّ المستحدث حقًا هو معرفة داعش كيفية استغلال أجواء العدمية التي تخيّم على بعض هؤلاء الشباب، عن طريق رسائل مُفرّغة، تدّعي أنّها تعرض عليهم تحقيق أحلامهم، التي لم يستطيعوا تحويلها إلى واقع في أوروبا؛ وعود بالمال والحياة المرفّهة، ونساء حسناوات يظهرن في مقاطع فيديو دعائية، بثّها التنظيم الإرهابي، صوّرت هذه المقاطع أيضاً المقاتل الأجنبي، على أنّه شخص قوي يمتلك جسداً ممشوقاً، يحمل الكثير من معايير الجمال الغربية، بشكل يفوق تلك السائدة في مجتمعات الشرق الأوسط، كما طعّم التنظيم رسائله بأنّ المقاتل سيصبح بطلاً في مجتمعه، وأنّه بأفعاله سينال النعيم الأبدي، صورة مشوّشة بالكامل، تُكتشَف حقيقتها فقط حين يصبحون على الأرض.

إلّا أنّ وسائل الإغراء لا تقف فقط عند الصور البديعة أو الجمال الحسّي، بل تمتدّ بالمثل إلى أشياء أخرى، مثل الأناشيد الغنائية، التي تحمل إيقاعاتها وكلماتها وأنغامها تأثيراً يشبه التنويم المغناطيسي؛ بهذه الطريقة، وفي إطار مقاطع فيديو سابقة، يحدث ترويج لحياة هانئة بين جنبات الخلافة.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب، أمّا الهجمات؛ فقد دعا داعش لشنّ اعتداءات بشكل منفرد؛ حيث شجّع التنظيم أنصاره، عبر مجلة "رومية"، إلى نسب مسؤولية هجماتهم إليه، بهدف بثّ الرعب، بالمثل، وفي المجلة نفسها؛ كشف داعش الأسلحة المفضلة بالنسبة إليه، مثل العربات ذات الحمولة الضخمة والسكاكين، مما يجعل من الصعب على أجهزة الأمن ليس اكتشاف أمر الإرهابيين فقط، بل وإحداث أثر هائل في الشعوب الأوروبية؛ حيث يصبح كلّ مسلم إرهابياً محتملاً، وهذا بالضبط ما يرمي إليه التنظيم: توليد الشقاق الداخلي في المجتمع لكسر التعايش في الدول الديمقراطية.

لكنّ المواقع الاجتماعية ليست هي الرابط الوحيد؛ فهناك قنوات تقليدية، مثل السجون ومساجد بعينها، تعدّ مراكز تجنيد رئيسة، خاصة للمقاتلين الأجانب؛ فقد شارك الكثير من الذين تعرّضوا لعملية الأصولية فيما بعد في هجمات أعلى من حيث التنظيم بالمتفجّرات وأسلحة من مختلف الأعيرة.
هناك أمثلة عديدة على ذلك، نذكر منها؛ مهدي نموش، مدبّر الهجوم على المتحف اليهودي في بلجيكا، عام 2014، الذي تشبّع بالفكر الأصولي خلال وجوده بالسجن لخمسة أعوام، بعد إدانته بجريمة سرقة، رغم كلّ ذلك ما تزال شبكات التواصل الاجتماعي تأتي في المرتبة الأولى كرابط ووسيلة اتصال بين الإرهابيين.

ومكافحة عمليات تلقين الفكر الأصولي هذه، اقترحت الدول الأوروبية عدة إجراءات؛ ففي إسبانيا، على سبيل المثال، تتمّ مكافحة أيديولوجية داعش بمعقلها، وسائل التواصل الاجتماعي، بدأ الخطاب المضاد يكتسب قوة كبيرة كعنصر ردع فعّال، فعقب نشر أهرام بيريز مقطع فيديو يهدّد فيه إسبانيا، نجح المغرّدون في الفضاء الإلكتروني، عن طريق الاستهزاء والمحاكاة الساخرة، ليس فقط في تجريد المقطع من أيّة أهمية؛ بل أيضاً في إجبار بيريز على عدم نشر أيّ محتوى آخر، ربما لشعوره بالخجل.

هناك طرق أخرى تستهدف السيطرة على العناصر الأصولية بالفعل، ومنها تلك المعتمدة في إيطاليا؛ حيث يخضع السلفيون المتشدّدون لمتابعة الشرطة في كل مرة يسافرون فيها إلى البلاد؛ فقد تتبّعت أجهزة الأمن الإيطالي مغربي الأصل، يوسف زغبة، وتوجّهت إلى المطار لاستقباله؛ بل وتحيّته بحرارة، لكنّها لم تغفل عينيها عنه مطلقاً، وقد تسبّبت هذه الرقابة اللصيقة في رحيله إلى الخارج، وتحديداً لندن؛ حيث تجاهلت السلطات البريطانية توصيات نظيرتها في إيطاليا، ما أعطى الفرصة لزغبة كي يرتكب اعتداء، في حزيران (يونيو) 2017.
إنّ الخبرة الطويلة التي تتمتّع بها إيطاليا في مجال مكافحة الجريمة المنظّمة، تمثّل كنزاً هائلاً لمختلف أجهزة الشرطة في أوروبا، وهناك أمثلة أخرى ناجحة وعديدة لاستئصال التطرّف في أوروبا، وإجراءات متنوعة تتبنّاها دولها، كلّ منها وفق فائدتها من وجهة نظر السلطات المحلية أو السياق الوطني.

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة

دراسة للإرهاب في فرنسا... العدمية والانعزال كعوامل تساهم في استفحال خطر الأصولية

يرى الفرنسيون أضخم فئة من المقاتلين الأجانب الذين انخرطوا، أو ما يزالون نشطين في صفوف داعش؛ فبحسب أحدث إحصائيات حزيران (يونيو) 2018، وصل عددهم إلى 1910 مقاتلين على جبهات الصراع في سوريا ومناطق نزاع أخرى، كما أنّها أكثر دولة غربية تعرّضت لهجمات جهادية وسقط فيها أكبر عدد من الضحايا خلال الأعوام الأخيرة، هناك أسباب متباينة لكل ذلك، ورغم وجود عوامل مشتركة مع دول أوروبية أخرى، إلّا أنّ الحالة الفرنسية، على وجه الخصوص، تتميّز بعناصر ينبغي تسليط الضوء عليها.

كانت شبكات التواصل الاجتماعي، خلال الفترة التالية لعام 2015، هي الوسيلة المفضّلة لتجنيد الإرهابيين المحتملين، وكذا المقاتلين الأجانب

تمتلك فرنسا تاريخاً حافلاً بالهجرة، فماضيها الاستعماري واحتياجاتها في مجال البناء بعد الحرب العالمية الثانية، شجّعا على توافد أعداد كبيرة من المهاجرين، سيما من دول مثل الجزائر والسنغال، أو المناطق التابعة لها في أعالي البحار وأجزاء أخرى، وأدّى عدم توافر أماكن سكنية ملائمة إلى اعتماد الحكومة سياسة بناء انتهت بحدوث فصل عرقي واضح؛ فخلال حقبتي الستينيات والسبعينيات؛ كانت هناك حركة بناء سريعة الوتيرة لأحياء في ضواحي المدن الكبرى، لكن هذه المنازل تفتقر لأبسط التجهيزات، ليحدث نوع من الفصل. لا تعاني القرى الصغيرة والمناطق السكنية والراقية في المدن الفرنسية من هذه المشكلة؛ حيث بالكاد تمكن ملاحظة وجود المهاجرين، لكن في الأحياء الجديدة كان وجود هذه الفئة واضحاً للعيان، ليتجاوز في بعض الأحيان نصف تعداد السكان المحليين، وبمرور الوقت؛ أخذ بعض المهاجرين في اكتساب سمعة سيئة، نظراً إلى ارتفاع معدّلات الجريمة والاشتباك مع قوات الأمن، نتج عن ذلك أنّ المهاجر، لا سيما المنحدر من أصول مغاربية، بات يتعرّض للتهميش وأسبغت عليه ثنائية، عربي ومجرم، فيما اقتصر استخدام مصطلح الضواحي على الإشارة إلى المناطق خارج المدن التي تخرج عن سيادة القانون أو (بونليو).

اقرأ أيضاً: "الإنتربول" يبحث أزمة المقاتلين الأجانب المتسللين بين الدول

لم يستمر هذا المفهوم مع الوقت فحسب؛ بل ساهمت أحداث وخطابات سياسية في تعميق الانقسام الذي استغلته جماعات سلفية في تجنيد أتباع لها، وطوال حقبة التسعينيات؛ انتقل النشاط الإرهابي لـ "الجماعة الإسلامية المسلحة"، من الجزائر إلى فرنسا، بسلسلة من الاعتداءات، أثارت حالة من الهلع بين الفرنسيين، تعرّض الجزائريون، أكبر شريحة من المهاجرين في فرنسا، والذين يسكنون على الأغلب أحياء الضواحي، سريعاً، للوصم بالإرهاب، أما في الوقت الحالي؛ فلم ينتج عن الخطر الداهم الذي تمثّله (الجماعة السلفية للدعوة والقتال)، التي ترتبط بصلات بتنظيم القاعدة والتي كان أغلب رؤوسها قياديين سابقين في (الجماعة الإسلامية المسلحة)، سوى تعزيز حالة العزلة.

اقرأ أيضاً: المقاتلون الأجانب، بين قبضة الأمن وإعادة الإدماج

هناك حدثان مهمّان للغاية أيضاً، من أجل فهم الانفراط الاجتماعي القائم حالياً في فرنسا، التأثير الذي تركته هجمات 11 سبتمبر، والصعود الحثيث لحزب (الجبهة الوطنية) اليميني المتشدّد، الذي بدأ منذ حقبة التسعينيات في تحقيق نسبة لا تقل عن 15% في الانتخابات، ويُعزى استمرار نجاح هذا الحزب إلى الخطاب القومي مع التركيز على رفض المهاجرين والمسلمين، وقد لخّص الزعيم السابق للحزب، جان ماري لوبان، الموقف وقتذاك من وجهة نظره، بعبارة "لدينا مليون عاطل، ومليون مهاجر".

ظلّت حالة الربط بين الهجرة - البطالة وغياب الأمن مستمرّة، وفي ازدياد، وانتشر هذا الخطاب المعادي للإسلام إلى قطاعات واسعة من الخطاب السياسي الفرنسي؛ بل وامتد كذلك إلى سياسيين معتدلين (نيكولا ساركوزي)، الذين لم يستطيعوا سوى إدراج الخطاب الهوياتي ضمن إستراتيجيتهم للانتخابات، تسبّبت كلمات ساركوزي غير اللائقة قبلها بعامين، عام 2005، حين كان ما يزال وزيراً للداخلية، عندما دعا لتطهير الأحياء الفرنسية من "الحثالة"، في خلق مناخ متوتّر أفضى في النهاية إلى أعمال عنف دامية بنهاية العام نفسه.

اقرأ أيضاً: غوانتانامو.. هل سيكون معتقل الداعشيين الأجانب؟

كانت هذه هي الأجواء الاجتماعية التي عاشتها فرنسا قبل بدء أولى الهجمات الإرهابية، على يد القاعدة أولاً، ثم داعش فيما بعد، لكن لا يسعنا إجراء تحليل سطحي عن طريق وضع الجناة في موقف الضحية، خاصة أنّ تصاعد الإرهاب الجهادي والسلفي بفرنسا جاء إثر انقسام بين الأجيال؛ لذا فأعمال الشغب العنيفة، التي وقعت عام 2005، لم تكن سوى عرض آخر لمشكلة مجتمع يعاني انقساماً تستغلّه التيارات الأكثر تشدّداً من الإسلام للتغلغل أكثر في البلاد؛ فمنذ العام 1996 تواجه فرنسا ظاهرة واضحة بجلاء؛ ألا وهي تفشّي الأصولية بين فئتين من الشباب: هؤلاء الذين ينتمون للجيل الثاني، وهم الأكبر عدداً، والمتحوّلون للإسلام، لا وجود للأصوليين تقريباً من الجيل الأول، كما لم تظهر، حتى الآن، أيّة بوادر أصولية بين أبناء الجيلين الثالث والرابع.

اقرأ أيضاً: الأكراد يرفضون محاكمة زوجات الجهاديين الأجانب

ترتبط الأصولية الإسلاموية في فرنسا، مثلما هو الحال في أوروبا عموماً، بشعور الانتماء، وهو نوع من أن يصبح المرء مسلماً أكثر من والديه نفسهما، والسعي نحو الوصول إلى اللبّ الأكثر "نقاء" من الإسلام، ما يُترجم في الحقيقة إلى التوجّه نحو الإسلام الراديكالي والعنف، ورغم تأثير الإسلام السياسي بفرنسا، إلّا أنّ عدداً قليلاً فقط من الإرهابيين، كان لهم باع ديني طويل، وينحدر الإرهابيون عادة من عائلة مفكّكة، مثل "مراح"، أو تورّطوا في مشكلات مع القضاء حين كانوا مراهقين، مثل كوليبالي ونموش، أو حتى في فترة شبابهم، مثل الأخوة كواشي، فترات عصيبة في الماضي لكنها نائية تماماً عن الإسلام الأصولي.

ويأتي الكثير من هؤلاء من أحياء خارج محيط المدن الكبرى؛ حيث توجد مشكلات وجرائم، كما أنّ ميولهم قبل الانزلاق نحو الأصولية حسبما تكشف حساباتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي إعجابهم بالنساء والمشروبات، كما أنّ العنف المهيمن على الأحياء المهمّشة التي يعيشون فيها، يظهر أيضاً ضمن اهتماماتهم، وهو ما انعكس في تحوّل شخصيات، مثل القاتل الشهير جاك مسرين، الذي أصبح خلال عقد الثمانينيات العدو الأول للدولة الفرنسية، أو فيلم "الوجه ذو الندبة"، بطولة آل باتشينو، إلى أيقونات بالنسبة إلى هؤلاء الشباب، تأثّر الجانب الأعمّ من الأصوليين بهذه الشخصيات أكثر من الإسلام نفسه، قرأ محمد مراح، على سبيل المثال، قبل تنفيذ هجماته قصة فيلم "الوجه ذو الندبة".

لكن كلّ هذا العنف، حتى مع إضافة التشويه والانقسام الاجتماعي، لا يقدم وحده تفسيراً لاعتناق الأفكار الجهادية؛ بل ثمة عوامل تزيد خطر الأصولية، إنّها الموجة العاتية التي تستغلّها التنظيمات الإرهابية، كانت القاعدة أولاً، ثم تلاها داعش، في تجنيد الإرهابيين والمقاتلين؛ لذا تبرز الحاجة الماسة إلى تحليل الوضع وفهمه من أجل صياغة سياسات متوسطة وبعيدة المدى، تسهم في الحدّ من مخاطر الأصولية، كما أنّه، انطلاقاً من الأحداث السابقة، يمكننا تفهّم الرقم المرتفع من المقاتلين الأجانب ذوي الجنسية الفرنسية، حتى لو كان مسلمو فرنسا هم الأكبر عدداً على مستوى أوروبا، بيد أنّ ذلك لا يفسّر، في حدّ ذاته، ما وراء الأرقام المرتفعة. المعدّلات النسبية مطّردة هي الأخرى؛ فمن بين كلّ مليون مسلم، أو شخص ينحدر من جذور مسلمة في فرنسا، تحوّل 334 فرداً إلى مقاتلين أجانب، مقابل 173 في إسبانيا، و45 في إيطاليا.

لذا؛ من الضروري للغاية الانتباه إلى أنّ إدماج هؤلاء الشباب والحوار بين الأجيال أمران لا غنى عنهما، للحدّ من عدد الذين يتعرّضون لعملية الأصولية، وبالتالي تقليص احتمالات وقوع اعتداءات، وقد بدأت سلطات عدة دول أوروبية بالفعل تلتفت إلى أنّ إعادة الإدماج عنصر رئيس، فضلاً عن العمل على التقارب مع العائلات، ومنحها دعماً نفسياً ودينياً ومدنياً.

اقرأ أيضاً: هل يعود الأطفال الجهاديون الأجانب إلى أوطانهم؟

على أنّ الحالة الفرنسية تتضمن عوامل خطر أخرى أكثر تفرّداً؛ فالجانب الأكبر من عناصر داعش تعرّفوا داخل السجن أو الحي الذي يقطنون به، أو المسجد، أو على الشبكات الاجتماعية، إلى مقاتل سابق، أو رجل دين سلفي أصولي، أقنعهم باتخاذ خطوة في ذلك الاتجاه، وتعدّ حالة السجون الفرنسية نموذجاً مثيراً للجدل؛ فـ 60% من النزلاء هم مسلمون، والكثير منهم يعتنق الفكر السلفي، ويسهّل وجودهم إجراء الاتصالات المطلوبة لتنفيذ رحلتهم إلى الأراضي التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش، وإزاء ظاهرة الأصولية في السجون، اتخذت الحكومة الفرنسية بعض الإجراءات المتّبعة في دول أخرى، ويشهد سجن (فرسن) بمقاطعة فال دو مارن، منذ عام 2015، تطبيق مشروع يهدف للحيلولة دون تجمّع السجناء المصنّفين بـأنهم (أصوليون إسلاميون) في مكان واحد، مع مراقبتهم وإبقائهم معزولين عن باقي المحبوسين، فضلاً عن إيداع النزلاء الأشدّ خطورة بزنازين انفرادية.

اقرأ أيضاً: هل أوقفت هزائم داعش انضمام المقاتلين الأجانب إلى التنظيم؟

ختاماً: إنّ حالة فرنسا تكشف بوضوح مؤشرات مهمّة في الحرب ضدّ ديناميكيات الإرهاب الدولي الجديد؛ فبلاد الغال باتت نقطة انطلاق للمقاتلين الأجانب، فضلاً عن أنّها ساحة خصبة كي يبثّ فيها تنظيم مثل داعش إرهابه، خاصة مع هزيمته في آخر معاقله بسوريا، والتخوّفات من تحرّكاتهم بعد عودتهم إلى بلادهم، لا سيما في ظروف أكثر تعقيداً، مثل الحالة اللبنانية، التي أظهرت أنّ المقاتلين العائدين قد ينخرطون مجدّداً في صفوف تنظيمات أصولية، على المستويين المتوسط والبعيد.


المصدر: تحليل لميجل فريرو، الباحث بالمعهد الإسباني للدراسات الإستراتيجية

اقرأ المزيد...

الوسوم: