شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين

أجرى الحوار: ماهر فرغلي وصلاح الدين حسن


قال مفتي الديار المصرية الشيخ شوقي علام، إنّ التنظيمات الإرهابية بعيدة كلّ البعد عن الاختلافات الفقهية وإنّ كل ما تبغيه تحقيق أهداف سياسية لا أكثر من الفتاوى "المضللة" التي تستند إليها. وأشار إلى أنّ دار الإفتاء المصرية لجأت إلى وسائل التقنية الحديثة لرصد تلك الفتاوى وتفنيدها والردّ عليها، مؤكداً، في حواره مع "حفريات"، أنّ المواجهة مع الفكر الذي تحمله تلك التنظيمات أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن يكون التطرف عدوّاً مخفيّاً؟ وكيف تتسلّل الكراهية للثقافة والتعليم؟
وأضاف أنّ علينا أن "ننظر إلى التراث الإسلامي باستثناء الكتاب والسنّة باعتباره عملاً تراكمياً مقدَّراً لكنّه ليس مقدساً"، مشدداً في هذا السياق على أنّ كثيراً من الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى "غربلة والكثير منها يتصف بالكذب ويروِّج للشائعات"، داعياً في تجديد الخطاب الديني إلى التركيز على القضايا التي استند إليها الفكر المتشدد لتصدير الوجه المسيء للإسلام والمسلمين.
وهنا نصّ الحوار:
مواجهة الفكر المتطرف

التنظيمات المتطرفة بعيدة عن الاختلافات الفقهية وكل ما يهمها تحقيق أهداف سياسية
تدَّعي التنظيمات المتطرفة أنّ وجودها من باب خلاف التنوع، وأنّ غياب الشريعة يستدعي وجودها الآن، ما رأي فضيلتكم في ذلك؟

تلك التنظيمات تختزل الشريعة الإسلامية في الحدود، مع اتساع الشريعة لكافة شؤون الحياة، واختصار الشريعة في فكرة تطبيق الحدود فقط أمر مرفوض؛ فالشريعة الإسلامية جاءت ضابطة لكل أمور الحياة وسلوك البشر.
والإسلام أول من أرسى القواعد والأحكام والمبادئ التي تنظِّم العلاقات بين الفرد والمجتمع، وكان من أهمها مبادئ العدالة الاجتماعية، التي اقترن ميلادها بميلاد شريعة سيد الخلق، صلى الله عليه وسلم، بما تحمله من معانٍ وقيم سامية للجميع، سواء كانوا مسلمين أم غير مسلمين، حتى ينعم المجتمع كلّه بالعدل والسلام والمحبة والإخاء.

هل يمكن أن نعدّ اختلافات تلك التنظيمات اختلافات فقهية؟
هذه التنظيمات بعيدة كلّ البعد عن الاختلافات الفقهية؛ فهي في حقيقة الأمر تبتغي تحقيق أهداف سياسية لا أكثر، وتتخذ من تلك الادعاءات وسيلة لتحقيق غايتها، والاختلاف الفقهي للعلماء منطقة واسعة، ولو أُخذ بالمعايير المنضبطة فسيكون فيه رحمة للأمة، أما لو أُخذ بمنهج آخر إقصائي، فإننا سنكون في مشكلة عويصة، ولعلنا نعاني من ذلك حالياً، كما يجب إخضاع الاجتهاد والنظر والتقليد في الفقه والإفتاء والقضاء للقواعد، والضوابط الفقهية الدقيقة والمنضبطة عبر الأجيال والعصور، بما يعصم الأمة من التخبط والفوضى، ويسهم في المحافظة على الهوية والاستقرار.

اقرأ أيضاً: هل نؤمن حقاً بالاختلاف؟ ومتى نتحرر من مرض التطرف؟
الاختلاف الفقهي في الأحكام موجود منذ عهد الرسول، صلى الله عليه وسلم، والفيصل هو الإدارة الحسنة للخلاف، وهي ما ينبغي الاقتداء بها لحل الخلاف الآن.

كيف ترون سبل مواجهة أصحاب الفكر المتطرف في ظل من يعتبر أنّ الأولوية للمواجهة الأمنية؟

المواجهة أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول، والأجدى هو تضافر كافة الجهود؛ فالتعاون في مواجهة التطرف والإرهاب أمر بالغ الأهمية، خاصة أنّ التطرف لم يعد مقتصراً على منطقة بعينها، لكنه أصبح عابراً للحدود ويجتاح العالم بأكمله، كما أنّ تعزيز المسؤولية المجتمعية يعد معياراً مهماً ومؤشراً على تطور المجتمع ونموه، وهي مهمة يجب أن تقوم بها المؤسسات التثقيفية والتعليمية المسؤولة عن تنشئة المجتمع، خاصة فئة الشباب.

الإسلام أول من أرسى القواعد والأحكام التي تنظِّم العلاقات بين الفرد والمجتمع ومن أهمها مبادئ العدالة الاجتماعية

وفي هذا الشأن؛ بذلت دار الإفتاء جهوداً كبيرة في تفكيك الأفكار المتطرفة على كافة المستويات، منها الفضاء الإلكتروني، الذي أصبحت الدار رائدة فيه؛ حيث بلغ عدد متابعي الصفحة الرئيسة للدار على موقع فيسبوك أكثر من 7 ملايين و200 ألف متابع.
وقد قام فضيلة المفتي بجولات خارجية مهمة، وعقدت الدار دورات تأهيل للمفتين وأئمة المساجد من أجل إعدادهم لمواجهة التطرف، وتم تخريج دفعتين من أئمة بريطانيا مؤخراً، بعد تدريبهم في دار الإفتاء، كما أصدرنا مجلة "Insight" التي أُطلقت قبل أعوام للردّ على مجلة "دابق"، و"رومية"، التي يصدرها تنظم داعش الإرهابي باللغة الإنجليزية.
هذا فضلاً عن مراكز الدار البحثية التي تعمل على تفنيد الأفكار المتطرفة، ورصد الفتاوى والأفكار الغريبة للتنظيمات المتطرفة، إضافة إلى التواصل المباشر مع الشباب من خلال المجالس الإفتائية التي تعقدها الدار بشكل دوري في مراكز الشباب، على مستوى محافظات الجمهورية، بالتعاون مع وزارة الشباب، وعلى كافة أفراد المجتمع أن يتعاونوا مع أجهزة ومؤسسات الدولة في مواجهة جماعات التطرف والإرهاب، والتصدي لها فكرياً ومعنوياً وأمنياً.

بعدما صارت الفتوى أداة في يد الإرهابيين؛ ما هي الجهود المبذولة للحيلولة دون استغلالها لصالح هذه الجماعات؟
اتبعنا في دار الإفتاء المصرية عدداً من وسائل التقنية الحديثة، لرصد تلك الفتاوى وتفنيدها والردّ عليها، ويعدّ المؤشر العالمي للفتوى الذي أطلقته الدار خلال مؤتمرها العالمي الأخير، في طليعة تلك الوسائل؛ فالمؤشر الذي تنفذه وحدة الدراسات الإستراتيجية بالأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، يهدف في الأساس لتبيان حالة الفتوى في كلّ دائرة جغرافية، وَفق أهم وأحدث وسائل التحليل الإستراتيجي والإحصائي؛ للمساهمة في تجديد الفتوى من خلال الوصول إلى مجموعة من الآليات الضابطة للعملية الإفتائية.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
كما يُعدّ المؤشر العالمي للفتوى بمثابة الآلية و"الترمومتر" الذي يعيد الفتاوى غير المنضبطة الخارجة عن المسار الصحيح إلى سياقها المنضبط وطريقها القويم، حتى لا تظهر خطابات إفتائية، متشددة أو منحلَّة، تكون بمنأًى عن الحضارة الإسلامية السمحة عبر كلّ زمان ومكان.
وقد اعتمد المؤشر آليات تحليل إستراتيجية حديثة، وأدوات التنبؤ المستقبلي، والاستباقية، وتقويم الحالة الإفتائية من جوانبها المختلفة؛ لذا يقدم عدة نتائج وتوصيات شديدة الدقة والأهمية لكافة العاملين بالمجال الإفتائي، كما أنّه لا يغفل التوصيات الخاصة بكافة ما يحيط بالحقل الإفتائي، سواء كانت إعلامية أو نفسية أو غيرها.

دور المؤتمر العالمي للإفتاء

دار الإفتاء بذلت جهوداً كبيرة في تفكيك الأفكار المتطرفة
كيف يختلف المؤتمر العالمي للإفتاء عن أيّ جهد سابق لمواجهة الفتاوى المتشددة؟

المؤتمر يأتي بمثابة أداة إعلامية ودينية مكملة لأدوات الدار في مواجهة حالة التشدد وفوضى الفتاوى التي نعيشها، فكلّ عام يأتي المؤتمر لمناقشة قضايا علمية ومنهجية وحياتية مهمّة، تضيف لأمة الإسلام بشكل عام، والعاملين بالمجال بوجه خاص، معطيات ونتائج جديدة، كما يشتمل على توصيات وأطروحات في سياق العديد من المجالات المتسقة والمتعلقة بحياة المسلمين وإشكاليات الوقت الحاضر، لعلنا نلقي حجراً في المياه الراكدة.

أطلقتم مؤخراً منصة "هداية"؛ ما هي الغاية منها خاصة في مجال تجديد الخطاب الديني؟
لدينا منصة "هداية"؛ التي أعلن عن انطلاقها خلال المؤتمر العالمي الأخير لدار الإفتاء، وتهدف إلى المشاركة الفاعلة في تجديد الخطاب الديني وتنويع أساليبه، بتقديم الدعم المعرفي والسلوكي للناس كافة في صورة فائقة الجودة، كما تسعى لتقديم محتوى يحمل علوم الإسلام وأحكامه وقيمه، بأسلوب يتفق مع التطور التكنولوجي المعاصر، وعلى أسس علمية وتربوية صحيحة.

اقرأ أيضاً: المواجهة مع التطرف.. هل هي صراع بين الكراهية والمحبة؟
كما تسعى لتقديم محتوى يحمل علوم الإسلام وأحكامه وقيمه، بأسلوب يتفق مع التطور التكنولوجي المعاصر، وعلى أسس علمية وتربوية صحيحة، كما تهدف إلى محاربة الأفكار المتطرفة والهدامة، وتعمل على تحويل الردود العلمية المنهجية إلى صور وبرامج إلكترونية متقنة، تتناسب وثقافة العصر وأدواته، وكذلك ترد على أوهام وأكاذيب الجماعات الإرهابية، وشبهات وضلالات أصحاب الأفكار المنحرفة، بالدليل والحجة والبرهان، وإزالة رواسب الأعمال الإرهابية التي قاموا بها، بدعم قنوات التواصل والحوار والتعاون مع الآخرين.

هل ترى دار الإفتاء محاورة أصحاب الفكر المتطرف في السجون أمراً ممكناً؟

المراجعات أمر مهم عند ثبوت فشل تلك التنظيمات فكرياً، وهناك عدد من الضوابط الحاكمة للمراجعات، وأهمها التأكيد على أنها تمثل إعمالاً للشرع والقانون وليست إهمالاً له، خاصة فيمن تورطوا في أعمال إجرامية، ودرءاً للفتنة، وليس وقوعاً فيها، وعودة لصحيح الدين ودعوته الصافية النقية، والجمع بين الفتوى والجدوى التي تخاطب الاعتبارات العملية، وأن تمثل المراجعات كذلك ظاهرة مجتمعية تصب في عافية المجتمع وارتقائه ونهوضه، ولا تقف عند حدود التبرير والاعتذار، وهو الأمر الذي قد يفقدها المصداقية والحجية لدى فئات المجتمع.
ومن ثم؛ إنّ مراجعة تلك العناصر واجبة للحفاظ على أمن المجتمع، ومنع الأفراد من الانجراف نحو الفكر التكفيري العنيف، الذي ميز الجماعة في الفترة الماضية، وأنا أشدّد على أهمية أن تكون المراجعة شاملة للفكر والممارسة على السواء.

وُصف بيان دار الإفتاء عقب تنفيذ أحكام الإعدام بقضية النائب العام السابق حاسماً وقوياً؛ لماذا أصرّت الدار على إصدار هذا البيان؟

جماعة الإخوان لم تقدم لمصر طيلة تاريخها سوى الخراب والدمار باسم الدين، والقتل وتزييف الحقائق، ولم يقدّموا عبر تاريخهم أيّ منجز حضاري يخدم وطنهم أو دينهم.

اقرأ أيضاً: المثقف والفقيه.. هل من قطيعة بينهما؟ وكيف يمكن أن يواجها التطرف؟
وكما أكدنا في بياننا الصادر ضدهم؛ فهؤلاء العناصر "الدين مطيتهم، والكذب وسيلتهم، والنفاق صناعتهم، والقتل هوايتهم، والإرهاب طريقتهم، والشباب ضحيتهم، وإبليس قدوتهم، وتمزيق الأوطان هدفهم، والسياسة غايتهم"، ومهما بلغوا من إجرام فلن يثنينا ذلك عن مقاومة شرهم وجهاد عدوانهم، وفضح كذبهم وتفنيد ضلالهم.
استغلال التقنيات الحديثة

الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي بحاجة إلى غربلة
كيف ترى إمكانية مواجهة استخدام المتطرفين لمواقع التواصل الاجتماعي؟

الأفكار المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي في حاجة إلى غربلة؛ حيث إنّ الكثير منها يتصف بالكذب ويروِّج للشائعات، لكن يوجد بها أيضاً كثير من الإيجابيات التي ينبغي الاستفادة منها، وتجب متابعة الأبناء على وسائل التواصل الاجتماعي، ليس من باب فرض سيطرة الآباء على الأبناء، لكن من باب مشاركة الأبناء في هذه الأفكار لحمايتهم وتوجيههم نحو المعلومات والأفكار الصحيحة.

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
كما أنّ الدراسات المتخصصة التي فحصت مواقع التواصل الاجتماعي، وجدت أنّ كثيراً من الناس قد جعلوها منصّة لنشر محتويات كاذبة، دون التأكد من صحة ما تحتويه، ودون البحث في تبعات وآثار نشرها على السلم العام والأمن والاقتصاد؛ بما يعمل على زعزعة فكر الناس ووعيهم؛ لذا ينبغي غرس المسؤولية في نفوس أبنائنا، خصوصاً عند تعاملهم مع الفضاء الإلكتروني.

مسألة الإحاطة بالواقع وتوافق الفتوى مع البيئة ضرورية لاستنباط الأحكام؛ ما الدور الذي تضطلع به دار الإفتاء في هذا الشأن؟
قضية التجديد في الفتوى أمر بالغ الأهمية، خاصة مع الظرف الحالي الذي تعيشه الأمة الإسلامية، والمؤسسات الدينية، وفي مقدمتها: الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، جميعها تأخذ على عاتقها مشروعات التجديد وتصحيح المفاهيم لحماية المجتمع من الجماعات الظلامية، التي خرجت عن المنهج السليم للإفتاء، وآمنت بأفكار شاذة مغلوطة، وتغولت على التراث دون امتلاك وإحكام مفاتيح العلوم، وقواعد الفهم الصحيح والمنهج السديد، وأعرضت عن أهل العلم الثقات من العلماء العاملين، الذي نقلوا العلم بالإسناد المتصل إلى سيدنا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، فضلاً عن جهل هذه الجماعات الشديد بالواقع الذي نعيش فيه، وإهمال إدراكه إدراكاً صحيحاً، وفهم التغيرات التي تطرأ على المجتمعات والثقافات نتيجة حركة التطور المعرفي والحضاري.

اقرأ أيضاً: التطرف.. بين "كمون وظهور"
وفي هذا الشأن حرصت دار الإفتاء على أن يأتي مؤتمرها الدولي الأخير، الذي عقد في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، رافعاً عنوان قضية "التجديد في الفتوى بين النظرية والتطبيق"، وقد وُفقنا خلالَه، بحمد الله، بمناقشة العديد من القضايا العصرية المهمة، وخرجنا بمجموعة من التوصيات، نعمل على تنفيذها حالياً بالتنسيق مع أعضاء الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم.

ضوابط الإفتاء

مواجهة أصحاب الفكر المتطرف أصبحت مسؤولية مجتمعية في المقام الأول
ما الحد الفاصل بين من يتصدى لإصدار الفتوى العامة والخاصة؟

الفتوى العامة هي التي تمسّ أمور المسلمين عموماً، ويجب أن يُمنع أي شخص يريد أن يفتي فيها منفرداً؛ لأنّ خطورتها كبيرة، وينبغي أن تكون الفتوى فيها عن طريق المجامع والهيئات الرسمية، أما الفتوى الخاصة؛ فهي إما أن تكون من المسائل التي بُحثت سابقاً من قِبل أهل العلم، ودُوِّنت الأحكام فيها، وإما أن تتعلق بالمسائل النازلة التي حدثت في هذا العصر، ولم يسبق أن بحثها العلماء قديماً، وفي جميع الأحوال؛ أمر الإفتاء له ضوابط ولا يجوز لأيّ شخص إصدار الفتاوى دون تأهيل وضوابط.

لكن هناك من يقول إنّ وقف الفتوى على أشخاص بأعينهم نوع من الكهانة الجديدة؛ كيف تواجهون هذا الزعم؟
هذا زعم خاطئ، فكيف السبيل إلى القضاء على فوضى الفتاوى التي خرجت علينا ممن يجهلون بقواعد الفتوى وضوابطها، إلا بتحديد أسماء بعينها مؤهلة للتحدث في أمور الفتوى؟! وفي رأيي؛ إنّ تحديد الأزهر الشريف ودار الإفتاء لقائمة الخمسين قد حدَّ كثيراً من هذه الظاهرة.

رأينا كيف استغل المتشددون المساجد للترويج لأفكارهم؛ هل توجد توافقات بين دار الإفتاء والأوقاف لنشر الفكر الوسطي ومواجهة عشوائية الفتاوى؟
المؤسسات الدينية تعمل وفق منهج واحد، ورسالتها واحدة؛ هي القضاء على فوضى الفتاوى، وإيصال رسالة الأزهر الشريف للجميع، في الوطن وفي كلّ بقاع الأرض.

أطلقنا قبل أعوام مجلة "Insight" للردّ على مجلة "دابق" و"رومية"، التي يصدرها تنظم داعش بالإنجليزية

وجميعها يعمل في تكامل وتناغم معاً في نشر صحيح الدين، فعلى سبيل المثال؛ إصدار الفتوى يتم وفق المنهج الأزهري القائم على مراعاة المآلات والأحوال والعادات والتقاليد التي تتفق والشرع الشريف، وكذا إدراك الواقع، وهو ما يفتح باب الاجتهاد أمام علماء الأزهر ودار الإفتاء للتفاعل مع قضايا الأمة، بما يعود عليها بالنفع، ويناسب العصر، ويسدّ الباب أمام الفتوى المتطرفة والشاذة، والفتوى بها، علاوة على كونها مستمدة من منهج الأزهر الشريف؛ فهي أثناء التكييف الفقهي للمسألة تبحث في الوقائع بصورة متخصصة، إضافة إلى التنقل بين المذاهب الفقهية المعتمدة، مع دراسة الواقع ومآلات الفتوى؛ لأجل الوصول إلى حكم شرعي صحيح يراعي الزمان والمكان والعوائد والأحوال.

ازداد الحديث مؤخراً عن تجديد الخطاب الديني؛ هل توافق فضيلتك على المصطلح؟ وكيف ترى التجديد ووسائله؟
تجديد الخطاب يحتاج إلى تكاتف الجميع، على حدّ سواء، ومن أهم القضايا التي يجب الالتفات إليها وبيانها عند تجديد الخطاب الديني؛ تحديد القضايا التي استند إليها الفكر المتشدد في تصدير الوجه الدموي المفتري على الإسلام والمسلمين، في الداخل والخارج، مثل قضية الجهاد بمفهومه الصحيح، الذي يحافظ على الإنسان ما دام لم يعتدِ على الفرد أو المجتمع، أو القانون الذي يحكم علاقاتهم ويرفع النزاع من بينهم.

المؤتمر العالمي للإفتاء بمثابة أداة إعلامية ودينية مكملة لأدوات الدار في مواجهة التشدد وفوضى الفتاوى

وقضية التجديد ترتبط ارتباطاً وثيق الصلة بتفكيك الفكر المتطرف وكشف ضلاله وفساده، لتحصين شبابنا ومجتمعاتنا من شرّ هؤلاء جميعاً.
وفي سبيل ذلك علينا أن ننظر إلى التراث الإسلامي، باستثناء الكتاب والسنّة، باعتباره عملاً تراكمياً محترماً، لكنّه ليس مقدساً، بمعنى أننا نستفيد من مناهج السلف الصالح فيه، لأنها مبنية على اللغة والعقل وقواعد تفسير النصوص، ولكن في نفس الوقت لا نلتزم بمسائلهم التي ارتبطت بسياق واقعهم وقتها، فالمشكلة الكبرى عند ذوي الفكر المتشدّد والمنحرف؛ أنهم يحاولون توسيع دائرة الثوابت بغير حقّ، حتى يضيق على الناس دينهم ودنياهم، فيسهل عليهم تبديعهم وتفسيقهم وصولاً إلى تكفيرهم؛ بل ينحرف فكرهم إلى استباحة دمائهم.
والمنهج الأزهري الوسطي الذي تتبنّاه دار الإفتاء المصرية، يقف على الطريق الوسط بين هؤلاء وأولئك، كما أنّ واجب الوقت يقتضي منا الآن أن نحدد المفاهيم الدائرة فيما هو قطعي وما هو ظني؛ ليظلّ المجتمع المصري المتدين بطبعه على وسطيته المعهودة منه عبر التاريخ.

ما رأي فضيلتكم في قضية الطلاق الشفهي؟
عقد الزواج وجد بيقين، وذلك بحضور الأهل والمأذون والشهود والناس، وهذا العقد لا يرفع إلا بيقين، بمعنى أنه يجب أن نتيقن أن هذا الزوج قد تلفظ بالطلاق، قاصداً إنهاء العلاقة الزوجية بلفظ ونية صريحَين؛ لذلك لا نجيب في دار الإفتاء المصرية عن مسائل الطلاق إلا بحضور الزوج إلى الدار للتحقق من أنّ هذا الزوج بالفعل قد قصد الطلاق.
هناك من يرى أنّ الفتوى تعاني تشتتاً على المستوى الرسمي بين الدول العربية والإسلامية، هل ثمة تكامل بين المؤسسات الدينية في هذا الشأن؟

بالطبع هناك تكامل، ولعلّ الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء بالعالم، التابعة لدار الإفتاء المصرية، تقوم بدور عظيم في هذا الشأن، من حيث التنسيق وفتح قنوات اتصال مع المؤسسات الدينية بالخارج.

الفتوى العامة تمسّ أمور المسلمين عموماً ويجب أن يُمنع أي شخص يريد أن يفتي فيها منفرداً

تضمّ الأمانة عدداً كبيراً من الدول الأعضاء، ونقوم من خلالها بالتنسيق بين دُور الفتوى والهيئات الإفتائية العاملة في مجال الإفتاء في أنحاء العالم، بهدف رفع كفاءة الأداء الإفتائي لتلك الجهات، مع التنسيق فيما بينها لإنتاج عمل إفتائي علمي رصين، ومن ثم زيادة فعاليتها في مجتمعاتها حتى يكون الإفتاء أحد عوامل التنمية والتحضر للإنسانية، وترسيخ منهج الوسطية في الفتوى، وتهدف الأمانة إلى تبادل الخبرات العلمية والعملية والتنظيمية بين دور وهيئات الإفتاء الأعضاء، وتقديم الاستشارات العلمية والعملية لها، لتنمية وتطوير أدائها الإفتائي، وتقليل فجوة الاختلاف بين جهات الإفتاء من خلال التشاور العلمي بصوره المختلفة.

ترسيخ قيم المواطنة والعيش المشترك

تكاد مخرجات حوار الوحدة الوطنية تنحصر بالبيانات المشتركة عن قيم العيش المشترك، وما هي جهود دار الإفتاء في هذه المسألة؟

دار الإفتاء المصرية بذلت الكثير من الجهد من أجل ترسيخ قيم المواطنة وتعزيز العيش المشترك بين أبناء الوطن الواحد؛ وذلك من خلال الفتاوى التي تحثّ على حسن معاملة جميع الخلق، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو النوع أو اللون.

ليس ذلك فحسب؛ بل دار الإفتاء المصرية عضو مؤسس في "منصة الحوار والتعاون بين القيادات والمؤسسات الدينية المتنوعة في العالم العربي"، وهي منصة إقليمية أطلقت في شهر شباط (فبراير) 2018، وتعدّ الأولى من نوعها في العالم العربي التي تعمل من خلالها القيادات والمؤسَّسات الدينية، الإسلامية والمسيحية، ونشطاء الحوار في المنطقة، بالتعاون لتعزيز ثقافة الحوار والعيش المشترك، وبناء التماسك الاجتماعي في المنطقة، انطلاقاً من أسس المواطنة المشتركة.

علينا أن ننظر إلى التراث الإسلامي باستثناء الكتاب والسنّة باعتباره عملاً تراكمياً مقدَّراً لكنّه ليس مقدساً

وشاركت دار الإفتاء المصرية مع منصة الحوار في تطوير العديد من البرامج الهادفة على أرض الواقع، لدعم مسيرة التعايش وبناء السلام وتعزيز التماسك الاجتماعي السلمي والمواطنة المشتركة؛ لتندرج تحت أعمالها برامج بناء القدرات في مختلف المجالات، منها: "برنامج وسائل التواصل الاجتماعي كمساحة للحوار"، و"برنامج الزمالة العربية في مجال الحوار، و"شبكة الكليات والمعاهد الدينية الإسلامية والمسيحية في العالم العربي"؛ لتنمية قدرات المعلمين والفاعلين في مجال تعزيز تعليم ثقافة الحوار بين أتباع الأديان والثقافات، وإطلاق أسبوع الحوار.
‏ومنذ إطلاقها؛ تم تنفيذ عدة مشاريع ومبادرات شاركت فيها الدار مع منصة الحوار والتعاون الإقليمية بين القيادات والمؤسسات الدينية في العالم العربي، لصياغة وتنفيذ حزمة من المشاريع والبرامج، الهادفة إلى: تعزيز التواصل بين القيادات والمؤسسات الدينية والفاعلين في الحوار، وتنسيق الجهود للتصدي للتحديات التي تواجه المجتمعات العربية، وتمتين العلاقة بين الأفراد والقيادات والمؤسسات الدينية وصانعي السياسات، على الأصعدة الوطنية والإقليمية والدولية؛ من أجل تحقيق الأهداف الإنسانية الواردة في هذه الوثيقة؛ وتطوير خطط عمل وبرامج نوعية تساهم في تعزيز التعايش السلمي، ودعم المواطنة المشتركة على الصعيدين المحلي والإقليمي؛ وتزويد القيادات الدينية ومؤسساتها والفاعلين في الحوار بما يلزم لدعم الحوار بين الشعوب وتعزيز قدراتها وأداء رسالتها.

اقرأ أيضاً: الخرباوي: التطرف لا يمكن مواجهته بتطرف علماني مماثل
كما شاركت الدار في أسبوع الحوار، الذي أقيم في عمان، بمشاركة 50 مشاركاً ومشاركة من 13 دولة مختلفة، وكان حول مفاهيم خطاب الكراهية والتماسك المجتمعي، وتعزيز الخطاب المعتدل الذي يكرس مبادئ الحوار واحترام الآخر، والتعريف بأهميته وآليات تطبيقه؛ ونشره كثقافة وأسلوب حياة يومي لحلّ المشاكل التي يعاني منها الشباب والمجتمعات على مختلف الأصعدة والمستويات.

الأقسام: