ماذا تعرف عن الجماعات البؤرية؟ وما أهمية دراستها في مجال العلوم الاجتماعية؟

2612
عدد القراءات

2018-12-06

ضمن "سلسلة العلوم الاجتماعية"، خرجت ترجمة كتاب "الجماعات البؤرية": النظرية والتطبيق" عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، بالتعاون مع مؤسسة "فورد"، وهو من تأليف: دافيد ستيورات، ودينيس روك، وبريم شامداساني، والترجمة لراقية جلال الدويك، وصدرت طبعته الأولى عام 2012.

اقرأ أيضاً: نحو "ربيع عربي" في العلوم المعاصرة وبحوثها

في محاولة لضبط المفهوم، ينطلق الكتاب من سؤال مركزي هو: ما هي الجماعات البؤرية؟ قبل أن يسلط الضوء عليها، عرضاً وتحليلاً.

والجماعات البؤرية، كما أسهب العمل في التوضيح؛ تعبير اصطلاحي يعني جماعات المقابلات الشخصية العميقة، وهي واحدة من أكثر آليات البحث استخداماً في مجال العلوم الاجتماعية؛ لاختبار مدى صحة فرضيات أو أطروحات علمية بعينها، وفق طريقة منهجية تنتمي للأسلوب الكيفي في البحوث النوعية، بهدف جمع معلومات كيفية، حول مسألة أو قضية معينة، من جماعة اجتماعية ذات سمات نوعية محددة، واهتمامات جماعية مشتركة، هذه المعلومات من شأنها أن تقود الباحث من خلال التحليل المنهجي المنضبط، إلى مجموعة من التصورات، أو الإدراكات، حول محاور القضية موضوع البحث.

غلاف كتاب "الجماعات البؤرية: النظرية والتطبيق"

الهدف والأهمية

يهدف الكتاب إلى تقديم معالجة موضوعية منتظمة، لتصميم وإدارة وتفسير المقابلات التي تندرج تحت مسمى الجماعات البؤرية، في سياق البحث والنظرية في العلوم الاجتماعية، في إطار وضع رؤية للأدبيات المتراكمة، حول عمليات قراءة حراك وتفاعل الجماعة، وتحليل البيانات الكيفية، خاصة فيما يتعلق بالمؤشرات الخاصة بتفاعل الجماعات الصغيرة، وتحليل البيانات الكيفية، وهي المعارف التي تتقرر من خلالها صلاحية مقابلة الجماعات البؤرية كأداة بحثية عملية.

النشأة والتاريخ

ظهرت الجماعات البؤرية، كواحدة من الأدوات الأساسية للباحثين في العلوم الاجتماعية، قبل أكثر من ستين عاماً، وتحديداً إبان تأهب الولايات المتحدة الأمريكية للاشتراك في الحرب العالمية الثانية؛ حيث جرت عدة تجارب ميدانية حول مدى تأثير البرامج الإذاعية في رفع الروح المعنوية أثناء الحرب، وذلك من خلال الاستعانة بمجموعة من المستمعين، للتعرّف إلى الأسباب التي تؤدي إلى المشاعر السلبية والإيجابية.

الجماعات البؤرية تعبير اصطلاحي يعني جماعات المقابلات الشخصية العميقة وهي واحدة من أكثر آليات البحث استخداماً بمجال العلوم الاجتماعية

وبعد الحرب؛ انتشرت هذه الطريقة، واستخدمت بشكل بارز وفريد فيما يسمى "العائلة الكيفية"، التي تضم أيضاً آليات: المقابلة الفردية المتعمقة، والملاحظة بالمشاركة التي تجري في إطار البحوث الأثنوجرافية، والمناهج الإسقاطية، وقد تراوح الإقبال على استخدام الجماعات البؤرية بين دارسي السلوك صعوداً وهبوطاً في الأعوام التالية، لكنّها اقتصرت لفترة على حقل دراسات السوق والأنماط الاستهلاكية، قبل أن تعود بقوة لساحة العلوم الاجتماعية.

وتتجلى مميزات استخدام الجماعات البؤرية، كأداة بحث حقيقية، في وجود قدر كبير من السيولة البحثية والنظرية، التي تتخلّق عبر هذه الطريقة، ويمكن الإفادة منها في مجال تحليل ودراسة السلوك داخل الجماعة، وهو الأمر الذي يسهم بقدر كبير في تشكيل مادة علمية منضبطة، يمكن الإفادة منها في مجال علم النفس الاجتماعي، خاصة الفرع المختص بديناميات الجماعة البشرية، وهو ما يضع أمام الباحث معطيات مهمّة، تشكل أساساً قوياً، يفسّر كيفية بناء جماعات بؤرية سليمة ومفيدة.

هناك انقسام حول مدى قدرة طريقة الجماعات البؤرية على إخراج نتائج فعالة

إشكاليات الدراسة

إشكالية مهمة تعرّض لها الكتاب، وهي أنّه رغم انتشار الجماعات البؤرية، إلا أنّها، كجماعة، لم تحظ إلا بالقليل من البحوث المنظمة، وإن ظهرت في الأعوام الأخيرة مجموعة من الدراسات الإرشادية حول هذه الجماعات، لكنّها نحت جميعاً إلى التعامل مع الجوانب العملية الخاصة بالحصول على المشاركين وإدارة الجماعات، ولم تعكس أيّاً منها التطورات الحادثة في استخدام تقنيات تحليل المضمون بواسطة أجهزة الحاسوب.

اقرأ أيضاً: ما أسباب أزمة البحث العلمي في العلوم الإنسانية بمصر؟

إشكالية أخرى مهمة؛ هي الانقسام شديد الوضوح حول مدى قدرة هذه الطريقة على إخراج نتائج فعالة؛ حيث يراها البعض آلية بحثية بناءة ومستقلة، قادرة على ترسيخ منطلقاتها النظرية، من خلال التفاصيل التي تتشكل بواسطتها، والنتائج التي تحدثها، بينما يرى آخرون أنّها آلية تكميلية، لا غنى لها عن المسح الاجتماعي، ولا يمكنها توليد مخرجات منهجية حقيقية بدونه.

تتجلى مميزات استخدام الجماعات البؤرية، كأداة بحث حقيقية، في وجود قدر كبير من السيولة البحثية والنظرية

يقدم الكتاب نظرة عامّة حول الأسس النظرية والتطبيقية لبحوث الجماعات البؤرية، ويهتم بموضوعات من نوعية القوة، والقيادة، والتواصل، ...إلخ، كما يلقي المؤلف نظرة عامة على العناصر الأساسية، والموضوعات المتضمنة في بحوث الجماعات البؤرية، بما في ذلك التطبيقات المختلفة لها، بمميزاتها وعيوبها، والخطوات الأساسية التي يتم من خلالها تصميم واستخدام الجماعات البؤرية، بما في ذلك تقنيات تصميمها وإدارتها.

نقطة أخرى شديدة الأهمية يتعرض لها الكتاب، وهي الكيفية التي يتم من خلالها اختيار المشاركين في جلسات الجماعات البؤرية، وكيفية تصميم دليل المقابلة، وتحديد الإطار العام للعينة، وإعداد الجداول، مؤكداً على أهمية وجود منسق فعال، يمتلك مهارات قيادية مناسبة، ولا بدّ من أن يتّسم بالموضوعية، وعدم الفضول، وغالباً ما يشارك بوصفه عضواً بالجماعة، وليس قائداً لها، وهو ما يعدّ مفتاح نجاح استخدام طريقة المجموعات البؤرية في البحث.

هناك عدة أنماط تظهر من خلالها الجماعات البؤرية وتتبدى فاعليتها في مجال البحث

منهاجية جمع البيانات

يؤكد الكتاب أهمية المناهج والأساليب المتعلقة بأمور المستجيبين، فيما يتعلق بكيفية التعامل مع الموضوعات الحساسة أو الحرجة، وأسلوب عرض وتقديم المنبهات، وطريقة التعامل مع جماعات خاصة، مثل: الأطفال، والموضوعات المتعلقة بإجراء البحث في سياق دولي، كما اهتم بشكل تفصيلي بجمع البيانات من خلال الملاحظة، مع شرح وسائل إدارة جماعة بؤرية عبر الهاتف، و"الفيديو كونفرانس"، وتطبيقات الإنترنت.

ظهرت الجماعات البؤرية كواحدة من الأدوات الأساسية للباحثين قبل أكثر من 60 عاماً وتحديداً إبان تأهب أمريكا للاشتراك بالحرب العالمية الثانية

بالنسبة إلى الأنماط والمكونات، هناك عدة أنماط تظهر من خلالها الجماعات البؤرية، وتتبدى فاعليتها في مجال البحث؛ فهناك المجموعة الوصفية، والابتكارية والتجريبية والتعليمية، وتختلف طبيعة عمل كلّ منها وفق مساقات البحث، وترتكز مكوناتها على الهدف العام، وعدد المشاركين وطبيعتهم، وقدرات المنسق الرئيس.

والكتاب في مجمله يلقي نظرة عامة على أدبيات تحليل المضمون، وتطبيقاتها على بيانات ومعلومات الجماعة البؤرية، كما يعرض مناقشة موضوعية حول المناحي المختلفة لاستخدام الحاسوب في تحليل المضمون، وتضمين البحوث الأخيرة في علم النفس المعرفي على الشبكات المترابطة، واستخدامها في تحليل وتفسير بيانات الجماعات البؤرية، إضافة إلى الاهتمام بموضوعات مهمة، مثل: ترميز المحتوى وتحليله، وكيفية تفسير هذه الرموز والتحليلات.

اقرأ المزيد...

الوسوم: