راسبوتين.. الراهب الغامض الذي سرّع بنجاح الثورة الشيوعية

11084
عدد القراءات

2018-11-04

مع حلول القرن العشرين، برز في تاريخ روسيا اسم رجل شغل المؤرخين أعواماً طويلة، وما يزال يحيّر الباحثين حتى اليوم، فكتبت فيه مؤلفات أكثر من أي قائدٍ أو بطلٍ روسي حتى ممن برزوا بعد قيام الثورة البلشفية؛ لأنّه سوف يختصر من خلال شخصيته الغامضة، حالة روسيا قبيل اجتياح الشيوعية لها بوقت قصير.

إنه راسبوتين، القادم من طبقة الفلاحين وبيوتهم الرثة في سيبيريا، ليقيم في قصر قيصر روسيا نيقولاي الثاني، ليصبح رجله الأول وموضع ثقته، ويرغم الدور الكبير الذي لعبه والسلطة التي حازها لدى الأسرة الحاكمة، إلا أنّه ظل سراً غامضاً حتى اليوم؛ هل كان رجل دين، أم دجالاً، أم مجرد صاحب وجهٍ قاسٍ وعينين مرعبتين، يجيد التنويم المغناطيسي ويطارد النساء، مستغلاً الأيام الأخيرة للحكم القيصري في روسيا، فما هي حكاية هذا الرجل؟

رسالةٌ من الله

قبل أن تطفو جثته على سطح نهر "نيفا" بسبعة وأربعين عاماً، ولد غريغوري راسبوتين العام 1869 في قرية "بوكروفسكوي" بسيبيريا. تحيطه بيئة محافظة للفلاحين، وأحوالٍ جويةٍ قاسية، ساهمت في فقدانه لأفراد عائلته واحداً تلو الآخر.

تكشف تقارير حديثة أنّ المخابرات البريطانية ربما قتلت راسبوتين لدعواته إلى إيقاف الحرب الروسية ضد الألمان

ووفقاً لكتاب "راسبوتين وسقوط القياصرة"، لكولن ولسن، فإنّ "والدته توفيت في حريق منزلهم، أما شقيقته وشقيقه، ومن قبلهما والده، توفوا بسبب التهاباتٍ رئوية حادة".

ويشير ولسون، إلى بيئة راسبوتين الفلاحية "شأنها شأن معظم الريف الروسي، إذ تفيد جميع الدراسات إلى أنها كانت بيئة غير متدينة، لذلك سوف يبقى ربط راسبوتين بأي شكلٍ من أشكال التدين، عملية صعبة".

ما إن بلغ السادسة عشرة، حتى كان متمرداً على بيئته "يسرق، يهتم بالرقص والغناء في الاحتفالات الدينية والشعبية، يطارد النساء ويجذبهن إليه لدرجة أنه كان يرعب  الناس في قريته".

اقرأ أيضاً: ما دور المصريين المسيحيين في تأسيس الحركة الشيوعية؟

بعد أعوام قليلة، وقبيل العام 1889، يتزوج راسبوتين من فتاةٍ في قريته، وما إن تنجب ولده الأول، حتى يموت الطفل، ليتوقف عن مجونه المعلن، معتبراً أنه "تلقى رسالة من الله" بحسب ولسن.

غرقت سان بيترسبورغ بالخرافات فانتشرت الأساطير حول راسبوتين في القرن ال20

بعدها، يتجه راسبوتين مع رفيقٍ له، ليقوما بحجٍ رهبانيٍ متقشفٍ نحو الشرق، حتى يصلا إلى سوريا، ومع قسوة الرحلة، تصبح طريقه أكثر قسوة ووضوحاً، ويعود بعد عامين إلى قريته، حيث "تكون ملامحه واضحة، وعيناه قويتين جداً، شعره منسدل على وجهه، وينقطع في بيته أوقاتاً طويلة، من أجل الصلاة".

بعد ذلك، ينتقل (الراهب المجنون) كما يصفه بعض المؤرخين، إلى العاصمة الروسية آنذاك "سانت بيترسبورغ" خلال رحلاته الدينية، حيث يصف المؤرخ الأمريكي "دوغلاس سميث"، في كتابه "راسبوتين؛ الإيمان والقوة وأفول آل رومانوف" بقوله "اسمه كان يعني مفترق الطرق، وكان البعض يطلقون اسمه على أبنائهم أيضاً، لأنّ قريته كانت تقع على مفترق طرق، لكنه يعني كذلك الشر الذي لا يدوم طويلاً".

ويصف المؤلف حياة راسبوتين، فيتحدث عن قصصٍ كثيرة حيكت حوله؛ لأنّه ظهر في فترة أفول حكم آل رومانوف، وصعود الثورة البلشفية، حيث عمّت السياسة روسيا، ولهذا "فإنّ الإشاعات كانت أفضل وسيلة حتى يهاجم كل طرفٍ الآخر".

اقرأ أيضاً: اهتمام أمريكي بمئوية الثورة البلشفية: الشمولية تبعث روسيا مجدداً

ويبدو، أنّ عائلة رومانوف التي بدأت تترنّح بفعل خصومها السياسيين، كانت تترنح من الداخل كذلك وتتفكك، بوريثٍ مريضٍ للعرش (الأمير ألكسي) الذي كان مصاباً بمرض "الناعور"، مما جعله ينزف الدم لأبسط الأسباب، ومنعه كطفلٍ من ممارسة حياته الطبيعية، وهو حدثٌ لو انتشر، سوف يضعف الأسرة الحاكمة أكثر.

لكن حضور راسبوتين فجأة ليرعى الطفل المريض، وظهوره في القصر الملكي بسانت بيترسبيرغ العام 1907، كأنّه قديس قادمٌ من القرون الوسطى، و"كرجل دينٍ يمكنه طرد القوى الشريرة"، أسهم من ناحيةٍ أخرى في انتشار الخرافات والشائعاتِ عن الأسرة الملكية بصورة أكبر" وفقاً لسميث. كما سبب وجود راسبوتين قرب زوجة القيصر "ألكساندرا"، مجموعة من الفضائح المفتعلة ربما.

كان الرعب والمستقبل المظلم يحيطان آل رومانوف الذين أرادوا دليلاً على وقوف الله معهم

هذه الأسباب جميعاً، جعلت من حكم آل رومانوف المفوضين إلهياً كقياصرة لروسيا، يتقوض ببطء، في نظر العامة، بعد أن ظهر ممثلٌ لله بينهم، لكنه ممثلٌ ماجن، جعل الأمور تظهر أيضاً، كأنّ الله تخلى عنهم أخيراً.

زنديقٌ يشفي بالإيمان!

التغيرات الكبيرة والمتسارعة التي غزت روسيا فجأة، ومن أهمها الهجوم على القيصر وسياساته، وظهور الثوار البلاشفة المطالبين بالحرية والمساواة، إضافةً إلى الخسائر العسكرية لروسيا في الخارج، جعل القيصر وزوجته، يؤمنان بوجود (قوى شريرة) تدفع الله للتخلي عنهم، وتقود إلى تقويض حكمهم.

من هذا الباب، دخل راسبوتين بكل سهولة، وصار مقرباً من القيصر، ومن زوجته ألكساندرا بالذات، وأخذ الرجل البارع بالتنويم المغناطيسي يمارس قوته لرعاية الطفل المريض للقيصر، تحت إشراف والدته التي رأت أن الطفل بدأ يتحسن.

مثّل راسبوتين مبعوثاً إلهياً بالنسبة لآل رومانوف لينقذهم من أفول سلطتهم وخوفهم من أن الله تخلى عنهم

وما إن ثبّت راسبوتين أقدامه في القصر، "حتى أخذ يردد على مسامع القيصر وزوجته كل ما يودانِ سماعه"، حيث يؤكد سميث أنه ظل يحدثهما عن المعجزات والإيمان اللذينِ سوف ينقذان روسيا وحكمهما طالما آمنا بما يقوله.

وعلى الجانب الآخر، في القصر الكبير الواسع، ومناسباته الاجتماعية الأرستقراطية، عاد الراهب ليمارس رذائله بكل علنية، مطارداً النساء، محتسياً للخمر كأن جسده جرةٌ لا تمتلئ ولا ترتوي، إضافةً إلى تدخلاته في شؤون السياسيين من حول القيصر.

ووصل تدخله بالسياسة، الحد الذي جعله، يذهب إلى قادة القيصر العسكريين، مطالباً إياهم بوقف الحرب الروسية ضد الألمان في العام 1915، قائلاً: "لقد رأيت مريم العذراء، إنها تطالبكم بوقف الحرب".

تدخل راسبوتين بالسياسة وطالب بوقف الحرب الروسية ضد الألمان عام 1915

ويقول الكاتب الفرنسي "جان أوليفييه" إنّ "الدوق الأكبر للقيصر رد على راسبوتين بقوله: "وأنا حلمت بالعذراء أيضاً، لقد أخبرتني أن أجلدك بالسوط".

ويضيف أوليفييه في كتابه "قصة الثورة الروسية"، أنّ "راسبوتين كان صاحب حظوةٍ يتمشى كيفما يشاء في أروقة السياسة والدين والحفلات داخل قصر آل رومانوف".

ويضيف أوليفييه، أنّ راسبوتين أخذ يتحدث أمام أي شخصٍ في مجلسه الخاص داخل القصر "عن ضرورة أن يقوم هو شخصياً، بعقد صلحٍ مع ألمانيا ووقف الحرب" مما أثار حنق سياسيين ومقربين من العائلة المالكة الروسية، من أمثال الأمير المثقف "يوسوبوف".

اقرأ أيضاً: الشيوعي المكسور

يوسوبوف، نظر إلى آراء راسبوتين بقلق، فهذا الأخير؛ كان يؤمن بالحكم المطلق للقيصر، ويمقت المفكرين والمثقفين، أيضاً، كراسبوتين الذين كانوا بنظره قوةً رجعية تضلل سان بيترسبيرغ وسكانها المرعوبين من كل ما يدور حولهم من أحداثٍ سياسية وخارجية، والمتعلقين بأفكار راسبوتين التي تروج لبركة القياصرة والدين، في مدينةٍ غارقةٍ بالخرافات والانحطاط.

ولأن راسبوتين، يوجد حيثما يوجد احتفال وخمرٌ ونساء، فإنّ يوسوبوف وضع خطةً لاستدراجه إلى حفلٍ في بيته الخاص، حيث انتظر الأمير حتى الثالثة فجراً، ليرديه بالرصاص، ثم تم إلقاء جثته في المياه شبه المتجمدة لنهر النيفا، حيث وجدت بعد فترةٍ قليلة، قرب جسرٍ على مسافةٍ غير بعيدة من مكان رميه.

نهاية أكثر غموضاً

لكن ملابسات جريمة مقتله الواقعة في كانون الأول (ديسمبر) من العام 1916، عادت إلى الواجهة مجدداً وتشكك بصحة قصة وفاته، إذ أشارت تقارير حديثة إلى أنّ المخابرات البريطانية تورطت في مقتله، بسبب سعيه للصلح بين القصر الملكي والألمان في بدايةِ الحرب العالمية الأولى.

هذه الفرضية الحديثة والمفاجئة، يتبناها مؤرخ بريطاني هو "آرثر كوك"، الذي يقول في كتابه "اغتيال راسبوتين"، إنّ هناك عميلاً بريطانياً متخفياً أطلق النار على رأس راسبوتين في نهاية حفلة الموت، "ويكشف فحصٌ للرصاص، ونوع المسدس الذي أطلق منه، أنه مسدس بريطاني" وفق ما يطرحه كوك من أدلة حصل عليها من مكتب المخابرات البريطانية.

ظهر راسبوتين في فترة أفول حكم آل رومانوف وصعود الثورة البلشفية وانتشار الإشاعة السياسية بين الطرفين

وبقيت صور جثة راسبوتين، توضح أنّه تعرض لضربٍ مبرح ولإطلاق النار على جبهته مباشرة، وعلى أنحاءٍ متفرقةٍ من جسده. وكان من مصلحة السياسيين الملكيين التقدميين، قتله، كما كان رجال الدين حاقدين على مجونه، أما دعواته السياسية للصلح مع الألمان، فأثارت قلق أجهزة مخابرات بريطانيا وروسيا نفسها.

شخصيته، كانت معقدة؛ مجون، صوفية، تدين لا يردع عن ممارسة الرذائل بانتظام، وسيطرة مغناطيسية على آل رومانوف، الذين ظنوا غالباً، أنّ راسبوتين رسولٌ بعثه الله، ليحافظ على رجعية روسيا، ويؤكد تفويضهم الإلهي بحكم البلاد، لكن موته، قتل وهمهم الأخير، لتأتي الثورة فيما بعد، حاملةً وحشيةً "تقدمية" لا ترحم، فتعدم العائلة بكل أفرادها، وتتسبب بموت ملايين الفلاحين المؤمنين بالخرافات، من خلال تجويعهم. ولتدخل روسيا في حقبة شيوعية، خالية من الأوهام والدين! ومن ممثل هاتين الفكرتين، الراهب المجنون: راسبوتين.

اقرأ المزيد...

الوسوم: